في مثل هذا الوقت من العام الماضي، في إحدى ليالي كانون الباردة، هُزمت إحداهن أمام كلمات دافئة أغتالت برودة قلبها فأذابته وأضرمت النيران بأوردتها، والتي سرعان ما أخمدتها لوعة الفراق لتترك خلفها بقايا حطام امرأة أقسمت على نكران العشق طيلة حياتها. كلما كانت ذاكرة الإنسان قوية، كلما كانت حياته أصعب بكثير، وفي قانون العقل، كل الأشياء قابلة للنسيان ما عدا الشيء الوحيد الذي تود نسيانه.
أخرجت تنهيدة حارة من جوفها وهي تقف أمام شرفة مطبخها تراقب نزول المطر الذي كان ينهمر بشدة في الخارج. كم كان ذلك المنظر من أهم مسببات السعادة بحياتها، والآن أصبح لا يجلب لها سوى تعاسة كبيرة ممزوجة بألم قاتل يستقر بمنتصف قلبها، والذي بعد مرور أربع سنوات على فاجعته الكبرى لا يزال ينتفض وجعًا حين يتحسس أي شيء ولو بسيط يعيد إليه ذكرياته الرائعة المشبعة بمرارة قاتلة لازالت عالقة بحلقها للآن.
أخيرًا استطاعت أن تتخلص من سطوة ذلك العذاب الذي يتجلى بوضوح في عيناها، وأغلقت الستار متوجهة إلى الثلاجة التي تتوسط ذلك المطبخ المستدير المترف إلى حد ما، وقامت بإخراج ما تحتاجه لإعداد وجبة طعام ساخنة تدفئ جوفها في هذه الليلة شديدة البرودة كليالي كانون المعتادة، والتي كانت ذات يوم تحمل الدفء إلى قلبها الذي كان غارقًا بالعشق حتى أذنيه، وها هي الآن تدفع ثمن حماقته.
زفرت بحدة وكأنها تنازع لتخرج وجعها بذرات ثاني أكسيد الكربون، وشرعت في عملها الذي أتمته بعد عشرين دقيقة، ثم توجهت إلى غرفة شقيقتها وطرقت عدة طرقات على الباب فلم يأتها رد، فقامت بفتح الباب بهدوء لتجدها نائمة كالعادة، فتسللت مخالب الندم إلى قلبها لتقرضها من الداخل على ذلك الذنب الذي اقترفته بحق شقيقتها، وعادت بذكرياتها للأسبوع الفائت. ***
كانت جالسة على أحد المقاعد بشموخ في ذلك البهو الكبير تنتظر الميعاد الذي جاهدت أسبوعًا كاملاً حتى تحصل عليه، وها هو يأتي بمنتصف اليوم وهي في عملها، لتهاتفها تلك الفتاة بلهجة صلفة تخبرها بأن موعدها مع السيد سيكون بعد خمسة وأربعين دقيقة، وألا تتأخر، فاضطرت إلى ترك عملها ومهرولة إلى ذلك الصرح الكبير الذي كان يثير في نفسها التوتر الذي قلما يظهر عليها، ولكنه كان نابعًا من السبب المحرج في كونها تود مقابلة ذلك السيد الذي كان الوصول إليه شاقًا وكأنه أحد رموز الدولة أو أحد المشاهير.
فجأة طرأ على بالها صورته التي تخيلته عليها من حديث أخيه عنه: عجوز، بدين، أصلع، قصير القامة، سمج، لا يفقه شيئًا في هذه الحياة سوى جمع الأموال فقط. كم يثير نفورها واشمئزازها هؤلاء الأشخاص الذين هم على شاكلته! وتتمنى من الله أن يمر موعدها معه على خير وأن تجد عنده من التعقل ما يجعله يستمع إلى حديثها، أو بالأحرى طلبها، كي تعود حياتهم هادئة من جديد.
