"حازم! قالتها ساندي بشفاه مرتعشة وقلب ينتفض بعنف عندما رأت ذلك الشاب الذي لم تر إلا ظهره واقفًا بجانب سيارته عندما أوشكت على المغادرة. فقد بدا كثير الشبه بالحبيب الراحل، مما أدى إلى صرخة قوية تخرج من بين شفتيها. على إثرها هرول كل من سليم وجنة، التي تسارعت أنفاسها وهدرت الدماء في عروقها، بينما عيناها تطوف فوق ملامح ذلك الغريب الذي كان من ظهره يشبهه كثيرًا، للحد
الذي جعلها تتساءل بصدمة: "هل يعقل للأموات أن يبعثوا من جديد؟ ولكن ما أن استدار حتى فوجئوا أنه لم يكن حازم. ودون أن تدري، شعرت بنفس قوي يخرج من بين أعماقها، بينما سمعت صوتًا قويًا خلفها: "مروان.. حمد الله على السلامة." تجاوزها وتقدم سليم للترحيب بهذا الغريب الذي اقترب منه يعانقه بحرارة وهو يقول بشوق: "الله يسلمك يا سليم. وحشتني جدا." أبعد عنه سليم وهو يبادله الشوق قائلًا: "انت كمان ليك وحشة. دا مروان ابن عم حازم!
قالها سليم حين التفت موجها نظراته لكلا الفتاتين، واستقرت عند جنة التي طالعته بغضب حين شعرت بسخريته التي تجلت على ملامح وجه، وكأنه يخبرها بأن من يحب لا يخطئ فيمن أحب أبدًا. لم يكد ينهي جملته حتى تفاجأ من هذا الصوت الطفولي الرقيق لتلك الفتاة الصغيرة الجميلة التي انسلّت من الباب الآخر للسيارة، واستدارت تقف بجانب مروان وكأنها تحتمي به. فنظر إليها سليم بصدمة تحولت إلى عطف، وامتدت يده تداعب خصلاتها البنية
المجعدة وهو يقول بحنان: "أهلًا يا ريتا.. حمد الله على السلامة." لم تجبه بل اكتفت بهز رأسها لترد تحيته، وازداد التصاقها أكثر بمروان الذي امتدت يداه تحتضنها. ونظر إلى سليم نظرات ذات مغزى فهمها على الفور، فتنحى يفسح الطريق وهو يقول: "ادخل لماما والبنات جوه، دول هيفرحوا أوي لما يشوفوك."
أختتم جملته وتوجهت أنظاره إلى تلك التي كانت ملتزمة الصمت، ولكن عيناها عكست صراعًا داخليًا ومشاعر كثيرة، أولها الخيبة وآخرها القهر. ومن دون أي حديث، توجه مروان الذي حمل الطفلة، مضيقًا عينيه وهو يفرقها بين ساندي وجنة، التي اغتاظت بشدة من نظراته الثاقبة لها. ولكنها حاولت ألا تظهر شيئًا، وتوجهت بنظراتها إلى تلك التي بدا عليها الألم الذي تجلى في تهدل أكتافها وخطواتها الثقيلة التي كانت تجر ذيول خيبتها الكبيرة ورأسها المنكس كشخص هزمته الحياة في أهم معاركه، فلم يعد يدري ماذا عليه أن يفعل؟
للحظة، أشفقت جنة على حالها، ولكن سخر منها قلبها الذي لا تزال مرارة الغدر عالقة بثناياه. أخرجها من شرودها صوته الخشن حين قال: "هتجاوبي على سؤالي ولا أسأله لحد تاني؟ جفلت من نبرته ومغزى كلماته، خاصةً حين توجهت أنظاره إلى ساندي التي كانت تجلس خلف مقود سيارتها تراقبهم. فازدادت دقات قلبها وارتعشت شفتيها قبل أن تقول: "عايز تعرف إيه؟ «سليم» بخشونة: "انتي عارفة كويس عايز أعرف إيه؟ زفرت بتعب قبل أن تقول بشفاه مرتجفة:
"مابهددنيش بحاجة." "كذابة." "أنا مش كذابة! " قالتها بانفعال. فاقترب منها خطوة قبل أن يقول بتأكيد: "لا كذابة. ولو فكرتي تخبي عني تبقي غبية! عشان لو حصلت أي حاجة تأذي عيلتي تاني بسببك صدقيني مش هرحمك. استغلي الفرصة إني جيت سألتك وجاوبيني."
