الفصل 2 | من 23 فصل

رواية في قبضة الاقدار الفصل الثاني 2 - بقلم نورهان العشري

المشاهدات
172
كلمة
7,035
وقت القراءة
36 د
التقدم في الرواية 9%
حجم الخط: 18

كل الأشياء التي تمنيتها لم أحصُل عليها، وبالمقابل رفضت كل الأشياء التي أرادتني، وهكذا إستمرت معاناتي مع الحياة ولا أدري إلى أين يأخُذني طريقي؟ ولكني أتلهف لنهاية سعيدة لم تكن يومًا في الحسبان. لم تنتهِ مُعاناتي مع الحياة بل أظنها بدأت. فبالرغم من كل ما مررت به إلا أن ذلك الألم الذي أشعر به الآن كان ثقيلًا للحد الذي جعلني أود الهرب من كل شئ حتى من نفسي.

مهما بلغت قوتك و صلابتك يومًا ما ستجد نفسك بحاجة للهرب من كل شئ. هكذا كانت تشعر وهي تسير بذلك الرواق الذي بدا طويلًا لا ينتهي كمعاناتها تمامًا، فلطالما اختبرت الحياة صبرها بأقسى الطرق، بداية من خسارتها لوالدتها في عمر التاسعة عشر وتوليها أمر العناية بطفلة صغيرة لم تتجاوز العاشرة من عمرها، ومرض والدها الذي لم يكن يتحمل فراق زوجته وظل ينازع في الحياة حتى لحق بها بعد سبعة أعوام قضاها بين أروقة المشافي وهي خلفه تسانده

بكل لحظات مرضه وتعتني بشقيقتها الصغيرة دون كلل، لتتوالى الصعاب حين أجبرتها الحياة على التخلي عن حلمها بعد أن اجتازت السنة الأولى من كلية الطب بتفوق، لتجد أن أحوالهم المادية والعائلية لا تسمح لها بالاستمرار بها، وأُضطرت إلى تحويل أوراقها لكلية التجارة والتي لا تتطلب حضورًا مستمرًا ولا أموال كثيرة، وهذا أحزن والدها كثيرًا ولكنها كانت تتظاهر أمامه بأنها لا تهتم وأن هذا الأفضل لها، واستمر الحال حتى استرد الخالق أمانته

وتركها والدها تواجه مصاعب الحياة وحدها، وقد كانت شقيقتها مازالت بعمر المراهقة مما جعلها تُثابر وتُجاهد حتى حصلت على عمل في إحدى الشركات الكبيرة، وبإجتهادها وبرغم كل العراقيل والصعوبات التي واجهتها إلا أنها استطاعت أن تُثبت أقدامها وتثبت نفسها في العمل، واستمرت الحياة تارة هادئة وتارة صاخبة حتى ظنت بأنها ابتسمت لها أخيرًا حين تعرفت على «حسام الصاوي»، كان زميلها في العمل وقد تعرفت عليه بعد أن كان قادمًا من فرع الشركة

بمدينة الإسكندرية للعمل في الفرع بالقاهرة، وقد سرق فؤادها فور أن وقعت عيناها عليه، وقد وقع في حبها هو الآخر وظنت بأنها أخيرًا وجدت طريق السعادة حين طلب منها أن يتقدم لخطبتها، وبالفعل تمت الخطبة وقد كانت في قمة سعادتها معه فقد كان كالحلم، وسيم، لبق، ذو بنية قوية، متوسط الطول، بشوش الوجه وذو حس فكاهي، كان يهون عليها الكثير ويدعمها بكل الطرق، واستمرت الحياة الوردية بينهم لبضعة أشهر، ولكن دائمًا تأتي الرياح بما لا تشتهي

السفن، وفجأة تغير كل شئ حين جاءت له ترقية والتي تتطلب السفر للعمل في فرع الشركة بالخارج، وقد طلب منها حسام الزواج والسفر معه، ولكنها كانت مُكبلة بواجبها تجاه شقيقتها التي ليس لها أحد في تلك الحياة سواها، وهكذا وجدت نفسها في مواجهة صعبة وضعها بها حسام الذي اتهمها بأنها لا تحبه ولا تفكر في مستقبلهما، ولم تنفع محاولاتها في التأثير عليه وإقناعه بحبها له، لذا اضطرت أن تأخذ جانب شقيقتها في النهاية، فهي أبدًا لن تتخلى عنها

حتى لو كان الثمن سعادتها معه.

وأخبرها قلبها بأنه إن كان حقًا يحبها سوف يتفهم دوافعها، ولكن أتتها الصدمة حين علمت بزواجه من زميلة لها والسفر معها إلى الخارج.

حينها شعرت بأن كل عالمها انهار حولها. الأمر كان مروعًا لدرجة إصابتها بالحمى التي جعلتها طريحة الفراش لشهر كامل تهذي باسمه، تنتفض كل ليلة كعصفور صغير ضربته صاعقة البرق فمزقته إلى أشلاء، لتهرول إليها شقيقتها تحتضنها محاولة تهدئتها كل ليلة، وقد استمر الحال طويلًا إلى أن استيقظت ذات يوم وهي تشعر بالنفور من ما وصلت إليه حالتها، وقد نفضت عنها ثوب الضعف وارتدت قناع القوة واللامبالاة، وقد أقسمت حينها بألا تدع شيئًا في الحياة يهزمها.