بلغ توترها ذروته حين أخبرتها الفتاة بأنه ينتظرها، فسحبت نفسًا عميقًا إلى رئتيها قبل أن تنهض متوجهة إلى حيث أشارت عليها الفتاة، وما أن دخلت حتى لفت انتباهها المكتب الأنيق الذي يتمتع بذوق رجولي جذاب بتلك المقاعد الجلدية ذات اللون البني، يتوسطهم منضدة دائرية وضعت فوقها مزهرية بها بعض الزهور الجميلة.
كان هذا أول ما رأته حين دلفت إلى الداخل، لتجد على يمينها مكتبًا ضخمًا ولكنه أنيق وعصري، أمامه مقعدين تتوسطهم منضدة صغيرة، وخلفهم كان مقعد السيد المنشود، والذي كان يعطيها ظهره، مما جعلها تتقدم خطوتين إلى الداخل، وقد كانت خطواتها هادئة لا تعكس توترها الذي كان يزداد مع مرور الوقت، خاصة وأن ذلك المتعجرف لا يزال يعطيها ظهره، مما جعلها تسخر داخلها قائلة: "هيا أرنا وسامتك أيها السيد المغرور!
بدأ شبح ابتسامة ساخرة في الظهور على جانب شفتيها، ولكنها تجمدت فورًا ما أن دار الكرسي ليواجهها، لتجد نفسها أمام أوسم رجل قد رأته بحياتها!
شعر أسود حريري لامع مصفف بأناقة، ملامح رجولية جذابة، عينان ثاقبتان، أنف مستقيم، شفاه غليظة، ذقن منحوت ببراعة، لحية كثيفة نوعًا. كانت ملامحه تضج بالرجولة محاطة بهالة من الهيبة والثقة اكتسبها من سنوات عمره الأربعين، وجعلت ثباتها يتلاشى شيئًا فشيئًا، إلى أن أتتها نبرة صوته العميقة لتكمل صورته الرائعة حين قال وهو ينظر إلى اسمها المدون أمامه: "آنسة فرح عمران."
لا تعلم لماذا شعرت بشيء من السخرية في حديثه، وانعكس على نظراته التي بدت وكأنها تقيمها، وقد حمدت ربها كثيراً بأنها كانت ترتدي ثياب العمل الرسمية المكونة من تنورة سوداء تصل إلى أسفل ركبتيها، وفوقها قميص من الستان الأزرق، وجاكت من نفس لون التنورة، وقد كانت تعقد شعرها فوق رأسها على هيئة كعكة منمقة فلا تترك الحرية لخصلة واحدة منه في الهرب.
كان هذا المظهر يعطيها وقارًا تحتاجه كثيرًا، وخاصة الآن لمواجهة تلك الهيبة التي أمامها. واصلت التقدم إلى أن وقفت أمامه مباشرة، ثم قالت بهدوء: "أهلاً بحضرتك يا سالم بيه." هز رأسه ثم قال باختصار: "اتفضلي."
أشار إليها لتجلس على المقعد أمامها، فأطاعته بصمت، وقد كانت عيناه مسلطة عليها بطريقة أربكتها قليلًا، ولكنها تجاهلت ذلك وحاولت التركيز على ما أتت لأجله، فرفعت عيناها إليه فوجدته يومئ برأسه بمعني أن تبدأ في الحديث، فتحمحمت بخفوت واحتارت كيف تبدأ، فوجدت نفسها تقول بخفوت: "بصراحة في موضوع مهم كنت حابة أتكلم فيه مع حضرتك." لم تتغير ملامحه، إنما تخللت
السخرية نبرته حين قال: "أنا كمان عايز أعرف يا ترى إيه الموضوع الخاص اللي بيربطنا! حل محل التوتر شعور بالغضب الممزوج بالخجل، فهي حين سألتها مديرة مكتبه عن سبب طلبها لرؤيته أجابتها باختصار "موضوع خاص"، وكررت تلك الإجابة على مسامعها طوال الأسبوع المنصرم. تحمحمت بخفوت قبل أن تقول بنبرة ثابتة: "في الحقيقة هو فعلًا موضوع خاص."
