خرج سالم من البيت و لم يرد علي كلماتي. "ست أمينة" قالت نعمة وهي تطل من باب الغرفة، "سالم بيه خرج من شوية و مردش عليا لما ناديتله." كفكفت أمينة دموعها التي لم تجف بمرور الأيام، بل ازدادت. باتت الدموع هي الشيء الوحيد الذي يواسيها في ليلها الطويل، مع ذكريات مؤلمة عن فقيد قلبها الغالي، الذي لا يستطيع شيء تعويض غيابه. "ناوليني الطرحة يا نعمة." اقتربت منها نعمة و هي تساعدها على النهوض،
قائلة بعتاب خفي: "زيادة عن اللازم بُكاء يا حجة. صحتك." قالت أمينة بألم محفور في تجاعيد وجهها و قلبها: "البُكاء ده نعمة من عند ربنا. لولا شوية الدموع اللي بتنزل دي، ما كانت القلوب هتتحمل وجعها." قالت نعمة بإشفاق على حالها: "ربنا يهون عليكِ يا حاجة. بالرغم من كل اللي انتِ فيه، إلا أنك بتهوّني على الكل." أخرجت وجعها على هيئة زفرة قوية،
و هي تقول: "مفيش قدامي غير كده. قلبي مش حمل وجع تاني. عايزة أطمن عليهم. ربنا عوضني بابن حازم. ولازم أطمن إنه ما يبعدش عن حضني أبدًا." "طيب يا حاجة، انتي مش عارفة إذا كانت أمه هتوافق على اللي في دماغك ده ولا لأ؟ و كمان سليم بيه صعب تقدري عليه." انكمشت ملامحها بألم، ثم تابعت ارتداء حجابها و هي تقول: "اللي ربنا عاوزه هيكون. المهم إني اطمنت إنها بنت كويسة." "ربنا يقدم اللي فيه الخير و يبرد قلبك يا رب."
دق باب الغرفة و أطل منه سليم. أمرت أمينة نعمة بالانصراف، و قالت بهدوء: "تعالي يا سليم اقعد." لم يتفوه بحرف. فتوجه إلى حيث أشارت و جلس بهدوء. فاقتربت منه قائلة: "انت شفت سالم قبل ما يخرج؟ قال سليم بجفاء: "لا. مع إنه المفروض كان يستناني عشان ورانا حاجات مهمة. معرفش إيه اللي حصل و خلاه خرج فجأة." زفرت أمينة بتعب، و قالت بصراحة صدمته: "انت كنت عارف إنه عايز يتجوز فرح؟ التفت يناظرها بذهول، سرعان ما انمحي و حل محله الجمود،
حين قال: "أيوه كنت عارف." أمينة بعتاب: "و ما قولتليش ليه؟ سليم بفظاظة: "الموضوع ما يخصنيش عشان أتكلم فيه." نجم في استثارة غضبها، فقالت: "الموضوع يخصنا كلنا لو مش واخد بالك." سليم بامتعاض: "أنتي عارفة سالم يا حاجة. و عارفة إنه لا بياخد رأي حد و لا بيحب حد يدخل في اللي يخصه. و بعدين أفهم من كلامك ده إنك مش موافقة؟ احتارت هل تخبره بما حدث و تشوه صورة تلك التي من المحتمل أن تكون مظلومة، فهي تعرف اندفاعه جيدًا.
