الفصل 22 | من 23 فصل

رواية في قبضة الاقدار الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم نورهان العشري

المشاهدات
25
كلمة
9,628
وقت القراءة
49 د
التقدم في الرواية 96%
حجم الخط: 18

أشياء لا تعرفها عني… أنا شخص مُتعب للغاية، مُثقل بأحمال لا يتسع كتفي لحملها. عاندت قدري يومًا فأقسم على عقابي دهرًا، وانهارت أحلامي دفعة واحدة للحد الذي احتارت عيني أيهما تبكي أولًا. ولكني صنعت من حُطامها جدارًا بقدر صلابته، يُخفي انهيارات عظيمة وخسارات هائلة لا ينقصها أبدًا وجودك. فمن بين أنقاض الوجع وغياهب الألم، هناك شيء بأعماق قلبي تمنى لو تكون أنت أول انتصاراته. "يابوي انت اكده بتظلمني و بتاجي علي و علي بناتي."

هكذا تحدث محمود مع والده بصوت محشو بالغضب. فنهره والده قائلاً بصرامة: "عتخالف أوامرى يا محمود و لا أي؟ المال مالي والكلمة كلمتي، وأنت خلفتك بنات. ومهينفعش أرضنا تروح للغريب واصل." محمود بحنق: "بس ربنا مجالش أكده. في شرع بنمشو عليه." "وأنا مجولتش حاچه عايز بناتك ياخدوا حجهم يبجي نخطب فرح لياسين وچنة لراضي." جن جنونه من إصرار والده فصرخ مقهورًا: "يرضي مين دا بس يا عالم! أخطب بنات لسه ميعرفوش السما من العمى."

عمران بانفعال: "وإني مجولتش يتخطبوا دلوق. الكلام دا يبجي لما يتموا السن الجانوني." لم يجد بقلب والده مثقال ذرة من الرحمة، وقد هاله الإصرار والتصميم الذي يغلف ملامحه، فهب واقفًا في مكانه وهو يقول بصرامة: "وانى مش موافج يابوي. وإن كان عالمال والأرض ميلزمونيش. بناتي أغلي من كنوز الدنيا كلها." فجأة دارت الأرض تحت أقدامه حين هوى والده بصفعة قوية تركت بصماتها على قلبه وكبريائه، وخاصة حين قال:

"يظهر أن جعدتك في البندر نستك عاداتنا وتاليدنا. بس اني هفكرك بيهم. وخليك فاكر أنك لو خرچت عن طوعي يبجي ملكش حاجة عندنا، لانت ولا بناتك. وهحرمك من كل حاجة." كانت قساوة والده شيئًا ليس بالجديد، ولكن تلك المرة نال من أغلى شيء عنده، لذا قال بتصميم: "يبجي تعتبر أنك مخلفتك غير وفيج. وخرّجني من حساباتك. وأني الي مش عايز حاجة منيكوا." هنا تدخل وفيق الذي كان يرمق أخاه بنظرات ساخطة لعصيانه الدائم لهم:

"إيه الحديت الماسخ دا يا محمود؟ هتعصي ابوك ولا اي؟ محمود بخيبة أمل: "كفاية أنت بتطيعه يا وفيج! اني ههملكوا البلد كلها وأرحل أنا ومرتي وبناتي. مبجاش لينا حاجة اهنه." تقدم إلى باب الغرفة، وما إن هم بفتحه حتى استوقفته كلمات والده الغاضب: "تلاته بالله العظيم يا محمود لو ما رجعت عن الي في دماغك ده ما هتردد ثانية انفذ الي جولته. وهتلاقي نفسك محلتكش حاجة. فكر زين يا ولدي وخد جرارك."

لم يلتفت محمود، ولكنه تفاجأ بيد صغيرة لطفلة جميلة لم تتجاوز الثلاثة عشر عامًا تمسك بيده قائلة بجزع مما يحدث: "هو في ايه يا بابا؟ جدو ماله بيزعق ليه؟ نظر إلى فرح بحزن تبدد في لحظة وتحول لغضب حارق، ثم قال مشددًا على كلماته: "يالا يا فرح عشان نجهز، قدامنا طريق سفر طويل." فرح ببراءة: "احنا مسافرين فين يا بابا؟ التفت محمود ينظر بتحدٍ يشوبه خيبة أمل كبيرة: "راجعين بيتنا. معدش لينا مكان ولا أهل هنا." ***

استفاقت فرح من شرودها في تلك الذكرى البعيدة، فوجدت نفسها على رأس مثلث النظرات المتبادلة بينها وبين كلا من ياسين وسالم. قال سالم بصوته الفظ: "مواعيدك مظبوطة يا دكتور ياسين. اتفضل." ياسين بتحفظ: "أشكرك يا سالم بيه." القي ياسين عليها ابتسامة دافئة، تذكرتها بعد كل تلك الأعوام الطويلة، بالرغم من تحول ملامحه تحول جذري، فقد تغير من مراهق خجول إلى رجل جذاب بكل ما تعني الكلمة، ولكن تبقي ابتسامته مطمئنة مثلما كانت.

حياها بلطف قبل أن يتوجه مع سالم إلى الداخل، والذي كان هو الآخر يقاتل بضراوة ألم قاتل بنكهة غاضبة ضرب أنحاء صدره بعنف وهو يرى تلك النظرات المتبادلة بين الثنائي. فمنذ أن عرفها لم يرى تلك النظرات بعينيها، كانت تبدو ضائعة، متأثرة، لا يعلم بالضبط، ولكنه غاضب حد الألم. وكعادته بدأ صارمًا، متجهم الملامح، ثابت الخطى. يتجاهل ألمه ببراعة مثلما تجاهلها، فلم تظفر بلمحة من عينيه وهو يتوجه مع ياسين للداخل، تاركًا امرأة محطمة لم يكن ينقصها سوى أصفاد الماضي النارية حتى تُجهز على ما تبقى منها.

في الداخل كانت تجلس بخجل كبير منعها حتى من الالتفات إليه، حتى وإن كان هناك شوق كبير يجبرها على اختلاس النظرات منه، منذ أن أجلسها سليم إلى جانب والدتهم التي لا تعلم عدد المرات التي شكرته بها على إنقاذ حياة طفلتها. "أي حد مكاني كان هيعمل كدا. أنا معملتش في واجبي." أمينة بوقار: "انت راجل محترم ومن أصل طيب يا ابني، ربنا يوقف لك ولاد الحلال." تدخل سالم مقاطعًا حملة الامتنان التي شنتها والدته منذ أن دخل منزلها، قائلاً

بفظاظة: "انت أساسًا من اسماعيلية، يعني عيلتك وأهلك من هنا؟ كان يشعر بنفور متبادل بينهم، فتحدث بلهجة صلفة: "أهلي وعيلتي من المنيا. وأرضنا وكل حاجة هناك." لم تعجبه نبرته، ولكن تابع بفظاظته المعهودة: "وإيه أي جابكوا هنا؟ تجاهل ياسين عجرفته وقال بعجرفة: "نصيبنا." تدخل سليم لتهدئة الأجواء التي تلبدت حولهم فجأة، قائلاً: "انت نورتنا النهاردة يا دكتور ياسين، وشرف لينا أننا اتعرفنا على إنسان محترم زيك." ياسين بود:

"الشرف ليا يا سليم بيه." مرت الزيارة بهدوء بعد أن اعتمد سالم الصمت، تاركًا المجال للجميع بالحديث الذي اقتصر على تعارف وبعض مزحات مروان ولطف أمينة التي لم تفتها نظرات ابنتها التي تحمل طابعًا خاص لذلك المعيد الذي انشرح له صدرها. انتهت الزيارة سريعًا بوعد من ياسين الذي وعد بأن يعوض إلى حلا ما فاتها من محاضرات، فلم يعد يتبقى على موعد الامتحانات إلا القليل. "قولي لي يا بت يا حلا إيه الي أنا شيفاه دا؟

كان هذا حديث سما التي لاحظت نظرات حلا وذلك المعيد. فاجتاح ملامحها خجل كبير وأجابتها بمراوغة: "إيه؟ شايفه إيه؟ "شايفه نظرات وهمسات من تحت لتحت، وواد قمر طول بعرض ويهبل." اجتاحها ضيق مفاجئ من تغزلها به، فقالت بإنفعال طفيف: "إيه يا بت أنتِ ما تلمي لسانك. أنتِ هتعاكسيه قدامي؟ ابتسامة خبيثة ظهرت على ملامح سما التي قالت: "آه يا جزمة، بقي فيه حوارات بتحصل من ورايا. طب أنتِ زعلانة منك." حلا بلهفة:

"والله أبداً محصلش أي حاجة، دا مجرد إعجاب. أقولك، هحكيلك وأنتي قولي دا يبقى إيه." سما بحماس: "قشطة." شرعت حلا بقص الأمر من بدايته على سما التي كانت منتبهة كليًا، وما إن انتهت حتى قالت بحيرة: "معرفش بقى الي جوايا دي يبقى إيه؟ سما بحماس: "يبقى طبتي يا جميل." "هي مين دي اللي طبت يا بنات؟ كان هذا صوت أمينة التي كانت تقف على باب غرفة الجلوس تناظرهم باستفهام، وبجانبها جنة الممسكة بيدها تساعدها. فاعتدلت الفتيات

وقامت حلا بالحديث بتلهف: "لا أبداً. دا احنا بنتكلم على المسلسل بتاعنا." ما إن أنهت حلا جملتها حتى صاحت سما بلهفة: "آه صحيح يا حلا، مش للعشق وجوه كثيرة عملوا منها جزء جديد." انفضت حلا للحد الذي آلم ذراعها المضمد، وقالت بحماس: "بتتكلمي بجد؟ سما بصياح: "آه والله، دا زمانه شغال دلوقتي." هبت سما من مقعدها تدير جهاز التلفاز، فتبادل النظرات كلاً من أمينة وجنة، فقالت أمينة باستفهام:

"والله مانا عارفة مين أهبل من التاني. تعالي يا بنتي أما نشوف المسلسل اللي بيحكوا عنه دا." امتعض وجه سما حين رأت جنة تتقدم مع أمينة إلى الغرفة، فنادتها حلا قائلة: "تعالي يا سما جمبي نتفرج عالمسلسل." شعرت جنة بالحرج فقالت: "طب هروح أنا بقى أرتاح شوية." هنا صدح صوت خلفهم: "تروحي فين؟ اترزعي الناس بترش الجنينة برا من الحشرات والحاجات دي، خافوا على نفسكوا." كان هذا صوت مروان العابس على غير عادته، فأرادت مشاكسته قليلاً

فقالت: "طب اختفي أنت دلوقتي أحسن يتلخبطوا فيك." تعالت ضحكات أمينة على مزاحهم والفتيات، فقال مروان بسخرية موجهًا أنظاره للفتيات: "بتضحكوا على خيبتكوا أنتِ وهي. وانتِ ياللي بقيتي شبه أنبوبة البوتجاز، أنتِ بتتريقي ماشي، أما تولدي بس." صدح صوت حلا الغاضب: "ممكن تخف استظراف شوية، المسلسل هيبتدي." صمت الجميع وبدأ تتر مسلسل (للعشق وجوه كثيرة) *** "قولوا يارب والنبي تبقي مسلسل 😊"

ملاحظة: دا اقتباس من للعشق وجوه كثيرة الجزء التاني 👇

هناك أشخاص في هذا العالم كالمصابيح، يضيئون دروبنا المظلمة. العثور عليهم صعب، والتفريط بهم مستحيل. كذلك الذي يخبرك دائمًا بأنه سيغادرك ولكنه لا يجرؤ عن الابتعاد أبدًا. وذلك الذي يظهر فيك صفاتك الجميلة التي لم تلاحظها في نفسك يومًا. وذلك الذي يتحمل رماديتك ومزاجك السيء بقلب رحب. وأيضًا هذا الذي يستمر بإخبارك بأنك الأروع في هذا العالم. وعلى رأسهم هذا الذي يغفر جميع ذلاتك، غضبك، قسوتك، إزعاجك وتذمرك الدائم. يوقن بأن كل تلك الأشياء عابرة بعيدة عن طبيعتك، ويدرك بأنه لا يوجد شخص كامل في هذه الحياة. كلما رأيت نفسك بعينيه تقع بعشقها، بإستطاعته تبديد غيومك السوداء وإعادة الصفاء إلى سمائك من جديد لتبدو مشرقة.

تجمعت العائلة في يوم مشمس جميل كما اعتادوا كل أسبوع بناءً على رغبة رحيم الحسيني، الذي كانت متعته في هذه الحياة أن يرى جميع أحباءه حوله، وخاصة أحفاده. على رأسهم عزيز قلبه رحيم الصغير الذي كان يشبه والده وجده بالكثير من الصفات وحتى الملامح. يناقضه أخيه ريان الذي كان يشبه والدته في جمالها الخارجي، وكان يتمتع بحس فكاهي يضفي بهجة كبيرة على اجتماعاتهم. إلى تلك الزهرة الجميلة التي كانت تشبه اسمها قولًا وفعلًا، وقد أصر هو

على تسميتها بهذا الاسم الذي أسعد «كاميليا» بصفة خاصة والجميع بصفة عامة. وأحباء قلبه عامر ومحمود ومراد أولاد رائد، الذي لم يفترق عنهم أبدًا، وكأنه قد نوى أن يعوض جده وذاته عن كل ذلك الحرمان الذي ذاقه لسنوات في البعد والألم. وأيضًا ثنائي الشر التوأم يوسف وسيف، واللذان يشبهان والدهما أدهم إلى حد كبير،

فقد ورثوا عنه كل شيء: خفة ظله، وملامحه، وعبثه، حتى جنت المسكينة غرام من أفعالهم، وقد كان الجميع يشفقون عليها. ولكن كان الجانب الأكبر من الشفقة يخص مازن الذي رزقه الله بتوأم تيا وتولين، وعمار الذي لم يبلغ من العمر ثلاث سنوات. فقد كانت الفتاتين غاية في الجمال تمامًا كجميلته كارما، وجعله هذا طوال الوقت غاضبًا. فقد كان يغار بشدة على فتياته، وطوال الوقت يتشاحن مع ريان والتوأم المشاغب يوسف وسيف، ويقسم بأنه لن يزوج أيًا من فتياته بأحد من هؤلاء الأوغاد. ودائمًا

ما يردد أمامهم بصوت هادر: "اللي هلمحه فيكوا يا شوية رعاع بيقرب من بنت من بناتي هبيته في الحجز.." ونأتي لذلك الثنائي الهادئ علي وروفيان وأطفالهم هاشم ومالك وهيا. وقد كان الولدان كالقطبين المتنافرين، أحدهما يشبه علي برزانته، والآخر ورث العبث والجنون من شقيقتيه. أما صغيرته فقد كانت ناعمة رقيقة كوالدتها بملامح غربية جميلة كوالدته. "يالا هنقطعكوا النهاردة."

