الفصل 12 | من 23 فصل

رواية في قبضة الاقدار الفصل الثاني عشر 12 - بقلم نورهان العشري

المشاهدات
23
كلمة
5,968
وقت القراءة
30 د
التقدم في الرواية 52%
حجم الخط: 18

لم أنل شيئًا مما تمنيت ولكن نال كل شيء مني. وازدادت الغصات بقلبي حتى أصبحت أكثر من نبضاته. حاولت أن أصارع خوفي ولكنه كان يهاجمني من أكثر نقاطي ضعفًا. وحين قررت أن أبوح لليلي بآلامي وأحزاني أهلكني صمته الذي امتد أمامي كطريق مظلم لا نهاية له. وأدركت بأن الأيام تمضي والعمر يتضاءل بينما ما زال القلب عالقًا عند لحظة ما ولم يستطع تجاوزها أبدًا. خرج سليم مهرولًا إثر سماعه شهقه قوية آتية من الخارج. ولكن عندما خرج لم يجد أحد.

فأخذ ينظر حوله لمعرفة من الذي استمع إلى حديث والدته الكارثي. ولكنه وجد الممر خاليًا من أي بشر. فأقسم بداخل نفسه ثم دخل إلى الغرفة وأغلق الباب خلفه بقوة اهتزت لها جدران القصر. والتفت إلى والدته بعينين تتقدان بنيران الغضب الذي تجلى في نبرته حين قال: "عاجبك كدا. أقدر أعرف استفدتي إيه من اللي عملتيه دا؟ ظهر التوتر الجلي على ملامح أمينة قبل أن تقول بلهجة حاولت أن تجعلها ثابتة:

"أنا مش هستنى لما يتحرق قلبي مرة تانية. البنتين دول مش ناويين على خير. وأختها قالت بفمها إنها بعد ما جنة تولد هتاخدها ويمشوا من هنا. عايزاني أستنى إيه تاني يا سليم؟ ابتسم بمرارة قبل أن يقول ساخرًا: "وإنتي كدا بتقنعيها عشان تفضل معاكي هي والولد! قاطعته بحدة: "مش محتاجة أقنعها. واحدة زي دي كل اللي يفرق معاها الفلوس وده اللي عرضته عليها! تجمد للحظات حين سمع حديث والدته وتأهبت جميع حواسه. وبينما حبست

أنفاسه حين تحدثت بترقب: "وقالت لك إيه؟ تراجعت لتجلس على مقعدها قبل أن تقول باختصار: "المتوقع منها! "إلي هو إيه؟ أمينة بتريث: "رفضت وانهارت وطلعت تجري زي ما شفتها! كانت تراقب وقع كلماتها على ملامح وجهه الذي بدا جامدًا. ولكن صفاء عينيه عكس مدى ارتياحه لما حدث. لذا أخذ نفسًا عميقًا قبل أن يقول بخشونة:

"يوم ما وصلوا هنا متحملتش معاملتنا ليها. تعبت وودناها المستشفى وهناك الدكتور قال إننا معرضين نفقد الجنين في أي لحظة وإن حالتها غير مستقرة وحذرنا من أي ضغط نفسي أو عصبي. عشان كدا فضلت أسبوعين نايمة في الملحق وكان الأكل بيروح لها هناك. دي كانت أوامر الدكاترة مش زي ما سالم قالك إنه إجهاد من السفر." تغيرت تعابير أمينة التي غزا الخوف ملامحها. وشعرت بنغزات قوية في قلبها. خاصةً حين رأته يتوجه إلى باب الغرفة.

ومن ثم التفت إليها متمتمًا بجفاء: "لو فعلًا مش عايزة قلبك يتوجع مرة تانية يبقى متعرضيش ليها بأي سوء." *** كانت سما تدور في غرفتها كمن مسه الجنون. فهل ما سمعته للتو كان صحيحًا! هل تلك الفتاة كانت عشيقته؟ أم هي فتاة كان يعبث معها وغافلته لتحمل بهذا الطفل حتى يكون الطريق الذي يجعلها تستمتع بأمواله! دخلت هِمت الغرفة لتجد سما على حالتها الغريبة. فسألتها باهتمام: "مالك يا سما حصل حاجة ولا إيه؟ سما بتفكير:

"ده حصل وحصل وحصل." هِمت بعدم فهم: "حصل إيه يا بنتي؟ سما بغل: "الزبالة اللي كانت بتعايرني من شوية وبتذلني بحبه ليها طلعت مجرد واحدة... كان بيقضي وقت معاها." قطبت جبينها ولم تفهم شيئًا من هذيانها. لذا التفتت تقف أمامها وهي تقول بنفاذ صبر: "بنتي انتي اقعدي كدا وفهميني في إيه بدل ما انتي عمالة تهرتلي كدا." طاوعتها سما وجلست على الأريكة خلفها. وقصت عليها تلك المحادثة التي حدثت بينها وبين جنة صباحًا.