لذا قالت بمراوغة: "الموضوع زي ما قولت يخصه. و بعدين هو لسه متردد." رفع حاجبه قائلاً باستنكار: "سالم متردد؟! انكمشت ملامحها بالحيرة، فقالت مغيره الموضوع: "قولي يا سليم، انت إيه رأيك في البنات دول؟ دفعته بحديثها إلى حقل ألغام لا يقدر أن يخطو به خطوة واحدة. فآثر أن يجيبها بشكل عائم: "ماليش رأي. يعني مبركزش. معرفهمش." كانت تعلم بأنه يراوغها. فاهتزاز ملامحه و تغير نبرته خير دليل على ذلك. و لذلك آثرت الحديث بصراحة،
فقالت: "طيب يا سليم، بما إني أكتر واحدة عارفاك، فهتكلم بصراحة. لو قولتلك إيه رأيك تتجوز جنة، هيكون إيه ردك؟ لم يتخيل للحظة أن والدته ستعرض عليه هذا الأمر أبدًا. و معني ذلك أنها ترى أعماقه بشكل أغضبه، كما أغضبه ضجيج قلبه الذي عصى عليه لأول مرة بحياته، و أوقعه بذلك المأزق. و لأنه يتنفس الكبرياء، قال بطريقة صدمتها: "هرفض طبعًا. إيه اللي انتي بتقوليه ده يا حاجة؟
كانت تتوقع رده، ولكن تلك الطريقة الصارمة، و كأنها تعرض عليه جريمة نكراء، أصابها بالصدمة. فقالت: "لما عرضت عليك تتجوز سما، كنت متأكدة من إنك استحالة توافق. إنما جنة؟ ليه؟
خربشت بأناملها على جراحه النازفة، بعد أن وضعت سيف الحيرة على رقبته، و ألقت به فريسة بين أنياب العشق والوجع. في حرب الكبرياء الطاحنة التي تنهش جوانب صدره بضراوة، والتي حسمها عقله حين أعلن العصيان على قلبه. فرجل مثله، بلغت عزته عنان السماء، و لا يقبل الانحناء أمام مذلة العشق أبدًا، حتى ولو كان عشقها!! "لو كنت رفضت سما مرة، فـ جنة هرفضها ألف مرة."
هكذا أجابها بلهجة جافة، لا تحمل أيًا من مشاعره المبعثرة، و لا آلامه الدفينة. انفعلت قائلة بعتاب: "و ليه عايز تعذب نفسك؟ بتلف طوق الذنب حوالين رقبتك ورقبتها ليه؟ عينيك معرية قلبك يا سليم." ثارت جيوش تمرده على كلماتها، و رفع رأسه بشموخ، ينفي عن نفسه عار تلك المشاعر المسمومة، قائلاً بنبرة مغترة: "قلبي ملكي. يوم ما يعصي عليا، أحطه تحت جزمتي." كانت تعلم معاناته، فتحلت بفضيلة الصبر،
و قالت بنبرة متزنة: "طب قلبك هتحطه تحت جزمتك، طب و واجبك تجاه أخوك و ابنه؟ كان يعلم هدفها، فتجاوزه ببراعة: "ابنه في عيني، وعمري ما هخليه يحتاج لأي حاجة أو أي حد و أنا موجود." وصلت لـ مبتغاها، فقالت بتخابث: "طب و هتقبل إنه يتحرم من أمه؟ "تقصدي إيه؟ "أقصد أن جنة صغيرة وحلوة، والف مين يتمناها. و طبيعي هتفكر تتجوز، خصوصًا إنها معاشتش حياتها. وقتها هتسيب ابن أخوك يتربى مع حد غريب؟ ولا هتحرمه من أمه؟
نجحت في تسديد هدف قاتل في مرماه. فهي أكثر من يعلمه، و ملامحه التي كانت مكفهرة مستنكرة خير دليل على ظنها. و خاصة حين وجدته ينتفض بقوة كالملسوع في قلبه، قائلاً بانفعال طال كل ذرة من جسده: "الكلام ده مش هيحصل أبدًا. يعني إيه تتجوز تاني! مجنونة دي ولا إيه؟ في قانون الكبرياء، سأحبك دائمًا حتى لو رفضتك للأبد. و في قانون القلب، سأشعل ألف حرب على الكبرياء والقدر، حتى أظفر بسلام قربك.
وفي قانونه الخاص، سأكتفي بعشقك، حتى ولو كان العشق دائي، وسأرفض قربك، حتى ولو القرب دوائي. ولن ينجو كلينا من بطش كبريائي. فلن تكوني لي، ولن تكوني لغيري. فما أنا برجل يقبل أن يكون فدائي. "لا مش مجنونة يا سليم. دي بشر، لحم ودم. بنت لسه صغيرة، من حقها تعيش حياتها زي باقي البنات. دي الحقيقة اللي مينفعش نعمي عيوننا عنها." أظلم قلبه بعد أن احترق بنيران الغيرة، حتى صار بركانًا، إن ثار لن يقف بوجهه أحد.