قاطعها دخول مديرة مكتبه لتسمعه يخبرها بأن تحضر لها عصير ليمون وتحضر قهوته المعتادة. ثوانٍ والتفت إليها قائلًا: "معاكِ. قولتيلي موضوع خاص! اغتاظت من تكراره تلك الكلمة وكأنه يسخر منها، لذا شدت ظهرها واستقامت أكثر في جلستها وقالت بنبرة قوية: "المقصود هنا بموضوع خاص أنه يخص ناس تهمنا، واللي هما حازم أخوك وجنة أختي! قالت جملتها الأخيرة على مهل وهي تراقب تبدل ملامحه من السخرية إلى الترقب، ولكن لهجته بدت
هادئة وهو يقول باختصار: "كملي.." أخذت نفسًا قويًا قبل أن تقول بلهجة قوية: "بصراحة أنا عايزة أك تبعد حازم أخوك عن جنة أختي! سالم بلهجة خشنة: "آنسة فرح ياريت توضحي أكتر؟ أومأت برأسها قبل أن تقول بنبرة قوية: "تمام. بإختصار حازم وجنة مرتبطين ببعض بقالهم فترة. في البداية أنا كنت فاكراها مجرد علاقة زمالة، لكن اكتشفت بعد كده إنهم بيحبوا بعض. وبصراحة أنا غير راضية عن العلاقة دي. وكمان أختي لسه صغيرة."
سالم بتهكم: "والصغيرة دي عندها كام سنة؟ اهتزت عيناها قليلًا قبل أن تقول بهدوء: "٢١ سنة." رفع سالم إحدى حاجبيه قبل أن يقول بسخرية مبطنة: "واضح أنها صغيرة فعلًا! أقدر أعرف إيه سبب رفضك لعلاقتهم؟ ناظرته وهي تشعر بالغضب من ملامحه الجامدة والتي لا يبدو عليها أي شيء، ولهجته الباردة وكأنها تخبره عن أحوال الطقس، ولكنها تجاهلت ذلك كله وقالت بلهجة جافة: "عشان أخوك مش مناسب لأختي." سالم بتهكم: "حازم الوزان مش مناسب لأختك!
شعرت فرح بالمعنى المبطن لكلماته، فقالت مؤكدة على كل حرف تفوهت به: "بالظبط كده." لاحت ابتسامة ساخرة على شفتيه قبل أن يقول بتسلية: "طب ما تقولي الكلام ده ليها! جايه تقوليهولي ليه." شعرت فرح بالتسلية في حديثه، لذا قالت بجفاء: "ماهو لو الموضوع بالبساطة دي أكيد ما كنتش هتعب نفسي وآجي أقابلك وأطلب منك تبعده عنها، وخصوصًا إني طلبت منه ده وهو ملتزمش بوعده معايا." سالم باستهجان: "أنتِ بتشوفيه؟
ذلك الرجل كان يثير بداخلها شعورًا عارمًا من الحنق لا تعلم سببه، ولكنها أرادت أن تعكر صفو ملامحه الجامدة، لذا قالت بهدوء وتشفي: "شفته مرة واحدة لما كان جاي يطلب إيدها مني! بالفعل، وكما توقعت، تغيرت كل ملامحه وانمحت نظراته الساخرة، ورأت بعضًا من الدهشة ممزوجة بالغضب الذي جعله يقول بهسيس خشن: "يطلبها منك!