ومن ثم أخبرتها بما دار بين أمينة وسليم. لتنهي سردها قائلة بقهر: "عايرتني أنه محبنيش وأنه اختارها هي. بس ربنا أراد يكشف لي قد إيه هي واحدة رخيصة وحقيرة." أنهت جملتها ثم وجهت أنظارها إلى هِمت قائلة بفرح يتنافى مع عبراتها المتساقطة وضجيج قلبها الملتاع: "طلع مكنش بيحبها يا ماما. حازم كان بيحبني أنا وأنا واثقة من ده." ناظرتها هِمت بألم على فلذة كبدها التي طال قلبها الوجع. ولكنها أحكمت تعاطفها وتأثرها

بحال صغيرتها وقالت بهدوء: "وبعدين يا سما. هعتبر أن كلامك صح وأنه فعلًا مكنش بيحبها. إيه اللي اتغير؟ "تقصدي إيه؟ هِمت بتعقل: "كسبتي انتي إيه من كل ده؟ لم تستطع الإجابة على والدتها. فاخفضت رأسها بألم وقد زال فرحها الواهي. وعادت أمام عينيها حقيقة مرة وهي أن حازم لم يعد موجودًا من الأساس. ولكنها وجدت يد والدتها التي امتدت ترفع رأسها المنكس. وهي تناظرها بحنان تجلى في نبرتها حين قالت:

"حازم كان صفحة في حياتك واتقفلت بموته يا سما. سواء كان بيحبها أو مابيحبهاش مش هتفرق كتير. عايزك تنسي الموضوع ده خالص وكأنه ما حصلش." هبت سما من مقعدها وهي تقول بعنف: "هو إيه اللي أعتبره ما حصلش! أنا كنت بحبه أكتر من روحي ووقفت حياتي كلها عليه وهو ييجي يدوس عليا بالشكل ده! ويفضل واحدة زي دي عليا ويخليها تقف تعايرني وتهيني. وجاية تقولي لي أعتبريه ما حصلش!

ده داس على قلبي بجزمته يا ماما. سنين وأنا متسمية على اسمه. الناس كلها عارفة إني خطيبته. وفي الآخر البيه يطلع متجوز وجايله ابن في الطريق. طب وأنا؟ تقدري تقولي لي أنا شكلي هبقى إيه لما الناس تعرف باللي حصل؟

هعيش إزاي وهرفع عيني في عين الناس إزاي بعد كده. حتى مرات خالي اللي طول عمري بقولها يا ماما فضلتها عليا وداس على قلبي ومشاعري ولا أكني حشرة مسواش. دي هانتني قدامها لمجرد أنها حامل في ابنه. أنا واثقة أنها مش طايقاها بس عشان حامل في ابن الغالي." قالت جملتها الأخيرة بصراخ مرير نابع من قلب محترق بنيران الغدر والخذلان. وقد تجلى ألمها الكبير في ملامحها التي جعلت قلب هِمت ينفطر ألمًا على ما أصاب ابنتها من وجع.

كانت بغبائها السبب الرئيسي به. فهبت من مقعدها تحاول احتضانها وهي تقول بألم: "يا قلبي يا بنتي شايلة كل ده جواكي وساكتة! حقك عليا يا سما أنا السبب في اللي انتي فيه ده لو مكنتش دخلت الموضوع ده في دماغك مكنش زمانك متعذبة كدا." سما بمرارة: "وقت الندم عدى يا ماما. أنا دلوقتي ليا تار مع الناس دي. وبما أن حازم مات هاخد تاري من أعز حاجة عنده. وزي ما كسروني هكسر قلبهم كلهم."

صُدمت هِمت من ذلك الجبروت الذي ارتسم على ملامح ابنتها وذلك الحديث الذي يقطر كرهًا وضغينة. فقالت برفق: "سما يا بنتي إيه اللي انتي بتقوليه ده؟ انتي عمرك ما كنتي كدا. طول عمرك هادية وطيبة وبتحبي للخير للناس كلها. أوعي تغيري طبيعتك الطيبة عشان صدمة مريتي بيها في حياتك. دانتي لسه صغيرة وزي القمر وألف مين يتمناكِ ليه تعملي في نفسك كدا! ناظرت والدتها بمرارة تجلت في نبرتها حين قالت:

"مش أنا اللي عملت في نفسي كدا يا ماما. هما اللي شوهوني وأذوني من غير ما أعمل فيهم حاجة. وأنا مش هسيب حقي أبدًا." "حق إيه اللي مش هتسبيه يا سما؟ صُدمت كلًا من سما وهِمت لسماع ذلك الصوت الآتي من خلفهم. *** كانت فرح تحتسي فنجان قهوتها الذي أعدته حتى تسيطر على ذلك الصداع الذي كان يقيم احتفالًا في رأسها. مما جعلها تقوم بفك مشابك شعرها لتتركه منسدلًا.