"بطلي كلامك ده. انتي بتقولي كده عشان تستفزيني صح؟ طيب خديها مني بقى عشان ترتاحي. جنة عمرها ما هتكون لراجل تاني أبدًا. وأي حد هيفكر يقرب منها، يبقى حكم على نفسه بالموت." نجحت في إخراج وحوشه الكامنة، وإضرام النار بغيرته القاتلة، والتي جعلتها تشعر بالشفقة عليه، فقالت بأسى: "وليه الوجع يا ابني؟ ليه تظلمها وتظلم نفسك؟ بعينين هالكَتَين، وقلب فتت الوجع أضلعه من شدة قساوته. ألقى بحمله الثقيل الذي لم تفلح قوته في تحمله،
وقال بصراخ: "عشان متنفعش! متنفعش أأمنها عليا ولا على بيتي. انتي عارفة هي اتجوزت حازم إزاي؟ دي حافظتش على نفسها وفرطت فيها بالشكل المهين ده!! أسلمها اسمي وشرفي إزاي!!! شهقة قوية خرجت من جوفها حين سمعت ما تفوه به. ولم تكد تتحدث، حتى سمعوا صوت نعمة وهي تقول بلهفة: "ست جنة.. يا ست جنة…" سقط قلبه بين أضلعه حين سمع اسمها. وهرول إلى الخارج، فوجد نعمة التي تقف أمام باب القصر من الداخل. وبصوت اهتز من فرط القلق،
سألها: "في إيه؟ نعمة بجزع: "ست جنة طلعت تجري على برة وهي منهارة وبتقول مش راجعة هنا تاني." عقاب الزمن قاسي، خاصةً وأن كان القدر أعطاك الفرصة كاملة ولم تغتنمها، بل لفظتها متسلحًا بكبرياء أهوج لا يستطيع أبدًا إخماد الألم ولا مداواة الجروح. هرول إلى الخارج باحثًا عنها بكل مكان حوله، بقلب يتلظى بنيران الخوف، وعقل صار يتوسل القدر ألا يختبره بها.
أخذ يدور حول نفسه كالمجنون، حتى أنه صار ينادي عليها في الشوارع كالطفل الذي تاه عن والدته. وفجأة، أتاه الإنقاذ على هيئة هاتفه الذي على رنينه، وكان المتصل مروان. "مروان، جنة مشيت، وما نعرفش راحت فين. مش كلمتك؟ مروان بغضب: "جنة منهارة وفي المقابر عند حازم."
صاعقة قوية ضربت قلبه، فبعثرته إلى أشلاء حين علم أنها لجأت إلى شقيقه المتوفي. لا يعلم هل كانت غيرة أم ألم على ما سمعته من قذائف مدوية خرجت من بين شفتيه، بعدما أصابه العجز أمام والدته التي عرت ضعفه أمامها. كان يقود سيارته بسرعة جنونية، وكأنه يريد أن يطير إليها. لا يعلم هل يعتذر منها، أو يعتذر من أخيه، أو يخبرها بالسبب الحقيقي لحديثه هذا، أم يعنف نفسه على غبائها؟
لا يعلم ماذا عليه أن يفعل. فقط يريد رؤيتها سالمة، لا أكثر. سقطت فوق الأرض الرملية التي ارتوت بعبراتها الغزيرة، والتي لم تقو على إيقافها. فقد خدرت وجعها لوقت طويل، ولم تعد تحتمل أكثر من ذلك. وها هي تقف أمام ذلك الذي لا تعلم هل تلعنه أم تدعو له بالرحمة التي هي في أمس الحاجة إليها الآن.
فقد دهست كرامتها، وسحقت مشاعرها للحد الذي جعلها تريد الهروب من كل شيء. ترغب في أن تتواري تحت الثرى، حتى تختبئ من ذلك العار الذي لطخها. والسبب في ذلك أنها استمعت إلى قلبها. في المرتين، كانت النتيجة هزيمة كبيرة وخسائر فادحة لا يحتملها جسدها الهزيل. "مش عارفة أقولك إيه؟ أدعيلك ولا أدعي عليك. ضيعت حياتي يا حازم. وطلعت جبان حتى في آخر لحظة في عمرك، وسبتني أواجه كل حاجة لوحدي. ليه؟ ليه ليه كدا يا حازم؟
ليه اتكتب عليا أعيش كل الوجع والقهرة دي لوحدي؟ ليه؟ شعرت بركلة قوية أسفل بطنها، وكأن أحدهم يذكرها بوجوده. فأمدت يدها تلامس موضع ضربته، وهي تقول بحب يقطر من عينيها: "انت بس، بس مصبرني على كل حاجة بتحصلي. أنا عارفة إني مينفعش اعترض، ومينفعش أضعف وأنت موجود. بس الوجع زاد أوي. كسرة الخاطر صعبة، وجرح القلب أصعب. وأنا اتكسر خاطري، وقلبي اتجرح، وكرامته اتهانت كتير أوي. سامحني أرجوك."