ولكن الضربة هذه المرة لم تكن قوية ولا مؤلمة بل كانت مميتة للحد الذي جعلها عاجزة عن التنفس، تشعر وكأن كل شئ انهار فجأة. لأول مرة بحياتها تتمنى الموت بل وتشتاهيه، لعله يريحها من هذا الألم الذي تشعر به، فقد كانت الخسارة فادحة، فمن كانت تقاوم لأجله وتتحدى كل الصعاب في سبيل الحفاظ عليها هي السبب في هلاكهما معًا.

كانت تجر قدماها لتصل إلى غرفة شقيقتها ولا تعرف ما الذي عليها فعله ولا كيف ستواجهها، ولكنها مُجبرة على تلك المواجهة.

تقدمت إلى الداخل بخطوات ثقيلة فوجدت جنة التي كانت تتسطح على ظهرها ووجهها في الناحية الأخرى، وقد كانت ترفرف برموشها كمن يحارب واقعًا أصبح مفروضًا عليه، ولكنها ما إن سمعت صوت الباب يغلق خلفها حتى تجمدت الدماء بعروقها وشعرت بضربات قلبها وكأنها إبر تنغز بكامل جسدها، فتؤلمه بطريقة لا تحتمل ولا تتناسب مع سنوات عمرها الواحد والعشرون.

توقفت فرح أمامها تناظرها بملامح جامدة وعينان جاحظتان وكأنها تمثال جميل نقش على ملامحه الوجع، ولونت الخيبة تقاسيمه، فلم تستطع جنة إيقاف سيل الدموع الجارف الذي اجتاح مقلتيها، وأخذت شفتيها ترتعشان حين سمعت تلك الكلمة البسيطة المكونة من ثلاث أحرف كانت حادة كنصل سكين انغرز بقلبها "ليه!

كانت تلك الكلمة التي استطاعت فرح التفوه بها، والتي كانت يتردد صداها في عقلها الذي كان كالمسعور يريد معرفة الإجابة، لعلها تهدئ من نيران غضبه ولو قليلًا، ولكن لم يصل إلى مسامعها سوى صوت بكاء جنة التي كانت شهقاتها تشق جوفها من شدة الألم، ولم يستطع لسانها سوى التفوه بعبارات اعتذار واهية لا تسمن ولا تغني من جوع. "أنا آسفة يا فرح سامحيني." لا تعرف كيف خرج صوتها بتلك القوة حين

صرخت وهي تقول بقلب ممزق: "ردي عليا، عملتي في نفسك كدا ليه؟

ارتجفت جنة رعبًا من مظهر شقيقتها التي بدت وكأن الصدمة أصابتها بالجنون، وقد انشق قلبها لنصفين كونها السبب في حالتها تلك، لذا حاولت التحرك من مكانها لتصل إليها فلم تستطع من شدة الألم، فحاولت مد يدها لتمسك بيد شقيقتها التي كانت على بعد خطوتين منها، ولكن حدث ما لم تتوقعه، إن ابتلعت فرح بفزع عن ملامسة يدها وكأنها شيء مقرف تتقزز منه، مما جعل تنفسها يزداد بشدة وكأن قلبها قد فاض به الوجع، فقرر الخروج من مكانه، وازداد ارتعاش فمها الذي خرجت الكلمات منه بصدمة ممزوجة بعتاب وندم.

"فرح، أرجوكي تسمعيني." ناظرتها فرح بعينان ارتسم بها الخيبة والغضب والقهر في آن واحد، وقالت بمرارة: "سامعاكي، سامعاكي يا مدام جنة! كانت تلك الكلمة مُرة كالعلقم في فمها حين تفوهت بها، ولكن كان بداخلها شعاع أمل بسيط بأن تنفي شقيقتها ذلك العار الملصق بها، ولكنها قابلتها بدموع الإقرار بذنبها العظيم، مما جعلها تسقط جالسة فوق أقرب مقعد قابلها وهي تقول بضعف ممزوج بخيبة أمل: "هتقولي إيه يا جنه؟ عندك إيه تقوليه؟

في إيه ممكن يمحي الجريمة اللي عملتيها في حق نفسك وفي حقي؟ ليه يا جنة؟ ليه رخصتي نفسك كده؟ ليه؟ ده أنا ضيعت عمري كله عشانك! ليه يا جنه ليه؟

كانت كلمات شقيقتها حادة كنصل سكين أخذ يمزق قلبها إربًا وهي لا تستطيع سوى البكاء فقط، فقد تبخر كل شيء من عقلها في تلك اللحظة حين رأت شقيقتها منهارة بتلك الطريقة، فقد اعتادت عليها قوية شامخة، وقد كانت تراها الجدار الذي تتكئ عليه دائمًا، ولكن الآن انهار جدارها الحامي، وكانت هي الفأس التي حطمته!

للحظة لم تدرك ما حدث، ولكنها ارتاعبت حين رأت «فرح» تهب من مكانها تقف أمامها، وقد ارتسم الجنون بنظراتها وقست ملامحها، وامتدت يدها تمسك بكتفيها تهزها بعنف وهي تقول بلهجة قاسية ونبرة قوية: "عملتي كدا ليه؟ ردي عليا." وكأن لسانها فقد قدرته على الحديث، فلم تستطع سوى أن تبكي بعنف وهي تهز رأسها يمينًا ويسارًا، وقلبها يرتجف رعبًا وألمًا كلما هزتها شقيقتها التي قالت بصراخ: "ردي عليا."