فلم تكن تتحمل أي شيء وتوجهت تقف أمام النافذة تنتظر قدوم شقيقتها التي أخبرتها الخادمة بأنها بغرفة السيدة أمينة. وحين سمعت ذلك رغمًا عنها شعرت بنغزة مؤلمة في قلبها من أن تمس تلك السيدة شقيقتها بسوء. وودت لو تذهب للأعلى حتى تتدخل إن حدث شيء. ولكنها تراجعت بآخر لحظة وآثرت الانتظار حتى لا تظهر بمظهر الأخت المتسلطة التي تتدخل بشئون شقيقتها. ولكن الانتظار كان أكثر ما تكرهه في حياتها.

لذا قامت بوضع الفنجان من يدها والتفتت لتناول دبابيس شعرها حتى تعيد إحكامه من جديد. ولكنها تفاجأت بجنة التي فتحت باب الملحق وأغلقته خلفها. وكل خلية من جسدها ترتعش. يصاحبها دموع فياضة أغرقت مقدمة صدرها والذي كان ينتفض بين ضلوعها. فمظهرها كان مُذريًا وكأنها آتية من الجحيم. فانتفضت فرح وهرولت إليها تحتضنها بقوة وهي تقول بلهفة: "حصل إيه يا جنة؟ كانت ترتجف بشدة في أحضان شقيقتها وهي تقول بتلعثم من بين شهقاتها:

"مشيني. من. هنا. يا فرح.. أرجوكي مش. عايزة. أقعد. هنا. دقيقة. واحدة. حاسة. إن. روحي. بتروح." شددت فرح من احتضانها. بينما يدها أخذت تمسد خصلاتها بحنان تجلى في نبرتها حين قالت: "أهدي يا حبيبتي. أهدي.. متخافيش من حاجة طول ما أنا جنبك.." لم تزد في الحديث ولكنها تابعت تهدئتها بالأفعال. فأجلستها على الأريكة وجلست بجانبها تحاول تهدئتها. إلى أن شعرت بانتظام أنفاسها واستقرار ضربات قلبها وسكون جسدها. فقالت بنبرة رقيقة: "جنة."

أجابتها جنة بقهر تجلى في خيط من الدموع انساب من طرف عينيها وهي تقول: "أول مرة أجرب الذل والمهانة يا فرح! أول مرة أعرف حجم المصيبة اللي وقعت نفسي فيها بغبائي. أول مرة أتمنى الأرض تنشق وتبلعني." آلمتها كلمات جنة للحد الذي جعل غصة قوية تحتل يسارها. فواصلت تمسيد شعرها وقالت بلهجة قوية: "ما عاش ولا كان اللي يهينك ولا يذلك يا جنة ليه بتقولي كدا؟

زفرت الهواء المكبوت في صدرها دفعة واحدة قبل أن تقوم بسرد ما حدث بينها وبين أمينة. وأنهت كلماتها قائلة بوجع: "حسيت إني رخيصة أوي وهي بتعرض عليا فلوس عشان أبيع ابني وأمشي." هبت فرح من مكانها وقد تعاظم شعور الغضب بقلبها. وتجلى ذلك في نبرتها القوية حين قالت: "الست دي اتجننت هي فاكرة إنك ملكيش حد ياخدلك حقك. طب أنا هوريها.." قامت بفتح باب الملحق بقوة وتوجهت إلى القصر بخطوات ملتهبة أشبه بالركض.

فقد بدأ وكأنها تحفر الأرض تحت قدميها من فرط غضبها. وحين دلفت إلى داخل القصر توقفت في منتصف البهو قائلة بصوت قوي أجفلهم جميعًا: "حاجة أمينة.. يا حاجة أمينة." بعد لحظات تجمع الجميع حولها. وظهرت أمينة التي كانت تتدلى من فوق الدرج وهي تقول بغضب: "إيه قلة الذوق دي حد يزعق في بيوت الناس كدا؟ ابتسمت هازئة قبل أن تقول بتقريع: "وإنتي لما تهيني الناس في بيتك ده يبقى اسمه إيه؟ تدخلت حلا قائلة بتوبيخ:

"احترمي نفسك وإنتي بتتكلمي مع ماما. أنتي مش عارفة أنتي بتتكلمي مع مين؟ صُدمت حلا من صوتها الغاضب حين قالت: "أياً كان هي مين ميديهاش الحق أنها تهين جنة أو تقلل منها أبدًا." ناظرتها حلا بغضب قبل أن تقول بصراخ: "والله أنا مشوفتش بجاحة كدا والست جنة هانم مسمحلها تهين الناس عادي ما تسأليها هي كمان قالت إيه لسما؟ ناظرتها فرح باستخفاف قبل أن تقول بتوبيخ:

"قبل ما تتكلمي يا شاطرة وتقلّي أدبك ابقي اسألي بنت عمتك المحترمة قالت إيه لجنة عشان ترد عليها كدا. بس واضح إنك متعرفيش حاجة عن الأدب." "فيه إيه بيحصل هنا؟ كان هذا صوته الغاضب حين سمع حديث فرح. فقد خرج من مكتبه وخلفه مروان على تلك الأصوات الصاخبة ليجد الجميع يقف في البهو والنظرات المشتعلة دائرة بينهم. ولكنه صُدم حين رأى نظرات الخذلان تطل من عينيها قبل أن تقول بمرارة:

"أبدًا بدفع تمن إني وثقت فيك وجيت أنا وأختي نعيش وسطكوا! لامست جملتها حواف قلبه الذي شعر بشعور مقيت من نظراتها التي تحمل بداخلها أطنان من الخذلان والخيبة. ولكنه تفاجأ من حديثها الذي وجهته إلى والدته حين قالت بقسوة: "عايزة أقولك كلمتين يا حاجة. أنتي عندك بنت وكما تدين تدان وحسبي الله ونعم الوكيل." هنا خرجت شياطين غضبه من جحيمها وصرخ بصوت أفزعهم جميعًا: "لما أسأل في إيه جاوبوا." أوشك سليم على الحديث.

ولكن نظرات والدته المتوسلة منعته من الحديث. ليخرج صوتها المبحوح حين قالت: "تقدر تسأل والدتك يا سالم بيه. هي عارفة حصل إيه كويس أوي. بس لحد هنا وكفاية. أنا هاخد جنة وهنمشي ولما ابنكوا ييجي بالسلامة عمرنا ما هنمنعكوا عنه. ولا هنبيعه يا حاجة أمينة عشان إحنا مابنبيعش لحمنا. عن إذنكوا." أوشكت على المغادرة. ولكن صوته القوي أوقفها حين قال: "استني يا فرح!

كان لنبرته وقع خاص على قلبها الذي تعثرت نبضاته داخلها وأجبرتها على الوقوف بمكانها. ولكنها لم تلتفت إليه وشعرت بمدى غضبه حين قال بخشونة: "منتظر أعرف اللي حصل يا حاجة؟ تحدثت أمينة بلهجة مهتزة بعض الشيء: "اتكلمنا أنا وجنة والظاهر إن كلامي معجبهاش وضايقها واعتبرته إهانة ليها. ده كل اللي حصل." التفتت فرح تناظرها بغضب. بينما قالت ساخرة: "لما تتهميها الاتهامات الفظيعة دي يا حاجة مش إهانة؟

لما تساوميها على ابنها وتعرضي عليها فلوس عشان تشتريه منها مقابل أنها تتنازل عنه وتمشي ده مش إهانة؟ لو بنتك هتقبلي عليها كدا؟ كان حديثها صاعقًا للجميع مما جعل الهمسات تدور حولهم. وقد كانت هِمت تشاهد ما يحدث بقلب شامت. دونًا عنها وبجانبها سما التي كانت تناظرهم ببغض كبير. وعلى يمينها حلا التي تدخلت قائلة باندفاع: "بنتها متربية أحسن تربية ومتعملش اللي أختك عملته! هنا قال سليم غاضبًا مندفعًا: "اخرسي يا حلا!

جفلت من لهجته وحدقاته التي اشتعلت بنيران الجحيم. وما أوشك على توبيخها حتى جاءت كلمات فرح التي تراشقت سهام الإهانة في صدرها: "قبل ما تتكلمي يا شاطرة وتقلّي أدبك ابقي اسألي بنت عمتك المحترمة قالت إيه لجنة عشان ترد عليها كدا. بس واضح إنك متعرفيش حاجة عن الأدب." "قبل ما تتكلمي يا شاطرة وتقلّي أدبك ابقي اسألي بنت عمتك المحترمة قالت إيه لجنة عشان ترد عليها كدا. بس واضح إنك متعرفيش حاجة عن الأدب."

