الفصل 13 | من 23 فصل

رواية في قبضة الاقدار الفصل الثالث عشر 13 - بقلم نورهان العشري

المشاهدات
26
كلمة
6,774
وقت القراءة
34 د
التقدم في الرواية 57%
حجم الخط: 18

رفعت عينيها تستجدي ذلك اللين البعيد في عينيه والمستوطن أيسر صدره. "بأي ذنب تقتلني عيناك هكذا؟ ناظرها بجمود يخفي خلفه صراعات عظيمة، أنكرتها لهجته القاسية حين قال: "خطاياكِ كثيرة وذنوبك عظيمة، أولها حيرتي وآخرها انتهاب قلبي! هرول الجميع إلى حيث أشار الحارس، وكأنهم أولهم. فما أن سمع اسم "جنة" واستشعر قلبه أنها في خطر، حتى صار يصارع الريح ليصل إليها. ولكن، تفاجأ بالحارس يوقفه قائلاً: "استنى يا سليم بيه، أحسن تتأذى!

لم يتوقف، ولكن فهم ما يرمي إليه حين تفاجأ بوجود مجموعة كبيرة من الغربان التي تحلق في السماء وتصدر صوتاً مرعباً. فانتفض قلبه خوفاً، وظل يبحث عنها بعينيه في كل مكان، ولكن لم يجدها. فخرج اسمها من بين شفتيه بنبرة قوية متطلبة، تابعة من قلب مرتعِب من أن يكون قد حدث لها مكروه.

ولكنه لم يجد إجابة، خاصةً وقد علا نعيق الغربان بصورة كبيرة زادت من حدة غضبه وخوفه عليها. فقام بإخراج سلاحه وأطلق عدة أعيرة نارية في الهواء حتى يتمكن من إسكات تلك الغربان المشؤومة، والتي ازداد نعيقها. فقام بإطلاق لعناته قبل أن يهرول دون هدى باحثاً في الجوار عنها. وقد كانت كل خلية منه ترتجف رعباً، لا يدري من أي جهة تسلل إلى قلبه الذي لم يعرف الخوف طوال حياته. ولم يبالِ بتلك الكائنات التي أخذت تحوم حوله وكأنها على وشك الهجوم.

ولكنه استشعر قلبه همسات ضعيفة وشهقات خافتة، فالتفت بلهفة ليتفاجأ بتلك التي تختبئ خلف أدوات الحديقة الضخمة التي يغطيها غطاء قديم. فتوجه على الفور إليها، فوجدها ترتجف كأرنب مذعور هاجمته ذئاب شرسة متعطشة للدماء. فامتدت يداه إليها تجذبها إليه بلهفة، بينما ارتفعت إحدى كفيه تحت ذقنها وهو يقول بنبرة مرعبة: "أنتي كويسة؟

لم تستطع الحديث، وكأنها فقدت صوتها وشُل لسانها. فقد كانت تتمشى في الحديقة بغير هدى، فتفاجأت بذلك العش ملقى على الأرض، وبجانبه طائر صغير بدا وكأنه تعرض لهجوم شرس أطاح برأسه ومعظم أعضائه. وقد آلمها ما حدث، فحاولت النداء على حارس الحديقة، ولكن لم يُجبها. فاقتربت وقامت بحمل الطائر لتضعه في عشه، وهي تشفق على والدته التي سينفطر قلبها ألماً على صغيرها.

ولكن ما أن امتدت يداها لتلامسه، حتى تفاجأت بصوت مرعب من خلفها. فالتفتت لتتفاجأ بغراب كبير يقترب منها. ففزعت وقامت بإلقاء الطائر من يدها، ليندفع الغراب تجاهها ينوي مهاجمتها ظناً منه بأنها من قتلت صغيره.

فهرولت مفزوعة لتجد "مجاهد" الجنايني. الذي ما أن رأى ما حدث، حتى حاول تشتيت الطائر عن مهاجمتها، فقام بإلقاء حجر إليه. فزاد نعيق الغراب، وبعدها تفاجأت بأفواج من الغربان تتوافد عليهم. فصار يصرخ مهرولاً إليهم طالباً المساعدة، بينما هي وجدت ذلك الغطاء الذي كان أسفله أدوات الاهتمام بالحديقة، فاختبأت تحته. وصار قلبها يدق كالطبول وجسدها يرتجف كأوراق الخريف، وظلت تردد بشفاه مرتجفة: "لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين."

جف حلقها من فرط الرعب، وقد توقعت بأنها هالكة لا محالة. حتى عندما سمعت صوته الآتي من بعيد، فظنت بأنها تتوهم. ولكن ما أن رأته أمامها، لم تُصدق عينيها. ولكن رجفة قوية ضربت أعماقها حين شعرت بلمسته الحانية أسفل ذقنها، ويده الأخرى تمسك بمرفقها بلطف، حتى أطلقت زفرة قوية شعر بها تخترق قلبه. أرفقتها بكلمة واحدة جعلت نبضاته تتخبط بعنف داخله حين قالت بتلعثم: "أنا... أنا خايفة."