أتبعت جملتها بصفعة قوية سقطت من يدها على خد جنة، التي برقت عيناها مما حدث وتوقف جسدها عن الاهتزاز وتجمدت الدموع بمقلتيها من فرط الصدمة، التي كانت أضعافها من نصيب فرح التي تراجعت خطوتين للخلف وهي تنظر إلى كفها تارة وخد جنة تارة أخرى، غير مصدقة ما فعلته، ولكن تلك البقعة الحمراء على وجنة شقيقتها جعلتها تدرك ما حدث، لتجد نفسها تهرول للخارج دون أن يكون لها القدرة على إيقاف قدميها، ولم تشعر سوى وهي خارج بناء المشفى، فتوقفت تحديدًا أمام الباب الرئيسي لتستعيد أنفاسها الهاربة، وأخذ صدرها يعلو ويهبط، فسقط جزعها العلوي إلى الأمام وأسندت يدها فوق ركبتيها وهي تلهث بقوة، وعبراتها ترتطم بالأرض أمامها دون توقف.

مرت لحظات وهي على هذه الحالة، إلى أن استطاعت أن تستقيم في وقفتها، وأخذتها قدماها إلى الحديقة، وما إن خطت خطوتين حتى تسمرت في مكانها حين وجدت ذلك الجسد الضخم يقف أمامها بشموخ يعطيها ظهره، ودخان سجائره يشكل سحابة هائلة فوقه، فقادها الفضول لتتقدم خطوتين إلى حيث يقف، ووجدت نفسها تقول بصوت مبحوح: "أنت بتعمل إيه هنا؟

لا يعلم كيف، ولكن علِم بهوية ذلك الصوت الذي كان منذ بضعة أيام مليئًا بالتحدي والعنفوان، والآن أصابه الضعف والخيبة حتى خرج مبحوحًا جريحًا بهذا الشكل. "نفس السبب اللي مخليكِ هنا." هكذا أجابها باختصار دون أن يستدير لينظر إليها، فقد توقع ملامحها، من المؤكد أنها تحمل ألم نبرتها. تقدمت خطوتين حتى وقفت بجانبه، وقد بدأت تعي ما يحدث حولها، فأخذت تنظر أمامها بضياع قبل أن تسمعه يقول بنبرة جامدة: "كان عندك حق! صمتت لبرهة

قبل أن تقول بنبرة خافتة: "هو عامل إيه دلوقتي؟ أخذ نفسًا طويلًا فشعرت بأنه يجاهد حتى يخرج الكلام من بين شفتيه حين قال بجمود: "ادعيله." لم تنظر إليه، فقد كانت تشعر بأنها عارية تقف على رمال متحركة، ولا تملك سوى الدعاء الذي لا يقدر على ذلك القدر المظلم سواه، لذا رددت بصوت خفيض ولكن مسموع: "اللهم إني لا أسألك رد القضاء ولكني أسألك اللطف فيه."

وجد نفسه لا إراديًا يردد ذلك الدعاء، ولكن بداخله فقد كان لأول مرة بحياته يقف عاجزًا مُكبلًا بقيود القدر الذي وضع شقيقه الأصغر قاب قوسين أو أدنى من مفارقة الحياة.

فوضعه خطر للغاية، هكذا أخبرهم الطبيب، وهو لم يستطع الانتظار بالداخل، فقط شعر بالاختناق وبالضعف الذي لا يليق به، خاصةً وأنه الداعم الرئيسي لعائلته، لذا ترك شقيقته ووالدته وبجانبهم سليم أخاه الأصغر في الداخل، وخرج إلى الهواء الطلق، لعله يستطيع التنفس وإخراج شحنات ألمه بلفائف سجائره التي تناثرت أسفل قدميه بإهمال، فشكلت صورة من يرى عددها يجزم بأن هذا الشخص حتمًا يريد الانتحار. "معرفتش إيه اللي حصل دا حصل إزاي؟

لا تعلم لماذا خرج هذا السؤال السخيف من فمها، فما حدث لا يكن بالشئ الهام أمام عواقبه، ولكنها أرادت قطع الصمت القائم حتى تهرب من الأحاديث التي تدور بعقلها وتقوده إلى الجنون. "لأ، بس هعرف." كانت إجابة قاطعة كهلجته، ولكن ما بعدها كان يحمل الوعيد في طياته، أو هكذا شعرت، حتى جاءها صوته صلبًا تشوبه بعض الخشونة حين قال: "أختك عاملة إيه؟

كانت تود لو تصرخ بالإجابة التي كانت تمزق قلبها إلى أشلاء، ولكنها كتمت بكائها الذي كان يهدد بالانفجار، وأبتلعت غصة مريرة قبل أن تقول بنبرة ثابتة: "الحمد لله." الحمد لله هي الكلمة المعبرة دائمًا عن الحال مهما بلغ سوءه، ولكن دائمًا هناك يقين راسخ بقلب المؤمن يخبره بأن ذلك القدر الذي اختاره الله له ليس إلا خيرًا مهما حوى من الصعاب والأزمات، لذا أغمضت عيناها ورددت بقلبها: "الحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه."

ما أن أنهت جملتها حتى اخترق مسامعها صوت صراخ وعويل قادم من الداخل، انتفض على إثره هو الآخر وردد بقلب مرتاعب: "حلا! بلمح البصر وجدته يهرول للداخل، ودونًا عنها أخذتها قدماها خلفه، حتى تفاجئت من هذا المشهد المرعب حين وجدت فتاة بعمر أختها أو ربما أصغر قليلًا وهي تنوح وتنتحب، وبجانبها رجل آخر يحتضنها، وقد كان هو الآخر في حالة من الانهيار الصامت الذي تجلى في عينيه اللتين تناظرها بصدمة وضياع.

