أكرهك! أكره ذلك الشعور باللذة الذي يتملكني حين نتبارز بالحديث وإلقاء الكلمات. أكره تلك الرجفة التي تنتابني حين تتغزل بي سهوًا فتدق طبول الحرب بداخلي رغمًا عن هدوئي المعتاد. أكره ذلك الاشتهاء الذي يتملكني حين أكون أمام عيناك فأتمنى لو أكون أجمل النساء. أكره تلك الابتسامة الساخرة التي ترتسم على ملامحك ما أن أغضبك فتولد بداخلي عاصفة هوجاء. أكرهك وأكره نفسي التي تشتهي كل ما سبق وتخطو بي في طريق أعلم بأن نهايته سوداء.
بخط واثقة ورأس مرفوع، توجهت "فرح" إلى ذلك المكتب حيث أشارت الخادمة والفضول ينشب مخالبه بعقلها في السبب عن كونه يريد رؤيتها، وخاصة بعد ما حدث منذ ساعات وجيزة، فهي للحق لم تكن تود رؤيته اليوم بأكمله على الأقل حتى تهدأ قليلًا، فقد كان غضبها لا يزال مشتعلًا بسبب تلك المقابلة السخيفة التي لو تعلم مسبقًا بأنها ستصب في بوتقته فلن تذهب إليها أبدًا.
عدة طرقات على باب الغرفة كانت لها وقع مختلف على قلبه، الذي لأول مرة منذ زمن طويل شعر بنبضاته تزداد في وجودها، وإن كان يرجع هذا إلى أنها نوع مختلف من النساء يثير فضوله ويستفز غريزته الرجولية بعنادها الضاري وصلابتها التي لا تلين، فلأول مرة يكن خصمه بتلك الصلابة وكل هذه الفتنة التي جعلته يهرول خلفها صباحًا عندما رآها تستقل سيارة أجرة عندما كان عائدًا من الخارج، ووجد نفسه يذهب خلفها دون أن يعطي لعقله الفرصة في معارضته، وقد كانت دهشته كبيرة عندما وجدها تترجل أمام إحدى شركات عائلة والدته والتي يمتلك بها أسهمًا عديدة، وقد ازداد زهوله عندما علم أنها جاءت لإجراء مقابلة عمل.
في بادئ الأمر سيطرت عليه دهشة قوية تحولت إلى غضب كبير من كونها تتجاهله بتلك الطريقة، لذلك تولى هو أمر تلك المقابلة حتى يرسخ في عقلها فكرة أنها لا يمكنها عصيانه أو تجاهله وأن سيطرته عليها مطلقة لا حدود لها. سمح لها بالدخول، فانفتح باب الغرفة وأطلت برأسها قبل أن تتوجه إليه بهدوء ووجه خالٍ من أي تعبير، لتتوقف أمامه قائلة بنبرة جامدة: "قالوا لي إنك عايزني!
كانت نظراته قوية ثاقبة تود اختراقها لمعرفة ما تشعر به حاليًا، ولكنها أتقنت الجمود على ملامحها، مما جعله يقول بخشونة: "اقعدي." أطاعته بهدوء أدهشه، ولكن تعابيره لم تتغير، وواصل الحديث قائلاً بفظاظة: "لما تنوي تعملي حاجة زي اللي عملتيها النهاردة دي تعرفيني! أمهلت نفسها قبل أن تقول بلهجة متزنة: "أنا إنسانة حرة، ومتعودتش إني آخد إذن من حد! سالم بخشونة: "واجب عليكي تحترمي الناس اللي عايشة وسطهم! أراحت جسدها على المقعد
أكثر وقالت بهدوء مستفز: "وفين قلة الاحترام في اللي عملته؟ سالم بجفاء: "لما تخرجي من بيتي وتروحي تدوري على شغل في شركة أنا بملك أكتر من نصها يبقى إيه في رأيك؟ "أحب أعرف منك يبقى إيه؟ سالم بقسوة: "يبقى استهتار وقلة عقل. تقدري تقولي لي وإنتي بتملي الأبلكيشن كنتي هتكتبي محل إقامتك فين؟ هزت كلماته ثباتها، وقد تجلى ذلك في اهتزاز حدقتيها لثوانٍ قبل أن تقول باندفاع مداعبة عن نفسها:
"مكنتش هكتب اسم مزرعتك طبعًا، لإني مش ناوية أقعد هنا! "أقدر أعرف كنتي ناوية على إيه؟ " قالها سالم بغضب خفي، لتجيبه هي بسلاسة: "كنت هاجر شقة جنب مكان الشغل، ما أنا مش معقول كنت هاجي وأروح كل يوم المسافة دي كلها! "وإختك اللي مفروض جايه عشان تخلي بالك منها؟ "كنت يا هاخدها معايا يا هاجي على طول أشوفها وأطمن عليها." تصاعد الحنق بداخله من حديثها، ولكن أرتدي قناع السخرية المعهود لديه عندما قال:
"قد كده المكان هنا وحش ومش قادرة تتحملي تعيشي فيه! بهدوء أردفت: "قد ما مؤهلاتي لا تليق إني أشتغل في شركة انترناشونال زي شركتكم. قد ما المكان هنا وحش ومش حابة أعيش فيه! كلماتها أشعلت بجوفه نيران التحدي الشهي، مما جعله يتراجع مستندًا بظهره على المقعد قبل أن يجيبها بتسلية: "تصدقي معادلة مظبوطة مية في المية! "بمعنى! ضيق عيناه فيما أجابها بتخابث: "يعني لو قيسنا مؤهلاتك بقد إيه المكان هنا وحش هنلاقيهم متساويين بالظبط!