تعطل الزمان حولهما، ورغم أنفه تنحى عقله جانباً وحجب قلبه كل شيء، ليجد يده تمتد، دافنة رأسها في صدره وهو يقول بنبرة جديدة كلياً عليه: "متخافيش، أنا جنبك." كانت كلمته لها مفعول السحر الذي خدرها لثوانٍ، فلم تعد تشعر بأنفاسها الهادرة ولا ضربات قلبها المتلاحقة. فقط أحضانه الدافئة ورائحته التي أضافت شعوراً من الأمان إلى قلبها لم تختبره مسبقاً. دام وضعهم لثوانٍ، وربما دقائق، من يعلم؟

ليوقظهم من غفوة آمنة صوت قوي آتٍ من خلفهم لـ "مجاهد" الذي هرول إلى غرفته وهو ينادي على "مروان" قائلاً بلهفة: "مروان بيه، تعالي معايا بسرعة." هرول "مروان" خلفه، فتفاجأ به يخرج عصا كبيرة ولف حولها شال أسود اللون وناولها إياه، وجلب واحدة أخرى لنفسه وقام بفعل نفس الشيء وهو يقول بصراخ: "يلا بينا نخوفهم عشان يمشوا!

لم يفهم ما يحدث، ولكن فعل ما يقول "مجاهد" الذي توجه إلى حيث يتجمع ذلك السرب، وقام بالتلويح لهم وهو يصرخ قائلاً: "اعمل زيي! فعل "مروان" بالمثل وهو يقول باستفهام: "هو إيه ده؟ أنا مش فاهم حاجة؟ "بنعملهم فزاعة عشان يمشوا. الغربان دول واعرين قوي ومهيسيبوش طارهم واصل؟ صرخ "مروان" حين رأى الغربان تتجه نحوهم: "الله يخربيتك، دول جايين علينا إحنا! "أجمد يا مروان بيه، متبقاش خرع أومال؟

"خرع إيه يا راجل أنت. ما تحسن ألفاظك. كان يوم أسود يوم ما رجعتلكوا." أخذ "مجاهد" يلوح بقوة وهو يتوجه إلى حيث تقبع "جنة" التي بدأ هدوؤها يعود إليها شيئاً فشيئاً. وحين سمعت الأصوات حولها، رفعت رأسها تطالعه بصدمة. تجاهلها هو، بينما عيناه تطوف على سائر جسدها وهو يقول باهتمام: "أذوكي؟

لم تطاوعها شفتيها على الحديث، فهزت رأسها بقوة ليزفر براحة قبل أن يعيد نظره إلى الطيور التي ما زالت تحوم في السماء. وكان كلاً من "مجاهد" و"مروان" يحاولان إخافتهم. فالتفت إليها ليجد مظهرها مُذري، فزادت ارتجافة قلبه. وأجبر نفسه على القول قائلاً بنبرة جامدة بعض الشيء: "هتقدري تمشي؟

لم تجبه، إنما هزت رأسها، بينما ملامحها المتعبة تنفي ذلك تماماً. فقام بلف يده حول خصرها، ويده الأخرى تمسك بيدها لمحاولة العودة بها إلى القصر. ولكن ما أن تحركت خطوتان، حتى التفت ساقيها حول بعضهما البعض، وكادت أن تقع لولا يداه التي تلقفتها.

وبلحظة، وجدت نفسها تطير في الهواء لتستقر بين أحضانه، محموله كالعروس. ليلتقي بحرها الأسود مع جمرتيه المشتعلتين دائماً، ولكنها الآن تتوهجان بشكل مختلف. كانت لحظة خاطفة قلبت كيانها رأساً على عقب، كما فعلت به.

منذ أن رآها، وهو يبعد نفسه عنها. ليجدها تستقر دائماً بين أحضانه، تُغافِل عقله الذي يرفضها، وتُغوي قلبه الذي لا يعلم متى بدأ يرغبها. كلما ازدادت خطاياها أمامه، كلما وجد عقله لا يفكر إلا بها. فبات يقنعه بأنها أفعى ترتدي ثوب الضعف لتسقطه في شباكها. ولكن لقلبه دائماً رأي آخر، متعللاً بأنه رجل صالح ولا يقبل بأن يكون ظالماً. ولكن لم يكن يدرك بأن قربها منه بتلك الطريقة هو أكبر ظلم قد يتعرض له في حياته.

بالكاد وصل بها إلى المنزل، وهو يتجاهل كل ما يشعر به. فوجد الجميع يهرول إليه، ومن بينهم "فرح" التي كانت تبحث عنها كالمجنونة. لتفزع حين رأتها محمولة بين يدي جلادها بهذا الشكل. وقد صدمهم جميعاً مشهد الغربان المغادرة، بينما كان صوتها مرعباً، وكأنها توعد بالمجيء مرة أخرى. بمنتهى الرفق، وضعها فوق الأريكة، بينما الجميع يقفون خلفه ينتظرون معرفة ما حدث. وقد كان أول المتحدثين "فرح" التي أمسكت كوب الماء لتجعلها ترتشف منه بعض

القطرات وهي تسأل بلهفة: "هو إيه اللي حصل بالظبط؟ لم تستطع الحديث، فما زالت تحت تأثير ما حدث ومشاعرها التي فاجأتها اليوم كثيراً. بينما عيناها ظلت منخفضة، لا تقدر على مواجهته. ليتدخل "مجاهد" قائلاً بتوضيح:

"أنا هقولك يا ست هانم. أصل كان في غراب باني عشة على شجرة في الجنينة اللي ورا. والنهاردة لقيت العش ده واقع على الأرض، يظهر كدا والله وأعلم حاجة كلت ولده ووقعت عشه. ولما جيت عشان أرميه، الست هانم بعتتلي وروحت أشوفها. وبعدها طلعت على صوت الغراب وجيت جري أشوف في إيه، لقيت الست جنة ماسكة ولده الميت. فتلاقيه فكرها هي اللي قتلته، فـ قعد يعمل الصوت ده بينادي على عشيرته ياجوا يجبوله حجة هو وولده."