حينها توقفت غير قادرة على التقدم خطوة واحدة، فقد وقعت الصدمة عليها هي الأخرى، فجمدتها بمكانها، خاصةً عندما وجدتَه يسقط على الكرسي خلفه بضعف غريب يتنافى تمامًا مع حدة ملامحه وشموخه السابق الذي كان يحيط به، وتبددت تلك الهالة من الهيبة التي تحيط به وتحولت إلى ضعف كبير، فهي عندما شاهدته أول مرة كان تعلم أن عمره أربعون عامًا وقد بدا أصغر بكثير، أما مظهره الآن يوحي بأنه قد تجاوز السبعين من عمره...

فألم الفقد قادر على سحق الإنسان بين طياته وإنهاك الروح للحد الذي يجعلها كثوب مهلهل تبعثرت خيوطه، حتى أن كل فلسفة العالم لا تستطيع إصلاحه ولا مواساة إنسان عما فقد. فلا بكاء ينفع ولا صراخ يشفع، والصمت مميت والبوح ليس بكلمات تقال بل يشبه تفتت الجبال.

شعرت بنغزة كبيرة في صدرها، والذي أخذها جرًا إلى غرفة شقيقتها بقلب لهيف، ففتحت الباب بقوة مندفعة إلى السرير الذي تستلقي عليه جنة، التي ما إن شاهدتها حتى اِجتمعت عيناها الباكيه وهمت بالحديث لتتفاجئ بفرح تحتضنها بقوة لم تتوقعها، ويدها تشدد من عناقها بكل ما أوتيت من حب وضعف وخوف، فهي صغيرتها التي ربتها واعتنت بها طوال حياتها، وإن كان خطأها جسيمًا بل مروعًا، فهي لا تستطيع سوى أن تحمد ربها على نجاتها.

أخذت جنة هي الأخرى تشدد من عناق فرح وهي تبكي بقوة، وداخلها ينتفض تزامنًا مع شهقاتها التي تردد صداها في أنحاء الغرفة التي شهدت على شتى أنواع المشاعر في تلك اللحظة، فقد كان الندم والاعتذار من جانب جنة، والخوف والغضب من جانب فرح، وقد كان الألم شعورًا مشتركًا بينهما، لذا طال العناق لدقائق حتى أفرغت الفتاتان ما بجوفهما من مشاعر، وكانت أول المنسحبين فرح التي كانت تحني رأسها بتعب، فامتدت يد جنة تحت ذقنها ترفع رأسها إليها وهي تقول بنبرة بها

الكثير من الاعتذار والندم: "والنبي ما توطي راسك كدا أبدًا، أنا معملتش حاجة في الحرام، حازم جوزي." لوهلة لمع بريق الأمل بعينيها ما أن سمعت حديث شقيقتها، فخرجت الكلمات مرتعشة من بين شفتيها وهي تقول بترقب: "جوزك؟ اهتزت نظرات جنه

للحظة قبل أن تقول بتوتر: "آه جوزي.. إحنا اتجوزنا عرفي.. بس الورقتين معايا في البيت وهو بيحبني أوي وعمره ما هيتخلي عني، أنا واثقة من دا والله، هو طلب مني نعمل كدا عشان نضغط عليكي وعلى أهله عشان توافقوا على جوازنا، ولو مش مصدقاني هخليه يقولك كدا بنفسه." قالت جملتها الأخيرة بلهفة بعدما لمحت تلك النظرة المنكسرة بعين شقيقتها واختفاء تلك اللمعة التي ظهرت عندما ذكرت زواجها منه.

كانت كالغريق الذي وجد زورق النجاة بعد انقلاب سفينته في بحر هائج، والذي اتضح بعد ذلك بأنه زورق مثقوب قابل للغرق في أي لحظة، هذا كان حالها عندما سمعت جملتها عن ذلك الزواج العرفي الذي لن يعترف به أحد، خاصةً بعد وفاة حازم، فانطفئ شعاع الأمل من عينيها، وشعرت بالشفقة على حالها ما أن تعلم بما حدث، ونظرًا لعذاب شقيقتها الظاهر جليًا على محياها وإصابتها العضوية والنفسية، آثرت تأجيل الحديث لحين أن تستعيد صحتها، وكذلك لتستطيع التفكير هي بهدوء في تلك الكارثة التي بدت وكأنها حلقة مغلقة لا مخرج منها أبدًا.

"نامي دلوقتي ولما تصحي نبقى نتكلم." هكذا خرج صوتها جافًا به بحة بكاء مكتوم، لم يعد وقته الآن، فحاولت جنة الحديث لتوقفها كلماتها الصارمة حين قالت: "قولتلك نامي دلوقتي وبعدين نبقى نتكلم.." ابتلعت حروفها وهي تنظر إلى شقيقتها التي كان ثوب القسوة جديدًا كليًا عليها، وقد آلمها ذلك كثيرًا، ولكنها داخليًا تعترف بأنها تستحق أسوأ من ذلك، وبأن الموت هو الجزاء الذي تستحقه على جرم أقحمها به غباؤها وانسياقها خلف قلبها.