اخترقت كلماته أعماقها، بينما عقلها للحظة لم يستوعب المعنى الخفي بها، وتلبسها شبح الغباء لثوانٍ وهي تفكر كيف أن مؤهلاتها ترادف قبح المكان حولهم، فهو كالجنة إذن.
أخيرًا وصل إلى عقلها غزلُه الخفي، أو لنقل اعترافه بمؤهلاتها، مما جعل محصول التفاح الشهي ينبت فوق خديها، وقد كان يراقب جميع انفعالاتها بمتعة كبيرة كان يخفيها جيدًا بين طيات قلبه، الذي لم يمهلها الوقت للإجابة، فقام بإخراج ورقة من أحد الأدراج ومد يده يناولها إياها، فأخذتها وحل الفضول محل الخجل، لتتفاجأ بتلك الورقة التي لم تكن سوى استمارة عمل. رفعت رأسها تطالعه باستفهام، فتحمحم قليلًا قبل أن يجيب
على سؤالها الصامت بفظاظة: "محتاج حد يمسك لي حسابات المزرعة، وبما إنك محتاجة شغل، فخلاص اشتغلي! اُغتظت من حديثه الخالي من اللباقة، فقالت بجفاء: "ومين قال لك إني هأوافق! "وليه ترفضي؟ "وليه أقبل؟ كررت سؤالها وكأنها تتحداه، فقابل تحديها بهدوء استفزها كثيرًا: "عشان ما قدامكيش حل تاني! أجابته باستنكار: "نعم! بنفس ملامحه الهادئة ونبرته المتزنة أجابها:
"عايزة تشتغلي ومؤهلاتك ما تسمحش أنك تشتغلي في شركة كبيرة، وفي نفس الوقت مش عايزة حد يصرف عليكي! هتعملي إيه؟ مضطرة توافقي. يعني أنا بحاول أسهل الدنيا عليكي مش أكتر! اشعل غضبها بصورة كبيرة من حديثه، فاحتدمت نظراتها واختنقت أنفاسها، ولكنها لن تعطيه فرصة الانتصار عليها، لذا أمهلت نفسها قبل أن تقول بنبرة هادئة بعض الشيء: "لأ متقلقش، أنا عارفة هعمل إيه كويس! وكمان أنا ما أحبش يكون حد له جميلة عليّ! ارتفع أحد حاجبيه
باستفهام قبل أن يقول: "جميلة! فرح بسخرية: "بالظبط. يعني مش مضطر تخلق لي وظيفة عندك تلائم مؤهلاتي، أنا مقدرة طبعًا إنك عايز تساعدني." "أعتبر ده غرور! قطبت جبينها حين فاجأها حديثه، لذا قالت باستفهام: "تقصد إيه؟ سالم بفظاظة: "إنتي شايفة إنك بالأهمية اللي تخليّني أخلق لك وظيفة عندي وأنا مش محتاجها فعلًا!
شعرت وكأن دلوًا من الماء قد سقط فوق رأسها جراء حديثه الخالي من اللباقة وطريقته الفظة، ولعنت غباءها الذي أوصلها لتلك النقطة أمامه، ولحظة لم تعرف كيف تجيبه، ليفاجئها حديثه الجاف حين قال: "أنا بزنس مان يا فرح، وكل حاجة عندي بحساب. مبديش غير لما أكون متأكد إني هاخد قد اللي أديته ويمكن أكتر كمان! ودلوقتي عايز قرار، هتشتغلي هنا ولا تصرفي نظر عن الشغل خالص!
كانت نظراته ثاقبة وهو يشدد على كل حرف يتفوه به، ولا تعلم لما شعرت بأن كلماته يقصد بها معانٍ أخرى، لذا قررت الوقوف أمامه وعدم الانصياع لأوامر ذلك المتغطرس، فقالت بقوة: "هو معنى إني ما اشتغلش معاك إني ما اشتغلش في أي مكان تاني؟ أجابها بمنتهى الثقة: "فرصتك تقريبًا معدومة، وإحنا قولنا قبل كده الأسباب! فرح بحنق: "خلينا نتكلم بصراحة ونقول إنك مش هتخلي حد يشغلني صح، ولا أنا غلطانة! سالم بسلاسة: "أعتبريه كده؟
توقع ثورة عنيفة من جهتها أو حتى أن تطالبه بمعرفة الأسباب، ولكن تفاجأت بها تأخذ أحد الأقلام وتقوم بملء الورقة بما هو مطلوب، وقامت بوضعها أمامه قبل أن تقول بهدوء: "وأنا قبلت الشغل! أوشك على الحديث، ولكن تفاجأت عندما أخذت القلم. وضعته في جيب بنطالها قبل أن ترفع رأسها إلى عيناه المستفهمة وهي تقول بسلاسة: "خليه معايا ذكرى! عشان لما تعدي السنين وأنسى إني شفتك أو إني جيت المكان ده، يبقى في حاجة تفكرني! عن إذنك."