كأن تلك الروح النقية شعرت بها، فنالت ركلة ثانية أسفل يدها، جعلتها تقول بوجع: "أنا عارفة إني أستاهل، واللي تفرط في نفسها تستاهل اللي يجرالها. بس والله أنا مش وحشة، غصب عني. عارف، انت الوحيد اللي تستاهل عشانه أفضل كاتمة سري جوايا وساكتة. عشانك بس، هقبل أفضل وحشة في نظره ونظر الناس كلها. بس أوعدك، لما تيجي بالسلامة وتبقي قادر تفهمني، هقولك على سري. انت الوحيد اللي تستاهل تعرفه."
تجمدت خطواته إثر سماعه لجملتها الأخيرة، والتي وضعت سيف الحيرة على رقبته. فمعنى ذلك بأنها محتمل أن تكون مظلومة بهذا الزواج! "سر إيه اللي أنتِ مخبياه؟ شهقت بعنف حين سمعت صوته يخترق خلوتها، وذلك السكون المهيب الذي يحيط بها. ولكن تحولت صدمتها إلى غضب كبير حين رأته، وبكل وقاحة يسألها عن سرها. رغبة عنيفة تملكتها في أن تجعله يتذوق من ويل ما ذاقته. فقالت بلهجة جافة: "اديك قولت سر. بأي حق تسألني عنه؟
كان يتفهم غضبها، وينوي تجاوزه حتى يصل إلى قشة الغريق التي ستنقذه من ذلك الهلاك الذي يحيط به: "عشان ميخصكيش لوحدك. يخص أخويا وابنه." قاطعته بقسوة: "أخوك وابنه يخصوني أكتر ما يخصوك. لو ناسي إني كنت مراته! نجحت في غرز سهمها في منتصف قلبه، ولكنه تجاهل ألمه، وقال بصراحة، فقد ضاق ذرعًا بكل شيء، وقرر أخيرًا أن يفصح عن ذلك الاستفهام الذي يؤرق لياليه: "أنتِ اتجوزتِ حازم إزاي؟ "ميخصكش! كانت كلمتها كالسيف الذي مر على رقبته،
فانتفض بغضب مؤلم: "يخصني. وعايز أعرف كل حاجة دلوقتي." أرادت النيل منه بقوة نابعة من حطام كرامتها التي سحقها تحت أقدامه، فقالت بثبات: "ليه؟ بتدور على أي حاجة تشفعلي عشان تقبل تتجوز واحدة زيي؟ تجاهل مرارة كلماتها التي آلمته قبلها، وقال باختصار: "أنتِ شايفة إيه؟
جنة بقسوة: "شايفة إنك توفر على نفسك وجع الدماغ. عشان أنا واحدة وحشة، وكنت بجري ورا أخوك عشان فلوسه، وقبلت اتجوزه عرفي. وبرغم كل القرف ده، أنا عمري ما هقبل اتجوزك. حط الكلمة دي في دماغك. لو انت آخر راجل في الدنيا، عمري ما هقبل اتجوزك."