كان الجميع في ذهول تام من حديث "مجاهد". وسرعان ما قالت "حلا" بصدمة: "معقول الكلام ده؟ هي الغربان بتفهم عشان تعمل كدا؟ أجابها "مجاهد" قائلاً: "أومال إيه يا ست هانم! الغربان دي بتعمل محاكم زينا أكده، وعمرهم ما يسيبوا طارهم واصل." زفرت "أمينة" براحة وهي تقول: "الحمد لله أنهم مشوا من غير ما يأذوها." تدخل "مجاهد" قائلاً بخيبة: "متهيألك يا ست هانم، دول لازم ياخدوا طارهم منها وهيرجعوا تاني عشان يأذوها." تدخل "سليم" غاضباً:

"لو حصل وجم تاني، وديني لهصطادهم واحد واحد." "لا يا بيه، تبجى كدا بتفتح علينا أبواب جهنم. دول كتير جوي جوي، أمم وعشائر، وهييجوا ياخدوا طارهم لو لآخر نفس فيهم." تدخل "مروان" قائلاً بنفاد صبر: "طب وإيه الحل يعني، نخليها تروح لهم شايلة كفنها مثلاً! خرجت ضحكة قوية من فم "حلا" رغماً عنها على حديث "مروان"، ولكنها كتمتها إثر نظرات والدتها الصارمة والتي قالت بتوبيخ: "ده مش وقت هزار. وأنت يا مجاهد، قفل على القصص الخربانة دي."

أنهت جملتها والتفتت إلى جنة وقالت باهتمام خفي: "عاملة إيه دلوقتي؟ أومأت برأسها بخفة وقالت بصوت متحشرج: "الحمد لله." هنا خرج صوت "فرح" الخائف: "إحنا لازم نوديها للدكتور ونطمن عليها، أحسن يكونوا أذوها ولا حاجة؟ امتدت يد "جنة" تربت على يدها قائلة بلهفة: "لا، ماتخفيش. ملحقوش. سليم لحقني قبل ما يوصلولي."

قالت جملتها الأخيرة وهي تنظر نحوه في خلسة، بينما زينت وجنتاها حمرة الخجل وتزايدت ضربات قلبها إثر نظراته التي كان بها شيء مختلف وهو يناظرها. ولكن سرعان ما غلف نظراته بأخرى لا مبالية، تتنافى مع ارتجافة قلبه لدى رؤية ذلك الشعاع الذي يطل من بحرها الأسود الواسع، الذي أصبح عليه المقاومة حتى لا يغرق به أكثر. تفاجأت بـ "فرح" التي اندفعت إليه تقول بامتنان: "مش عارفة أشكرك إزاي يا سليم بيه." قاطعها حين قال بخشونة:

"أنا معملتش حاجة. أي حد مكاني كان هيعمل كدا." لم تتفاجأ من إجابته، فهي تعلم مقدار عجرفة تلك العائلة. وللحظة، اشتبكت عيناها بخاصته، والتي وجدت بها نظرة غريبة أربكتها. ولكنها سرعان ما تحولت لساخرة، تتنافى مع لهجته حين قال أخيراً موجهاً حديثه لـ "جنة" المستلقية على الأريكة: "متأكدة أنك كويسة؟ أومأت برأسها وهي تقول بخفوت: "متأكدة."

كانت تهاب "سالم" كثيراً، وتجلى ذلك بوضوح في عينيها. وقد تذكر ذلك اللقب الذي أطلقته عليه وهو "الديكتاتور"، فهو قد سمعها وهي تخبر الفرس بذلك. ولذلك ارتسمت بسمة خافتة على ثغره سرعان ما محاها، فقد كانت دقيقة في وصفها لشقيقه، فهو بالفعل ديكتاتور. ولكن تذكر بأنها أطلقت عليه لقب "هتلر"، وجزء منه قد وافقها الرأي، فهي لم تر منه سوى الجانب المتوحش فقط.

كانت هناك عينان تراقبه باهتمام وتحلل جميع تعبيراته التي أشعرتها بأن هناك خطراً محدقاً يحاوطهم. وقد قررت التصدي له. *** تفرق الجميع، وتوجهت "حلا" إلى غرفتها تبحث عن هاتفها الذي فرغ شحنه، وقد وضعته على الشاحن ومن ثم نسيته تماماً في ظل ما حدث. فتوجهت إليه وقامت بفتحه لتتفاجأ من مظهره الغريب خارجياً. وحين فُتح الجهاز، تجمدت الدماء في عروقها حين شاهدت تلك الصورة التي كانت لذلك المعيد الذي دائماً ما يوقعها حظها العاثر معه.