هكذا تحدث أدهم وهو ينظر لغرام بمشاكسة، فقد اتفقوا على إقامة مباراة لكرة الطائرة بين فريقين. فريق الرجال المكون من (يوسف، أدهم، ومازن، ورائد، وعلي) وفريق النساء المكون من كاميليا المتحفزة، وغرام المتوعدة، وكارما المشاكسة، وهند الغاضبة، وروفيان اللامبالية. وكان التصميم يرتسم على ملامحهم بصورة كبيرة، مما جعل مازن يقترب من تجمع الرجال وهو ينهر أدهم قائلاً:

"لا بقولك إيه، إحنا لازم ننهزم بكرامتنا، أومال نقطعهم في اللعبة ينفخونا هما في الحقيقة." وافقه رائد الذي قال بامتعاض: "آه والله عليك، مش طالعة نفخ. أنا أساسًا متخانق امبارح ومتنكد على أهلي." رمقه أدهم بتخابث قبل أن يقول: "نسيت تقول إنك مطرود ومقضي ليلتك على الكنبة في المكتب." علت صيحات الرجال الشامتة من حوله، فغلف الغضب ملامحه من افتضاح أمره، فهدر مستاءً:

"روح يا شيخ الله يخربيتك. أنت يا ابني محدش يستأمنك على سر أبداً." علي بمزاح: "عملت إيه في دنيتك عشان تقع تحت إيد أدهم وهند الاتنين مرة واحدة." مازن بشماتة: "عمل كتير الصراحة. فاكر لما قعدت تقنع كارما إنها تتخصص نفسي من وقتها وأنا بحسبن عليك." نهرهم يوسف بفظاظة: "ما تنجز أنت وهو، هنقضيها رغى مش فاضيلكم." رمقه الجميع بتخابث، فبادلهم النظرة بوعيد وقال بصوت جهوري: "يالا عشان نبدي."

وبالفعل ابتدأت المباراة بين شد وجذب، حماس وتوعد من كلا الجانبين، وانتهت بضربة قوية من يد كاميليا للكرة فأصابت منتصف وجه أدهم، الذي تراجع خطوتين للخلف من شدة الضربة، فتراقصت أشجار الحديقة على نغم ضحكاتهم. فزمجر أدهم وهو يضيق عينيه اللتين حل محل ألمهما نظرات متوعدة، وهو يهرول تجاه كاميليا قائلاً بصياح: "وكمان ليكِ عين تضحكي بعد بوظتي معالم وشي. طب وربنا لهوريكي."

توقف على بعد خطوتين منها حين شاهد كلاً من رحيم البالغ من العمر تسع سنوات وريان ذو السبع سنوات يقفان بشجاعة لحماية والدتهم، فقال حانقًا: "لا والله واقفين تدافعوا عن امكوا بعد ما فكت صواميل رقبتي؟ مطمرش فيكم أي حاجة بعملها لكوا يا ولاد انت وهو، دانا مطرمخ على نص مصايبكم." رحيم بفظاظة ورثها عن والده: "لا مطمرش. ويالا يا عمو من هنا عشان معملش معاك الصح." هب ريان مؤكدًا على حديث أخيه:

"آه يا عمو اسمع كلام رحيم عشان متزعلش، وإحنا بردو بنخبي كل عمايلك السودا عن أنطي غرام." صاحت غرام بتوعد: "نعم يا أدهم بيه.. مصايب إيه اللي العيال دي ماسكينها عليك؟ مش كفاية عيالك واللي عاملينوا فيا." اغتاظ أدهم فهدر بحنق: "عاجبكوا كده يا ولاد يوسف الحسيني؟ طب وربنا لهنفخكوا كلكوا." لم يكد ينهي جملته حتى تفاجأ من حديث يوسف المتوعد وهو يمر بجوارهم: "لو لقيت خدش واحد في أي حد فيهم هغير لك ديكورات وشك بجد."

أنهى حديثه غامزًا محبوبته التي هرولت نحوه، قبل أن ترسل لأدهم ابتسامة شامتة جعلته يصيح بحنق: "حسبي الله ونعم الوكيل في المفتري. ربنا عالظالم." تعالت القهقهات من حوله، واتخذ كلًا منهم مكانه حول المائدة ينتظرون طعام الغذاء، وتوجهت النساء إلى الغرف لتغيير ملابسهن. وما إن جلس رائد حتى زفر بقوة قائلاً بامتعاض: "أنا مش عارف أعمل إيه عشان أصالح الست هند هانم؟ دانا لو بعبر خط بارليف مكنش الموضوع هيكون صعب كدا."

أيده أدهم حديثه زمجر قائلاً: "يا ابني النكد دا بيجري في دمهم، يعني كرات دم حمرا وكرات دم بيضا ونكد." أضاف علي بتعقل: "بص يا رائد، النكد جزء من شخصياتهم دا شيء مفروغ منه. بس بيبقى درجات على حسب غلط ولا مغلطتش. لو غلطان هيتنكد على أسلافك. لو مش غلطان هيتنكد على أسلاف أسلافك بردو عشان هما مبيغلطوش. فروح أعتذر من سكات أحسن لك." ضيق رائد عينيه بملل قبل أن يضيف بنفاذ صبر:

"أنا أساسًا معملتش فيها حاجة. ليه وليه عشان طلبت منها تأجل معاد الدكتور ساعتين اللي هي أجلته خمسطاشر مرة من غير أي أسباب مقنعة، مرة مكسلة، مرة راحت عليها نومة، مرة معاد مسلسلها المفضل. لكن إزاي أطلب منها تأجله عشان عندي شغل مهم. والمفروض معاد متابعتها يبقى كل شهر مش كل أسبوع. أنا مش فاهم، أومال لو مش معاها تلت قرود.. دي كأنها أول مرة تحمل." رمقه مازن شامتًا قبل أن يقول:

"ياه شوف ياخي ربنا مبيسبش. فاكر لما قعدت تقنع كارما عشان تتخصص نفسي وتقويها عليا وقال إيه شغلي أوبشن الزن لو لسه معترض يبقى عليكِ وعلي النكد على طول، فضلت منكده عليا أسبوعين لحد ما اتنيلت وافقت." استفهم أدهم قائلاً: "طب وانت مكنتش موافق ليه؟ دا تخصص سهل ومريح أحسن ما تبقى باطنة ولا نسا وتوليد، دول المرضى بيصحوهم من عز نومهم وفي نص الليل عشان في حالات طارئة." مازن بانفعال:

"كل دا أهون من إن حضرتها تقعد قدام المرضى ويرغوا بالساعات. افرض جالها مريض راجل تقعد تسمعله ويحكيلها ويا سلام لو طلع ابن تيت وعاكسها! اتجلط أنا بقى." أيده علي قائلاً: "أنا عن نفسي موافقك جدًا. ولو روفان مكانها كان زماني اتشليت." هدر مازن بانفعال وهو يشير إلى رائد:

"قوله. عشان البغل دا قعد يقوي في دماغها. بس لا أنا بردو مسكتش. أنا موصي البواب بتاع العيادة أي راجل ييجي يسأل عن دكتورة الأمراض النفسية اللي هنا يطيره. ولو رخم وغلس وطلع العيادة الممرضة بردو متفق معاها تطيره." تدخل رائد متهكمًا: "وافرض أصر ورخم مع الممرضة يا خفيف." أجابه مازن بوعيد: "وقتها بقى هاجي أنا أطيّره من الدنيا بحالها." ما أن أنهى جملته حتى صدر خلفهم صوتًا نسائيًا محملاً بقدر كبير من الغضب: "ماااازن.." ***

عشقًا جارفًا يتملكني نحوك، فلا أنا بقادر على تجاهله أو حتى الثبات أمامه. كل ما يسعني حياله هو أن انجرف معه إلى حيث يأخذني طوفانه. فإما الاحتراق بين أحضان عشقك؟ أو الهلاك شوقًا بنيران بُعدِك. فـ يا فاتنة احتلت القلب وأسرته. رفقًا بفؤاد ما ذاق يومًا الهوى ولا عرف لوعته. فليسعد قلبي معكِ ولتهنئ روحي إلى جوارك. وليسلم قدرًا أهداك لي قسرًا رغمًا عن عنادي وعنادك.

فما كان العشق يومًا أمرًا يمكن تجاوزه، وليست قلوبنا رهن قراري أو قرارك. *** انتهت من وضع اللمسات الأخيرة على مظهرها، فقد أخبرها بأنهم على موعد عشاء عمل في فندقه الجديد والذي أسماه على اسمها "فندق الكاميليا" مع أحد عملائه. وبالرغم من ذلك الضيق الذي تمر به، إلا أنها لم تريد أن تحزنه، فوافقت وها هي تجهزت بالفعل.

ما أن توجهت لترتدي حذائها، حتى وجدته يُطل عليها كالبدر في سماء حياتها المضطربة حاليًا، فانتشت العين برؤيته والغوص في بحور عينيه الصافية، لتتوجه إليه بخطوات متمهلة تخطو بدلال على أوتار قلبه الذي احتواها بضمة قوية كانت بحاجة ماسة إليها. ثم رفع رأسه ليزين جبينها بقبلة دافئة تسللت إلى قلبها، الذي اهتدى للحصان فوق ساحة صدره وهي تشدد من تمسكها به، لتمرر إليه مقدار احتياجها الهائل إليه. فاحتواها أكثر وأخذ ينثر عشقه فوق خصلاتها الذهبية قائلاً

بغزل: "كل طلة لكِ قادرة تخطف قلبي خطف. مش هنبطل نحلو بقي." نثر الخجل وروده فوق خديها من غزله الباهر، وقالت هامسة: "عيونك اللي حلوين أوي عشان كدا شايفني دايماً حلوة." أدارها إليه وذراعيه مازالت تحتويهما جسدًا وروحًا، لينغمس أكثر في بحور العسل الذائب بمقلتيها، فتحشرجت نبرته حين قال: "أنتِ مش بس حلوة. انتِ اللي وجودك بيحلي الدنيا." استنشقت أكبر قدر كافٍ من رائحته التي يتغذى عليها قلبها، قبل أن بخفوت:

"إحساسك بيا متغيرش بعد كل السنين دي؟ أجابها بلهجة تحمل عشقًا فاض به القلب: "السنين مرت ثواني جنبك." همس قلبها عاشقًا: "بحبك يا يوسف." اقترب منها بأنفاس لاهثة تنتشي بقربها، واحتوى وجهها بكفوف صنعت من حب تجلى في نبرته، حين قال بخشونة: "ويوسف بيعشقك.."

تأبطت ذراعه بكل فخر وسارت بجانبه إلى أن وصلوا لإحدى القاعات الخاصة بالفندق، وما أن وصلوا لباب القاعة حتى تفاجأت به يضع شريطًا من الستان فوق عينيها، ويده تلتف بنعومة حول خصرها، بينما داعبتها أنفاسه المحرورة حين قال بخشونة: "تعالي معايا." أطاعته وكأنه كل شيء بها أقسم على الانصياع له. ذلك الرجل الذي كان زورق نجاتها من براثن الحياة وبرها الآمن من عواصف القدر، ليصنع لها بداخل صدره جنة خلقت لها ومن أجلها فقط.

خطت عدة خطوات إلى أن توقفت بها، ويده لم تفارق خصرها، وباليد الأخرى فك الرباط عن عينيها، فتفاجأت حين وجدت نفسها في قاعة كبيرة تخلو تمامًا من البشر، يتوسطها مسرح كبير يقف عليه مطربها المفضل، قيصر المشاعر وملك العشق "كاظم الساهر"، فشهقت واضعة يدها فوق ثغرها، والتفتت تناظره بعدم تصديق وصدمة قوية سرعان ما تبددت وتحولت إلى سعادة غامرة حين صدحت كلمات تلك الأغنية الرائعة:

"أشهد أن امرأة أتقنت اللعبة إلا أنتِ. واحتملت حماقتي عشرة أعوامًا كما احتملتِ. واصطبرت على جنوني كما صبرتِ، وقلمت أظافري ورتبت دفاتري. وأدخلتني روضة الأطفال. إلا أنتِ." تناثر اللؤلؤ من عينيها على هيئة عبرات تابعة من قلب لم يعد يتسع تلك الفرحة التي يشعر بها الآن، فامتدت يده الحانية تزيل عبراتها بحنو نبع من عينيه العاشقة وتجلى في نبرته حين قال بصدق:

"أول ما سمعت الأغنية دي كان يوم كتب كتابنا، وكنت واثق إني بعد عشر سنين هنسمعها سوي.. والنهاردة عدي عشر سنين علينا وإحنا مع بعض، وحقيقي كل كلمة فيها بتعبر عن اللي جوايا." اللمعت عبرات الفرح في سمائها وهمست بحب: "أنا محظوظة بيك أوي يا يوسف.. أنت تستاهل أقوم ألف حرب عشانك.." كان رجلًا لا يحبذ الحديث كثيرًا ولا يجيد التعبير عن ما يجوش بصدره، ولكنه يعلم كم تهوى سماع عبارات العشق من بين شفتيه، لذا لم يبخل عليها أبدًا

حين قال بخشونة: "أول مرة أحتار في حياتي زي ما أنا محتار دلوقتي. مش عارف أعبر عن اللي جوايا ليكِ، بس عايز أقولك شكراً." انكمشت ملامحها بحيرة، فتابع بصوته الأجش ذو البحة المميزة: "شكراً على كل مرة اتحملتيني فيها. وكل مرة طبطبتي على وجعي وهونتي عليا دنيتي. وشكراً إنك كنتِ تتحملي عصبيتي وخناقي وفي عز تعبك تحتويني." توقف لثوانٍ وعينيه تبحران على ملامحها بشغف لم تفلح الكلمات في وصفه، ولكنه تابع بصدر يتأجج

من فرط ما يشعر به تجاهها: "وشكراً عشان كل المجهود اللي بتبذليه مع ولادنا وأنا مش موجود ومش فاضي. شكرًا كمان على كل لحظة صعبة عديت بيها قدرتي تحوليها للحظة حلوة بوجودك." أمطرَت عينيها لآلئ الفرح وهمست بعذوبة: "يوسف.." تأجج قلبه من فرط الشعور، ولكنه تابع ليفي وجودها ما يستحقه: "شكراً على وجودك في حياتنا اللي انتي نورها. يا حظي الحلو من الدنيا."