أشعلت كلماتها جحيم غضبه، والذي تجلى في عينيه التي احترقت باحمرار داكن، و ملامحه التي اكفهرت فبدت مرعبة. وقبضته الغير رحيمة التي امتدت تمسكها برسغها بقوة، يجرها خلفه إلى حيث أوقف سيارته، وقام بإجلاسها على الكرسي المجاور له. وأصوات أنفاسه الهادرة ترعبها من قوتها، مما جعلها تلجأ للصمت طوال رحلة العودة. كانت تدخل من باب البيت بأقدام مثقلة بالخيبات والألم. فتفاجئت بالجميع ينظرون إليها بغرابة. فقالت بهدوء: "في إيه؟
نالت نظرات ساخطة من عيني حلا، التي ما أن أوشكت على الحديث، حتى رمقتها والدتها بغضب، فانصاعت لتحذيرها الصامت، ودخلت إلى غرفة الجلوس، تليها سما. فتنقلت أنظارها بين الحاضرين، لتستقر على أمينة، التي قالت بتحفظ: "جنة اتضايقت شوية وخرجت، وكنا قلقانين عليها. بس الحمد لله اطمنا." انكمشت ملامحها بذعر، تجلى في نبرتها حين قالت: "يعني إيه خرجت متضايقة؟ حصل إيه ضايقها؟ وهي فين دلوقتي؟
أمينة بغضب دفين: "قولتلك اطمنا عليها، وزمانها جاية دلوقتي." زاد رعبها مضافًا إليه الغضب، فانسحبت مهرولة إلى غرفة المكتب الخاصة به. فلا يوجد شخص يستطيع مساعدتها سواه. فتحت باب المكتب دون أي استئذان، ودخلت بأعين ضائعة. وجدت ضالتها حين رأته يقف أمام النافذة. فهرولت إليه متجاهلة مروان، الذي ود لو ينبهها بحالته المرعبة تلك، ولكنها لم تمهله الفرصة. وتوجهت إلى سالم تقف أمامه، قائلة بلهجة مرتعبة، بينما امتدت يدها
تلامس ذراعه الأيسر بعفوية: "سالم، حصل إيه لـ جنة؟ محدش بيرد عليا بره." لهجتها المرتعبة، وملامستها له، وعينيها التي تتوسل إليه، كل تلك الأشياء كان لها وقع في أعماق قلبه. ولكن تجاهلها بعد أن أقسم ألا ينخدع بزيف براءتها واستقامتها مرة أخرى. فراجع خطوتين للخلف، بعد أن أرخى ذراعه ليسقط كفها عنه بطريقة أحرجتها كثيرًا. وقال بلهجة فظة، وعينين يغلفهما جمود صدمها: "جنة كويسة. جايه هي وسليم دلوقتي." تمتم مروان بتهكم: "سليم إيه؟
المفروض إنك كده بتطمنها! تفاجئت من بروده معها، ولكن ما أزعجها أكثر حين ذكر اسم ذلك الرجل مقترنًا بشقيقتها. فجميع أفعاله معها تدينه، لذا قالت بانفعال: "آه.. سليم! قولتلي. يبقى أنا كده عرفت هي اتضايقت من إيه؟ من فرط تأثرها، لم تلحظ تلك التعابير المخيفة المرتسمة على ملامحه، والتي كانت نابعة من احتراق روحه بنيران الخيانة. فخرجت لهجته قاسية توازي قساوة ملامحه وحدّة نظراته: "إياكِ تعلي صوتك قدامي، ومتتجاوزيش حدودك معايا!
متنسيش نفسك. فاهمه! شهقة قوية خرجت من جوفها، ولكن لم تتجاوز أعتاب شفتيها جراء صدمتها من حديثه ونظراته وملامحه التي كانت تطالعها وكأنها شيء بلا قيمة أمامه. وقد كانت تلك هي المرة الأولى التي يناظرها هكذا. وتلك الكلمات التي غرست أسهم الإهانة بصدرها، مما جعلها تكابد حتى تثبط موجة من الدموع تهدد بالانفجار في أي لحظة. وشحذت بعضًا من كبريائها لتقول بجمود: "فاهمه!
عندك حق يا سالم بيه. مش هنسى نفسي، ولا هتجاوز حدودي معاك تاني." ألقت كلماتها بملامح مرتجفة، وعينين تهتز من ثقل العبرات بها. والتفتت تنظر إلى مروان، قائلة برجاء: "مروان، لو سمحت عايزالك شوية." رق مروان لحالها كثيرًا، ولوضعها الذي يهدد بالانفجار. فهب من مكانه قائلاً بلهفة: "طبعًا، أنا تحت أمرك."
أجبر نفسه بصعوبة على تجاهل ما يحدث أمامه، وبداخله نيران تغلي وتحرق أوردته التي ثارت عليه من قساوة الوجع. ولكنه بصعوبة، التفت إلى الجهة الأخرى قبل أن تخونه يديه وتفعل شيئًا قد تقضي الباقي من حياته نادمًا عليه. توجهت بخطوات سريعة، كل ما ترجوه هو الابتعاد عنه. وما أن فتحت الباب، حتى وجدت سليم بملامحه المرعبة يسد عليها الطريق. فراجعت خطوتين إلى الخلف بصدمة، ازدادت حين وجدته يدخل بعد أن أغلق الباب خلفه بقوة، مزمجراً
كالوحوش: "دلوقتي تروحي لـ جنة، وتعرفي منها إيه السر اللي مخبياه عن علاقتها بحازم. وإلا، وديني اليوم ده ما هيعدي على خير." تجاوزت صدمتها، وقالت بانفعال: "انت باي حق تكلمني بالشكل ده! صاح بزمجرة كالأسد الجريح: "مش هكرر كلامي تاني. اللي قولتهولك تسمعيه. حالا دلوقتي تعرفيلي هي مخبية إيه."