هنا قال سليم غاضبًا مندفعًا: "اخرسي يا حلا! جفلت من لهجته وحدقاته التي اشتعلت بنيران الجحيم. وما أوشك على توبيخها حتى جاءت كلمات فرح التي تراشقت سهام الإهانة في صدرها: "متلوميش على حد يا شاطرة مين عاب ابتلى. وإنتي متعرفيش بكرة مخبيلك إيه." "استني يا فرح! قاطعها صوته الحاد وهو يقترب من حلا التي دب الرعب في أوصالها من نظرات شقيقها ونبرته المرعبة: "قولي لي يا حلا هو إيه اللي جنة عملته؟

أبتلعت ريقها بصعوبة بينما عيناه تطالعها بنظرات جحيمية توازي نبرته حين قال بهسيس مرعب: "ردي. سكتي ليه؟ مش كنتي بتتكلمي من شوية وصوتك مسمع الناس كلها؟ حاولت التحلي بالشجاعة حين قالت بنبرة مهزوزة: "اتخطبت حازم عرفي! إحتدت نظراته وأظلمت عيناه للحظة قبل أن يقول باستفهام غاضب: "وعرفتي منين؟ لم تستطع إخباره وظلت على صمتها بينما كانت ترتجف رعبًا. لينقذها تدخل أمينة التي قالت بثبات: "عرفت مني!

تحولت نظراته إلى والدته وبدت قاتمة غاضبة. ولكنه تجاهل ردها حين صرخ مناديًا على إحدى الخادمات والتي هرولت ملبية ندائه في الحال. فقال بصوت مرتفع: "روحي قولي لجنة سالم بيه عايزك وخليها تيجي على هنا." تدخلت فرح قائلة: "جنة تعبانة ومش... قاطعه صوته الحاد حين قال: "أنا قولت تيجي يعني تيجي! أغضبته لهجته كثيرًا وما أن همت بالحديث حتى توقفت إثر جملته الغامضة حين قال: "لازم نحط النقط عالحروف." مرت دقائق مشتعلة بين الجميع.

حتى أتت جنة التي كان مظهرها مُذريًا. وقد كانت تجر أقدامها جرًا حتى تستطيع أن تصل إلى القصر. وقد تعاظم الخوف بقلبها حين أتت الخادمة لتخبرها بضرورة توجهها إلى القصر لأمر هام. وحين دلفت من الباب وجدت الجميع يقف في البهو. وتوجهت جميع الأعين إليها. ومن بينها عيناه التي كانت مستعرة بنيران جحيمية جعلتها تمد يدها إلى شقيقتها تمسك بها كأنها طوق نجاتها. وعلى الفور امتدت يد فرح تمسك بيدها ونظراتها تطمئنها.

فقد كان مظهرها يؤلم القلب. كانت كعصفور صغير تائه شريد وعيناها تغشاها طبقة كرستالية من الدموع. التي لو فسرنا سببها فلن تكفي الحروف لسرد. وقد أشعره مظهرها ذا بألم حاد نخر عظامه إثر رؤيتها مدمرة بتلك الطريقة. وكأن غريزته الرجولية أبت عليه أن يرى امرأة ضعيفة مكسورة بهذا الشكل. أو لنقل بأن هناك شيء ما بقلبه قد انفطر عند رؤيته ألمها. منذ أن رآها تهرول من غرفة والدته حتى اندلعت حرب دامية بداخله.

وود لو أنه يطمئنها وينزع نظرات الخوف تلك التي ترتسم بمقلتيها. ولكن جاءت كلمات أخاه القوية لتخرجه من دوامة أفكاره: "تعالي يا جنه هنا." عند سماعها صوته الآمر تمسكت أكثر بيد شقيقتها. فرق قلب سالم على مظهرها وقال يطمئنها: "تعالي يا جنة متخافيش." نظرت إليها فرح وأومأت برأسها لتطمئنها. فتحرّكت بخط سلحفاه حيث وقفت أمام سالم. الذي امتدت يده تمسك بمرفقها بلطف تنافي مع لهجته القوية حين قال:

"الكلمتين اللي هقولهم دول يثبتوا في دماغ الكل وأعتقد إن الكل هنا عشان محدش ييجي يقول مسمعتش." طافت عيناه على وجوه الجميع. واستقرت عند والدته حين قال بنبرة قوية خشنة: "جنة مرات حازم الوزان شرعًا وقانونًا وأنا معايا اللي يثبت ده. واللي في بطنها ابنه ومن صلبه. ابن الوزان عارفين يعني إيه ابن الوزان!

