تسمر في مكانه لدى رؤيته تلك المرأة التي لم يكن يعرفها، خاصة وهي في هذه الحالة المذرية من ملامحها المبعثرة وزينتها التي كانت تشكل لوحة اختلطت ألوانها بفوضوية فجعلتها في أسوأ حالاتها، ولكن من الواضح أنها تعرفه تمام المعرفة. اقترب بخطوات ثابتة كما هي عادته إلى أن وقف أمامها قائلاً بفظاظة: "أنتي مين وإزاي تتكلمي بالطريقة دي؟ تجاهلت سؤاله وقالت منال بغل: "وديت الكلب اللي اسمه عدي فين؟ هنا فطن إلى هويتها فأجابها بخشونة:
"مودتوش في حتة ومعرفش عنه حاجة." صرخت بملء فمها: "أنت كذاب وأكيد بتتستر عليه." لون الغضب عيناه بحمرة قانية وزأر بقوة: "صوتك ميعلاش وأنتِ بتكلمي سليم الوزان. قلتلك معرفش عنه حاجة." هدأت نبرتها وعلا نحيبها وقالت بقهر: "إزاي وأنت اللي...
قاطع حديثها جنة التي هرولت من الأعلى إثر سماعها أصوات صراخ وشجار. تسمرت عينا منال على تلك الفتاة التي توقعت هويتها دون أي سؤال. التف سليم إلى حيث تنظر منال فوجد جنة التي كانت تقف أسفل الدرج تشاهد ما يحدث، فاكفهرت معالمه وقام بالالتفات إلى منال وقال بلهجة آمرة: "تعالي نتكلم بره." طاوعته بغضب، بينما قام بإغلاق باب القصر خلفه والتف إليها قائلاً بقسوة ارتسمت على ملامحه أولاً:
"معرفش مكان حد. وبدل ما أنتي جاية ترمي بلاكِ عالناس ابقي دوري عالمجرم الحقيقي وعاقبيه." "تقصد مين؟ سليم بازدراء: "كنتي منتظرة منه يحافظ على بنتك وأنتي أمها محافظتيش عليها." لم تجد ما تقوله، فتابع يجلد ما تبقي لها من كرامة: "تقدري تقوليلي أنتي كنتي فين وبنتك في وقت زي دا بره البيت؟
أغلقت عيناها بقوة بينما تشعر وكأنها عارية أمامه، مجردة من كل ذرة كبرياء دهست تحت أقدام حديثه القاسي، فقد كانت كلماته تصيب قلبها كأسهم نارية محملة بنيران ذنبها وأخطائها وإهمالها في حق ابنتها، وخاصة حين قال بنبرة لازعة: "الحق مش عليه لوحده. الحق عليكي قبلت تروح معاه شقته. وعليكي من البداية سبتيها تمشي على حل شعرها. اتفضلي من غير مطرود."
كان محقًا في كلامه، وإن كان سمًا، ولكنه كان يحمل من الحقيقة الكثير، فهي وحدها المخطئة، فلتُعاقب نفسها أولاً على إهمالها في حق ابنتها قبل أن تبحث عن أخطاء الآخرين. كانت جنة بالداخل تقف وبجانبها الخادمة نعمة، وخلفهم همت التي تساءلت بفظاظة: "في إيه؟ مين اللي كان بيزعق هنا دا؟ التفتت جنة تناظرها بحنق ولم تجبها، بينما تحدثت نعمة: "متعرفش، دي واحدة شكلها غريب، دي كانت عايزة سليم بيه وهو واقف معاها بره."