كانت ليلة طويلة على الجميع، لم ينم بها أحد سوى جنة التي أعطاها الطبيب مهدئًا حتى يحميها من ذلك الألم الكبير في ذراعها المكسور وتلك الكدمات التي انتشرت في أماكن متفرقة في جسدها، ولكن لم يستطع حماية روحها المعذبة ولا قلبها المكدوم، وقد تمكنت منها الكوابيس التي أيقظتها مرات كثيرة وهي تنتفض صارخة لتتلقفها يد فرح التي كان عذابها كبيرًا للحد الذي منعها من النوم ومن البكاء ومن أي شيء قد يريحها، فقط أنفاس قوية تقذفها من جوف وجعها وكأنها جمرات حارقة، حتى عندما كانت تهرول لاحتضان شقيقتها التي كانت ترتجف، لم تستطع التفوه بكلمة واحدة، فقط تعانقها وتمسد بيدها فوق خصلات شعرها حتى تهدأ وتعود للنوم.

أخيرًا بزغ نور الصباح ليعلن عن بدء يوم جديد محملًا بأوجاع الأمس التي سيكون الشفاء منها أمرًا مستحيلًا، وقد تترك ندوبًا ستستمر معهم طوال حياتهم. وضعت فرح يدها على عينيها التي لم تستطع التأقلم بعد على نور الصباح الذي دخل من النافذة، فنهضت بتعب من مقعدها ودلفت إلى المرحاض تغسل وجهها، وخرجت لتجد الممرضة والطبيب الذي كان يعاين شقيقتها وأمر الممرضة بإعطائها أدويتها، فبادرته

فرح بالحديث بصوت مبحوح: "حالتها عاملة إيه يا دكتور؟ الطبيب بعملية: "زي ما قولتلك حالتها مش خطر، ومع الانتظام على الأدوية إن شاء الله هتبقى أحسن، بس طبعًا مش هينفع تروح قبل ما نطمن عليها." فرح بهدوء: "يعني قدامنا قد إيه كدا؟ لاح بعض التوتر على ملامح وجهه، ولكن سرعان ما اختفى وقال بعملية: "ممكن أسبوع مش أكتر إن شاء الله." ثم تابع بإشفاق لامسته من بين كلماته: "أنتي اللي واضح عليكي الإرهاق أوي ودا غلط."

لاحت ابتسامة ساخرة على شفتيها قبل أن تقول بصوت لا حياة به: "مش هتفرق كتير يا دكتور، المهم هي تقوم بالسلامة." الطبيب بإشفاق: "هكتبلك على شوية مقويات عشان مينفعش أنتي كمان تقعي، أنا عرفت منها إنك عيلتها الوحيدة، ولازم تكوني جنبها خصوصًا في الوقت دا." لم تجادله فرح التي كانت في تلك اللحظة نفذت كل قواها، فأخذت منه الورقة بصمت، وما أن أوشك على

المغادرة حتى قالت بلهفة: "دكتور معلش ممكن تخلي حد من الممرضات يفضل جنبها ساعة بس أروح البيت أجيب هدوم ليا وليها وشوية حاجات كدا، زي ما حضرتك شفت أنا جيت جري ومعناش أي حاجة هنا." الطبيب بتفهم: "مفيش مشكلة، أنا هعين ممرضة مخصوص تفضل جنبها لحد ما تروحي وترجعي." كان اهتمامًا مبالغًا فيه، ولكنها في وضع لا يسمح لها بالسؤال ولا حتى بالتفكير، لذا هزت رأسها وتمتمت بعض عبارات الشكر قبل أن تشرع في تجهيز نفسها للمغادرة.

تلك اللحظة حين تضع قبلة أخيرة فوق جبين ميت كان يعني لك الحياة وأكثر، حين تشعر برجفة قوية تضرب أنحاء جسدك ما أن تلامس برودة وسكون ذلك الكف الذي لطالما كان يعج بالدفء والحياة. نظرتك الأخيرة حين تشاهد جزءًا كبيرًا من روحك ينشق عنك ليتوارى معه تحت الثرى. تلك اللحظات لا تُنسى أبدًا بل تظل عالقة في ذاكرة القلب وكأنها نُحتت من رحم النار التي تبقى مشتعلة إلى أن يحين اللقاء بهم في العالم الآخر.

كان في طريقه للمشفى لاستلام جثمان أخيه حتى يتم دفنه ليذهب إلى مثواه الأخير، وكم كان ذلك الأمر شاقًا على قلبه الذي للآن لم يستوعب تلك المصيبة التي حلت بهم. لم يدرك ماذا يحدث حوله، أصوات النحيب والبكاء تحيط به في كل مكان، النساء متشحات بالسواد، الرجال ملامحهم جامدة مكفهرة، أعينهم تمتلئ بالقطرات التي تأبى الهطول. حزن عميق يسيطر على الهواء حولهم، لأول مرة لا يسمع زقزقة العصافير عند الصباح، حتى أن الشمس مختبئة خلف السحاب تأبى الظهور. السماء ترعد والمطر ينهمر بغزارة وكأن الطبيعة تشاطرهم حزنهم الغائر ومصابهم الكبير.

ما أن أوقف سيارته أمام باب المشفى حتى وجد سيارة سليم التي كان جانبها الأيمن مهشمًا، وكأن جدارًا سقط فوقها أو أن أحدهم كان يحاول إنهاء ألمه وشحنات غضبه في قطعة جماد لا ذنب لها. ترجل سليم الوزان من السيارة الخاصة به، وقد كانت بعض قطرات الدماء تنساب فوق جبهته، ويبدو أن هناك جرحًا غائرًا لا يأبه له صاحبه الذي كان يحمل بقلبه جرحًا أكبر مما يستطيع تحمله.