لم تكد تتجاوز صدمتها حين رن الهاتف فجأة، ولدهشتها فقد كان رقم هاتفها. فأجابت على الفور ليأتيه صوته الغاضب حين قال صارخاً: "أخيراً حضرتكِ تكرمتي وفتحتِ التليفون؟ جفلت من صراخه وقالت بتلعثم: "إيه هو حصل إيه؟ وتليفون مين ده؟ جاءها صوته الغاضب حين قال متهكماً: "بذكائك كدا هيكون تليفون مين ده؟ تلبسها ثوب الغباء، فقالت مرددة حديثه: "آه صحيح، تليفون مين ده؟ نفذ صبره وقال بصراخ:

"تليفوووني.. اللي حضرتك اتلخبطتي وخدتيه وسبتيلي تليفونك." أيقظها صراخه من حالة الصدمة التي سيطرت عليها، وقالت بحدة: "مسمحلكش تكلمني كدا على فكرة. وبعدين ماهو أنت لو مكنتش ظلمتني وقلت عليا غشاشة مكنش زمان كل ده حصل." ابتلع غضبه بصعوبة بالغة قبل أن يقول محذراً: "متبدأيش بالعبط بتاعك ده عشان أنا على آخري ومش فاضيلك، وبسببك اضطريت أجل سفري وكل حاجة اتعطلت." خرج صوتها فرحاً حين قالت: "إيه ده بجد؟ هو أنت مسافر؟

اندهش من نبرة الفرح التي تخللت صوتها وقال باستنكار: "ومالك فرحانة أوي كدا إني مسافر؟ خرج الكلام باندفاع من بين شفتيها: "والله ده يوم المنى لما تسافر. على الأقل أضمن إني مسقطش! "ده أنا اللي هضمنلك إنك متنجحيش طول حياتك لو تليفوني مجاليش دلوقتي أهو، سامعة؟ كان صوته غاضباً يتخلله تهديد صريح، جعلها تدرك ما تفوهت به وحجم الموقف الذي وضعت نفسها به بسبب اندفاعها. فقالت تحاول تهدئته: "طب وإيه العمل دلوقتي؟

هجيبلك تليفونك إزاي أنا؟ أجابها باختصار: "أنتي ساكنة فين؟ "أشمعنى؟ "أبداً، جاي أطلب إيدك! للحظة، شعرت بخفقة قوية في قلبها إثر كلمته، التي أتبعها صوته الغاضب حين قال: "أكيد عشان آجي آخد تليفوني يا ذكية! خرج صوتها متلعثماً حين أجابته بلهفة: "لا طبعاً، تيجي فين؟ مش هينفع خالص."

كان الغضب يأكله من الداخل من هذا المأزق الذي وضعته به الظروف. ولكن كان هناك سبب آخر كان يستبعده، وهو تلك الصورة لها مع ذلك الشاب التي كانت خلفية لهاتفه، ولا يعلم لما شعر بالغضب حين وجدها. نعم، كانت تجذبه كفتاة جميلة، ولكن لم يكن يشعر بأكثر من ذلك. لذا حاول تناسي الموضوع برمته، ولكن لم يستطع. فظل طوال الليل ينظر إلى تلك الصورة بمشاعر مختلطة، منها غاضب ومنها متهكم، خاصةً وأنه يتذكر جيداً أنه لم يجد خاتم خطبة في إصبعها،

مما جعل هاجس يهاجمه بقوة، وهو أنها فتاة لعوب. ولكن تخلص منه على الفور ونهر نفسه ألا يكون شخصاً ظالماً. وحاول بكل ضراوة أن يقمع فضوله الذي كان يغريه بالعبث بهاتفها حتى يتأكد من ظنونه. وظل على حاله طوال الليل إلى أن غفى والهاتف بيده، واستيقظ متأخراً وحاول مراراً وتكراراً الاتصال بها على هاتفه، ولكن كان دائماً مغلقاً، مما أثار جنونه.

"أنتي عايزة تجننيني؟ هو إيه اللي مش هينفع؟ بقولك ورايا سفر وعايز تليفوني! صمتت لثوانٍ قبل أن تقول بغضب: "على فكرة بقي مش لوحدك اللي عايز تليفونك، أنا كمان عايزة تليفوني. بص هقولك، أنت عرفني مكانك فين وأنا هحاول أجبهولك." زفر بحنق قبل أن يخبرها بأنه سينتظرها بأحد النوادي. فاستنكرت قائلة: "أقابلك في نادي بتاع إيه إن شاء الله؟ هو أنا كنت صاحبتك! بص أنت استناني عند الجامعة وأنا هاجي أديهولك وآخد تليفوني وأمشي على طول."

استغفر بداخله قبل أن يقول باختصار: "موافق." اتفقا على أن تكون المقابلة بعد نصف ساعة من الآن. وبعدها قام بإغلاق الهاتف في وجهها، مما جعلها تسبه بداخلها جميع أنواع السباب الذي تعرفه، ذلك المتحذلق المغرور من يظن نفسه حتى يعاملها هكذا.