قالت جملتها الأخيرة بنبرة أشبه بالتهديد، وكأنها تخبره أنها ذات يوم ستتخلص من سطوته وسيطرته وسيصبح ذكرى منسية تحتاج لشيء لتتذكرها، ولدهشته شعر بشيء بداخله يستنكر حديثها وبشدة. ***
توقفت حلا أمام القاعة، فهي لا تريد حضور تلك المحاضرة الثقيلة على قلبها لهذا المعيد المغرور الذي لا تتقبله أبدًا، وتتمنى لو أنها لا تراه مطلقًا، فقد كان في نظرها متعجرفًا مستفزًا يفتقر الأدب والذوق، فهي لم تنسَ ذلك اليوم حين ذهبت لتعتذر منه ليتجاهل اعتذارها بغطرسة أغاظتها، ولهذا كانت تتجنب محاضراته، ولكنها تفاجأت من إحدى زميلاتها تراسلها على أحد تطبيقات التواصل الاجتماعي وتخبرها بأنه هناك اختبار غدًا، فازداد غضبها منه أكثر، فهذه الأيام هي في أسوأ حالاتها ولم تبدأ بقراءة حتى مقدمة الكتاب لتجده يقوم بعمل اختبار!
كانت تقف أمام الباب الرئيسي للقاعة غارقة في أفكارها، والتي كانت جميعها منصبة فوقه، لتجد الكلمات تخرج من فمها بصوت عالٍ: "واحد غبي أصلًا! لم تكد تنهي جملتها حتى تفاجأت بذلك الصوت خلفها والذي قال بنفاذ صبر: "يا ريت تقفي تكلمي نفسك على جنب يا آنسة عشان ورانا محاضرة!
صُدمت حين سمعت صوته خلفها وكأنه شبح قد ظهر من العدم، ولكن ما أن تجاوزت صدمتها حتى ظهر الإحراج جليًا على ملامحها ما أن استمعت لجملته، وحل محل الإحراج الغضب حين رأته يناظرها بحدة، لتتنحى من أمام الباب حتى تفسح له المجال للدخول وهي خلفه تتمتم بحنق: "والله إنك غبي وحمار كمان، أبو تقل دمك! ما أن وصلت إلى مقعدها حتى سمعت صوته الجهوري في مكبر الصوت يقول بنبرة قاطعة:
"آخر مرة حد يدخل ورايا القاعة. يا ريت الكل يعرف مواعيده ويلتزم بيها. مش هكرر كلامي تاني! التفتت الأعناق تطالعها خلسة، بينما ازدادت الهمهمات حولها، فتمنت لو أن الأرض تنشق وتبتلعها في تلك اللحظة وهي ترى كل هذه العيون تحدق بها، فغمغمت بخفوت من بين أسنانها: "إلهي تنشك في لسانك يا بعيد." فجأة رفع رأسه يطالعها، فبرقت عيناها من أن يكون قد سمعها، ولكنها وبخت نفسها لغبائها، فكيف له أن يسمعها وكل هذه المسافة تفصل بينهم.
زفرت بحنق وقامت بإخراج إحدى أوراقها، ومرت نصف ساعة وهي تحاول حل هذا الاختبار الغبي الذي يشبه صاحبه كثيرًا، والذي خرج ليجري مكالمة هاتفية، فانطلقت الهمهمات من حولها وبدأ الجميع بتراشق الأوراق التي تحوي على إجابات بعض الأسئلة، وكانت هي تنظر إليهم بتحسر، فهي لم تتعرف على أحد سوى بعض الفتيات وعلاقتها بهم سطحية، لهذا شعرت بالحرج من أن تطلب منهم أي شيء، لذا وضعت رأسها في الورقة أمامها في محاولة منها للتركيز حتى تتمكن من إنهائه، ولكنها تفاجأت بأحدهم يلقي عليها أحد الأوراق، ففتحتها لتنظر إلى ما بها، وما أن قرأت كلمتين حتى تفاجأت بذلك الخيال الضخم يقف خلفها قائلًا بصوته
الجهوري ونبرته القوية: "يا غشاشة! *** كانت كلماته كهجوم إرهابي كاسح على قرية جميع سكانها أعزل، فلكم أن تتخيلوا بشاعة ما فعلوه! "أنا سما، بنت عم حازم وخطيبته! برقت عيناها للحظة من كلمتها الأخيرة التي جعلتها ترتد خطوة إلى الخلف وهي تقول بعدم فهم: "نعم! خطيبته! أجابتها سما بلهجة تقطر حقدًا: "أيوا خطيبته اللي دمرتي حياتها، وخطفتي منها حبيبها وكنتي السبب في موته!
لأ ومكفكيش كل ده، دانتي بكل بجاحة جاية ترمي بلاك علينا وتلبسينا عيل مش ابننا، وكل ده عشان إيه؟ عشان تورثيه! "اخرسي!