تعثرت نبضات قلبها الذي احتدمت به الكثير من المشاعر، أولها العشق وآخرها الامتنان الذي أضفى انفعالًا رائعًا على نبرتها وهي تصرخ قائلة: "أنا بعشقك. أنا اللي مش لاقية كلام يوصف قد إيه إحساسي بيك." طافت أنامله بحنو على قسمات وجهها الذي ضاعفت الفرحة بهاءه، وهمس بخشونة: "من غير ما تقولي أنا شايف في عنيكِ. أنا محبتش نفسي غير فيهم. ومش عايز من دنيتي غيرهم." تنهدت سما بهيام وهي تقول بوله:

"يارب واحد زي يوسف الحسيني دا ومش عاوزة حاجة تاني من الدنيا والله." أيدتها سما بحالمية: "آه والله شفتي حلاوته ولا رقته ولا حبه ليها." زجرها مروان مؤنباً: "إيه يا بت المحن دا. ما تتعدلي." سما في محاولة لاستفزازه: "وأنت مالك أنت؟ غيران منه ولا إيه؟ نجحت في استفزازه، ولكنه حاول ابتلاع غضبه قائلاً باستنكار: "أغير من مين يا بت أنتِ؟ دانا أغير من تحت باطي ولا أغيرش منه. دا كفاية إنك بتحبيه، دا لوحده سبب كافي إني أكرهه."

سما باستفزاز: "عشان معقد." مروان بتهكم: "حوش مين بيتكلم؟ السيدة الأولى في النكد. دانتي من كتر ما أنتِ مكشرة شوية وهيطبعوا صورتك على علب السجاير ويقولوا اللي هيشرب سجاير هنجيب له سما." انفعلت سما من حديثه المهين في نظرها، وقالت بغضب حارق: "شايفه يا مرات خالي بيقول عني إيه." نظرت له أمينة بتوبيخ: "بس يا واد يا أبو لسانين أنت. وبعدين ما الواد حلو ويتحب، هما جابوا حاجة من عندهم يعني." تدخلت حلا قائلة بشماتة:

"أيوا وعشان كدا غيران منه. ماتحاولش ودانك مدخنة أهيه." تدخلت ريتال التي كانت تشاهد ما يحدث من البداية بصمت: "الصراحة يا عمو أنت بتغير منه من الجزء الأول وبتحقد عليه عشان عينيه زرقا وأنت عينيك حوله." مروان بانفعال: "مين اللي عينيه حوله يا بت؟ دفعولك كام عشان تبيعيي؟ وحياة أمي لهربيكِ يا ريتال الكلب." قهقه الجميع على حديث ريتال وتابعت حلا بسخرية: "الغيرة هتنط من عينه يا عيني." مروان بتهكم:

"بس يا بت ياللي مش لاقيالك قطع غيار أنتِ. وبعدين أنا مبغيرش أنا بحقد بس. شايفين الفرسة اللي معاه عاملة إزاي؟ قال وعايزين واحد زيه، دانتوا شبه وش رجلي." تدخلت أمينة لفض ذلك النزاع الذي أصابها بالصداع: "خلاص بقى أنت وهي صدعتونا، وبعدين هما مش معجبين بيه عشان هو حلو وأمور، معجبين بيه عشان بيحتوي حبيبته وبيخاف عليها. ودي أكتر حاجة تخلي الست تتعلق بالراجل إنه يبقى ليها ضهر وسند وكتف ترمي كل حمولها عليه. ولا إيه يا جنة؟

تفاجأت جنة من حديث أمينة التي نهشت بأعماق جراحها الغائرة والتي لا تستطيع الإفصاح عنها أبدًا، وغمرها الخجل من تلك الأزواج من العيون التي كانت تطالعها، وخاصة تلك العيون المتقدة بنيران لا تعرف سببها، ولكنها حاولت الفرار من بين براثنها حين قالت: "طبعًا. لو الراجل مكنش أمان وسند واحتواء يبقى مالوش لازمة."

كان بحديثها شيء ناقص، وبملامحها تعابير مختلفة، وكأنها تحكي عن شيء لم تختبره مسبقًا، أو لنقل جرح غائر كان منبعه غدرًا ما. لا يعلم، ولكن شعر بأن هناك شيء ما تخفيه خلف قناع الجمود هذا.

بعد مرور شهر ونصف، كانت الأوضاع خارجيًا هادئة، وداخليًا هناك نزاعات وحروب وبراكين تهدد بالانفجار في أي لحظة. فقد أزالت حلا ضماد قدمها وخضعت لعدة جلسات طبيعية لتمرين قدمها على الحركة من جديد، وقد كان الشغف يملأ قلبها للعودة إلى الجامعة مباشرة حتى تراه بعد كل هذا الغياب الذي ملأها بمشاعر قوية لا تعرف كنهها. هدأت الأجواء بين سليم الذي اختار الغياب عن المنزل لأيام طويلة ظنًا منه أن البعد قادر على قتل مشاعره نحوها، ولم

يدري بأنه هناك بركان خامل بجوفه ينتظر شرارة واحدة للاشتعال، بينما كانت هي تتلظى بنيران شوق محرم على قلبها العاصي الذي يخالفها دوماً. اختها، وودت للحظات لو يتوقف عن النبض حتى ترتاح، ولكن حين تستشعر حركة صغيرها أسفل بطنها والذي بلغ شهره السابع، تنهَر نفسها، فهي قد وهبت حياتها له حتى تعوضه عن غياب والده.

كانت دائمًا امرأة قوية تختار أن تقف على أرض صلبة حتى لو كانت رمالها أشواك تنغز بقلبها، ولكن يكفيها أنها تعرف دائمًا وجهتها حتى لو خالفت هواها. ولكنها الآن مطوقة بأصفاد ما حدث بالماضي، والذي يمنعها من التمسك بطوق نجاتهم الوحيد الذي لا تعلم لما ظهر الآن تحديدًا. فهناك شهور قوي بداخلها يخبرها بأن تخطو خطوة للأمام، وآخر يدفعها للتراجع، ولكن إلى متى؟ إلى متى ستهرب من هذا الوضع؟

فبعد بحثها تأكدت كل التأكيد من أن ياسين ابن عمها وفيق، وهو ذلك الرجل الذي ذهب للبحث عنهم في منزلهم كما أخبرها جارتها. لما ظهر في هذا الوقت تحديدًا، ولما بدأ بالبحث عنهم؟ هل لأصفاد الماضي دور، أم أنه جاء لتصحيح أخطاء من سبقوه؟ لا تعلم، ولا تعلم أيضًا ماذا عليها أن تفعل؟

زفرت بتعب وتابعت النظر في أوراقها، غافلة عن ذلك الذي دخل إلى الغرفة دون أن تلحظ، فقد كانت غارقة في أفكارها للحد الذي لم يجعلها تنتبه له. وقد تعاظم الغضب بداخله من هدوئها الجديد كليًا عليه، فقد اشتاقها بشدة، اشتاق لنزال ينتهي بابتسامة عذبة من شفتيها، أو ردًا لازعًا ناتجًا عن استفزازه لها، والأكثر من ذلك أنه يملك كبرياء لعين يمنعه من التعبير عن شوقه الضاري لها. ولا عن خوفه العظيم من هدوئها هذا، فهناك هاجس ينتابه بأن

سبب هذا الهدوء رغبتها في التخلي عنه، أو التنصل لأمر زواجهم، أو أن يكون هناك شيء بينها وبين ذلك الرجل. كان هذا أقسى ما مر عليه بحياته، فقد التقطت أذنيه سؤالًا عابرًا منها لشقيقته عن أن كانت تعرف موطنه الأصلي. كان اهتمامًا مخالفًا لشخصيتها اللامبالية، اهتمامًا ألقى به إلى قعر الجحيم، من أن يكون هناك شيء ما تكنه لذلك الرجل.