كانت عينا همت تطالع جنة بكره كبير، لم يخفِ عليها، ولكنها تجاهلته، فقالت همت ساخرة: "وسليم من امتى بيجيله ستات البيت تسأل عنه! والله ولاد أخويا دول حالهم بقى يحزن. بقوا يمدوا أيديهم في الزبالة ويطلعوا ستات." شعرت جنة بمقدار الإهانة الموجهة لها، فانتفضت كل ذرة في عروقها غضبًا من حديث تلك السيدة التي لا تعرف أي حدود للأدب والذوق، فأغمضت عينيها تعد للعشرة حتى تهدأ من روعها قليلاً، ولكن ما أن وصلت لرقم تسعة حتى وجدت نفسها
تلتفت إليها قائلة باحتقار: "معلش بقي يا عمتو. هي مواجهة الواقع صعبة كده. الواحد بيبقى مفكر نفسه حاجة كبيرة أوي وأن الناس كلها تتمناه وفجأة يلاقي الناس دست عليه وعدت ولا كأنه موجود أصلًا.. عارفه ليه؟ عشان هو أقل بكتير من أنه يلفت انتباههم حتى!
برقت عينا همت التي لم تكن تتخيل أن تقف أمامها تلك الفأرة وترد لها الصاع صاعين بتلك الوقاحة، فهي ظنت أنها لقمة سائغة سوف تلوكها كيفما تريد، ولكنها تفاجأت بنبرة غاضبة يتطاير الشر من عينيها، ولكن ما جعلها تجن غضبًا حين شاهدت سما التي كانت تقف بأول الدرج تشاهد وتسمع ما يحدث بعين منكسرة وملامح ممتقعضة، فتدفقت الدماء بأوردتها وقامت برفع كفها وهوت بصفعة قوية كان هدفها خد جنة، التي أغمضت عينيها بقوة لتتفاجئ بها تسحب للخلف، ففتحت عينيها على مصرعيها فوجدت ذلك الظل
الضخم وصوت يشبهه ضخامة: "انتي زودتيها أوى يا عمتي. حصلت تمدي إيدك عليها. إيه فكرتي أن البيت دا خلاص ملهوش كبير؟ صدمت همت حين وجدت سليم يظهر من العدم ويقف أمامها ممسكًا بكفها بقوة يمنعه من الوصول لتلك الفتاة، فتراجعت خطوتان للخلف إثر سماعها جملته وشعرت في تلك اللحظة أنها تمادت كثيرًا، لذا قالت بارتباك: "أنت مسمعتش هي قالت إيه.. دي قلت أدبها عليا وشتمتني."
التف سليم بناظر جنة التي تراجعت للخلف وأخذت تهز رأسها يمينًا ويسارًا، ولكن شفتيها أبت الحديث، فهي تعلم مقدار كرهه لها وأنه حتمًا سيلقي باللوم عليها، ولكنها تفاجأت به يقول بسخط: "كفاية كذب يا عمتي واعرفي أن اللي حصل دلوقتي وقبل كدا مش هيعدي بالساهل." كانت مفاجأة قوية حين وجدته يدافع عنها بهذا الشكل، حتى ظنت أنها تهزي أو ربما تحلم، ولكن جاء صوت خلفهم جعلها تدرك أنها بواقع لا يمكن إنكاره: "في إيه بيحصل هنا؟
التفت الجميع على صوت سالم الذي كان يحمل حلا ويدخل بها من باب القصر، فتفاجأ بهذا التجمهر وسليم الذي يقف بين عمته وجنة. هرولت سما بقلب متلهف إلى حلا التي كانت محمولة بين يدي سالم مجبرة الساق واليد، فتألمت سما بقوة وأخذ ضميرها يلدغها بقوة، فتناثرت عبراتها وخرج صوتها مبحوحًا وهي تقول: "حمد لله على سلامتك يا حلا." حلا بابتسامة كبيرة: "الله يسلمك يا سمسمة. متعيطيش أنا كويسة والله."
كانت عينا همت تناظر سليم بتوسل صامت، شعر هو به فتجاهلها وتوجه إلى حلا التي وضعها سالم برفق على إحدى الأرائك وتجمهر الجميع حولها، وكان آخرهم جنة التي اقتربت من سالم قائلة بنبرة خفيضة: "هي فرح مجتش مع حضرتك؟ اكفهرت ملامحه وزوى ما بين حاجبيه مما جعلها ترتعب من مظهره الذي يبعث الرعب في النفوس، وكذلك لهجته الخشنة حين قال: "جاية ورانا." لم يطل في الحديث، إنما التفت إلى سليم قائلاً بقسوة: "سليم تعالي عايزك."