اقترب منه سالم وعيناه تحمل من القلق ما تعجز الشفاه عن التعبير عنه، وقد امتدت يداه لتلامس الدماء المنسابة من جبهة أخيه وهو يقول بخشونة: "حصل إيه؟ تراجع سليم خطوة للخلف وهو يقول بلهجة جافة: "متقلقش حادثة بسيطة." ضيق سالم عينيه واشتد به الغضب حتى ارتجف جفنه الأيمن وقال بلهجة قاسية: "سلييم." سليم بلهجة حادة: "مش إلي في بالك يا سالم، دي كانت حادثة زي ما قولتلك." أطلق سالم زفرة حادة

قبل أن يقول بنبرة قاطعة: "هخلي الدكتور يشوفك قبل ما ناخد حازم ونمشي." عند ذكره لاسم أخيه الراحل ارتجفت شفتيه واختنق الحديث بجوفه، وكان سليم لا يقل تأثرًا عنه، ولكن دون أن يشعر أفرجت عيناه عن دمعة حبيسة تحكي مقدار الوجع بصدره، فأخذ عدة أنفاس حادة قبل أن يقول بصوت متحشرج: "عايز أشوفه يا سالم، عايز أطلب منه يسامحني." لم يتحدث، فلم تسعفه الكلمات، جل ما استطاع فعله هو أن تمتد يداه تمسك بكتف أخيه، وابتلع غصة مريرة

قبل أن يقول بلهجة جافة: "متحملش نفسك ذنوب معملتهاش، اللي حصل دا قدر ومكتوب." لم يستطع سليم الحديث واشتبكت عيناه مع عين شقيقه في حديث صامت دام للحظات، وكان سالم أول من قطعه حين استعاد هدوءه الظاهري وقال بصرامة: "يالا بينا عشان الدكتور يشوف جرحك، مينفعش ماما تشوفك كده، كفاية اللي هي فيه." وبالفعل انصاع سليم لأوامره دون جدال، وتوجها معًا لاستلام الجثمان، ولكن استوقفهم الطبيب الذي ما إن رآهم حتى تحدث قائلاً

بعملية: "سالم بيه، كان في موضوع مهم عايز أتكلم مع حضرتك فيه." سالم بجمود: "موضوع إيه؟ الطبيب بتوتر: "ممكن تتفضل معايا على مكتبي عشان نقدر نتكلم براحتنا." دون التفوه بأي حرف توجه الأخوان إلى مكتب الطبيب لمعرفة ماذا يريد.

على الجانب الآخر كانت جنة ترقد على مخدعها بهدوء يتنافى تمامًا مع ضجيج قلبها الذي كان ينتحب ألمًا وشعور الخوف الذي أخذ يتسلل إلى صدرها، الذي لا تعلم لما انقبض فجأة فشعرت بأن التنفس بات ثقيلًا عليها، فأخذت تحاول تنظيم أنفاسها بصعوبة، ولسوء الحظ فالممرضة التي عينها الطبيب لترافقها حالما تأتي شقيقتها قد استأذنت لبعض الوقت، ولا تعلم لما تأخرت، فأخذت تحاول التحرك فآلمها ذلك أكثر وقامت بإسناد رأسها للخلف مغمضة عينيها، وأخذ

صدرها يعلو ويهبط بسرعة كبيرة إلى أن سمعت باب الغرفة الذي فتح بعنف، مما جعلها تشهق بصدمة تحولت لذعر كبير وهي ترى ذلك الرجل الضخم الذي كان يناظرها بعينان تشبهان الجمر في إحمراوهما وملامح قاسية مع فم مشدود بقوة، وكأن أحدهم يجاهد حتى لا يطلق وحوشه لتفترسها، فأخذت ترتجف رغمًا عنها من فرط الخوف، خاصةً حين أخذ يتقدم بخطوات سلحفية وعيناه لا تحيد عنها، وكأنها مذنب وهو جلادها، فأخذت تتراجع في جلستها إلى أن التصقت بظهر السرير

خلفها وهي تقول بهمس خافت: "أنت مين؟ أظلمت عيناه وقست ملامحه أكثر وهو يقترب منها حتى أصبح أمامها مباشرة، وقام بالانحناء لتصبح عيناه المستعرة بجحيم الغضب أمام عينيها التي ترتجف من فرط الخوف، وقال بوحشية ولهجة تحمل الكثير من الوعيد بين طياتها: "أنا عزرائيل اللي هياخد روحك بعد ما يخليكي تشوفي جهنم على الأرض." ازدادت رجفتها وأخذت أنفاسها تتخبط بصدرها الخافق بعنف وهي تقول بشفاه مرتعشة: "أنت عايز مني إيه؟ ازدادت وحشية

ملامحه وهو يقول بقسوة: "عايز أدمرك وأخليكي تلعني اليوم اللي خرجتي فيه من الحادثة دي وأنتي لسه فيكي الروح." ازداد رعبها وهطلت العبرات كالفيضان من بين عيونها، وقد كانت كل عضلة في جسدها ترتجف بعنف من ذلك المجنون الذي يقف أمامها يلقي على مسامعها تلك التهديدات البشعة التي لم تستطع تحملها، فقالت من بين دموعها: "حرام عليك أنا عملتلك إيه؟

امتدت يداه تقبض على خصلات شعرها تكاد تقتلعها من جذورها، فخرجت منها صرخة قوية لم تؤثر به، بل تابع حديثه وهو يزمجر بقوة وكأن كلمتها كان جرمًا كبيرًا قد اقترفته: "اخرسي، ليكي عين تتكلمي، بسببك دفنت أخويا الصغير تحت التراب، أخويا مات وهو زعلان مني وأنتي السبب، هو مات وواحدة رخيصة زيك لسه عايشة، بس وحياة غلاوته عندي لهخليكي تدفعي التمن غالي أوي، وتعرفي إن ولاد الوزان لحمهم مسموم، اللي يفكر يقرب منهم مصيره الموت."