كان "مروان" يتوجه إلى سيارته ينوي الذهاب إلى المدينة حتى يحضر بعض الأشياء لـ "ريتال" ابنة أخاه التي تعاني من مرض العزلة وتخاف كثيراً من الغرباء. فتفاجأ بـ "حلا" التي كانت تناديه وهي تلهث، فقد قطعت المسافة من الأعلى إلى الأسفل ركضاً حين شاهدته من نافذتها يتوجه إلى سيارته. فما أن سمع صوتها اللاهث، حتى توقف وقال باستفهام: "إيه يا بت بتجري كدا ليه؟ ليكون في حية بتجري وراكي أنتي كمان؟ "الحية دي تبقى خالتك يا خفيف."

"لا تبقى عمتك يا أختي. واقفة في البلكونة بتبصلنا إزاي، ولا كأننا سارقين عشاها." "طب احسب لتسمعك وتنزل تكسر دماغك. المهم قولي رايح فين كدا؟ وهو يستقل سيارته: "نازل إسماعيلية أجيب شوية حاجات، عايزة إيه! تفاجأت بها تستقل السيارة بجانبه وهي تقول: "جاية معاك! "ناقص قرف أنا! دانا طفشان منك، تقومِ تيجي معايا. انزلي يا بت، مش طالبة وش." لم تكد تجيبه حتى لمحَت في المرآة "سما" التي كانت تناظرهم من بعيد. فألقت عليه نظرة

خبيثة قبل أن تقول بمكر: "لو مطلعتش في خلال ثواني، هتلاقي سما كمان جايه معانا. أنت حر." ما أن سمع حديثها، حتى انطلق بسيارته وهو يقول بحنق: "لا وعلى إيه مش ناقص إلا الأرملة السوداء دي كمان تيجي معانا. مش طالبة كآبة." قهقهت "حلا" على حديثه ولم تعلق بشيء. وحين وصلوا إلى المدينة، استغلت انشغاله بمكالمة هاتفية، وقالت: "بقولك إيه يا مروان، نزلني عند الجامعة. هقابل حد أديله طلب وأجي على طول."

أومأ برأسه، بينما ظل منشغلاً بمكالمته الهاتفية. وبينما هي تترجل من السيارة، شاهدت ذلك الذي كان يقف بجانب سيارته أمام الجامعة ينظر إلى ساعته وهو يزفر الهواء بحنق. فتوجهت إليه بكل غرور وخطوات متمهلة، وكأنها تريد إشعال غضبه أكثر، بينما رسمت قناع البراءة فوق ملامحها، وهي تقف أمامه تمد إليه هاتفه قائلة بعنجهية: "تليفونك!

تابع ملامح وجهه، وقد اغتاظ بشدة حين وقعت عيناه على ذلك الشاب في السيارة التي أقلتها. فلم يستطع منع نفسه من توبيخه قائلاً: "أكتر إنسانة غير مسؤولة ومعندهاش تقدير للوقت شفتها في حياتي! تصاعد غضبها من توبيخه وقالت باستنكار: "غير مسؤولة ومعنديش تقدير للوقت ليه إن شاء الله؟ ناظرها بسخط تجلى في نبرته حين قال: "أولاً عشان موقف التليفون ده. في حد ينسى تليفونه وياخد تليفون غيره كدا! لا وكمان قافلاه من إمبارح!

"على فكرة ده كان فاصل شحن وأنا نسيته في الشاحن ونمت." "مش بقولك غير مسؤولة. افرض خطيبك رن عليكي يلاقي تليفونك مقفول كدا عادي." ناظرته بدهشة وقالت بعدم فهم: "خطيبى! خطيبى مين؟ رفع الهاتف في وجهها وخرجت الكلمات من فمه غاضباً حين قال: "البيه اللي معاكِ في الصورة ده أياً كان خطيبك ولا حبيبك ولا حتى صاحبك." تحولت نظراتها حين وقعت على صورتها مع "حازم" في يوم ميلادها، وترقرقت العبرات في مقلتيها وهي تقول بحزن:

"ده لا خطيبي ولا حبيبي ولا صاحبي. ده أخويا." سحبت نفساً عميقاً قبل أن تتابع: "الله يرحمه! صدمة قوية نالت منه حين شاهد العبرات تترقرق في مقلتيها وصوتها المرتجف وملامحها الحزينة حين أخبرته عن شقيقها المتوفي. فتحمحم بحرج قبل أن يقول بنبرة هادئة: "البقاء لله. أنا بعتذر، مكنتش أعرف." هزت رأسها قبل أن تقول بصوت متحشرج: "لا عادي، محصلش حاجة. اتفضل تليفونك."