زاد الثقل في قلبها وازداد معه ألمها الكبير، ولم تعد تدري ماذا يجب عليها أن تفعل. ورغمًا عنها، ارتفع رأسها يطالع ساندي التي ما زالت تراقبهم، مما جعل قشعريرة مؤلمة تجتاح جسدها بعنف. فشفتيها لن تقدر على إخباره بما تهددها تلك الأفعى، وهو لا يساعدها بل يزيد من عذابها أكثر بطريقته الفظة وأسلوبه العدائي الذي عهدته منه.
لذا لم تجد أمامها مفرًا من أن ترتفع يدها وتضعها على بطنها، وقد كان الألم مرتسمًا على ملامحها. واقتنصته عيناه، لذا قال بلهفة حاول قمعها قدر الإمكان: "تعبانة؟ ارتفعت عيناها تطالعه بتعب تجلى على ملامحها، وخرج صوتها ضعيفًا حين قالت: "شوية! زعزعت لهجتها الضعيفة ثباته للحظة، ولكن حاول التحكم في إرادته وقال بلهجة يشوبها اللين: "هتقدري تمشي لحد الملحق؟
زاد إعيائها ولم تستطع أن تجيبه. وشعرت بفوران مفاجئ في معدتها جعلها تهرول إلى جانب إحدى أواني الزرع وتقوم بإفراغ ما في جوفها. وقد كانت أناتها ترسل إشارات حسية إلى قلبه الذي أجبره على التقدم نحوها حين وجدها تحاول الاستناد على أي شيء بجانبها خشية أن تسقط.
ورغمًا عنه، مد يده لتعانق يدها قبل أن تسقط. فالتفتت تناظره بصدمة، وقد اختلطت مياه عيناها ومياه أنفها ليصبح مظهرها مذريًا. ولدهشته، لم يجفل أو ينفر، بل شعر بالشفقة على ألمها. وقام بإخراج إحدى المناديل الورقية وأعطاها إياه دون أن تحيد عيناه عن وجهها الذي تخضب خجلًا من فعلته وأيضًا من مظهرها الذي لابد أن يكون كارثيًا.
فالتقطت المنديل منه وقامت بمسح وجهها وعينيها، بينما يدها الأخرى أسيرة يده. ودون عنها، أخذت تضغط عليها بشدة حين فاجأتها نوبة القيء مرة أخرى. فامتدت يده الحرة تمسك برسغها في محاولة صامتة لدعمها إلى أن انتهت. فسألها بلهجة هادئة: "بقيتي أحسن؟
هزت رأسها ببطء دون حديث، وقامت بإرجاع شعرها للخلف في حركة بدت جذابة. فشطفت أنظاره إلى سواده الحالك ونعومة خصلاته الثائرة بفعل نسائم الهواء الباردة. فشعر برغبة ملحة في تهدئة ثورته وإخماد تمرده، خاصةً وهي بمثل هذا الضعف تحاول جاهدة تنظيم أنفاسها المتسارعة، بينما تسارعت دقات قلبه. فقد كان مجبرًا في البداية على مساعدتها، ولكن الآن شعر بأن لهذا الإجبار مذاقًا رائعًا انتشى له قلبه وتنبهت له حواسه.
أخرجه من تلك الحالة الغريبة صوت الخادمة خلفهم وهي تقول بإحراج: "سليم بيه. الحاجة بتقول لحضرتك لو جنة هانم تعبانة هاتها وأدخلوا جوا ترتاح." شعرت بجسدها يثلج جراء حديث الخادمة، فقد أيقنت بأن أمينة حتمًا رأتهم حتى ترسل إليهم الخادمة بتلك الرسالة. لذا سحبت يدها بسرعة من يده وهي تقول بلهفة وكأنها تنفي عن نفسها شبح أي تهمة قد تلصق بها: "لا لا أنا كويسة."
شعر هو بارتجافها ورهبتها التي تجلت في عينيها، وأيضًا علم إلى ماذا ترمي والدته. ولكن تجاهل حديث الخادمة ونظر إليها قائلًا باستفهام: "متأكدة إنك كويسة؟ هزت رأسها وقالت بلهفة: "آه متأكدة." كانت كلماتها تتنافى مع ملامح وجهها الشاحبة، ولكن تجاهل ذلك وقال بخشونة: "بما إنك كويسة يبقى تعالي عشان نفطر كلنا سوا. وبالمرة تتعرفي على مروان اللي كنتي مفكراه حازم! قال الأخيرة بسخرية أغاظتها وعاد إلى عدائيته مرة أخرى.