جاءت صرخة غاضبة جمدت الفتاة بمكانها وكأن دلوًا من الماء المثلج سقط فوق رأسها، ولكن كانت مفاجأة «جنة» أكبر حين رفعت رأسها ورأت السيدة «أمينة» والدة حازم التي سمعت تلك الكلمات المسمومة التي ألقتها «سما» على مسامعها، فامتقع وجهها ولأول مرة تجد نفسها غير قادرة على النطق ولا حتى الدفاع عن طفلها، فقط تساقطت عبراتها دون أن تشعر، لتتقدم منهم «أمينة» التي ناظرت سما بغضب قبل أن تقول بتوبيخ: "جرا إيه يا بنت همت، اتجننتي خلاص!
إزاي تقولي اللي قولتيه ده! فكرتي إن البيت ده معلوش كبير يحاسبك! صُدمت سما من حديث أمينة الذي لم تتوقعه، فخرجت الكلمات مبحوحة من بين شفتيها المرتجفتين: "بنت همت! دلوقتي بقيت بنت همت يا ماما أمينة، مش كنتي بتقولي لي يا مرات ابني! اهتزت حدقتاها وشعرت بأسهم نارية تنغرز بقلبها لدي سماعها حديث سما، ولكنها تجاهلت ذلك كله وقالت بقسوة:
"ابني اللي بتتخانقي عليه ده راح للي خلقه، واللي بتغلطي فيها دي مراته وأم ابنه. وإياكِ أسمعك بتقولي حاجة غير كده، فاهمة! شيعتها سما بنظرات الخسة قبل أن تقول بحنق من بين قطراتها: "فاهمة. فاهمة يا مرات عمي! هرولت سما إلى الداخل منتَحِبة، بينما التفتت «أمينة» إلى جنة تناظرها بتعالٍ وغضب قبل أن تقول بتوبيخ: "شفتي بقى دخولك في حياتنا عمل فيها إيه؟ دمرتي حياة ابني وضيعتي مني بنتي التانية ودمرتي لها حياتها هي كمان!
كثرة الضغط تولد الانفجار، وهذا هو حالها لدي سماعها كلمات «أمينة»، ولحظة شعرت بغضب هائل داخلها، فتجمدت العبرات بمقلتيها وقست ملامحها قبل أن تقول بحدة: "أنا ما ضربتش ابنك على إيده يا حاجة. ابنك اتجوزني بإرادته وبكامل قواه العقلية على فكرة، ويا ريت تفتكري الكلام اللي أنتي لسه قايلالهولها دلوقتي. إني مراته وأم ابنه، الحاجة الوحيدة اللي باقيالك منه!
كانت نبرتها تحمل تهديدًا صريحًا، لم تخطئ «أمينة» في فهمه، بل توسعت عيناها بدهشة، فتلك الفتاة ليست بالسهلة على الإطلاق، ولكنها ستلقنها ما تستحقه. ما أن أوشكت على الحديث حتى تفاجأت بصوت قوي ذي نبرة قاسية آتٍ من خلفها: "صوتك ما يعلاش وإنتي بتتكلمي مع الحاجة أمينة الوزان!
جفلت جنة حين رأته قادمًا تجاهها وقد قست ملامحه ونبرته عن ذي قبل، فاهتز جسدها لثوانٍ، فهي لم تكن تقصد ما تفوهت به، بل كانت تريد نفي تلك الاتهامات الباطلة التي توجهت لها، وإذا به يظهر من العدم وكأنه اختار هذا الوقت تحديدًا ليأتي ويسمع ما تفوهت به، ليضيف إلى كرهه لها سببًا آخر. أخذت نفسًا طويلًا قبل أن تلتفت إلى أمينة التي كانت تطالعها بغضب، فتجاهلته وقالت بنبرة مهزوزة بعض الشيء:
"أنا ما اخترتش آجي هنا بإرادتي، وزي ما الوضع مفروض عليكم مفروض عليا. وصدقيني لو خيروني هختفي خالص من حياتكوا اللي دمرتها دي." أوشكت العبرات أن تخونها وتسقط في تلك اللحظة، ولكنها تماسكت بصعوبة، خاصةً عندما وجدتَه يتقدم ليقف أمامها بجانب والدته التي قالت باستياء: "المطلوب منك تحافظي على اللي في بطنك ومتتعرضيش لسما بأي شكل من الأشكال. وخليكي فاكرة إن لكل شيء نهاية!
رغبة عنيفة في البكاء تملكتها بتلك اللحظة، فهي لم تتطاول على أحد، بل تلك الفتاة من أهانتها، حتى أنها لم ترد عليها ولو بحرف، والآن هي المذنبة!
لم تغفل أيضًا عن ذلك التهديد الخفي من جملتها الأخيرة، فارتفعت يدها تضعها فوق بطنها تلقائيًا وكأنها تحمي صغيرها، ومن بين ضعفها الذي كاد أن يسقطها في تلك اللحظة ظهرت نظرات تحدٍ في عينيها، وكأنها تحذرها من مغبة المساس بصغيرها، لتقابلها «أمينة» بنظرات غامضة قبل أن تطوف بعينيها فوق ملابسها غير المناسبة للظروف الراهنة وقالت باحتقار: "ناقصك كتير عشان تبقي من العيلة دي!