نظر سليم لحلا قائلاً بحنو: "حمد لله على سلامتك." أجابته حلا بابتسامة أضاءت ملامحها: "الله يسلمك يا أبيه." نصب عوده وعادت ملامحه مكفهرة كعادتها، وخاصة حين مر بها ولم يلتفت إليها، بل كان ينظر أمامه بعينان مشتعلتان كعادته، فخرجت الكلمات من بين شفتيها خافتة مستنكرة: "ياربي هي الناس دي عاملة كدا ليه.. دا أحنا ولا اللي عايشين في بيت الرعب." "مش عاجبك ولادي يا أم لسانين."
هكذا كان صوت أمينة التي كانت في طريقها إليهم وسمعت حديث جنة الخافت فأرادت مشاكساتها قليلاً. التفتت جنة بلهفة وتجلى التوتر على ملامحها حين سمعت جملة أمينة، فحاولت تصحيح الوضع قائلة بارتباك: "والله أبدا.. أنا بس.. يعني كنت بقول." "إنك عايشة في بيت الرعب صح." جنة بصدق: "الصراحة آه.. ولادك دول كشريين أوي يا حاجة.. أنتي بتتعاملي معاهم إزاي؟ تغضن وجه أمينة بالحزن الذي تجلى في نبرتها حين قالت:
"تعرفي أن دي كلمة حازم الله يرحمه.. كان دايما يقولي عيالك دول كشريين أوي يا أمينة." لامس حزنها قلب جنة التي كانت تحارب دائمًا ذكرياتها معه بحلوها ومرها حتى لا تنهار أمام وجعها العظيم الذي ارتسم على ملامحها في تلك اللحظة، فأمتدت يد أمينة تكررها على بطنها التي امتلأت قليلاً وقالت بصوت يملؤه الشجن: "بس ربنا بيعوض.. عوضنا أنا وأنتي بإبنه اللي لما ييجي بالسلامة هشيله في قلبي قبل عيني.. زي ما هشيلك أنتي كمان يا جنة."
تلالأت العبرات بمقلتيها تأثرًا بحديث أمينة التي قالت بتوسل ارتسم بعينيها: "مش هتحرميني منه في يوم من الأيام صح.. مش هتكسري قلبي عليه زي ما اتكسر على أبوه صح." كانت أمينة تعلم جيدًا الطريق لقلب تلك الفتاة البريئة التي تأثرت كثيرًا بحديثها، وقالت بصدق: "أبدًا.. عمري ما هحرمك منه.. أنا مش وحشة زي ما انتي متخيلة." زفرة ارتياح خرجت من قلبها فقالت بصدق:
"عارفة.. عارفة إنك مش وحشة.. هتصدقيني لو قلتلك إني بقيت بعتبرك زي حلا بنتي.. وأتمنى أنك تعتبريني أنتي كمان زي والدتك." تفاعلت من حديثها الصادق ومشاعرها التي كانت بحاجة ماسة إليها، فقالت بتأثر: "طبعًا. من غير ما تقولي." قاطع حديثهم صوت حلا التي كانت تصرخ منادية على والدتها، فقالت أمينة برفق:
"تعالي سلمي على حلا. ومتزعليش منها هي طيبة والله بس لسه متعرفكيش وأنا واثقة أنها لما تعرفك على حقيقتك هتحبك أوي وهتبقوا أصحاب كمان." أومأت جنة برأسها في صمت، بينما توجهت أمينة ممسكة بيدها إلى غرفة الجلوس، فوجدت حلا تتسطح على الأريكة وبجانبها سما تجلس القرفصاء على الأرض، وأمامها همت التي كانت تناظر جنة بغضب لم تفلح في إخفائه: "انتي فين يا ماما كل دا؟ أمينة بهدوء:
"موجودة يا حبيبتي. تعبانة ولا حاجة أنادي حد من أخواتك يطلعك أوضتك." كانت نظرات حلا مصوبة بقوة على جنة الممسكة بيد والدتها، وقد أغضبها هذا كثيراً، فهي للآن لم تستطع نسيان تلك الصفعة التي نالتها بسببها، لذا قالت بخشونة: "الجو هنا خنيق فعلاً وعايزة أطلع أوضتي." تجاهلت جنة حديثها ونظراتها وقالت بلطف: "حمد لله على سلامتك."