لم تجد مفرًا في الهروب منهم، فقد حانت منها التفاتة إلى نافذة غرفة الصالون، فوجدت عينان ثاقبة تحدق بها في تحدٍ خفي شعرت به. فأخذت نفسًا عميقًا قبل أن تهز برأسها وهي تتوجه خلفه إلى الداخل بخطى مرتعشة. فهي لأول مرة ستواجه بمفردها دون أن تكون بجانبها شقيقتها، لذلك كان قلبها ينتفض خوفًا وكأنها كالحمل الذي أوقعه القدر بين قطيع من الذئاب المفترسة. قبل أن تصل إلى غرفة الجلوس، تفاجأت حين التفت إليها وقال
بنبرة خفيضة ولكن محذرة: "متفكريش إن كلامنا خلص! اللي عايز أعرفه هعرفه. وخليكي فاكرة إني سألتك وأنتِ هربتي! ألقى كلماته وتركها ليدخل إلى غرفة الجلوس، بينما هي توقفت لثوانٍ تحاول تهدئة قلبها من شدة خفقاته المرتعبة. وصارت تردد قائلة: "اللهم إنها نجعلك في نحورهم ونعوذ بك من شرورهم. اللهم اكفنيهم بما شئت وكيف شئت إنك على كل شيء قدير. وجعلنا من بين أيديهم سدًا ومن خلفهم سدًا فأغشيناهم فهم لا يبصرون."
أنهت دعاءها وتوجهت إلى حيث ينتظرها الجميع. وأعلن صوت حذائها العالي الكعب عن وصول صاحبته، فشعر بطنين في أذنيه وبأن دقات قلبه تتناغم مع صوت طقطقة الحذاء. الذي ما أن ظهرت صاحبته حتى توجهت جميع الأنظار إليها، وجميعها كانت ساخطة، ما عدا ذلك الغريب الذي كان ينظر إليها بغموض، سرعان ما حل محله الدهشة حين سمع حديث أمينة التي قالت بوقار: "دي جنة مرات حازم الله يرحمه يا مروان. تعالي يا جنة سلمي على مروان ابن عم حازم."
تفاجأت جنة من فعلتها ومن اهتمامها بتعريفها إلى هذا المدعو مروان، الذي كان يناظرها بصدمة أخجلتها، وبجانبه حلا التي كانت تناظرها بسخط. فتجاهلتها واقتربت منه مدت يدها تصافحه بتحفظ قائلة: "أهلًا بيك." صافحها مروان بحرج بعدما حاول التخلص من صدمته قائلاً بارتباك: "آه. البقاء لله. معلش جت متأخرة. بس الجماعة هنا عارفين الظروف. والدتي مريضة كانسر وكان متحدد لها عملية كبيرة ومقدرتش أسبها وأنزل أحضر العزا."
انقلبت ملامحها بلحظة فور تذكرها ما حدث، ولكنها لم تعلق واكتفت بكلمات بسيطة: "ولا يهمك ألف سلامة على والدتك." "تعالي يا جنة اقعدي هنا."
كان هذا صوت أمينة التي أنقذتها، فهي كانت بمأزق لا تعلم أين تجلس ولا تريد أن تظهر بمظهر الغبية أمام هذا الغريب. وما أن أتاها صوت أمينة حتى أطاعتها على الفور وتوجهت إلى حيث أشارت، لترمي بها الأقدار مرة أخرى أمام عينيه الثاقبة مباشرةً، فمقعدها كان يقابله، مما جعلها تشيح بنظرها مجبرة لتقع عيناها على ذلك الثنائي الملتصق الذي كان يتجاذب أطراف الحديث بصوت منخفض، ولكنها كانت تعلم أن هذا الحديث كان على شرفها.