قال جملته الأخيرة صارخًا بوعيد، ولكن للحظة توقف جسدها عن الاهتزاز بين يديه، وجحظت عيناها وبهتت ملامحها وشحب لونها، فمن يراها الآن يظن أنها على مشارف الموت، بينما عقلها أضاء بحقيقة مرة كالعلقم وهو أن المقصود بذلك الحديث ليس سوى حازم! وكأن شفتيها ترجمت ما يدور بعقلها حين قالت بخفوت: "حازم مات؟

لم تكن تعلم هل كان جوابًا أم سؤالًا، ولكنها بكل الأحوال حقيقة ترفضها بشدة، وأخذت رأسها تتحرك يمينًا ويسارًا وشفتاها تطلقان عبارات الرفض، وقد كان كل ذلك يحدث أمام عينيه الصقريتين اللتين كانتا تتابعان انهيارها بذهول، سرعان ما تحول لغضب عندما ظن بأنها تحاول خداعه، فقام بالصراخ في وجهها الذي كان قريبًا منه بدرجة كبيرة: "بطلي الحركات دي، لو مفكرة إنك ممكن تضحكي عليا بيها تبقي غلطانة."

لم يتوقع أبدًا انهيارها بهذا الشكل، بل صُدم بشدة حين وجدها تضرب صدره بقوة بقبضتيها، وأخذت تصرخ بحرقة قائلة من بين صرخاتها: "اخرس، حازم ماتش، حازم مسابنيش، حااااااازم! وكأنها كانت تقول ما يريد قوله، كان هذا الانهيار الذي يشتهيه تمامًا، كانت تلك الكلمات تتردد بصدره هو الآخر، هذه الدموع يتمنى لو يستطيع إخراجها، كانت حالتها تلك هي ما يتمنى أن يعيشه ولو للحظات حتى يفرغ غضبه وألمه الذي يكاد يقضي عليه.

فجأة شعر بشيء يبلل صدره، فشاهد بصره فوجدها تلقي برأسها فوق موضع قلبه مباشرة ويدها تقبض بشدة على قميصه، وصوت بكائها يخترق سمعه، ولدهشته وجد يداه تحيط بها في غفلة منه، وحينها لم يستطع السيطرة على دموعه التي سقطت لتغرق خصلات شعرها. وكأنه يشكو لها ألمه وذنبه وضعفه. كانت لحظة عجزت حواسه بها عن الاستجابة لإشارات عقله.

فجأة توقف الزمن من حولهم وكأنهم تشاركا الألم سويًا. لحظة قطعتها هرولة فرح التي سمعت صراخ شقيقتها فانتابها الفزع وسقط كل ما بيدها وهرولت إلى غرفتها لتتفاجئ بذلك المشهد، جنة تبكي وتنوح ورأسها ملقى على رأس ذلك الرجل الغريب عنها، والذي ما إن سمع ارتطام باب الغرفة بالحائط حتى استفاق من تلك الغيبوبة التي غرق بها للحظات، وقام بدفعها والارتداد للخلف ليصعق من مظهرها المبعثر ودموعها المتساقطة من عينيها لتختلط بدماء سالت من أنفها وأخذت تتساقط على وجهها، فمن يراها الآن يجزم بأن تلك الفتاة على وشك الموت حزنًا وألمًا.

قاطع نظراتهم صراخ فرح التي اندفعت تجاه شقيقتها وهي تقول بعنف وقسوة: "أبعد عن أختي؟ أنت عملت فيها إيه؟ خرجت الكلمات من فمه كأسهم نيران حارقة: "كان في كلمتين بيني وبينها وخلاص قولتهم." وجه أنظاره لجنة وهو يقذف الكلمات من فمه، بينما عيناه ترسلان إشارات التهديد الصريحة: "خليكي فاكرة اسم سليم الوزان دا كويس عشان نهايتك هتكون على إيده."

اندفعت فرح نحو شقيقتها وقد تملكها الغضب الشديد وتولدت بداخلها غريزة الحماية لشقيقتها وطفلتها، فقالت بقوة توازي قوته: "أنت اتجننت يا جدع انت، جاي تهددنا بكل بجاحة." ازداد غضبه أكثر وقال بشراسة: "البجاحة دي أختك واخدة دكتوراة فيها، بس أنا بقي هعرف أربيها وأربيكي كويس أوي." ما أن أنهى جملته حتى أتاه صوت سمره بمكانه، والذي لم يكن سوى لشقيقه الأكبر الذي قال بلهجة قاسية: "سليم!

التفت سليم إلى أخاه الذي كان يقف بشموخ أمام باب الغرفة والغضب يلون تقاسيمه، وقد تجلى ذلك بنبرته حين قال بخشونة: "بتعمل إيه هنا؟ سحب سليم أكبر قدر من الأكسجين بداخله قبل أن يقول بنبرة جافة: "كان في رسالة كنت جاي أوصلها وخلاص وصلتها."