لم تتكبد عناء الرد عليها، إنما أومأت برأسها وملامحها مازالت مكفهره، مما جعل الغضب يأكل جنة من الداخل، ولكنها لاذت بالصمت الذي قطعه صوت أمينة القوي حين قالت: "طبيعي طول ما الناس فوق راسك كدا هتتخني. وعموماً لما اخواتك يخلصوا اللي في إيديهم هخلي حد فيهم يطلعك أوضتك." أنهت حديثها والتفتت إلى جنة قائلة بلطف: "تعالي يا جنة طلعيني أوضتي عشان تعبت وعايزة أرتاح شوية." تبعتها جنة دون أي حديث، وبعد أن غادرا
انفجرت همت قائلة بانفعال: "شايفه يا حلا أمك بتعمل إيه. بقي إحنا هنخنقك. بقينا إحنا وحشين والبت دي هي الكويسة، ساحبها لنا معاها في كل حتة." تعالى الغضب بداخلها حتى وصل ذروته، وخاصة حين قالت سما بحزن: "أنا مش فاهمة مرات عمي بتعمل معانا كده ليه. أنا معملتش فيها حاجة وحشة. دي كانت بتقولي انتي زيك زي حلا دلوقتي، فجأة كده كرهتني." تأثرت حلا كثيرًا بحديث سما وملامحها الحزينة، فقالت بإنفعال:
"لا بقي الوضع مبقاش يتسكت عليه. أنا مش متخيلة إزاي ماما تعاملها كده، دي كانت بتكرهها وتقول إنها السبب في موت حازم." واصلت همت بث سمومها في عقل حلا حين قالت بتهكم: "ياريت على قد مامتك وبس. ده حتى الكبير اللي كنا بنقول عليه عاقل جرجرته وخلته يحاميلها. والله وأعلم بتخطط لإيه؟ نجحت في غرس شكوكها في عقل حلا التي قالت بعدم فهم: "تقصدي مين؟ همت بحزن مفتعل:
"سليم.. تخيلي من شوية البنت قلت أدبها عليا، وبدل ما يقولها عيب ميصحش يقولي محصلش. ولما قولتله عالي قالته قالي إني بكذب. بهدلني قدام الخدم يا حلا يرضيكِ! شهقت حلا بصدمة مما سمعته لتوها وقالت بذهول: "لا يا عمتو مش معقول اللي بتقوليه ده! "طب حتى أسألي سما." سما بنفاذ صبر: "طلعي سما من الحوار ده. سما خلاص هتسبهالها خضرة وتمشي." تفاجأت حلا من حديث سما الذي جعلها تنتفض في مكانها كمن لدغتها أفعى قائلة بصدمة:
"سما إيه اللي انتي بتقوليه ده؟ تمشي تروحي فين؟ إيه الكلام ده يا عمتو؟ همت بقهر: "عمتك هتموت بقهرتها. تخيلي يا حلا سما عايزة تسيبني وتسافر تروح تعيش مع شيرين. عايزين يسيبوني لوحدي في آخر أيامي ويفضل قلبي متشحتف عليهم العمر كله. وكل ده ليه؟ عاشت ست الحسن والجمال مش راضية تبعد عنها." حلا بانفعال: "يعني إيه الكلام ده. هو بمزاجها!