لم تكد تجيبه، حتى خرجت منها شهقة قوية حين شعرت بقبضة مؤلمة تجذبها من معصمها بقوة. تحميها من مواجهة هذا الأسد الثائر، لتجد نفسها خلف ظهره بلمح البصر، بينما ارعد هو بصوت مفزع: "سليم. أنت إزاي تكلمها بالشكل ده؟ تراجع سليم إلى الخلف بانفعال، واضعًا يده فوق جبهته، وأخذ يدور في الغرفة بصورة هستيرية، وهو يقول بكل
ما يعتمل بداخله من قهر: "مش هقدر أسكت أكتر من كده يا سالم. في سر هي مخبياه، وأنا لازم أعرفه. كفاية عذاب لحد كده بقى." لم يكد سالم يجيبه، حتى فوجئ بتلك التي نزعت يدها بغضب من قبضته، وهرولت إلى باب الغرفة. فقد نالت كرامتها اليوم جرعة كبيرة من الإهانة لم تختبرها مسبقًا. ولتكن هذه هي الطامة الكبرى التي إما ستخرجهم من هذا الجحيم إلى غير رجعة، أو ستدفنهم به للأبد.
دلفت إلى داخل الملحق الخاص بهم، فوجدت جنة التي كانت تجلس بانكسار على أحد المقاعد. ولأول مرة تتجاوز وجع شقيقتها، وتفصح عن ألمها الذي ينخر بداخلها منذ أن حدثت تلك الكارثة. "عاجبك الوحل اللي رمتينا فيه ده؟ عاجبك الإهانات دي كلها؟ عاجبك رقبتك المحنية طول الوقت دي؟ ردي عليا؟ رفعت جنة أنظارها، فتفاجئت من مظهر شقيقتها المبعثر، أو لنقل هيئتها المدمرة. فخرجت الكلمات من بين
شفتيها التي شققها الوجع: "أنا آسفة يا فرح.. آسفة والله. سامحيني." صرخت بقهر نابع من وجع بات يقتات على روحها، حتى أوشك أن يدميها: "مفيش حاجة اسمها آسفة. آسفة دي مش هتمنع رصاص كلامهم، ولا الاحتقار اللي بينط من عينهم كل ما تيجي علينا." صمتت لثوانٍ، ثم تابعت بقلب محترق: "أنتِ رخصتي نفسك أوي. واللي بيرخص نفسه محدش بيغليه! خرج صوتها جريحًا من بين شفتيها،
حين قالت بقهر: "عارفة إني غلطت. أقسم بالله عارفة إني أستاهل الموت على غلطتي. ياريت لو يرجع بيا الزمن، عمري ما هعمل كده في نفسي أبدًا. ياريت ينفع ألف على البنات كلهم بنت بنت وأقولهم: اوعوا تأمنوا، ولا تسلموا. اوعوا تسمحوا لمشاعركم تتخطى حدود قلوبكم." هبت من مكانها وهي تقول بقهر من بين نهنهاتها المتقطعة: "عايزة أصرخ بصوت عالي وأقول إني ندمانة لحد ما نفسي يتقطع، وأروح في ستين داهية وأرتاح، وأريحك من كل الوجع ده."
كان قلبها وكأنه موشوم بالوجع الذي أهلك كل ذرة فيها، وامتص منها روحها، فأصبحت كخرقة بالية لا تصلح لأي شيء، ولا ترجو أي شيء. ولكن كان وقع الإهانة أصعب ما يكون. لذا تجاهلت كل العذاب والألم، وحتى الشفقة التي تجتاح قلبها على شقيقتها، وقالت بلهجة قوية جافة: "لو عايزة تريحيني فعلاً، يبقى تقوليلي اتجوزتي حازم إزاي؟ يمكن يكون عندك حاجة تريحني."