فرح بتأكيد: "آه. جه طلبها مني من حوالي شهر وأنا رفضت وطلبت منه يبعد عنها وهو وعدني بكده وبعد كده اكتشفت إنه ملتزمش بوعده معايا." في البداية كان مصدومًا من حديثها، ولكن سرعان ما انمحت الصدمة وحل محلها غضب كبير نجح في إخفائه، وقد وصل إلى نتيجتين: إما أن أخاه قد جُن ليفعل فعلته النكراء تلك، أو أن هذه الفتاة تكذب وسوف يكتشف هذا الآن، لذا قال بنبرة قوية: "أقدر أعرف إيه سبب رفضك لواحد زي حازم؟
يعني عريس ميترفضش، وسيم، غني، ابن ناس." فرح باتزان: "مش عايزة أكون قليلة الذوق، بس المميزات اللي حضرتك قلتها دي أسبابي لرفضه، وتحديدًا أنه ابن ناس. لأني عارفة أن الناس دي أكيد عايزين عروسة لابنهم تكون من نفس مستواهم الاجتماعي. وإحنا، أقصد والدي الله يرحمه، كان موظف يعني ظروفنا مهما كانت كويسة، بس برضه على قدنا! سالم ساخرًا: "ما يمكن دي وجهة نظرك إنتِ بس! فرح بعدم فهم: "مفهمتش تقصد إيه؟
سالم بلهجة فظة: "ممكن إنتِ شايفة أن حياتكوا كويسة، بس أختك لا. ومش عاجبها حياتها، فحبت تغيرها للأحسن بارتباطها بحازم." تملكها غضب جارف حين استشعرت الإهانة بين كلماته وأنه يظن بأن أختها صائدة ثروات، لذا قالت بلهجة قوية: "سالم بيه أنا مسمحلكش. أختي مش من النوع ده. جنة قنوعة جدًا، وإن كانت متعلقة بحازم، فعشان راسم لها دور العاشق الولهان، وهي بحكم أنها لسه صغيرة ومراهقة متعلقة بيه ومش شايفة غيره."
توقعت منه كل شيء إلا هذا السؤال المباغت حين قال بلهجة صلفة: "آنسة فرح، إنتِ مخطوبة؟ ارتبكت لثوانٍ ولم تفهم ما المغزى من سؤاله المباغت، ولم تسنح لها الفرصة للتفكير، فأجابت بعفوية: "لا." ارتسمت ابتسامة ساخرة على شفتيه قبل أن يهز رأسه قائلًا بتهكم: "كده أنا فهمت!
كانت نظاراتها الطبية تخفي عنه ذلك الصراع الذي يدور بداخلها، فقد أربكتها كلماته ولم تعرف إلى ماذا يرمي، فظلت نظراتها مثبتة عليه لثوانٍ قبل أن تضيء عقلها فكرة جعلت الغضب يسري بأوردتها من ذلك المتعجرف البارد المغرور، مما جعلها تقول بلهجة حادة بعض الشيء: "ممكن أعرف إيه اللي أنت فهمته بالظبط؟ وإيه دخل إني مخطوبة أو لا في موضوعنا؟
كانت عيناه مثبتة عليها تتلقفان كل حركة تصدر منها، وكأنه يريد الغوص إلى داخلها حتى يعلم ماذا تخبئ خلف تلك القضبان الزجاجية لنظارتها التي تحتمي بها، ولكن في الأخير أخذ نفسًا طويلًا قبل أن يقول بسلاسة: "يعني لما أختك الصغيرة يتقدم لها واحد زي حازم ويكون بيحبها أوي كده، أكيد من جواكِ هتقولي طب إشمعنا أنا؟ للحظة لم تستوعب حديثه وظلت تناظره بصدمة، لم يتأثر لها إنما تابع قائلًا
بهدوء: "على فكرة أنا مقصدش إنك حد وحش، بس أعتقد إن الغيرة شعور طبيعي عند كل الستات! شعرت وكأن دلواً من الماء قد سقط فوق رأسها حين ألقى بعباراته الجافة على مسامعها، فهبت من مقعدها وقد اخترقت كلماته المهينة كبرياءها، وقالت
من بين أنفاسها المتلاحقة: "عندك يا سالم بيه. لحد هنا وكفاية أوي. أنا لما لجأت لك كان عشان تساعدني أوقف وضع بالنسبالي مش مظبوط. حازم شخص مستهتر وده بحكم سنه، وأكيد أنت عارف كده. وجنة اللي بتقول إني بغير منها دي تبقى بنتي الصغيرة قبل ما تكون أختي. أنا اللي مربياها من وهي عندها عشر سنين بعد وفاة والدتي. وجه بعدها والدي توفي وهي عندها يدوب سبعتاشر سنة، وأنا المسؤولة عنها، وواجبي إني أحميها لما ألاقي في خطر حواليها. وعشان كده اتجبرت إني أعمل كل ده وأقابلك، وكنت أتمنى إني ألاقي منك دعم لأن الوضع كله مرفوض. بس يظهر إني غلطت لما جيت لك."