لكن طول ما إنتي عايشة هنا تلتزمي بقوانينا، وأولها بلاش اللبس المسخرة ده، أنتي المفروض أرملة وجوزك لسه مبقالوش أربع شهور ميت. على الأقل أظهري شوية احترام لذكراه." زادت حدة تنفسها وشعرت بألم حاد يطحن عظامها، وقد تجلى كل هذا في عينيها التي غطتها طبقة كريستالية من الدموع، لتتفاجأ به يتدخل، فقد تقلصت معدته ألمًا لمظهرها وخوفًا من تكرار الكارثة مرة أخرى، فقال بصوت خشن: "خلاص يا ماما. مالوش لازمة الكلام ده!
التفتت أمينة إليه بسخط قبل أن تغادر وهي تتمتم بكلمات غاضبة، وما أن غادرت حتى فرت دمعة هاربة من طرف عينيها، سرعان ما مسحتها وهي تتأهب للمغادرة، وما أن مرت بجانبه حتى وجدت يده توقفها ممسكة بمعصمها قائلًا بلهجة آمرة: "استني! عند هذا الحد لم تستطع التحكم بأعصابها التي انفلتت، فانتزعت يدها من قبضته بقوة والتفتت تقول صارخة والدمع يقطر من مقلتيها كالأنهار: "نعم. في إهانات تانية لسه عايز تقولها."
تصاعد غضبه حتى اسودت عيناه، ولكن تحكم بنفسه بصعوبة قبل أن يغمغم بخشونة: "وطي صوتك وبطلي عياط." امتدت يداها تمسح دموعها بعشوائية وبقوة تركت آثارها على وجنتيها وهي تقول بغضب: "مش بعيط. وحتى لو بعيط ميخصكش! زمجر بقسوة: "أنا مانع نفسي عنك بالعافية. متخلينيش أفقد أعصابي." "هتعمل إيه؟ معملتوش. معتقدش إن في حاجة ممكن تأذيني أكتر من كلامك اللي زي السم اللي بتسمعهولي كل مرة تشوفني فيها!
ااااه.. تقريبًا في إهانة جديدة عايز تضيفها! ما أنا قليلة الأدب ومعرفش في الذوق ولا أعرف يعني إيه عيب وما يليقش بعيلتكم ومصلحتش أكون منكم وحد مش محترم ومستهترة.. تفتكر في حاجة في قاموس الإهانات لسه موجهتهاش ليا! خرجت جملتها الأخيرة بضعف غير مقصود نابع من انكسارها وعمق وجعها، بينما شعر هو بمشاعر شفقة خائنة تسللت إلى قلبه على تلك التي ترتجف كورقة في مهب الريح بينما تتعرض لكل تلك الإهانات منهم دون رحمة!
هذه كان حديث قلبه الذي أثار غضب عقله، فنهره بشدة قائلًا: "أي رحمة تستحقها تلك الأنثى الأفعى التي تسببت في هلاك أخيه الأصغر وهلاكهم من بعدها." بينما هو عالق بذلك الصراع الداخلي، كانت ملامحه تشتد قسوة وقتامة أرهبتها، فهمت بالمغادرة حين أتاها صوته الغاضب قائلًا: "إنتي كنتِ عارفة إن حازم خاطب قبل ما ترتبطي بيه؟ التفت بلهفة صادقة تجلت في نبرتها حين أجابته: "والله ما كنت أعرف.. أول مرة أعرف كانت دلوقتي." أطلق زفرة حادة
من جوفه قبل أن يقول بجفاء: "من النهاردة محدش هيتعرضلك بأي كلمة وحشة ولا حتى أنا! وفي المقابل تحافظي على اللي في بطنك وتعرفي إنه روح مسؤولة منك، وإنه طوق النجاة اللي نجاكِ من حبل المشنقة! جنة بقوة: "ده ابني هحميه بروحي، ومش مستنية منك تطلب مني ده! كانت عيناه تطالعها بغموض أربكها، ولكن حزنها الداخلي طغى على كل شيء حين قالت بوجع دفين: "وبالنسبة لحبل المشنقة فهو اتلف حوالين رقبتي من زمان!
التفتت تغادر ودمعها يسبقها، بينما تركته في صراعات مريرة ما بين كرهه لها وخوفًا عميقًا لا يعرف سببه من أن يكون إنسانًا ظالمًا وتكون هي ضحية بطشه. *** في الداخل كانت «سما» تبكي بانهيار بين أحضان «حلا» التي كانت تحاول تهدئتها بشتى الطرق، فقد كانت تشعر بألمها، فهي شقيقتها منذ أن أبصرت تلك الحياة ولا تتحمل أن تراها بهذا الانهيار. "فيها إيه زيادة عني يا حلا؟ حلوة شوية؟ طب ما أنا مش وحشة!