أخذ الهاتف من يدها وناولها هاتفها، فرفعت رأسها تناظره بعينين حزينتين للغاية وهي تقول بنبرة خافتة: "أنا بعتذرلك عن اللي حصل؟ عن إذنك." نسي موعد سفره ونسي كل شيء، ووجد نفسه يقول باندفاع: "لا، أبداً محصلش حاجة. لو حابة نقعد نشرب حاجة، شكلك متضايق." أجابته بحزن كبير: "لا، مش هينفع عشان متأخرش. وكمان عشان معطلكش عن سفرك." رق قلبه لنظراتها الحزينة وملامحها المتألمة، وقال بلهفة:

"مفيش عطلة ولا حاجة. أنا بس مش عايزك تمشي وإنتي متضايقة كدا. هو متوفي بقاله قد إيه؟ "أربع شهور." شعر بالشفقة على مصابها وتألم لأجلها كثيراً، وظهر ذلك في نبرته حين قال مواسياً: "ربنا يرحمه. كلنا هنموت، ده قضاء ربنا، ومحدش له في نفسه حاجة." هزت رأسها تحارب انسياب الدمع مع عينيها، وهي تقول بنبرة مبحوحة: "عندك حق. بس أنا مكنتش عاملة حسابي إنه هيمشي بسرعة أوي كدا، حتى من غير ما يودعني!

ود لو يقترب منها ويزيل بأنامله ذلك الدمع العالق بين جفونها ويزيح جزءاً من حزنها الذي لون ملامحها الجميلة. وقد فهم لما كانت حزينة ذلك اليوم. وما أن هم بالحديث، حتى تفاجأ بـ "مروان" الذي اقترب من "حلا" محوطاً كتفها بذراعه وهو يقول مستفسراً بلهجة خشنة من بين نظرات قاتمة: "في حاجة يا حلا؟ ارتفع رأس "حلا" التي كانت نظراتها ضائعة حزينة، وقالت بنفي: "لا. لا أبداً مفيش حاجة. أنا كنت بدي دكتور ياسين طلب وماشية على طول."

رفع "مروان" حاجبيه إثر نظرات "ياسين" الغاضبة، والذي قال بغرور وهو يمد يده ليصافحه: "ياسين عمران، معيد في كلية الآداب." مد "مروان" يده يصافحه وهو يقول بتحفظ: "مروان الوزان، ابن عم حلا." ارتاح قليلاً عندما علم بهويته، ولكن مظهره وهو يحتضنها هكذا أغضبه لسبب مجهول. لذا آثر إنهاء اللقاء قائلاً برسمية تنافي رِقته معها قبل قليل: "متقلقيش يا حلا من الاختبار ده، كان مجرد تقييم للمستويات. عن إذنكوا."

لم تكد تجيبه لتجده انطلق بسيارته بطريقة لم تعجب "مروان" الذي ناظرها بغضب قائلاً: "بت أنتِ حالاً تقوليلي مين ده وجاية تديله إيه؟ ناظرته "حلا" بدهشة من عدائيته وقالت بعدم فهم: "في إيه يا مروان؟ ما قولتلك ده المعيد بتاعي وكنت جاية أديله طلب." "أيوا يعني اللي هو إيه الطلب ده؟ "لا دا موضوع طويل، تعالي أحكيهولك في العربية." وبالفعل استقلا السيارة وقصت "حلا" عليه ما حدث في ذلك الاختبار وما تلاه، لتختتم

حديثها قائلة بحزن عميق: "كان مفكر حازم خطيبي." أشفق "مروان" عليها حين رأى يدها التي كانت تمررها فوق ملامح وجهه في الصورة. فحاول إخراجها من حزنها قائلاً بتفكير: "إزاي غابت عن بالي الفكرة دي! نجح في جذب انتباهها، فقالت بعدم فهم: "فكرة إيه؟ "عم مجاهد كان بيلف عمامة سودا على العصيان عشان يعمل فزاعة ويطرد بيها الغربان." "طب وإيه المشكلة؟ "وعمل فزاعة ليه وإنتي موجودة؟

دانتي لو طلعتيلهم بمنظرك ده كفيل يخليهم يقطعوا الخلف مش يهربوا بس." أنهالت فوق رأسه بضربات متتالية وهي تقول بحنق: "بقي أنا فزاعة يا حيوان؟ طب وربنا لهوريك... *** كانت "جنة" مستلقية على الأريكة، بينما "فرح" قامت بوضع وسادة أسفل رأسها لترتاح أكثر في نومتها. وامتدت يدها تمررها بحنان على وجنتيها قائلة: "مرتاحة كدا؟ أجابتها "جنة" بامتنان: "مرتاحة يا فرح، تسلم إيدك." "مش عايزة أي حاجة أعملهالك قبل ما تروحي القصر؟

"لو ممكن تجيبيلي كتاب أتسلّى فيه من بتوعك." ابتسمت "فرح" بحنان وتوجهت إلى مكتبتها الصغيرة وقامت بجلب كتاب شيق تعلمه جيداً وناولتها إياه. وما أن امتدت يدها لتناولها إياه، حتى ارتجفت يد "جنة" وسقط الكتاب أرضاً. فوقع منه ورقة صغيرة اهتز لها قلبها، وقد علمت فحواها ما أن رأتها. فقامت على الفور بإلتقاطها ووضعها في جيبها الخلفي، بينما ارتسم الحرج والتوتر على ملامحها. فقالت "جنة" باستفهام: "إيه الورقة دي يا فرح؟

"لا أبداً، دي ورقة كاتبة فيها شوية حاجات عجبتني في الكتاب. متشغليش بالك. أنا هروح دلوقتي والخدامة هتيجي تقعد معاكِ عشان لو احتاجتي حاجة. وأنا مش هتأخر، هستأذن من سالم بيه وأجيلك على طول."