قال كلمته الأخيرة وهو ينظر لجنه التي كانت ترتجف بين أحضان شقيقتها ولا تبالي بشيء سوى تلك الحقيقة السوداء التي تجاهد حتى تستطيع الهرب منها بشتى الطرق، لذا تجاهلت تهديداته وكأنها لم تكن موجهة إليها، وقالت برجاء: "حازم جراله إيه يا فرح؟ قوليلي إنه كويس وبخير، أرجوكي."

توقف سليم أمام باب الغرفة يستمع إلى استفهامها المتألم، ولكن كان غضبه أقوى من أي شعور آخر، فتجاوز أخاه واندفع إلى الخارج، بينما بالداخل لم تجد فرح ما تخبرها به، فقط شاركتها البكاء، وعلى وجهها إمارات الأسف، ولكن عيناها كانت تقتنص ذلك الذي ما زال واقفًا أمام باب الغرفة وعيناه كالصقر تتلقف كل حركة تصدر منهم. دام تفحصه للحظات ثم أعطاهم ظهره دون التفوه بأي حرف، فنظرت إلى شقيقتها وقالت بلهفة: "جنة دقيقة وراجعالك."

هرولت إلى الخارج فاصطدمت بظهره حين وجدته ينتظرها وكأنه كان على يقين من قدومها، فخرجت شهقة خافتة من جوفها وانتشر الخجل على ملامحها وتراجعت خطوتين للخلف وهي تناظره بكبرياء قابله هو بسخرية ظهرت بصورة خاطفة في نظراته التي سرعان ما عادت لجمودها، وقد اختفى ذلك البريق الآخاذ الخاص بهما والذي كان يضيئها في اللقاء الأول لهما وكأن مصباحها انطفئ.

دون أي مقدمات خرج الكلام من فمه بخشونة تليق بملامحه كثيرًا: "مش عايز أي حاجة تتسرب للصحافة." قطبت جبينها وقد أدهشها حديثه فقالت بعدم فهم: "وإيه دخل الصحافة في اللي حصل؟ ناظرها باستخفاف قبل أن يقول بقسوة: "اللي مات دا يبقى حازم منصور الوزان! شعرت بأن حديثه يحمل إعصارًا من الألم والغضب، فوجدت نفسها تقول بشفقة تسللت بغتة إلى داخل قلبها: "البقاء والدوام لله." هز رأسه دون أن يجيبها وقال بلهجة جافة وكأنه يلقي أوامره

وعليها السمع والطاعة: "هسيبلك حراسة على باب الأوضة عشان لو حد من الصحافة حاول يوصلكوا." خرجت الكلمات منها حادة غضبًا من لهجته الآمرة: "إحنا مش محتاجين حراسة، إحنا نعرف نحمي نفسنا كويس." زفر بحدة قبل أن يقول بنبرة فولاذية وعينان ترسلان سهام التحذير: "كلامي يتنفذ من غير نقاش." فرح بسخرية وقد نست كل شيء يحدث حولها، فقط ذلك الرجل المتعجرف المغرور الذي ينجح في

إثارة غضبها كلما التقت به: "أوامرك دي تمشي على الناس كلها إلا عليا. وبعدين لو هتحمينا يبقى احمينا منكم، إنت أخوك عمله دا غلط كبير أوي، أيًا كان وجعه مالوش حق أبدًا يعمل اللي عمله ويدخل يهدد جنة بالشكل دا." كانت تناطحه وكأنهما متساويان، وكان هذا يزيد من وقود غضبه الذي يحاول أن يقمع بداخله خوفًا من عواقب وخيمة لا تحمد عقباها، وقد تجلى غضبه بنبرته حين

قال بقسوة من بين أنفاسه: "ادعي ربنا إنه ميكونش لينا حق عندكوا عشان هيكون تمنه غالي أوي، أشك إنك تقدري تدفعيه." جفلت من نبرته القاسية وكلماته الحادة كنصل السكين، ولكنها كالعادة تظاهرت بالثبات وحمدت ربها بأن نظارتها الطبية حجبت عنه اهتزاز حدقتيها. وقالت بصوت يملؤه التحدي: "ولو إحنا اللي لينا حق عندكوا؟ تغيرت نظراته كليًا وطافت فوق ملامح وجهها قبل أن يقول بخشونة: "أتأكدي إنك هتاخديه مني أنا شخصيًا."

كانت تلك آخر كلماته التي ألقى بها واستدار بهيبته الطاغية التي كانت تبعث على نفسها الرهبة، فزفرت بحدة قبل أن تستند على الحائط خلفها وهي على يقين من أن شقيقتها قد أقحمتهم بالجحيم الذي ستظل شياطينه تلاحقهم لوقت طويل.

عند حلول المساء كانت جنة غارقة في نوم عميق بفعل المهدئ القوي الذي أعطاه الطبيب لها بعد انهيارها الشديد أثناء النهار، غافلة عن أقدام الشر التي أخذت تتقدم من مخدعها تنوي الفتك بها دون رحمة، وما إن وصلت إليها حتى أطلقت سهام نظراتها الحارقة على تلك التي تنام لا حول لها ولا قوة، وقذفت سمومها بجانب أذنها بصوت كفحيح الأفاعي: "نومتك الأخيرة هتكون على إيدي، وزي ما دفنته هدْفِنك أنتي كمان."

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...