حبه لي كان كفيل يعوضه عن أي حاجة ناقصاني. دانا كنت بعشق التراب اللي بيمشي عليه، دانا كبرت على حبه. إزاي يعمل فيا كده؟ شددت حلا من احتضانها وهي تشاطرها البكاء حزنًا عليها وتأثرًا بحالتها وغضبًا من كل ما يحدث حولها، ولكنها حاولت التخفيف عنها بكل ما تستطيع إذ قالت بحنان:
"وحياتي عندك يا سما متعمليش في نفسك كده. حازم كان بيحبك إنتي وعمره ما كان هيلاقي أحسن ولا أجمل منك. هي التعبانة دي اللي تلاقيها لفت عليه ووقعته في حبالها. أنتي مينقصكيش حاجة أبدًا." رفعت سما رأسها كغريق يتعلق بطرف خيط ظن بأنه نجاته من بحر العذاب الذي يكاد يبتلعه، فقالت بلهفة: "أيوا صح.. كان بيحبني أنا. هي اللي ضحكت عليه. هي اللي سرقته مني. هي السبب في حرقة قلبي دي يا حلا. هي السبب." رددت حلا خلفها بغضب وحقد:
"أيوا هي السبب، وإنتي أوعي تسمحي لها تفكر إنها انتصرت عليكي. لازم تعرفيها مقامها كويس." سما بحزن بالغ: "إزاي يا حلا. دانتي لو شفتي مرات عمي كسرتني قدامها إزاي وبهدلتني. دانا عمري ما هقدر أرفع عيني في عينها أبدًا! حلا بإنفعال: "لأ هتقدري. هي مين الجربوعة دي أصلًا! أنا هعرفها مقامها بس اصبري عليا." اقتحمت همت الغرفة بعينان تقطران غضبًا وقالت بصوت قوي: "سيبونا لوحدنا يا حلا! ***
في الأسفل كان الجميع في غرفة الجلوس، وقد كان الجو مشحونًا بشتى أنواع المشاعر التي تسيدها الغضب من جانب كل الأطراف. ولكن الجميع كان مجبرًا على التزام الهدوء وفقًا لقواعد وقوانين صارمة لعين من وجهة نظر «فرح» التي لم تكن مرتاحة أبدًا لتحديق الجميع بهم بتلك الطريقة، و«جنة» التي كانت تتمنى لو أنها تستفيق من هذا الكابوس الذي اجتاح حياتها كإعصار، حتى حطامها لم ينجُ منه.
دَلفت همت إلى الداخل بوجه متجهم وعينان قاتمة، عرفت طريقها على الفور إلى هاتين الفتاتين اللتين تجلسان على الأريكة بمنتصف الغرفة، على يمينهما «أمينة» على مقعدها المخصص لها وبجانبها «سالم» الذي كانت معالمه كالعادة لا تُفسر، وأمامه «سليم» الذي كان الغضب يتجلى في عينيه التي لا تهدأ أبدًا، وقد ألقت تحية مقتضبة بينما تتوجه لتجلس بجانبه، فتولت «أمينة» مهمة تعريفهم إذ قالت بفظاظة: "مش تسلمي يا همت على مرات حازم وأختها!
لم تتغير ملامحها القاتمة، ولكن تخللت نبرتها السخرية إذ قالت: "مرات حازم هنا بقالها أسبوعين ولسه فاكرة تيجي عشان نسلم عليها! "كانت تعبانة والدكتور مانعها من الحركة. وكان من باب أولى تروحي إنتي تسلمي عليها." اجتاحها غضب كبير جعلها تقول وهي تنظر إلى «جنة»: "من أولها تعبانة كده. مش لسه بدري يا عروسة عالطبع ولا إيه؟ لم تتيح «فرح» الفرصة لـ «جنة» بالرد إذ قالت بنبرة قوية: "وهو التعب له وقت! "وإنتي مين بقى يا حلوة؟
فرح بهدوء مستفز: "اسمي فرح وأبقى أخت جنة الكبيرة! تمتمت همت بحنق: "بدل الحية طلعوا اتنين؟ بينما هزت رأسها ورسمت ابتسامة صفراء على وجهها قبل أن تقول بنبرة خالية من الود: "أهلًا." لم تُجيبها «فرح» بل اكتفت بإيماءة من رأسها أرفقتها بابتسامة صفراء، قطعها دخول «سما» التي تفاجأ الجميع من مظهرها، فقد كانت ترتدي فستانًا أصفر به ورود بيضاء وتضع مساحيق التجميل فوق وجهها، وأطلقت العنان لخصلات شعرها بالاسترسال خلف ظهرها.
في البداية تفاجأ الجميع من مظهرها، بينما تجاوزه معظمهم إلا «أمينة» التي قالت بغضب: "إيه يا سما اللي إنتي لابساه ده؟ تدخلت همت قائلة باستفزاز: "ماله لبس سما يا أمينة. ما هي زي القمر أهيه." نهرتها أمينة قائلة بغضب: "أنا بكلمها هي يا همت، يبقى هي اللي ترد." تدخلت سما قائلة بثبات: "ماله لبسي يا مرات عمي." أمينة بعتاب غاضب: "قلعتي الأسود يا سما؟ تدخلت همت بتحدي:
"في دي تكلميني أنا يا أمينة. أنا اللي قولتلها تقلعه. فات على وفاة حازم أكتر من تلت شهور وخلاص وقت الحداد خلص. وبعدين إذا كان مراته نفسها قلعة الأسود من بدري إشمعنى سما اللي هتلبسه." ابتلعت أمينة جمرات الغضب بداخل جوفها ما أن امتدت يد سالم تمنعها من الحديث إذ قال بفظاظة: "سيبي كل واحد على راحته يا حاجة. اللي عايز يلبس حاجة يلبسها."