نحن لا نملك دائمًا الحق بالاحتفاظ بذكرياتنا وأسرارنا مهما بلغ ثقلها. ولا يمكن أن نتجاهل ألمها الذي يزهق أرواحنا بموت بطيء. فلكل شيء نهاية، وقد تكون بعض النهايات بداية لعصور أخرى لا تعلم ربنا تحمل رائحة السلام. توجهت جنة إلى غرفتها، وأحضرت شيئًا ما، والذي كان عبارة عن ملف. ناولته لفرح،
وهي تقول بنبرة متألمة: "حازم مكنش مدمن زي ما انتوا فاكرين. حازم كان مريض. كان عنده سرطان في المخ. وكان بيضطر ياخد الزفت ده عشان يخفف عنه الألم. ودي الأوراق اللي تثبت كلامي. وعلى فكرة، أنا روحت معاه للدكتور وأكد لي كل اللي في الورق ده. كان شرطه الوحيد علشان يبدأ يتعالج إني أوافق اتجوزه عشان يضمن إني ما أضيعش منه أبدًا. وخصوصًا بعد ما أنتِ رفضتيه، وعشان كده.. وافقت!
كانت صدمة قوية أفقدتها النطق لبضع لحظات. طافت بها عينيها على تلك الأوراق، وأخذت تقارن الأعراض التي يجب أن تظهر على فريسة ذلك المرض، بهيئة ذلك الشاب اليافع الذي كانت الصحة والقوة تنبعث من ملامحه. فلم تجد أي مجال لتلك المقارنة أبدًا. فمن المستحيل أن تكون حالته بتلك الطريقة المدونة في الورق، ويكون بمثل هذه القوة والنشاط. هنا أنار عقلها بتلك الحقيقة النكراء، وهي أن شقيقتها وقعت فريسة لخداع ذلك الذئب الذي تجرد من كل معالم الإنسانية.
فاقت من شرودها على صوت جنة، التي كانت تتوسل إليها قائلة: "أرجوكِ يا فرح، خلينا نمشي من هنا. وأنا مش عايزة حاجة من الناس دي، يكفي إنهم يعترفوا إن الولد ابن حازم، ومش عايزة حاجة منهم تاني." تحول بؤسها وحزنها إلى نيران حارقة، تجلت في نبرتها وملامح وجهها، حين قالت: "اسكتي خالص. وكفاياكِ غباء بقى. الناس دي لازم تعرف حقيقة ابنهم." صرخت جنة بقهر: "وهيفيد بإيه؟
اللي حصل حصل. وحازم كان مستأمني على سره، ومكنش عايز ماما تعرف عشان قلبها مش هيتحمل. أرجوكِ يا فرح، متقوليش حاجة ليهم، وخلينا نمشي من هنا." لأول مرة بحياتها، تمنت لو تضربها ضربًا مبرحًا حتى تعاقبها على غبائها. فحازم ليس بتلك الشخصية التي تؤثر أي شخص آخر على مصلحته. وتلك الغبية للآن ما تزال واقعة بحبال خداعه. جذبت يدها من يد جنة بعنف، تجلى في نبرتها حين قالت: "اخرسي واستنيني هنا. إحنا لينا حق عند الناس دي، وهناخده."
التفتت معاودة إلى قصر الأفاعي، الذي يحمل أسوأ ذكرياتها. وبعينيها يرتسم شر كبير نابع من احتراق روحها حتى صارت رمادًا. فلم تعد تبغي شيئًا سوى أن ترجع كما كانت مرفوعة الرأس. فحتى إن خسر الإنسان كل شيء، تبقى كرامته الشيء الوحيد الذي يلي خسارته الموت.
خطت بأقدام ثابتة قوية إلى داخل القصر، وتجاهلت كل تلك العيون التي تحدق بها. وبدون استئذان، دلفت إلى داخل المكتب، فوجدت ثلاثي العائلة كما تركته. تجاهلت كل شيء، وتوجهت إلى خصمها، الذي بيوم من الأيام ظنت أنه قد يكون سبب أول سعادة تلامس قلبها. ولكنه اتضح أنه ما هو إلا خسارة جديدة وخيبة قوية أضافتها إلى خزانة أوجاعها. قامت بإلقاء الملف أمامه، وهي تقول بنبرة قاسية تلائم نظراتها: "انت تعرف إن حازم أخوك كان مريض سرطان؟
صدمة قوية خيمت على وجوه الثلاثة. وكان أول من تجاوزها هو سالم، الذي قال بخشونة: "إيه اللي أنتِ بتقوليه ده؟ فرح باختصار: "اقرأ وأنت تفهم أنا أقصد إيه." بالفعل، طافت عينيه على الأوراق أمامه. وشاركه سليم، الذي تحرك بخفة الفهد، يقف بجانب سالم يطالع الأوراق. والتي سرعان ما نفضها سالم من يده، وهو يقول بجفاء: "إيه الكلام الأهبل ده؟ مين اللي مريض؟ الورق ده أكيد ميخصش حازم."