التفت مروان إلى حلا التي كانت تجلس بجواره، فقد افتقدته بشدة خاصةً في ظروف وفاة حازم، فقد كانا هذان الاثنان مقربان إليها كثيرًا. ولم تصدق عيناها حين شاهدت مروان يدخل من باب القصر، فسرعان ما اندفعت تعانقه بشوق وتجددت أحزانها بأحزانه وعادت إليها ذكرياتها السيئة مرة أخرى. ولكن أتت صدمة مروان الذي لم يكن يعلم بأمر زواج حازم، مما جعله ينظر إلى حلا قائلًا بصوت خفيض: "هو اللي أنا سمعته دا بجد؟ حازم أخوكي اتجوز؟ «حلا» بتهكم:
"أنا زيك زيك سمعت لكن مشوفتش! «مروان» بعدم فهم: "فزورة دي ولا إيه؟ أوشكت حلا أن تجيبه، ولكن تدخلت أمينة التي قالت بلهجة يشوبها بعض التقريع الخفي:
"لما تحب تعرف حاجة ابقي اسألني أنا يا مروان. جنة وحازم كانوا بيحبوا بعض ومرتبطين وحازم فتحني في الموضوع قبل ما يتوفي بفترة، وأنا لما لقيته متعلق بيها وافقت ورحنا خطبناهم وكتبنا الكتاب وكانوا هييجوا يقضوا شهر العسل في إنجلترا عندكوا، بس قولنا لما مامتك تقوم بالسلامة. ها في أسئلة تاني عايز تعرف إجابتها؟ شعر مروان بالحرج من حديث أمينة، ولكن حاول أن يبدو طبيعيًا حين قال: "لا أبدًا يا مرات عمي أنتي كدا وضحتِ كل حاجة."
كان حديث أمينة كالبنزين الذي أخذ يتراقص أمام النيران، فزاد من جنونها، وقد تجلى ذلك في نبرة هُمت التي قالت بتهكم: "لا لسه في حاجة مرات عمك نسيت تقولهالك يا مروان. أبقي بارك لـ جنة عشان حامل!
عم الصمت أرجاء المكان، وقد كان الجميع على صفيح ساخن. فكلمات هُمت وطريقتها في الحديث توحي بأن هناك ما لم يُقال. وحين جاءت على ذكر حملها كانت تتحدث بابتسامة متهكمة أصابت شيئًا ما داخله، مما جعل الغضب يتصاعد إلى رأسه. فحدجها بنظرة قاتمة غاضبة، ولكن آتى حديث أمينة ليمحو تلك البسمة الكريهة من على وجهها: "لا منستش يا هُمت ولا حاجة، بس قولت أكيد انتي أكتر واحدة هتبقي مبسوطة وهي بتقوله إن ابن حازم جاي في الطريق!
كانت كلماتها موجعة، وقد أرادت ذلك. فقد امتقع وجه هُمت التي كانت الكلمات ثقيلة على شفتيها، فقد كانت تحلم بأن يكون هذا الحفيد من ابنتها هي، وليست من تلك الغريبة التي تكرهها بشدة. قطع تلك الأجواء المتوترة دخول الخادمة التي أتت تخبرهم بأنه حان وقت الطعام، فنظرت أمينة إلى جنة وقالت بخشونة: "تعالي يا جنة اسنديني."
جفلت جنة عندما سمعت طلب أمينة الغريب، والذي كان يتنافى مع نظراتها الحادة تجاهها، والتي زادت من فزعها. فهبت من مقعدها وتوجهت إليها وهي تناظرها بعدم فهم. لتمسك بيدها التي كانت قاسية توازي نبرتها حين قالت بجانب أذنها: "بعد الفطار تعالي على أوضتي عايزة أتكلم معاكي." *** أن يصل الإنسان بسهولة إلى كل ما يشتهيه في الحياة فهذا ليس بالأمر الجيد في بعض الأحيان. فعناء الرحلة مطلوب حتى يستشعر الإنسان حلاوة الوصول.