واللي هيقول غير كدا ميلومش غير نفسه. وأي حد هيتعرض لجنة أو فرح ولو بنظرة بردو ميلومش غير نفسه. جنة وابنها ليهم هنا زي ما كلنا لينا بالظبط. كلامي واضح ولا أعيده تاني! اختتم كلماته وعيناه تتفرق بين الجميع بنظرات صارمة متوعدة لمن يخالف أوامره أو يتفوه بما لا يروقه. ولكن التزم الجميع الصمت ألا من أمينة التي قالت بوقار: "مفيش قول بعد قولك يا سالم. الموضوع انتهى خلاص وجنة زيها زي حلا وسما مش كدا يا جنة." لم تتفوه جنة بحرف.

على الرغم من صدمتها بحديث سالم الذي أعاد إليها كرامتها المفقودة. وقد أراحها ذلك بشكل كبير. ولكنها لم تستطع التأكيد على حديث تلك المرأة فهي أبدًا لن تنسى معاملتها لها. ولكن جاء حديث سليم الغير متوقع حين قال بتحفظ: "الأيام هي اللي هتبين يا حاجة." لم تفهم إجابته وما خلفها هل يدينها أن يدعمها؟ هكذا تساءلت بداخلها. ولكن قطع حبل أفكارها حديث سالم الذي التفت إليها قائلاً بصوت خشن:

"أعتقد كدا انتي فهمتي وضعك إيه في البيت. وياريت بلاش عياط وجو العيال الصغيرة دي يحصل تاني." أنهى كلماته والتفت متوجهًا إلى مكتبه. وما أن أوشك على الدخول حتى سمع طرقًا عليه. وقد علم هوية الطارق. ولكنه تجاهل إحساسه القوي وقال بلهجة خشنة: "ادخل." دخلت إلى الغرفة وهي تجر أقدامها إلى الداخل. بينما عيناه الثاقبة تناظرها بنظرات غامضة لم تنجح في تفسيرها. ولكنها لم تجعلها تتراجع إذ توقفت أمامه تناظره بامتنان

تجلى في عينيها الزيتونية: "شكرًا أنك دافعت عن جنة وردت لها اعتبارها قدامهم." صُدمت امتنانها للحظة. ولكنه لم ينجح في إخماد غضبه المشتعل جراء ما حدث. لذلك قال بلامبالاة: "مش مستني منك شكر أنا عملت اللي كان مفروض يتعمل." إغتاظت من صراحته الفجة وحديثه المستفز. وثارّت جيوش غضبها. ولكنها كمدت ما تشعر به وتشدقت ساخرة: "أنا كمان بشكرك عشان اتعودت أن أي حد يعمل حاجة كويسة مفروض يتشكر عليها ومش فارقلي إذا كنت مستني ده أو لا."

نجحت في إثارة روح التحدي بداخله. فرفع رأسه يطالعها بغموض بينما قال باختصار: "نعم! أعادت كلمته بهدوء مستفز: "نعم! رغمًا عنه أفلتت شفتيه عن بسمة متسلية لم ينجح في قمعها. فقال بتسلية: "إنتي مبتيأسيش؟ "يعني إيه؟ سالم بإعجاب خفي: "عندك استعداد تفضلي تحاربي طول الوقت مبتعديش حاجة أبدًا؟ صُدمت من حديثه. ولكنها قالت بتعجب: "عشان جيت أشكرك إنك وقفت جنب جنة أنا كدا بحارب!

لا أنت غلطان على فكرة أنا بس بحب أدي الحق دايمًا لأصحابه حتى لو كان صاحب الحق ميستاهلش." قالت كلمتها الأخيرة بخفوت. فرفع إحدى حاجبيه قائلًا بوعيد: "ميستاهلش! غمغمت بخفوت: "مش قصدي أنه ميستاهلش بمعنى حد وحش يعني! ممكن يكون شخص متكبر مغرور وبيتكلم من طراطيف مناخيره." ردد عباراتها بذهول: "متكبر ومغرور وبيتكلم من طراطيف مناخيره. ده أنا المفروض؟ راوغته قائلة:

"والله أنا مقولتش أن أنت كدا بس لو شايف الصفات دي تنطبق عليك فأنت حر أنا يعني هعرفك أكتر من نفسك." تراجع بمقعده إلى الخلف وقهقه ضاحكًا قبل أن يقول من بين ضحكاته: "إنتي مشكلة يا فرح! أسرتها ضحكاته الخلابة للحظة قبل أن تتخضب وجنتاها بلهيب الخجل جراء كلمته البسيطة. ولكن نظراته كانت عميقة حتى شعرت بها تتغلغل إلى داخلها. فهربت بنظراتها إلى الجهة الأخرى وقالت بنبرة هادئة:

"ولا مشكلة ولا حاجة أنا بس بحب الناس تعاملني زي ما بعاملها ودايمًا ببدأ بالخير عشان ألاقيه." اقتنصت عيناه خجلها واهتزاز حدقتيها. فاقترب واضعًا مرفقيه فوق المكتب أمامه وهو يقول بغموض: "أفهم من كدا أنك بتقدمي لي الخير ومنتظراه مني! جفلت من حديثه وشعرت بضربات قلبها تتخبط بداخلها بعنف. فالتفتت إليه بلهفة وقالت باندفاع: "لا طبعًا مقصودش كدا أنا بقولك بس إن دي طريقتي في التعامل مع الناس! "طب وعايزني أعاملك إزاي؟

خرجت الكلمات من بين شفتيه ثابتة مصحوبة بنظرات ثاقبة كانت تأسرها للحد الذي جعلها غير قادرة على الحديث. تكاد تجزم بأن قلبها توقف عن الخفقان للحظة وفقدت السيطرة على حواسها. ولكن تدخل عقلها لينبهها أن ناقوس الخطر قد اقترب منها كثيرًا. فحاولت فرض سيطرتها على ما يعتريها من تخبط وقالت بنبرة متزنة: "تعاملني زي ما أي مدير بيتعامل مع سكرتيرته." دام الصمت للحظات قبل أن ترتسم ابتسامة ساخرة على شفتيه.

بينما عيناه ظلت على حالها من الثبات الذي تجلى في نبرته حين قال: "بس اللي قاعد قدامي دلوقتي مش فرح سكرتيرتي؟ للحظة لم تفهم مقصده. ولكن عيناه التي طافت فوق ملامحها وخصلات شعرها المسترسلة على ظهرها. فوصل إليها مقصده فتحمحمت بخفوت قبل أن تقول بتوتر: "ده مالوش علاقة بمظهري على فكرة. أنا فرح في كل حالاتي." "ودي أحلى حالة فيهم. حطي ده في عين الاعتبار! جاءت كلماته مفاجئة فجعلت حدقتيها تتسع للحظة.

فلم تكن تستوعب ما قاله هل كان ذلك غزلًا صريحًا منه؟ لم يتسن لها فهم ما يحدث إذ جاء الطرق على الباب. والذي لم يكن سوى أمينة التي دخلت إلى الغرفة وهي تطالعها بنظراتها الثاقبة. فعادت إليها ذكري ما حدث فاتقد الغضب مرة ثانية بداخلها. والتفتت إليه قائلة بجمود: "أنا بره وقت ما تعوز نبتدي الشغل نادي عليا." أومأ برأسه كإجابة. بينما تبدلت نظراته إلى أخرى جامدة صدمتها. ولكنها لم تفصح عن صدمتها بل تحركت في طريقها إلى الباب.

مرورًا بأمينة التي أوقفتها قائلة بلهجة ذات مغزى: "فاجأتيني النهاردة يا فرح! توقفت فرح بمنتصف طريقها والتفت تناظرها باستفهام قائلة: "يعني إيه؟ أمينة بنبرة ساخرة: "وقفتك قدامنا كلنا عشان تدافعي عن أختك عجبتني وفاجأتني." فرح بنبرة جامدة: "عجبتك وفاهمها إنما فاجئتك ليه؟ أمينة بتخابث: "مش لايقة مع مظهرك الجديد يعني لو كنتي فرح اللي كانت هنا من ساعتين كانت هتبقى لايقة أكتر."

شعرت فرح كأن دلوًا من الماء المثلج قد سُكب فوق رأسها. وفكنت إلى ما ترمي إليه تلك العجوز. وقد أشعرها ذلك بغضب عارم. ولكنها تابعت قائلة بفجاجة: "هنصحك نصيحة ومتزعليش من صراحتي بس انتي زي بنتي بردو وعلي وش جواز. يعني لما ربنا يبعتلك ابن الحلال هتبقي تعرفي قصدي كويس. الراجل مبيحبش الست اللي شخصيتها قوية وتقف تناطحه راس براس بيحب الست اللي تحسسه برجولته. وتبقي ضعيفة قدامه ولا إيه يا سالم؟ سالم بهدوء:

"في المطلق الراجل بيحب الست تبقي قدامه ست ومن وراه راجل." شعرت بحريق يسري في معدتها جراء فجاجة تلك العجوز. ولكنها ابتلعت جمرات غضبها وأرادت حرقها. ولكن ما أوشكت على الحديث حتى جاءت كلماته لتجهز على ما تبقى من ثباتها. لذا قالت بنبرة قوية ثابتة:

"الراجل ضعيف الشخصية قليل الحيلة بس اللي بيخاف من الست القوية يا حاجة. ومتقلقيش أنا هحط نصيحتك في دماغي من باب العلم بالشئ. بس لما آجي أختار شريك حياتي هختار راجل بجد. قوتي دي متهزوش بالعكس يبقى فاهمها صح. الراجل لما بيقع مراته بتبقى هي جيشه الوحيد ولو مراته دي ضعيفة وقليلة الحيلة هتبقى مجرد عبء عليه. أما الست القوية بتبقى سند مش أي راجل يستاهله. عن إذنكوا."