سليم بتأكيد: "فعلاً، حازم كان باستمرار بيعمل تشيك أب كل ست شهور هو وحلا، بناءً على رغبة الحاجة. ومافيش الكلام ده." فرح بسخرية: "أنا بردو قولت زيك كده. بس رجعت قولت: يا بت، متظلميش. يمكن يطلع فعلاً كان مريض زي ما كان مفهم جنة. اللي خدها معاه لدكتور أكد لها كلامه. واللي ابتز عواطفها وحط شرط إنه علشان يتعالج، تقبل تتجوزه بعد ما أنا رفضته. بحجة إن البيه خايف لا تكون مش من نصيبه."
صاعقة قوية أصابت الجميع من جراء حديثها، الذي لم تستطيع الأذان تقبله، ولا القلوب تحمله. و خاصة هو، فنظراتها له كانت قاتلة تشبه نبرتها، حين أضافت: "قولتلي قبل كده: لو ليكي حق، هتاخديه مني شخصيًا. دلوقتي أنا عايزة حقي منك، ومنه (أشارت إلى سليم) ، ومن أخوك، ومن عيلتك كلها." كان تحديًا قويًا بين خصمين لا يستهان بهم، خاصةً وأن بداخل كلا منهما قلوب تتوسل الرحمة. ولكن تغلب الكبرياء على كل شيء،
حين أضاف سالم بفظاظة: "أنا أقدر أثبتلك إن حازم مكنش مريض. بس هل أنتِ تقدري تثبتيلي إن جنة مبتكذبش؟ شهقة قوية اخترقت آذانهم جميعًا، حين التفتوا إلى باب المكتب. فنفاجئوا بجنة، التي لم تستطع أن تصدق ما تسمعه، حتى برقت عينيها من هول الصدمة. فكان أول من التقم صدمتها قلبه الملتاع. فقد كان يؤكد على براءتها دائمًا، والآن أصبح لا يملك أدنى شك في أنها كانت ضحية لهم جميعًا.
"تعالي يا جنة عشان تسمعي حقيقة اللعبة الرخيصة اللي وقعتي فيها." هكذا وجهت فرح حديثها لها، ولكنها لم تستطع التحرك خطوة واحدة من مكانها. فتابعت فرح بقوة: "حازم بيه مكنش مريض. حازم خدعك، والورق ده مش بتاعه. حازم كان صاغ سليم لدرجة إنه يرسم ويدبر خطة بالقذارة دي عشان يجيب رجلك. تعالي احكي لسالم بيه حقيقة أخوه إيه؟
نهنهات متقطعة وأصوات مستنكرة خرجت من جوفها من هول ما وقع على مسامعها. فصارت تهز رأسها بهستيريا، والعبرات تتساقط كالمطر من بين عينيها الزائغة، التي تنظر إلى الفراغ بطريقة غريبة. فكان مظهرها مريعًا، وكأن مسًا من الشيطان طالها. فاقتربت منها فرح في محاولة لتهدئتها، فقد بدت حالتها عجيبة. "اهدي يا جنة. خلاص، اللي حصل حصل. اهدي عشان اللي في بطنك."
ازدادت حالتها سوءًا. فاقترب سليم منها، بينما هي غارقة في نوبة هستيريا أذهلتهم جميعًا. خاصة كلماتها الموجهة لشقيقتها، وهي تقول بجنون: "أنتِ مش فاهمة يا فرح. أنتِ مش فاهمة حاجة." فرح بصدمة: "مش فاهمة إيه؟ في إيه يا جنة. اهدي وفهميني." قالت كلمتها الأخيرة وهي تهزها بعنف، حتى تستفيق من نوبتها الغريبة تلك. فصرخت الأخرى بقهر اهتزت له جدران المنزل: "أنا متجوزتش حازم بمزاجي يا فرح. مسلمتوش نفسي بمزاجي. حازم اغتصبني!!
تعالت الشهقات من حولهم جراء تلك القنبلة النووية، التي تفجرت أمامهم. فلم يكد يتجاوزها أحد، حين شاهدوا تلك المياه التي سالت على أقدام جنة، تلاها صرخة قوية شقت جوفها: "الحقيني يا فرح.. الحقيني.." يتبع…… إلى اللقاء في الجزء الثاني بين غياهب الأقدار.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!