دي هي اللي تمشي وتغور في داهية. اسمعي يا سما مفيش مشيان من البيت ده ولو عملتيها لا انتي بنت عمتي ولا أعرفك ولا لساني هيخاطب لسانك ليوم الدين. سمعاني." سما بتعب: "حلا الله يباركلك بلاش كلامك ده." قاطعتها حلا بصرامة: "بلاش انتي عبطك ده وانسى اللي بتفكري فيه ده خالص. وإن كان عالست جنة دي أنا هعرف أوقفها عند حدها. وأعرفها إزاي تتجاوز حدودها معاكِ." ***
كان الأخوان في المكتب يناقشان أمور العمل، وكان سالم كل دقيقة ينظر إلى ساعته ومنها إلى النافذة، مما جعل سليم ينتبه إلى ما يحدث، فأغلق الأوراق أمامه وقال باستفهام: "في حاجة يا سالم؟ أنت منتظر حد؟ سالم باختصار: "مفيش." شعر سليم بخطب ما يحدث مع أخيه فاستطرد قائلاً: "حاجة مضيقاك." قاطعه سالم مفجراً قنبلته دون أي مقدمات: "أنا هتجوز فرح."
برقت عينا سليم من هول ما سمع، حتى أنه أخذ عدة لحظات في محاولة لاستيعاب ما تحدث به أخاه الذي كانت معالمه لا تفسر، فتحمحم سليم متجاوزاً صدمته قائلاً: "شكلك بيقول إنك واخد قرارك ومصمم عليه، وده طبعاً حقك. بس ممكن أعرف إزاي حصل ده؟
نهض سالم متوجهاً إلى النافذة واضعاً يديه بجيوب بنطاله، وأخذ يصارع غضبه الذي كان يحاول إخراجه مع ذرات ثاني أكسيد الكربون العالقة بصدره، فقد كان تفكيره الآن منصباً على تلك التي لم تأتِ حتى الآن، بينما هو يحترق بنيران لم يختبرها مسبقاً سوى معها، ولم يكن يتخيل أن تكون مؤلمة لتلك الدرجة. أعاد سليم سؤاله حين قال: "سالم. سمعتني. كنت بقولك إزاي حصل." قاطعه سالم بخشونة:
"من غير الدخول في تفاصيل مش مهمة. أنا قررت وانتهى الموضوع." "تمام بس اشمعنى فرح بالتحديد يعني انت مش شايف إنها مختلفة عنك في كل حاجة؟
حديث أخاه جعل ابتسامة ساخرة ترتسم على ملامحه، فعلى العكس تماماً، هي تشبهه كثيراً شموخها وعنادها وقوتها، حتى هدوئها الظاهري. كان يود في تلك اللحظة أن يخبره بأنها امرأته التي خلقت من ضلعه الأعوج الذي استقام بعشقها، يخبره بأنها بالنسبة إليه كانت تحدٍ ظن أنه انتصر به، والحقيقة أنه هزم أمامها وأعلن قلبه رأيه التسليم في هواها متيماً، ولكنه كعادته يفصح أقل بقليل مما يخفي، اكتفى بالقول: "مناسبة ليا."
صمته وعضلاته التي تشنجت عند ذكرها، وكذلك ذلك النفس الذي خرج محترقاً من بين ضلوعه، كل تلك الأشياء جعلت سليم يواجه حقيقة لم يكن يتوقعها، أن أخاه وقع بعشق تلك المرأة! "سالم. أنت؟ سالم بفظاظة: "مش عايز استنتاجات معنديش استعداد أجاوب عليها يا سليم." تفهم سليم شعور أخيه جيداً، فهو بمثل موقفه لا يقدر على التبرير ولا حتى الإفصاح عما يدور بداخله، لذا توجه يقف بجانبه ينظر من النافذة وهو يقول بهدوء:
"اللي تشوفه يا سالم. بس أكيد مش هتعمل حاجة قبل ما تعدي سنة على وفاة حازم على الأقل. أنت عارف الحاجة غير إنه مينفعش." نجح في إخفاء حزنه وغضبه بداخله وقال بخشونة: "متقلقش. مفيش حاجة هتم قبل ما جنة تولد بالسلامة وسنوية حازم تعدي."