كان هاجسًا استنكره قلبه بشدة وكأنه شبح يطارده، فقام بالطرق بقوة على المكتب أمامه، فاصطدمت يده بالمرمدة التي كانت لها حافة مدببة جرحت يده، فتناثرت الدماء منها، فخرجت منه آهة غاضبة جذبت انتباه تلك التي فزعت حين رأت دماءه وهرولت إليه قائلة بذعر: "سالم، أنت كويس؟

كانت هناك لهفة بصوتها جذبت أنظاره إليها، متناسيًا جرحه، فلامس الذعر المرتسم بعينيها، واحترق بلمسة يدها التي جلبت إحدى المحارم لتضعها على جرحه حتى تُحجم من اندفاع الدماء قائلة بصوت مرعب: "إيه كل الدم دا؟ الجرح شكله كبير، أنت لازم تروح لدكتور يخيطه." تجاذبته دقاته الهادرة التي كان منها متأثرًا بلهفتها، وآخر مستنكرًا لذلك العذاب الذي كانت هي السبب به، ولكن تجاهل كل شيء وجذب يده من بين يدها قائلاً بفظاظة:

"متشغليش بالك. دا جرح بسيط." جذب يديه من يدها وعينيه المتعلقة بعينيها، فعاندته متمسكة بكفه المجروح بين كفيها: "لا مش بسيط. ولو مش عايز تروح لدكتور على الأقل سبني أشوفه." جز على أسنانه بغل تجلى في نبرته حين قال: "قولتلك متشغليش بالك." لا تعلم أي شجاعة تملكتها لتقف أمامه الند بالند، مواصلة عنادها: "لا هشغل بالي وهشوف الجرح."

كان للتصميم المرتسم على ملامحها والعناد الذي يغلف ملامحها وقع خاص على قلبه، الذي لامس اهتمامًا كان يتوق إليه، وأيضًا قربها منه لهذه الدرجة، ملامستها لجراحه النازفة التي لا تساوي مثقال ذرة من جراح داخلية تعج بالألم. كل تلك الأشياء أخضعته لها بشكل لم يعهده. ورغمًا عنه ارتسم بنظراته العتب، وغلف نبرته حين قال: "مالك؟

كانت كلمة مختصرة عنت لها الكثير، فقد كانت تحتاج إليه بصورة غريبة كليًا عنها بعد كل هذا التجاهل الذي أمطرها به طوال تلك المدة، وأيضًا كل تلك الأحداث التي ضربت ثباتها في مقتل. فلانت نبرتها قليلًا واخفضت رأسها بقلة حيلة حين قالت: "مالي. مانا كويسة أهوة." شعر بشيء خاطئ في نبرتها وتبدل ملامحها، فمد يده يرفع رأسها إليه قائلاً بلهجة يشوبها الاهتمام: "فيكِ إيه؟ حاجة مضايقاكِ؟

لا تعلم ماذا تخبره، فهي كمن كان يقف على رمال متحركة، لا تعلم لما عاد الماضي الذي بذل والدهم الغالي والنفيس حتى لا يجعلهم يتأذوا بسببه، والآن عاد ليظهر على السطح من جديد، وهي لا تعلم هل عليها مواجهته أم الهروب منه؟ "مفيش. أنا بس بتوتر كل ما جنة تتعب أو يقرب ميعاد ولادتها.." كانت إجابة واهية تحمل من الكذب أكثر مما يتخيل، فاكتفى بأن انتزع يده من بين كفوفها بعد أن نظفت الجرح وضمدته، فهب من مكانه وقال بفظاظة:

"أنا هفاتح الحاجة في موضوع الجواز النهاردة." صاعقة أصابت ظهرها من حديثه، فقالت باندفاع: "وليه تتسرع. مش قولنا مش هيبقى في حاجة غير بعد ولادة جنة." نجحت وبجدارة في أن تخرج شياطين الجحيم القابعة بداخله، فقال بغضب: "أنا مش فاهمك؟ أنتِ إيه حكايتك بالظبط. أنا مابحبش اللوع ومش عايز أغير نظرتي فيكِ." تراجعت خطوتين من هجومه المباغت الذي كان كفيضان قوي ضرب سد هش فحطمه بلمح البصر، فانكسرت لهجتها لأول مرة أمامه حين قالت:

"الي انت شايفه اعمله." ألقت جملتها وولّت من أمامه هاربة، لا تعلم لما هربت ولما أصبحت ضعيفة إلى هذا الحد، ولكنها لم تعد تحتمل كل تلك الضغوطات التي تمر بها.

يوم آخر انقضى وكان طويلًا عليها، فهي في الصباح ستذهب إلى جامعتها وستراه أخيرًا بعد كل تلك الفترة من الغياب. لا تعلم كيف بدأ بالتسلل إلى داخلها، ولكنها تشعر بأن هناك شيء قوي يجذبها إليه، فهو يملك كل مقومات البطل الذي لطالما حلمت به. وتعلم بأنه هناك شيء ما بداخله لها، فقد سمعت بعضًا من حديثه لها في المشفى حين كان يظنها نائمة، ومنذ ذلك اليوم تبدل كل شيء بعينيها، وقد راق لها ذلك الشعور الذي أخذ يتسرب إلى داخلها من أن

رأته، ولكنها لم تكن تفهم كنهه. ولم تكن هي وحدها من تمكن منها اللهفة والشوق، فقد كان هو الآخر يشاطرها الشعور وربما أقوى. فقد كان يتوق لليوم الذي سيراها به، فقد مل من رؤية الصور الفوتوغرافية التي يعج بها حسابها الشخصي على أحد مواقع التواصل الاجتماعي، واشتهى لقاء قريب يراها به أمامه ويقر عينه بجمالها ورائحتها العذبة.

دلف إلى مكتبه في الجامعة وقام بالجلوس على مقعده وهو يعبث بأشيائه، فلفت انتباهه رنين هاتفه الذي التقطه مجيبًا بلهفة: "بالله عليك يا شيخ قول حاجة تفرحني." عزت بارتباك: "هو في خبرين، واحد هيفرحك والتاني.." ياسين بقلق: "في إيه يا عزت طمني." "بصراحة يا ياسين، أنا عرفت مكان بنات عمك الجديد، عما عايشين عندك في اسماعيلية." وثب قائمًا حين سمع حديث عزت وقالت بصدمة: "إنت بتقول إيه؟ هنا في اسماعيلية؟ طب إزاي؟

يعني بيعملوا إيه هنا وعايشين فين؟ "عايشين في مزرعة عيلة كبيرة أوي اسمها عيلة الوزان." ياسين بصدمة: "إيه؟ أنت بتقول إيه يا عزت؟ تعثرت الكلمات عند شفتيه، ولكنه لم يستطع أن يخفي هذا الأمر عليه، فقال: "بصراحة يا ياسين، جنة بنت عمك كانت متجوزة حازم ابنهم عرفي وحصلت حادثة، حازم دا مات فيها. وهي بعدها راحت تعيش عندهم هي وفرح اختها. عشان للأسف عرفوا إنها حامل بعد ما مات بكام شهر."