قالت جملتها الأخيرة بينما أرسلت نظرات قوية لكليهما والتفتت مغادرة. وهي تقوم بقلب شعرها في حركة استعراضية أشعلت غضب أمينة. على نقيضه فقد أثارت حركتها جميع حواسه وانتفض شيء قوي بداخل قلبه. بينما التفتت أمينة تناظره بغضب وهي تقول: "بنت قليلة الأدب.." *** كان مروان في الخارج يحاول تهدئة حلا التي كانت تنتحب وقلبها يؤلمها على ما حدث. ومازالت تتذكر نظراته شقيقها التي كانت الخيبة ترتسم بها.

فهي تعشق أشقائها ولا تتحمل أن يغضب منها أحدهم. "خلاص بقي يا حلا انتي قرفتيني من ساعة ما جيت و انتي مش مبطله عياط." حلا بانهيار: "مش قادرة يا مروان أنت مشفتوش كان بيبص لي إزاي؟ نظراته كلها عتاب وخيبة أمل. كل ما افتكرها قلبي بيوجع أوي." نظر إليها مروان بغضب خفي وقال بنفاذ صبر:

"يا بنتي إيه اللي نظراته بتوجعك هو انتي شيرين عبد الوهاب ولا حاجة. أومال لو كان لسعك قلمين على وشك كنتي عملتي إيه قطعتي شرايين إيدك. إيه الأوفر ده." ارتفعت عيناها تناظره بقرف وقالت حانقة: "هستنى إيه من واحد عديم الإحساس زيك." "عديم الإحساس إيه دانتي فلقتي أمي. ساعة حازم وحشك وبتعيطي وساعة أخوكي مزعلك وبتعيطي يا شيخة دانا هقوم أصلي ركعتين شكر إن ربنا مرزقنيش بأخت كان زماني وأدتها من تانية إعدادي."

إحتدت نبرتها وهي تقول: "كان زمانها ماتت منتحرة بسببك. وبعدين بقولك إيه أنت ابن عمي وأخويا وصاحبي يعني تتحمل كل مشاكلي وعياطي وقرفي وأنت ساكت فاهم ولا لأ؟ أوشك على الرد عليها. ولكنه لمح جنة التي كانت تتجول في الحديقة خلفهم. فلفت أنظاره مظهرها الحزين. فنظرت إلى حلا قائلًا بتعاطف:

"ده باينه مرار طافح. شايفة أهي البت مرات حازم دي شكلها حكايتها حكاية وطالع عين أهلها هي كمان. فكرتني بشادية في فيلم المرأة المجهولة يا عيني. ولا أختها دي بت جبارة سنتّرت أمك وعرفت تخطف دماغ سالم وتخليه ينفخكوا كلكوا. وأولهم انتي." قال جملته الأخيرة وهو يقهقه بقوة. فلكزته في كتفه وهي تتذكر ما حدث لتعود إلى البكاء مجددًا وهي تقول بغضب: "بس يا حيوان بتفكرني تاني ليه؟

وبعدين البت دي مبطقهاش وهي سبب البلاوي والمصايب كلها." "إيه دا وانتوا روحتوا فين؟ "يا ابني احترم نفسك هو كان حد جه جمبها ولا كلمها أصلًا." "لا يا شيخة كنتوا اضربوها بفاس أحسن. دانتي وأمك كنتوا عاملين زي ريا وسكينة من شوية." ناظرته حلا بغضب وقالت: "طبعًا لازم تيجي في صفها ماهي مرات حازم." شعر بما تريد قوله فثار غضبه وقال بحدة: "قصدك إيه يا بت انتي؟

"قصدي أنت عارفه كويس. وبعدين على فكرة بقي أنا وسما في صف بعض وهي مش طايقاها وخليك عارف كدا عشان لو مش معانا تبقى ضدنا." عند ذكر اسمها شعر بشيء ما بداخله يتحرك بعنف. ولكنه حاول ارتداء ثوب اللامبالاة قائلًا: "لا معاكوا ولا ضدكوا وشغل الحريم ده ماليش فيه. أولعوا ببعض." أنهى كلماته تزامنًا مع صدور أصوات قوية حولهم. مما جعل حلا تقترب منه خائفة. وبعدها سمعوا صوت صرخات متتالية. فخرج الجميع على إثرها.

وفاجأهم صراخ الخفير الذي هرول تجاههم قائلًا بهلع: "الحقوا ست جنة. الحقوا ست جنة." يتبع...

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...