ألقت بكلماتها ثم استدارت بكبرياء للخلف تنوي المغادرة، ولكن أتتها كلماته الآمرة ولهجته الصارمة فجمدتها في مكانها: "استني عندك! جفلت من لهجته وحبست أنفاسها، حتى أنها لم تشعر به حين توقف خلفها وهو يقول بخشونة: "لما تكوني بتكلمي سالم الوزان، أوعي أبدًا تديله ضهرك. فاهمه! لا تعلم متى استدارت تناظره بذهول، ذلك المتعجرف من يظن نفسه حتى يصرخ عليها بتلك الطريقة؟ هل يظنها أحد رعاياه أو خادمة تعمل عنده؟
اشتعلت نيران غضبها مرة ثانية ما أن همت أن تلقنه درسًا لن ينساه، حتى باغتها سؤاله حين قال بلهجة هادئة تنافي لهجته منذ قليل: "هي أختك جنة شبهك؟ للحظة نست وقاحته وأجابت بعفوية: "آه شوية. بس ليه؟ ظهرت ابتسامة جانبية على شفتيه حين تمتم بخفوت: "حازم طلع بيفهم. أهي حاجة تشفع له." تحولت نيران غضبها بلحظة إلى خجل كبير غمر ملامحها وتجلى في احمرار وجنتيها، ولم تستطع إجابته، ولكن فاجأها حين توجه مرة ثانية
خلف مكتبه وهو يقول بعملية: "اتفضلي مكانك يا آنسة فرح. موضوعنا لسه مخلصش." أعادتها كلماته إلى موقفها السابق، فرفعت رأسها بعنفوان وهي تقول بلهجة جافة: "أعتقد إن مفيش حاجة تانية ممكن تتقال. أنا شرحتلك الموضوع كله، وده اللي كنت جايه عشانه." سالم بغموض: "ومش عايزة تعرفي رأيي؟ نجح في جذب انتباهها وجعلها تشعر بالفضول، لذا أجابت بلهجة حاولت جعلها ثابتة: "ياريت." أجابها بهدوء جليدي: "رأيي إنك مديّة الموضوع أكبر من حجمه!
فرح باستهجان: "بمعني؟ سالم على نفس هدوئه: "حازم شاب وعلاقاته كتير، ومعتقدش إن أختك حد مميز بالنسباله. وهي زي ما قلت لك ممكن كانت عايزة تحسن من حياتها، عشان كده فكرت ترتبط بحازم."
ثانية. اثنتان. ثلاثة مرت ولم تتغير ملامحها، وظلت تناظره بغضب، وشعرت في تلك اللحظة بأنها ارتكبت حماقة كبيرة بمجيئها إلى هنا، ولكن فات أوان الندم، فها هو ينظر إليها بعينيه الكبيرتين بمنتهى الهدوء ينتظر ردها، وهي لن تبخل عليه به، فقد أرادت أن تنهي هذا اللقاء اللعين بأي شكل، لذا قالت بلهجة جافة: "بما إن ده رأيك، يبقى مالوش لازمة أضيع وقتك ووقتي أكتر من كده. مع العلم إني ضيعت من وقتي أسبوع بحاول أوصلك فيه. عن إذنك."