انهالت الصدمات فوق رأسه للحد الذي جعله يسقط على الكرسي خلفه، ويسقط معه الهاتف من هول ما سمعه، ولكن لم تتيح له الفرصة حين رأى تلك التي كانت تقف أمام عتبة باب المكتب. فصاح مزهولاً: "أنتِ! دَلفت فرح بأقدام متراخية إلى داخل الغرفة وقالت بهدوء ظاهري: "ممكن أتكلم معاك؟ لا يعلم هل غضب أم انزعاج أم ما زال تحت تأثير صدمته، ولكنه نصب عوده الفارع و لملم أشياءه وهو يقول بجفاء: "هنتكلم. بس مش هنا. اتفضلي معايا."

أطاعته بدون أي حديث، فمن الواضح بأنه قد علم هويتها جيدًا، بل وصل إلى أبعد من هويتها، فهو لابد وأنه علم تلك الكارثة التي حلت فوق رؤوسهم منذ سبع شهور، لهذا لم يطل وتوجهت معه إلى حيث يصف سيارته أمام باب الجامعة وصعدت إليها، منتظرة منه أن يبدأ في الحديث. فطال صمته للحد الذي جعلها تأخذ نفسًا قويًا قبل أن تقول: "أنت عرفت…" قاطعها حين قال بجفاء: "الي عرفته دا صح؟!

كان هذا المشهد يحدث أمام تلك التي شعرت بطلق ناري يستقر في منتصف قلبها حين شاهدته مع تلك المرأة. فانهالت عبراتها بقهر تجلى في نبرتها حين قالت: "عشان كدا كنتِ بتسألي عنه. وحياة ربنا لهوديكي في ستين داهية.." ***

شعر بالذنب الذي أخذ يأكله من الداخل حين سمع كلماتها ونبرتها المنكسرة، وأيضًا هروبها. فمنذ أن حدث ذلك الصدام بينهم البارحة لم يرها ولم تأتي اليوم أيضًا. فشعر بالغضب من نفسه ومنها، فهي دائمًا ما تلقي به في حيرة لعينة لا يعرف كيف ينجو منها. يريد أن يطمئنها ويحتوي وجعها وهي تكابر وتضعه بمواقف لم يتخيل نفسه بها أبدًا، ناهيك عن مشاعر تقاتله بضراوة وتفتك بثباته وهدوئه، فتجعله كمن يتلظى بنيران لا تكفي أنهار ومحيطات العالم في إخمادها.

طرق على الباب انتشله من تفكيره المظلم، تلاه دخول والدته التي كانت تبتسم بهدوء، فهي أكثر من يعلمه ويشعر بتخبطاته، ولكن هذه المرة كان الأمر مختلفًا. "نعمة قالت لي إنك عايز يا سالم." تحمحم قبل أن يقول بخشونة: "فعلاً كنت عايز أتكلم معاكِ في موضوع مهم." أمينة بانتباه: "خير. موضوع إيه؟ زفر الهواء الذي يملأ صدره دفعة واحدة قبل أن يقول باختصار: "أنا قررت أتجوز." لونت الصدمة تقاسيم وجهها وقالت بلهجة مدهوشة: "تتجوز!

سالم باختصار: "بالظبط." كان للتصميم يرتسم على ملامحه مما زاد من فصولها، فقالت باستفهام: "باين عليك إنك واخد قرارك وبتعرفني. ماشي، بغض النظر عن إن الوقت مش مناسب، بس عايزة أعرف مين اللي خلتك تتنازل وتاخد القرار دا؟

كان يود لو يطلق العنان لضحكة قوية بنكهة مريرة تؤلم جوفه، فهو بحياته لم يتخيل أن تجعله امرأة يسقط لها بتلك الطريقة النكراء بالنسبة لكبريائه، ولكنها لم تكن أي امرأة، بل كانت كتلة من النيران التي أحرقته، فسقطت مقاومته. كان ظاهريًا هو المنتصر بكل نزال بينهم، ولكنها فعليًا انتصرت وبقوة عليه وعلى قلبه، الذي يتمنى أن تعطيه أي بادرة نور كي يفصح عن عشق أهوج ضاق به صدره. "فرح."

شَقّة خافتة خرجت من جوف أمينة حين سمعت اسمها، فهي حتى وإن ظنت بوجود بوادر إعجاب خفي بين طيات نظراته، ولكنها كانت تعلم ابنها جيدًا، وأنها ليست من نوعه المفضل، ولكن حديثه هذا ضرب بكل توقعاتها عرض الحائط، فقالت باستنكار: "فرح أخت جنة؟ عايز تتجوز فرح أخت جنة يا سالم؟ سالم بثبات ينافي ضجيجه الداخلي: "بالظبط يا حاجة. عايز أتزوج فرح أخت جنة."

كانت حلا تقف أمام باب الغرفة مصدومة مما سمعته، فتلك المرأة تنوي أن تسرق منها كل شيء جميل تمتلكه. فقد كانت تريد شكواها لأخيها، وها هي تتفاجئ به يريد الزواج منها هي وشقيقتها. أفاعي سامة اقتحموا حياتها ودمروا كل أحباءها، والآن يسرقون المتبقي منهم، فلم تستطيع من نفسها حين فتحت الباب على مصرعيه وهي تقول بقهر: "وياترىٰ أنت واثق فيها علشان تتجوزها؟ غلت دماءُه من حديثها وكسىٰ الغضب ملامحه ونبرة صوته حين قال:

"تقصدى إيه بكلامك دا؟ أجابت بقلبً محترق: "روح دور عليها وشوفها خرجت من هنا تتسحب ليه وعلشان تقابل مين، أو أقولك خد شوف دي!! فتقدم منها بأقدام متراخية يمسك بهاتفها بيد مرتعشة تشبه رعشة قلبه الذي أردته الصدمة صريعاً حين وقعت عينيه عليها جالسة مع ذلك الرجل!!

فجأة انهار عالمه وتأكدت شكوكه في نظراتها له التي كان ارتعب قلبه منها. ولكنه هناك رجاء خافت بداخله يخبره بأن يتحرى قبل أن يصدر حكمًا بالإعدام في حق تلك العلاقة التي أرهقته كليًا قبل أن تبدأ حتى. "أنتِ جبتي الصورة دي منين؟ حلا بانفعال: "أنا اللي صورتها قدام الجامعة عندنا. شوفتها وهي خارجة معاه وقعدوا يتكلموا شوية في العربية وبعدين مشيوا سوا ويا عالم راحوا فين." نهرتها أمينة بغضب:

"حلا، خلي بالك من كلامك وبلاش نرمي الناس بالباطل." استقرت كلمتها في منتصف صدره الذي ضاق فجأة وحتى أوشك على الاختناق، وقام بإغماض عينيه بقوة يمنع حقيقة تنهش بداخله، ولكنه تفاجأ بوالدته التي رق قلبها لهول ما رأته بملامحه، وقالت بنصح: "اتحري يا ابني قبل ما تصدر حكمك على حد. الظلم وحش." صرخت حلا بقهر: "ظلم إيه؟ بقولك شيفاهم بعيني.." قاطعتها أمينة بصرامة: "اسكتي يا حلا واتفضلي على أوضتك يالا."