على صعيد آخر، كانت الأجواء مشحونة بمشاعر أخرى غير مفهومة بين الطرفين، وقد أتقن كل منهما إخفاءها خلف قناع من الجمود، بينما تابعا العمل سويًا. إلى أن شعرت بالتعب قليلًا، ولكنها لم تستطع الإفصاح، بل تجلى ذلك في يدها التي أخذت تفركها ببعضها علها تلين من تيبس عظامها التي كانت تئن عليها. مما جعلها تخرج صوتًا جذب انتباهه، فنظر إليها بتقييم قبل أن يقول بلامبالاة: "لو تعبتي تقدري تاخدي بريك." تفاجأت من حديثه
وتحمحمت قبل أن تقول بنفي: "لا متعبتش ولا حاجة مين قال كدا؟ «سالم» بخشونة دون أن يرفع عينيه عن الورق أمامه: "صوابعك اللي عمالة تطقطقيها." شعرت بالحرج من كلماته، فبللت حلقها قبل أن تقول بتلعثم: "لا أبدًا أنا بس متعودة أعمل الحركة دي." «سالم» باختصار: "يبقى تتعودي متعمليهاش تاني." «فرح» باستفهام: "والسبب؟ "مابحبهاش! اغتظت من كلمته وتسلطه، فأرادت استفزازه قائلة:
"يبقى تحبها عشان أنا بعملها على طول. تقريبًا زي متلازمة كدا! تجاهل استفزازها ورفع رأسه يطالعها بنظرات غامضة قبل أن يقول بتسلية: "أحبها! مفروض أحبها عشان أنتي بتعمليها؟! شعرت بالخجل من تلميحه ومن هفوتها، فأرادت التصحيح حين قالت: "لا طبعًا مش كدا أنا أقصد عشان إحنا بنشتغل سوا ووارد أعملها كتير وأنت موجود. والمقصود إنك تتأقلم عليها يعني! رفع إحدى حاجبيه في حركة استعراضية أغضبتها، ولكن تجاهل ذلك واستمر قاصدًا استفزازها:
"تقريبًا محتاج أفكرك إني أنا اللي مديرك مش العكس." "أعتقد إن دي حاجة مش محتاجة تفكرني بيها! " قالتها بغضب خفي. فأجابها بتسلية: "حاسس إن الموضوع مضايقك مع إنك مفروض تفرحي! "وإيه اللي مفروض يفرحني من وجهة نظرك؟ "يعني كنتي راحة آخر الدنيا عشان تشتغلي وأهو جالك الشغل لحد عندك، دانتي كمان مفروض تشكريني! جمرات الغضب النابعة من استفزازه لها أشعلت النيران بداخلها، فقالت باستنكار: "أشكرك!
تقريبًا أنت آخر واحد في الدنيا هفكر أشكرك! قهقه بخفة قبل أن يقول بتسلية: "دانتي قلبك أسود وطلعتي بتشيلي جواكي! «فرح» بقوة: "قلبي مش أسود ولا حاجة بس مبنساش بسهولة." «سالم» بتهكم: "طب خدتي القلم عشان يفكرك بيا ليه؟ اغتظت من حديثه، فأجابت بقوة: "مقولتش عشان يفكرني بيك، قولت عشان يفكرني إني جيت هنا في يوم، وكمان أنا مبفتكرش غير الحاجات المهمة اللي بتعلم جوايا! غير كدا لا." جاء حديثه مفاجئًا حين قال باستفهام:
"عايزة تقنعي نفسك بأيه يا فرح؟ صدمها سؤاله، وعرت نظراته الثاقبة شخصها المتوتر، وأعادت السؤال في رأسها، وقد رفض عقلها أن يفصح عن إجابته. بينما تجلت الإجابة في عينيها التي ظلت أسيرة عينيه اللتين كانتا تخترقان أعماقها بقوة. وقد طال صمتها لثوانٍ قبل أن تقوم بنفض ما يعتريها من تخبط، وقالت بثبات: "سؤالك غريب؟ أقدر أعرف تقصد بيه إيه؟ ابتسم بخفوت قبل أن يعيد نظاره إلى الأوراق أمامه وهو يقول بلامبالاة:
"مالوش لزوم الإجابة وصلت خلاص! اغتظت من حديثه المبهم، وما أن همت بسؤاله عما يقصد حتى أوقفها النقر على باب الغرفة، فالتفتت لتتفاجأ بذلك الشاب الذي ما أن رآه سالم حتى نهض من مكانه وتوجه إليه، بينما هرول مروان يعانقه بقوة وهو يقول: "وحشتني أوي يا سالم." أجابه سالم بصدق: "وأنت كمان يا مروان ليك وحشة كبيرة. حمد الله على السلامة." تبادلوا السلامات، فشعرت بالحرج ونهضت من مقعدها وقالت بعملية:
"سالم بيه أنا هروح أطمن على جنة وآجي." أومأ برأسه، وقد كانت نظراته غامضة، ولكنها لم تبالِ وتوجهت إلى الخارج. *** كانت تنظر إلى الطابق الأعلى وداخلها يمتلئ بالتساؤلات التي تجعل أنفاسها تهرب منها. فهي لم ترتح لتلك السيدة وتهاب نظراتها كثيرًا، ولم تكن هي وحدها، فجميع من في هذا البيت كان من الواضح أنهم يهابونها. تُرى ماذا تريد منها ولماذا أرادت أن تصعد إلى الأعلى للتحدث معها؟ لما لم تحدثها بالأسفل؟
هل تريد إلقائها من النافذة! اقشعر بدنها حين أتتها تلك الفكرة، ولكن سرعان ما نهرها عقلها وبخت نفسها قائلة: "أهدي يا جنة وبطلي هبل، هي مش قاتلة قتلة يعني. هتلاقيها عايزة تطمن على الحمل وخلاص."