هدير سيارة جعل الغضب يحل محل الحزن، حيث تبدلت معالم سالم وبدأ متحفزاً وكأنه نمر يوشك على الانقضاض على فريسته حين رأى فرح التي ترجلت من السيارة وتتحدث مع مروان بدون تحفظ وابتسامتها تملأ وجهها، وذلك الوغد يضحك ملأ فمه الذي يود تلك اللحظة أن يعطيه لكمة قوية تُحطِم أسنانه حتى لا يضحك معها مرة ثانية. ازدادت شراسة معالمه حتى كادت أنيابه أن تظهر، وقال بصوت يشبه الزئير في قوته: "هاتلي الكلب اللي اسمه مروان ده هنا."
تفاجأ سليم كثيراً من مظهر أخاه ونبرته المتوعدة، ولكن لم يعلق وتوجه إلى الخارج، فوجد جنة التي كانت تهرول إلى باب القصر عندما علمت من الخدم بوصول شقيقتها، فبلغت سعادتها عنان السماء وأطلقت الريح لساقيها حتى تلاقيها، ولكنها تفاجأت من تلك القبضة القوية التي أحكمت الإمساك برسغها، فالتفتت بصدمة لتجد عينان تعرفهما جيداً، فاحمرارهما وذلك الغضب الذي يميزهما لم تراه أبداً في حياتها سوى عندما شاهدته.
كانت أنفاسها المتسارعة ودقاتها الهادرة وشفتيها المرتعشتين إغواء قاتل لقديس مثله لم يذق معنى العشق بحياته ولم يتذوق من شهده رشفة واحدة، ولكنها الآن متجسدة أمامه كتفاحة الحرام التي تغريه من بعيد ولا يجرؤ على لمسها. أجل، كانت تلك تفاحة آدم التي ستودي به إلى الهلاك. "مش بتحاسبي. إزاي بتجري بالشكل ده وأنتي حامل." برقت عيناها من حديثه واهتمامه المفاجئ بها الذي جعلها تقول دون احتراز:
"نعم. أنت خايف عليا ولا أنا خدت شومة على دماغي باين! بلمح البرق تركتها يداه بغتة واعتدل في وقفته وحاول إخفاء لهفته الغبية التي وضعته في مأزق الآن، فقال بتهكم: "لا الشومة دي فعلاً انتي تستحقي تاخدي بيها على دماغك على استهبالك ده! اغتاظت من وقاحته فقالت قاصدة استفزازه: "مش قولتلك ملكش دعوة بيا ولو شوفتني بموت كبر دماغك مني! مالك ومالي؟
اشتعل حنقه أكثر من حديثها، فقد قالت ما يود أن يقحمه بقلبه الغبي الذي لا يعلم لما يحاوطها بهذا الشكل، ولكن أبى أن يجعلها تظفر بنصر آخر عليه، فقال بفظاظة: "توضيح بسيط انتي متفرقيش معايا. أنا بس خايف عالي في بطنك واللي حذرتك قبل كده إنك تعرضيه للخطر. قولتلك كده ميت مرة ولا مقولتش؟ تابعت استفزازه قائلة: "انت بتقول كتير الصراحة وأنا مبركزش! هدر بغضب: "متضايقنيش أحسنلك." كانت مستمتعة بإغضابه كما كان يفعل دومًا،
فتابعت بتهكم: "انت كدا كدا على طول متضايق فبلاش تلبسني تهم عالفاضي." أوشك أن يجيبها فقاطعه صوت مروان المازح حين قال: "جنة. بت يا أم حزومبل. انتي فين اختك جت من السفر." "جاية يا مارو أهو." هكذا أجابت جنة على مروان وهرولت للخارج، تاركة خلفها شعلة من النيران المتأججة التي كانت قادرة على حرقها في تلك اللحظة.