تجاهل كلماتها وقال بلامبالاة وهو ينظر إلى الأوراق التي أمامه: "أوعدك إني هدخل لو لقيت الموضوع يستدعي زي ما بتقولي. شرفتيني." ***
زفرت فرح بحنق من ذلك المتعجرف المغرور الذي كانت تتمنى لو أنها لم تقابله أبدًا في حياتها. ولكنها كانت تود أن تحمي شقيقتها من براثن أخيه، وقد جاءت زياراتها له بنتائجها المرجوة، فبعد ذلك اللقاء لم تسمع جنة تتحدث مع ذلك الشاب أبدًا، وقد بدت ملامحها ذابلة حزينة، فأرجعت ذلك لأن ذلك المغرور أجبر أخاه على الابتعاد عنها، وقد كان الندم يقرضها من الداخل والألم يعصف بها لرؤية شقيقتها بتلك الحال، وشعرت بأنها كالسيدة القبيحة التي تحاول منع سندريلا من الذهاب إلى الحفل!
لكنه كان أفضل لها من تلك المغامرة الخاسرة مع شاب مستهتر مثل حازم. دخلت غرفتها وقد قررت بأنها ستنهي هذا اليوم الممل بالنوم، على أن يأتي الغد حاملًا الفرح بين طياته. *** الثانية عشر بعد منتصف الليل، وأغلب الوسائد تفوح منها رائحة الدموع، فمنهم من يبكي على فراق أُجبر قسرًا عليه، ومنهم من يبكي على غائب سرقته الحياة عنوة، وأصعبهم من يبكي ندمًا على فقده ما لا يمكن تعويضه حتى لو بكى مائة عام.
كانت جنة تحتضن وسادتها التي كانت غارقة في سيل من الدموع التي لا تهدأ أبدًا، وكأن أنهار العالم أجمع سُكبت في عينيها. فقد كان هذا حالها منذ أسبوع مضى وهي تجلس وحيدة بغرفتها لا تشعر بشيء حولها، وكأنها تود لو تختفي بتلك الغرفة للأبد. ترفض محاولة شقيقتها في التحدث إليها، وتشعر بالامتنان لها لكونها لم تضغط عليها، ولكن هل ستصمت طويلًا؟
رجفة قوية ضربت أنحاء جسدها وهي تتخيل أن تُصارح شقيقتها بجُرمها الذي لا تعلم كيف ارتكبته في حق نفسها أولًا؟ ازدادت دموعها بالهطول وخرجت شهقة قوية من جوفها تحكي مقدار الوجع الذي ينخر عظامها ولم تجد له أي دواء حتى الآن. وفجأة خطر على بالها شيء قد يريحها قليلًا، فهبت من مكانها وتوجهت إلى المرحاض بأرجل مهتزة، وأخذت تتوضأ بتروٍ، وكأنها تزيل عن روحها ما علق بها من قذارة ذلك العشق الذي كان كالإعصار أطاح بحياتها ودمرها كليًا.
بعد مرور دقائق كانت تصلي بكل خشوع ودموعها منسابة على خديها، لا تملك القدرة على إيقافها، ولا تعرف ماذا تقول، فقط كل ما كانت تقوله حين لامست جبهتها الأرض الصلبة: "يارب. سامحني. يارب." ظلت تردد تلك العبارة كثيرًا وكأنها لا تعرف غيرها. فهي كل ما تحتاجه في هذه الحياة كي تستطيع مواجهة ما هو قادم.