هكذا أقنعت نفسها وهي تصعد الدرجات بعدما أرشدتها الخادمة على غرفة أمينة التي كانت تنتظرها وهي تنظر إلى النافذة. وحين سمعت صوت نقراتها المتوترة على الباب أمرتها بالدخول. فانفتح الباب وأطلت منه جنة برأسها وعيناها الزائغة لتقتنص هي توترها. فتوجهت إلى المقعد المخصص لها وقالت بوقار: "تعالي يا جنة واقْفِلي الباب وراكي."
أطاعتها جنة بصمت، بينما دقات قلبها تدق كالطبول جراء خوفها الذي تجلى في كفوفها المرتعشة واهتزاز حدقتيها. وهي تجلس في انتظار أمينة أن تبدأ في الحديث، وقد لاحظت هي ذلك، فابتسمت قبل أن تقول بنبرة هادئة: "عاملة إيه يا جنة؟ "الحمد لله كويسة." "والجنين وضعه عامل إيه دلوقتي؟ امتدت جنة تحيط رحمها بيديها، وقد رقت نبرتها وهي تقول: "الحمد لله بخير." فاجأتها أمينة حين قالت بنبرة ذات مغزى:
"باين عليكي بتحبيه. أومال ليه فكرتي تتخلصي منه! انقبض قلبها جزعًا حتى آلمها حين سمعت كلمات أمينة التي تابعت بهدوء: "متستغربيش. أنا ما فيش حاجة معرفهاش." حاولت ابتلاع غصتها وقالت بصوت مبحوح: "كانت لحظة شيطان والحمد لله عدت على خير." رددت أمينة خلفها:
"الحمد لله.. بصي يا جنة أنا أم وربنا اختبرني في أعز حاجة عندي وأنا راضية الحمد لله. أنتي متعرفيش حازم كان عندي إيه. دا كان أغلى واحد عندي. وكنا قريبين من بعض فوق ما تتخيلي." فهمت جنة ما ترمي إليه بحديثها، فقالت بتوتر: "عايزة تقولي إيه يا حاجة؟ «أمينة» بنبرة يشوبها المكر: "لا أنا عايزة أسمع منك انتي. احكيلي كدا عرفتي حازم إزاي واتفقتوا على الجواز إزاي؟
شعرت بسريان النيران بين أوردتها ولون الخزي ملامحها، وصارت تبتلع جمرات حارقة ذكرتها بخطأها الوحيد الذي لم ترتكبه سواه في حياتها، وكان هو أكثر من كافٍ لتدميرها. "عادي هو كان زميلي في الجامعة شافني وشفته وعجبنا ببعض وبعد كدا الإعجاب دا اتحول لحب. وبعدين... خرج صوتها متحشرجًا حين شرعت في الحديث، ولكنها توقفت حين لم تجد ما يسعفها من كلمات لشرح حقيقة ما حدث، فصمتت لتكمل أمينة بدلًا عنها:
"وبعدين سندريلا كانت عايزة تهرب من حياة الفقر اللي هي عايشة فيها، فقالت توقع ابن الأكابر وتتجوزه حتى لو عرفي عشان تحقق أحلامها وطموحاتها.. ولا مكنش في جواز أصلًا يا جنة؟ وقعت كلماتها كسوط أخذ يسقط فوق كرامتها حتى أدماها ومزق ما تبقى لها من كبرياء، فصار الدمع يتقاذف من مقلتيها جراء ذلك العار الذي تلطخت به. ولكن جاء سؤالها الأخير حتى يجهز عليها، فلم تستطع الصمود أكثر، بل هبت من مكانها تقول بانهيار:
"لحد هنا وكفاية يا حاجة. أنا كنت متجوزة ابنك عرفي والورق مع سالم بيه.." لم تتأثر أمينة بمظهرها أو تعمدت ألا تتأثر، فهي لم ترها سوى صائدة ثروات أوقعت ابنها في شباكها وتريد أن تأخذ ما تبقى منه وترحل لتجعلهم يعانون من مرارة الفقد مرة أخرى. لذا قالت بتقريع:
"هو شيء لا يدعو للفخر طبعًا يعني الجواز العرفي دا زي قِلته. بس الحمد لله إنه حصل وإن ربنا عوضني بحاجة من ريحة ابني الله يرحمه، واللي عمري ما هتنازل عنها أبدًا حتى لو اضطريت إني أضحي بكل شيء بملكه في حياتي." كالعادة، أصابت كلماتها صميم الوجع، ولكنها تجاهلت عذابها وقالت باستفهام: "تقصدي إيه؟ اعتدلت أمينة في جلستها قبل أن تناظرها بقوة تجلت في نبرتها حين قالت:
"ابن ابني مش هسيبه، وسواء كنتي متجوزة حازم أو لا دي مشكلتك. هكون ست أصيلة معاكي عشان انتي أمه وهعرض عليكي عرض انتي الكسبانة فيه." لم تسعفها الكلمات للرد، إنما ارتسم عدم الفهم على ملامحها، فتابعت أمينة قائلة بقسوة: "هتعيشي بينا معززة مكرمة لحد ما تولدي، وبعدها هديكي عشرة مليون جنيه وتسيبي الولد وتختفي من حياتنا خالص وتنسي إنك في يوم من الأيام عرفتينا. بمعنى تمحي اسم الوزان من ذاكرتك."
شهقة قوية خرجت من جوفها معبأة بألم فاق حدود الخيال، وصار الدمع يتقاذف كالجمر من عينيها وهي تنظر إلى أمينة التي كانت تطالع انفعالاتها بغموض، بينما أخذ جسدها يرتجف قبل أن تقول بشفاه مرتعشة من بين انهيارها: "انتوا أكيد مش بني آدمين.. إزاي بتدوسوا على الناس كدا. عايزة تشتري ابني مني. انتي إيه معندكيش قلب! «أمينة» بهدوء مستفز: "لا عندي، وعشان كدا عايزة أحافظ على حقي في حفيدي اللي كنتي عايزة تقتلِيه." «جنة» بصراخ:
"حفيدك دا يبقى ابني وحتة مني، وأوعي تفكري إني ممكن أفرط فيه. وأوعي تفكري تساوميني عليه تاني عشان أنا أهون عليا دلوقتي أموته وأموت نفسي معاه، ولا إن حد ياخده مني."
ألقت كلماتها وهرولت تغادر الغرفة، صافقة الباب خلفها بقوة، بينما عيناها تغشاها طبقة من الدموع التي كانت تحفر الوديان فوق خديها. ولم تنتبه إلى ذلك الذي كان يصعد الدرج ليتفاجأ بتلك التي كانت وكأنها هاربة من الجحيم، فاصطدمت به بشدة وكادت أن تقع لولا يداه التي تلقفتها، ليتفاجأ بمظهرها المزري. فقال بلهفة: "حصل إيه؟ لم يتوقع ثورتها تلك حين قامت بدفع يده بقوة وبصقت الكلمات من فمها بشراسة صدمته:
"أبعد إيدك دي عني.. وأوعي تلمسني تاني." لم تعطيه الفرصة لسؤالها، بل تابعت الركض حتى خرجت من باب القصر، فالتفت ليجد والدته التي قالت بقوة: "تعالي يا سليم عايزك." توجه سليم إلى حيث والدته التي دخلت غرفتها مرة ثانية، فدخل هو خلفها وقال بصوت خشن: "حصل إيه بينك وبينها؟ «أمينة» بلامبالاة: "موضوع ما يخصكش." «سليم» محذرًا: "ماما.. متنرفزنيش وجاوبي على سؤالي." التفتت تناظره بغموض قبل أن تقول بتخابث: "لما تجاوبني انت يا سليم."
"أجاوبك على إيه؟ «أمينة» مشددة على كل حرف تفوهت به: "البنت دي كانت متجوزة أخوك فعلًا ولا اللي في بطنها دا يبقى ابن حرام." تسمر في مكانه جراء حديثها المعبأ بقسوة ومكر لم يلحظه، ولكن تهيأ بما شعر به من شعور موجع لا يعرف كنهه. وما أن أوشك على إجابتها حتى سمع شهقة آتية من الخارج جمدته في مكانه. ويتبع...
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!