أنهت حديثها وتوجهت للخارج وهي تتنفس بصعوبة، فهي تخجل من معرفة شقيقتها بأنها ما زالت تحتفظ برسائله للآن. لم تعد تفكر به، وجفت بحور الاشتياق بقلبها، حتى أنها قامت بالتخلص من كل ما يحمل رائحته. ولكنها أبقت على هذه الرسالة حتى تذكرها بألا تثق في رجل مجدداً. وقد أتت في وقتها الصحيح، فجميع الرجال خونة وكاذبون، وهي لن تنخدع بهم مرة أخرى، فيكفيها ما نالها وشقيقتها منهم حتى الآن.

هكذا كانت تقنع نفسها وهي تتوجه إلى المكتب، حيث وجدته كان يجري اتصالاته والغضب بادٍ على محياه وتجلى في نبرته حين قال: "يعني إيه يا سلمى؟ جاية تقولي دلوقتي إنها مش هتقدر تسافر معايا؟ هو تهريج؟ زفر بحنق حين جاءه الرد على الطرف الآخر، فقال بتهكم: "توقيت مناسب للولادة! طيب اقفلي، أنا هتصرف." ناظرته باستفهام، تجاهله حين قال بخشونة: "جنة عاملة إيه دلوقتي؟ أجابته باختصار: "كويسة الحمد لله."

كانت ملامحها متجهمة ونبرتها قاتمة، مما جعله يرفع إحدى حاجبيه قائلاً باستفهام: "متأكدة؟ أومأت برأسها قائلة: "متأكدة، هكذب عليك ليه؟ لهجتها الباردة وردها العدائي جعلاه شبه متأكد من وجود خطب ما، وقد شعر برغبة ملحة لمعرفته، فقال مراوغاً: "ميبقاش قلبك ضعيف كدا، دي مجرد غربان ومتحطيش كلام عم مجاهد في دماغك، هو مزودها شوية." خرجت الكلمات منها بحدة أذهلته: "وهي الغربان دي مش كائنات حية وبتحس بردو زينا؟ أجابها بسخرية:

"أنتي معاهم ولا مع أختك؟ "أنا مع الحق. وعلى فكرة عم مجاهد مش مزودها ولا حاجة، الغربان فعلًا بتعمل محاكم بينهم وبتطبق الحق اللي البشر مبيعرفوش يطبقوه! "قولي اللي عندك على طول، مابحبش أسلوب رمي الكلام ده! هكذا أجابها، لتدرك أنها تمادت قليلاً، فرسمت اللامبالاة على ملامحها وهزت كتفيها قائلة: "لا، مش رمي كلام ولا حاجة، ده مجرد رد على كلامك مش أكتر." شعر بكذبها، ولكن لم يطل الأمر كثيراً، إذ قال مغيراً الموضوع:

"هنبقى نشوف الموضوع ده بعدين. المهم دلوقتي جهزي نفسك عشان هنسافر يومين شرم الشيخ." صدمها حديثه، فقالت بدهشة: "نعم، مين دول اللي هيسافروا شرم الشيخ؟ ناظرها باستمتاع من مظهرها المصدوم، وقال بهدوء ليزيد من غضبها: "أنا وأنتي! "ده اللي هو إزاي؟ "السكرتيرة بتاعتي معاد ولادتها كان أول الشهر وفجأة ولدت إمبارح، وفي مؤتمر مهم في شرم، ومينفعش أعتذر عنه. وأكيد مش هسافر من غير سكرتيرة، فقررت آخدك معايا! ابتسمت بتهكم وتابعت بغضب:

"وحضرتك بتقرر بناءً على إني شنطة هتاخدها معاك؟ كان غضبها مثيراً بحق، لذا تابع ليستفزها أكثر: "لا بناءً على إني مديرك وأنتي سكرتيرتي." "بس أنا مش جاهزة للسفر دلوقتي." "السكرتيرة البروفيشنال مينفعش تقول للشغل لأ، ده أولاً. ثانياً، وده الأهم، أنتي زعلانة ليه؟ دي فرصة أختبر فيها قدراتك وأشوف بعيني مؤهلاتك، يمكن أعيد النظر وأقبل أشغلك في الشركة بتاعتي!

ذلك الرجل يمتلك نصف استزاف العالم وأكثر من ثلث عجرفته، وتود لو أنه يبتلع لسانه الذي يلقي بها في فوهة بركان ثائر ويجعلها تعجز عن الرد على استفزازه. "متنسيش إنكِ ماضية عقد وأنا في شغلي مبهزرش." كانت تلك الجملة التي قالها ما أن رأى غضبها يتصاعد، ليجعلها تبتلع جمراته بصعوبة قبل أن تقول من بين أسنانها: "والسفر ده امتى؟ "النهاردة بالليل." أجابها بهدوء، فأخذت نفساً عميقاً بداخلها قبل أن تقول بإذعان: "طب وجنة هعمل معاها إيه؟

"متشغليش بالك بيها، أنا هرتب كل حاجة. ياريت تجهزي نفسك بسرعة. ومش محتاج أقولك تهتمي بمظهرك، لإن ده مؤتمر عالمي وأنتي هتبقي واجهة لشركة كبيرة! وصل غضبها لذروته، وودت لو تمسك بتلك المزهرية وتحطم بها رأسه لكي تشفي غليلها وتطفئ نيرانها المستعرة. ولكن أتتها فكرة جعلتها تهدأ قليلاً، وقالت بهدوء أدهشه:

"طبعاً طبعاً، ده شيء مفروغ منه. بس اللي أعرفه إن الإنسان بيتقيم من خلال شغله مش من خلال مظهره، وده المسموح لحضرتك تطلبه مني، غير كدا لأ. عن إذنك عشان أروح أجهز نفسي وأعرف جنة."