بعد دقائق كانت أنهت صلاتها، وما أن همت بخلع ثوب الصلاة حتى سمعت اهتزاز هاتفها، فتوجهت بخطى ثقيلة لرؤية المتصل، وحينها سقط قلبها من شدة الذعر وتجمدت بمكانها، حتى هدأ اهتزاز الهاتف، حينها استطاعت أن تطلق زفرة قوية من أعماقها وجلست بتعب على السرير خلفها، ليعيد الهاتف اهتزازه مرة أخرى، ولكن تلك المرة كان رسالة نصية، فقامت بفتحها بيد مر تجفة لتخرج منها شهقة
فزعة حين قرأت محتواها: "أنا قدام الباب، لو منزلتيش تقابليني دلوقتي هعملك فضيحة قدام الناس كلها." ارتعش جسدها بالكامل من هذا التهديد الصريح لهذا الوقح الذي كانت تعشقه حد النخاع والآن تتمنى لو أنها لم تلتق به أبدًا. عاد اهتزاز الهاتف مرة أخرى، فهبت من مكانها وقامت بالضغط على زر الإجابة، وقبل أن تتفوه بكلمة واحدة جاءها صوته الغاضب: "أنا مستنيكي قدام الباب تحت، دقيقة والأقيكي قدامي وإلا هنفذ اللي قلته في الرسالة."
أجابته بارتجاف ودموعها تسري على خديها: "حازم أنت مجنون، أنت عارف الساعة كام دلوقتي؟ حازم بصياح: "تكون زي ما تكون، قولتلك انزلي دلوقتي حالًا." ارتاعت من لهجته الغريبة كليًا عليه، وقالت بلهفة: "طب أرجوك وطي صوتك. وأنا هنزلك حالًا."
أغلقت الهاتف وقامت بالتوجه إلى باب الغرفة بحذر شديد، ونظرت إلى غرفة شقيقتها والندم يكاد يفتك بقلبها، ثم أعادت أنظارها إلى الباب أمامها، وبخطى ثقيلة توجهت لملاقاة ذلك المجنون، ففتحت الباب برفق، فقد كان الجو باردًا جدًا والمطر على وشك الهطول، فاحتمت بوشاحها أكثر وهي تنظر حولها إلى أن وقعت عيناها على ذلك الذي كان ينتظرها بجانب الطريق، فتوجهت إليه، وما أن همت بالحديث حتى قادها يداه وأجلسها في المقعد المجاور للسائق دون أي حديث، وما أن جلس بجانبها حتى انطلق بالسيارة بأقصى سرعة،
فجن جنونها وقالت بصراخ: "أنت مجنون؟ أنت واخدني ورايح على فين؟ كان موجهًا نظراته إلى الطريق أمامه وهو يقول بنبرة قوية: "هنهرُب من هنا! *** كانت تغط في نوم عميق حين أخذ الهاتف يرن دون انقطاع، فتململت في نومتها والتفتت إلى النافذة فوجدت الخيوط الأولى لشروق الشمس تلون السماء، فالتفتت تجاه الهاتف لرؤية من المتصل لتجده يرن من جديد، فأجابت بنعاس: "آلو." المتصل: "آنسة فرح عمران؟ "أيوا أنا مين؟ "إحنا بنكلمك من مستشفى (..)
أخت حضرتك عملت حادثة وحالتها خطر." لا تعلم كم من الوقت مر عليها وهي جالسة أمام تلك الغرفة تنتظر خروج الطبيب ليطمئنها على شقيقتها، فهي منذ أن علمت بهذا الخبر المشؤوم الذي لم تصدقه من البداية، وجدت نفسها تلقائيًا تتجه إلى غرفتها في محاولة منها لتكذيب ما سمعته أذناها، ولكنها وجدتها خاوية، فسقط قلبها رعبًا من أن يصيبها مكروه، ولا تعلم كيف ارتدت ملابسها وهرولت إلى هنا لمعرفة ماذا حدث.
قاطع شرودها خروج الطبيب الذي هرولت إليه قائلة بلهفة من بين دموعها: "طمني يا دكتور أختي عاملة إيه؟ الطبيب بعملية: "متقلقيش. المدام بخير. شوية جروح وكسور، لكن هتبقى كويسة بإذن الله." سقطت كلمته فوق رأسها كمطرقة قوية، في حين أخذ عقلها يردد جملته بغير تصديق: "المدام!!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!