أُغلق النقاش حين دخلت الخادمة لتخبرهم بأن الطعام بانتظارهم، فتوجه الجميع إلى غرفة الطعام وجلس كلٌّ في مقعده، وجاء حظها السيء كالعادة لتجلس أمام تلك الجمرات التي تناظرها بغضب جعل عظامها ترتعد، فسرت رجفة في سائر جسدها، شعرت بها شقيقتها فمدت يدها تمسكها من تحت الطاولة قبل أن تقترب «فرح» من شقيقتها تقول بصوت خافت ولكنَّه قوي: "أوعي تخلي حد يكسر عينك وخليكي فاكرة إني جنبك على طول."
شعرت «جنة» بالامتنان لوجود شقيقتها بجانبها، ورفعت رأسها تطالعها بعرفان ارتسم بعينيها، فتابعت «فرح» بنبرة خفيضة: "تجاهليه تمامًا وكأنه مش موجود، ده أحسن عقاب ليه." راقت لها الفكرة كثيرًا فقررت العمل بها. بينما شرعت الخادمة في سكب الطعام، فجاءهم صوت «أمينة» الغاضب: "فين حلا؟ إزاي تتأخر على ميعاد الغدا كده؟ أتاها الرد من خلفها فقالت حلا باعتذار: "أنا أهو يا ماما." أمينة بتوبيخ:
"اتأخرتي ليه على ما نزلتِ مش تيجي عشان تتعرفي على مرات أخوكي؟ أجابتها حلا بسخرية: "والله أنا لا حضرت فرحه عليها ولا سمعته حتى بيجيب سيرتها عشان أعتبرها مراته وأهتم إني أنزل أسلم عليها! أنهت جملتها تزامنًا مع سحبها الكرسي الخاص بها وهي تشعر بزهو الانتصار على تلك التي امتقع وجهها، لتتفاجأ بصوت سالم الحاد حين قال موجهًا حديثه للخادمة: "دادة نعمة خدي طبق حلا دخليه المطبخ وقولي لها تطلع أوضتها."
جفلت حلا حين سمعت حديث شقيقها فقالت برهبة ونبرة مرتجفة: "ده ليه يا أبيه؟ سالم بهدوء: "ده عقاب العيال الصغيرة اللي بتكسر كلام الكبار يا حبيبتي. لما تتعلمي تسمعي كلام الأكبر منك تبقي تقعدي معاهم عالسفرة." ثم ودون أي حديث آخر شرع في الأكل ليحذو الجميع حذوه دون التفوه بكلمة واحدة. ***
في إحدى الملاهي الليلية كان ثلاثتهم يجلسون بصمت، كلٌّ منهم يحتسي شرابه غارقًا حتى أذنيه في أفكاره، وقد خيم الصمت والوجوم مجلسهم لأول مرة، ولما لا، فقد فقدوا صديقهم أو لنقل صديق البعض وحبيب الآخر، وكانت تلك المرة الأولى التي يتجمعون بها بعد وفاته، وقد كان ذلك بناءً على رغبتها، فالحزن كاد أن ينهيها، ولكنها قررت الانتصار عليه، لذا قررت الاجتماع بهم. قطع الصمت المخيم عليهم حديثها المختنق حين قالت:
"هروح أزور حازم بكرة، حد هييجي معايا؟ زفر عدي بغضب تجلى في نبرته حين قال: "لأ ماليش في المشاوير دي." بينما تحدث مؤمن بحزن: "هتروحي تقولي له إيه؟ إحنا كنا سهرانين إمبارح من غيرك! خرج منها الكلام غاضبًا: "يعني إيه قررتوا تنسوه! هنعيش حياتنا عادي ولا كأنه كان موجود وسطنا! لم يجيبها أحد، بل زاغت أعينهم لتلقي عليهم نظرات الخسة، قبل أن تقول بحنق: "لو إنتوا هتقدروا تنسوه أنا عمري ما هقدر أنساه ولا لحظة، وهروح أزوره لوحدي."
حينها انفلتت الكلمات من بين شفتيه حانقًا: "لأ طبعًا، هو ينفع تنسيه. إنتي حتى لو حاولتِ مش هتقدري. حاجات كتير هتفكرك بيه." كان كلامه يحمل الغضب والحنق والحسرة بين طياته، ولكنها لم تلحظ، بل أجابته بقوة نابعة من عمق وجعها: "طبعًا عمري ما هنساه. عمري ما هقدر حتى لو قعدت أحاول ميت سنة. حازم عمره ما يتنسي أبدًا."