خرجت حلا التي كان القهر يأكلها من الداخل، وتبعها أمينة بعد أن أغلقت الباب خلفها، لتتركه بين نيران جحيميه تحيط به من كل اتجاه. فلأول مرة بحياته يظهر بهذا الشكل أمام عائلته، فقد أطاحت تلك المرأة بكل شيء يملكه قلبه: ثباته، كبرياءه، حتى هيبته أمام عائلته.

لحظة توقف بها الزمن وقام بتخدير كبريائه منساقًا خلف توسل لعينه داخله أجبره على التقاط هاتفه وقام بالاتصال بها، ومع كل رنة لا تجيب بها يتشعب الغضب ويتوغل أكثر إلى داخله، إلى أن أشفق به وأجابته بصوت مهتز بعض الشيء، فباغتها سؤاله الجاف: "أنتِ فين؟ ارتبك صوتها قليلًا واحتارت هل تشرح له وما الذي يمكنها شرحه، وأيضًا نظرات ياسين الغاضبة المسلطة عليها أجبرتها أن تلجأ للكذب، فأجابته بثبات واهٍ:

"أنا بره بشتري شوية حاجات وراجعة على طول. في حاجة؟ وكأن أحدًا هوى بمطرقة قوية فوق قلبه الذي اجتاحه ألم هائل، فخر صريعًا بعد أن تأكد من كذبها عليه الذي جعل عالمه كله ينهار أمام عينيه كبيت هش صُنع من الرمال، وهو الذي ظنه صلبًا كالفولاذ. *** كانت تدور بغرفتها كمن أصابها مس شيطاني لا تهدأ أبدًا، تشعر بحقد كبير وألم عظيم بداخلها يجعلها أقرب إلى الجنون. فحاولت سما تهدئتها قائلة:

"أهدي يا حلا شوية. متعمليش في نفسك كدا. أنتِ متعرفيش في إيه؟ تدخلت همت بغضب من ابنتها وقالت موبخة: "تهدي إيه أنتِ كمان. بتقولك شافتتها معاه في عربيته. إيه اللي هيجمعهم يعني؟ دول بنات سفلة ومش متربيين. وأنتِ أول اللي اتقرصوا منهم." سما بغضب من والدتها: "خلاص يا ماما بقى هي ناقصة كلامك دا مانتي شايفه هي متعصبة إزاي؟

"لازم تعرف كل حاجة. خلي بالك يا حلا، فرح خطفت المعيد اللي أنتِ معجبة بيه وجنة ناوية تخطف سليم هي كمان. والي أنتِ متعرفيهوش إن مامتك موافقاها. وبتخطط وتدبر عشان تجمعهم." شهقت حلا من حديث همت الذي جعلها تقول مستنكرة: "أنتِ بتقولي إيه يا عمتو؟ همت بغل:

"بقول اللي سمعتيه، إنك عايزة تجوزي اللي متتسماش دي لسليم عشان قال إيه الواد ميترباش بعيد عنها. وسليم بدأ يسمع لها ومش بعيد أول ما تولد يتجوزوا على طول. البنات دول ملهمش أمان، أنا بقولك أهوة." زاد جنونها للحد الذي جعلها لا ترى أمامها، فهرولت إلى خارج الغرفة فاصطدمت بأحد الخدم، فسألتها بغضب: "أبيه سليم فين؟ الخادمة: "لسه داخل المكتب دلوقتي." "وأبيه سالم؟ "خرج من شوية."

هنا تشجعت وقررت بأنها لن تحتمل أكثر من ذلك، وتوجهت إلى المكتب وهي تحمل بداخلها حقدًا يفوق. "أنا آسفة إن اقتحمت مكتبك بالشكل دا يا أبيه. بس أنا بصراحة معنتش هقدر أتحمل أكتر من كدا." لم تتغير ملامح سليم الذي كان يطالعها بهدوء يتنافى مع الفضول الذي تغلغل بداخله حين رأى مظهرها الباكي وطريقة اقتحامها مكتبه بهذا الشكل. ولكن تجاهل كل ذلك وقال بهدوء: "في إيه يا حلا؟

حاولت استجماع نفسها والتمسك بشجاعتها الواهية، فاخذت نفسًا عميقًا قبل أن تقول بنبرة مرتعشة: "هو أنت فعلاً هتتجوز جنة؟

جاء سؤالها المباغت كصاعقة كهربائية أصابت قلبه الممزق بين أحاسيس قوية تجتاحه كالإعصار تجاهها، وبين مبادئه التي تجلده يوميًا بسوطها عندما يتذكر ملامحها البريئة وضحكاتها الطفولية التي تجعل الابتسامة تعرف طريق شفتيه، والتي سرعان ما تنمحي حين ينظر إلى بطنها المنتفخ ويتذكر انتماءها لأخيه الراحل، فتصيبه لعنة الغيرة القاتلة متبوعة بإحساس عظيم بالذنب، فيتولد بداخله شعور قاتل يشبه الاحتراق في الجحيم.

تابعت حلا حديثها بعدما طال صمته، فخرج الكلام من بين شفتيها متبوعًا بعبرات غزيرة: "ساكت ليه يا أبيه؟ رد عليا. ماهو مش معقول أنت مش واخد بالك من اللي ماما بتحاول تعمله؟ بس أنت أكيد مش هتوافق عالجنون دا. مستحيل تقبل تتجوز مرات حازم. حازم يا أبيه.. ابنك اللي أنت مربيه على إيدك. هتقبل تتجوز مراته. ساكت ليه رد عليا!

ها قد أصبح الآن يقف في تلك المواجهة التي جعلته يلجأ للهروب لأول مرة بحياته. وقد تفننت شقيقته في إضافة الوقود إلى نيران الذنب التي تحرق أحشاءه تجاه أخاه الراحل، وجعلته يشعر بمدى حقارة تلك المشاعر التي احتلت قلبه لتلك الجنة التي أذاقته الجحيم منذ أن وقعت عيناه عليها، ولا يعلم سبيل للنجاة منها. فإما أن يرفضها ويظل يتلوى بنيرانها طوال حياته، أم يترك العنان لسحرها أن يأثره ويمضي قدمًا في طريق نيل قلبها، ويا له من طريق طويل شاق على قلبه المكبل بأصفاد غضبه وغيرته وذنبه.

"الموضوع دا ميخصكيش يا حلا! ومتتكلميش فيه تاني." أخيرًا استطاع التغلب على ما يدور بداخله من صراعات وانفعالات ليجيبها بنبرة حادة بعض الشيء، ولكنها لم ترهب حلا التي جن جنونها وقالت بإنفعال: "يبقى اللي أنا شاكه فيه صح! معقول تكون حبيتها!! بعد كل اللي حصل دا وبعد كل عمايلها وبعد ما عرفت هيا اتجوزت حازم إزاي.." "اخرسي يا حلا.."

قاطعه حديثها صرخة خرجت من أعماق فؤاده الذي لم يتحمل ذلك الحديث الشائك الذي يعاني الأمرين بسببه، وهو كيف تزوجت أخاه!! يتبع...

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...