لم يُجبها، فقد علم من ملامحها بأنها قد وصلت إلى ذروة الغضب. فاكتفى برسم ابتسامة تسلية على ملامحه وهو يناظرها تغادر. ولكن لفت انتباهه شيء صغير سقط منها، فتوجه لرؤيته، فوجد ورقة صغيرة مطوية تحمل عطراً رجالياً. فجعد ما بين عينيه وقام بفتحها لتتجمد الدماء في عروقه وتتحول لبراكين غضب حين قرأ محتواها. ***

كان "سليم" في غرفته يمارس الرياضة بعنف، وكأنه يخرج بها شحنات ومشاعر لا يستطيع التصريح بها، تطارده كأشباح لا يستطيع مواجهتها. جل ما يستطيع فعله هو الهرب منها، وقد تجلى ذلك في حركاته العنيفة فوق الجهاز، وقد تلاحقت أنفاسه وبدأت عظامه تؤن عليه وجعاً. فترك ما بيده وأخذ يزفر أنفاسه بقوة، وكأنه يطرد رائحتها العالقة بصدره الذي توقفت نبضاته حين سمع صوت والدته الآتي من خلفه: "بتهرب من إيه يا سليم؟

صُدم "سليم" من كلماتها وظهورها المفاجئ ونظراتها الثاقبة التي كانت تطالع حالته، والتي جعلتها تتأكد من ظنونها وشكوكها حوله. وقد فهمت محاولته لمراوغتها، حين قطب جبينه مدعياً عدم الفهم: "بهرب! سليم الوزان مبيهربش يا حاجة، ده أنا حتى تربيتك." اقتربت منه "أمينة" قائلة بنبرة ذات مغزى: "وده عشمي فيك يا سليم." رفع إحدى حاجبيه قبل أن يقول باستفهام: "وراكِ إيه يا حاجة؟ كلامك ده مش من فراغ." ابتسمت "أمينة" وهي

تطالعه بفخر قبل أن تقول: "يوم ما ولدت سالم، فرحة الدنيا ما كانتش سايعاني إني جبت لأبوك الولد وكنت أقعد أناكف فيه وأغني له." "يوم ما قالولي ولد ضهري، اتشد واتسند." كان يضايق ويقول لي: "وإنتي حد يقدر يدوسلك على طرف يا أمينة؟ " كنت أضحك وأجري عليه أصالحه. ولما ولدتك أنت، جرى

هو عليا وباس راسي وقال لي: "بقيتي أم الرجالة يا أمينة. عملتيلي العزوة اللي كان نفسي فيها. أبوك كان حاسس بالوحدة بسبب إن عمك عاش طول عمره بره، فكان عايز يعمل عيلة كبيرة ومحسش إنه عملها غير لما جيت أنت. يومها قربت منك وحضنتك أوي عشان كنت سبب في فرحة كبيرة ليا وليه. أنت اللي عملتنا عيلة. بعد ما جيت، أبوك بطل يتحايل على عمك عشان يرجع وقال لي: "خلاص عزوتي حواليا." وفعلًا، كنت طول عمرك أنت وأخوك عزوة وسنده. وهو بيموت،

قال لي: "أنا مطمن عليكي عشان سايبك وسط رجالتي يا أمينة." رقت ملامحه لحديث والدته التي ذكرته بوالده الراحل وذكرياتهم الرائعة معه. فاقترب منها وقام بإمساك يدها وقبل باطن كفها وهو يقول بحب: "إحنا نفديكي بعنينا يا ست الكل." مدت يدها تمررها فوق خصلات شعره وهي تقول بحنان: "تعيش لي يا حبيبي. ربنا ما يحرمني منك ويهديك ليا أنت وأخوك وأختك." شعر بشيء ما بين طيات حديثها، ولكنها تابعت بنبرة ذات مغزى:

"ولاد منصور الوزان اللي بفتخر بيهم، وإني أنهم نسخة من أبوهم اللي عمره ما صغرني ولا خلاني أرجع في كلمة قلتها أبداً، وأكيد أنت هتبقى زيه." "إيه رأيك يا حاجة تقولي اللي إنتي عايزاه مرة واحدة أحسن." شاكسها "سليم"، فابتسمت قبل أن تثقل نظراتها وهي تقول بتمهل: "في يوم من الأيام، طلبت سما عروسة لحازم، والناس كلها عرفت أنها عروستنا. وبعد موت حازم، مينفعش أرجع في كلمتي." لم يستطع فهم ما ترمي إليه، فألقت

بقنبلتها قائلة دفعة واحدة: "عايزاك تتجوز سما يا سليم! يتبع...

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...