ارتمت جنة بأحضان فرح التي استقبلتها بشوق بالغ، فقد كانت تلك المرة الأولى التي تبتعد عنها، وكانت تعد الدقائق والساعات حتى تأتي وتحتضنها، خاصة وقد كانت خائفة من تركها وسط هؤلاء البشر، ولكن لأول مرة غُلِبت على أمرها وانحنت أمام أوامر ذلك المتسلط. "وحشتيني أوي يا فرح.. أخيرًا جيتي." فرح بشوق: "انتي وحشتيني أكتر يا جنة.. والله ما كنت عايزة أسيبك أصلاً بس للضرورة أحكام. هعمل إيه بس؟ تدخل مروان قائلاً بمزاح:
"قصدي حكم قراقوش.. قولي قولي متتكسفيش سرك في بير." قهقهت الفتيات على مزاحه وقالت فرح من بين ضحكاتها: "يا ابني أنت إيه. بطني وجعتني من كتر الضحك." مروان بمزاح: "أي خدمة أعدي الجمايل. الواحد بيداينكوا عشان لما ييجي يتزنق تلحقوه." جنة محاولة إغاظته: "مبتعملش حاجة لله أبداً. والله أنت تستاهل اللي ريتال بتعمله فيك." مروان بتهكم:
"ريتال دي المفروض طفلة وأنا باخد بالي منها بس تصدقي بالله أحياناً بحس إني أنا اللي عبيط وهي اللي عارفة كل حاجة. تحسيها واحدة عندها سبعين سنة واتسخطت.. مشرداني الله يسامحها." تعالت قهقهاتهم أمام ذلك الذي كان غضبه تخطى حدود المسموح، فقال بصوت أرعدهم جميعاً: "مرواااان." انتفض مروان في مكانه وقال بذعر: "مين. مروان مين؟ أكيد مش أنا."
لا تعلم لما شعرت بالانتشاء لغضبه الذي تجلى بوضوح في صوته، لم تكن ترى ملامحه فقد كانت تلمحه منذ أن ترجلت من السيارة وهو يقف في النافذة، ولهذا وبالرغم من تعبها إلا أنها أرادت إغضابه. جنة بإشفاق: "أهو قراقوش شكله سمعك. الله يرحمك كنت طيب وبتسلينا. مين هيضحكنا بعدك يا مارو." ناظره مروان باشمئزاز قبل أن يقول: "هو ده اللي ربنا قدرك عليه تعدي عليا وأنا لسه عايش. اومال لما أموت هتعملي إيه. حسبي الله ونعم الوكيل يا شيخة."
أنهى حديثه وتوجه إلى الداخل، بينما استدارت فرح نصف استدارة وألقت نظرة متشفية على ذلك الذي كان كتلة من الجحيم في تلك اللحظة، ولكن لحسن حظها فقد حجب الزجاج ملامحه التي تنذر بهبوب عاصفة هوجاء قد تكون هي أول ضحاياها. ولكنها واصلت عبثها معه حين قامت باحتضان شقيقتها وتوجهت معها إلى الملحق الخاص بهم دون أن تمر عليه لمعرفة إذا ما كان يحتاجها أم لا.
بينما عيناه تأكلهانها بنظراته الغاضبة وهي تغادر، ونظرتها له وكأنها تتحداه علناً. ولكنه قبل تحديها الصامت متوعداً: "ماشي يا فرح. أنتِ اللي ابتديتي." دلف مروان وخلفه سليم الغاضب إلى داخل الغرفة، وحين أغلق الباب بقوة جفل مروان الذي قال بتملق: "أخيراً الباشا الكبير بتاعنا وصل. نورت بيتك والله. شوف الدنيا كلها كانت مضلمة من غيرك."
التفت إليه سالم بمعالمه التي بدت وكأنها آتية من الجحيم، مما جعل مروان يتراجع خطوتان للخلف فزعاً، وخاصة حين اقترب منه سالم بخطٍ سُلحفيه وهو يقضم شفته السفلية بحنق ويهز برأسه قائلاً بتوعد: "أهلاً... أهلاً باللي مقضيها هلس ولعب ومش عامل اعتبار لحد." تراجع مروان خطوتان فوجد كف سليم يهبط بقوة على كتفه، فأوقفه في مكانه وهو يقول بنبرة مرعبة: "مكانك يا خفيف." توقف مروان بمكانه وهو ينظر إلى هذان الوحشان بذعر قائلاً بتلعثم:
"إيه يا رجالة في إيه؟ ده أنا زي ابن عمكوا برضه.. انتوا هتبلعوني ولا إيه؟ لا بقولكوا إيه ده أنا معايا الباسبور الأمريكي." قاطعه سالم بوعيد: "أنت بتهددنا ولا حاجة؟ مروان بنفي قاطع: "لا أهدد مين ده أنا يتقطع لساني. ده أنا بعرفكوا بس عشان لو محتاجين أي حاجة من هناك يعني!! سالم مردداً كلمته بوعيد: "بتعرفنا آه.. ولا أنت مش عاجبني! مروان بصدمة: "ليه وأنا كنت عملت إيه؟ سالم بفظاظة: "قعدتك في البيت وسط الحريم دي مش عاجباني!
مروان باندفاع: "هو في أجمل من قاعدة الحريم." سالم بحدة: "نعم! مروان مصححاً: "آآآ. لا. أقصد ولا عجباني أنا كمان. ما تشوفولي شغل يا جدعان. أنا اتخنقت الصراحة. مانا مش جاي هنا أعد يعني." نظرا الإخوان لبعضهما البعض بغموض وتحدث سليم قائلاً بوعيد: "بس كدا. غالي والطلب رخيص." *** بعد مرور أسبوع.
كان الوضع هادئاً أو لنقل هدوء ما قبل العاصفة، فقد كان سليم يتحاشى التواجد في المنزل حتى يحاول الوصول إلى قرار مع نفسه، تاركاً خلفه جنة التي لا تعلم لما كانت تفتقده. هناك شعور ما لا تختبره سوى بوجوده، لا تعلم ولكنها كانت تشعر بأن هناك شئ ينقصها ولا تجرؤ على الإفصاح عن مكنوناتها حتى لشقيقتها التي كانت بعالم آخر، فهو يتجاهلها ويتعامل معها في حدود العمل فقط، بضع كلمات مقتضبة عما يريده أو يحتاجه دون حتى أن ينظر إليها، ولا تعلم لما كان هذا يغضبها بل يؤلمها كثيراً. ولدهشتها افتقدته. برودة استفزازه. ردوده اللاذعة. كانت تفتقد نزاعاتهم وحروبهم الباردة، ولكنها أبداً لن تفصح عما يدور بداخلها ورضيت بأن تتلظى بلهيب البعد وهو أمامها.
كانت ترتب أوراقها على المكتب، فقد حان موعد الغداء وهي قد أنهت كل الأعمال التي أوكلها إياها، وتوجهت إلى باب المكتب، فأوقفها رنين هاتفها، كانت جارتهم السيدة علا، فأجابتها فرح، وبعد تبادل السلامات قالت علا بعتاب: "كده يا فرح أرن عليكي كل ده ولا ترديش عليا؟ فرح بتبرير: "والله يا حاجة غصب عني انشغلت ولما جيت رنيت عليكي أداني غير متاح.. حقك عليا متزعليش."
"لا ولا يهمك أنا بس كنت عايزة أحكيلك على الجدع قريبكوا اللي جه سأل عليكوا ده." فرح بانتباه: "قريبنا! قريبنا مين؟ قصت علا عليها ما حدث وزيارة ياسين لها، فاندهشت فرح من حديثها وقالت باستفهام: "مقالكيش اسمه إيه؟ "لا مقاليش بس وراني بطاقته. استني هفتكرلك اسمه إيه؟ في تلك الأثناء كان ياسين يقف أمام باب المنزل الذي علا جرسه، فتوجهت الخادمة لتفتحه وتسأله بلطف: "مين حضرتك؟ أجاب ياسين باحترام:
"دكتور ياسين وفيق عمران. وعندي معاد مع سالم بيه." تسمرت فرح في مكانها لدي سماعها ذلك الاسم، وحينها صدح صوت السيدة علا التي قالت بلهفة: "آه يا فرح افتكرت اسمه ياسين." فجأة سقط الهاتف من يدها وووو ويتبع......
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!