تجرع كأسه كله دفعة واحدة بغضب وكأنه يريد ابتلاع جمرات تحرق جوفه دون رحمة، بينما أطلق الأعيرة النارية من بين شفتيه إذ قال ساخرًا: "سبحان الله. إنتي لو قعدتي ميت سنة عمرك ما تنسيه، بس هو نسيكِ في لحظة. لأ، وعاش قصة حب واتجوز اللي حبها ومراته قربت تولد كمان! شوف يا أخي الدنيا! شعرت وكأن دلوًا من الماء سقط فوق رأسها في تلك اللحظة، فنظرت إليه بصدمة تحولت إلى نيران حارقة، فحاولت سحب أنفاس متلاحقة قبل أن تقول بعدم تصديق:
"إنت.. بتقول.. إيه؟ عدي بشماتة: "بقول اللي سمعتيه. حازم اتجوز قبل ما يموت ومراته قربت تخلف! تدخل مؤمن معنفًا إياه: "ما تسكت بقى ياخي. إنت إيه عايز تولعها نار وخلاص! التفتت تناظره مؤمن بنظرات متوسلة أن يكذب حديثه، بينما قالت بألم: "مؤمن. الكلام ده بجد؟ حازم.. حازم فعلًا عمل كده؟ أضاف عدى بقسوة: "أيوا عمل كده. ومش هتتخيلي كان متجوز مين؟
جنة. اللي حامل دلوقتي في ابنه وعايشة معززة مكرمة وسط أهله هناك. بتتعامل أحسن معاملة، ماهي الذكرى الوحيدة الباقية منه." كان يشدد على كل كلمة تخرج من بين شفتيه وكأنه قاصدًا غرسها في منتصف قلبها الذي لم يتحمل ما يحدث حوله، فتساقط وجعه على هيئة عبارات غزيرة شوّشت الرؤية أمامها، فامتدت يد مؤمن تربت على كفها الذي انتزعته بقوة قبل أن تقول بغضب: "إنت كنت عارف صح؟ زفر مؤمن بغضب ونفاذ صبر، لتخرج منها صرخة غاضبة اخترقت مسامعهم:
"آه يا واطي. إزاي تعرف حاجة زي دي وتخبي عليا؟ نهرها قائلًا بتحذير: "خلي بالك من كلامك يا ساندي. حازم استأمني أنا والحيوان ده على سره، ومكنش ينفع آجي أقولك. وبعدين إنتوا كنتوا سايبين بعض وإنتي كنتي عارفة إنه مرتبط بيها. يعني ملكيش حاجة عنده." أغرقتها كلماته في العذاب أكثر، والذي تجلى في نبرتها حين قالت بقهر: "أنا كنت فاكرة إنها نزوة. لعبة هيلعب بيها شوية وينساها ويرجع لي." تدخل عدى قائلًا بتهكم:
"شوفي القدر بقى، اللي كنتي فاكراها لعبة طلعت هي الحقيقة وإنتي اللي طلعتي لعبة. لعب بيها شوية ورميها." قال جملته الأخيرة بحقد وغضب أصاب كبرياءها في مقتل، مما جعلها تلتفت إليه رافعة كفها ليسقط بقوة فوق خده على هيئة صفعة مدوية تركت بصماتها على كبريائه أولًا، مما جعله يهب من مكانه ينوي تحطيم رأسها، ليتدخل «مؤمن» بآخر لحظة ليمنع جريمة قتل على وشك الحدوث، فخرج صوته صارخًا:
"إيدك دي هكسرهالك يا زبالة. بقيت أنا عُدي واحدة زيك تمد إيدها عليا! ساندي بغضب من بين قطراتها: "اخرس يا حيوان. إنت اللي زبالة ومتخلف. وأنا بكرهك! كانت كلمتها الأخيرة وقعها أشد من صفعتها التي وقعت على خده، لذا دفع مؤمن بقوة قبل أن يقول بنبرة قاطعة: "معنتش عايز أشوف وشك تاني، وتأكدي إني لو قابلتك في مكان ولو صدفة، همحيكي من على وش الدنيا."
أنهى كلماته واندفع مغادرًا كثور هائج لا يرى أمامه، بينما ناظره مؤمن بغضب تجلى في نبرته حين قال آمرًا: "يالا عشان أوصلك." لم تجادله كثيرًا فقد كانت غارقة في بحر أحزانها، فأطاعته بصمت إلى أن وصل بها أمام بيتها، وما أن همت بالترجل من السيارة حتى فاجأتها كلمات مؤمن الغامضة: "إنسي حازم يا ساندي وعيشي حياتك. أو حاولي تنقذي اللي باقي منها."
ناظرته باستفهام لم تفصح عنه شفتيها، واكتفت بهزة من رأسها عندما لم يفسر ما يقصده، وترجلت من السيارة، فيما انطلق هو إلى منزل «عُدى»، وما أن فتح الباب بمفتاحه ودلف إلى الداخل حتى تسمر في مكانه من هول ما رأى أمامه... *** بمكان آخر في إحدى المزارع الكبيرة التي يتوسطها قصر شاهق وبالغ الترف، كان يتوجه بسرعة إلى غرفة والده الذي ما أن رآه حتى اهتزت نبرته وهو يقول بضعف: "إيه يا ابني طمني عملت إيه؟ زفر بغضب
دفين قبل أن يقول بيأس: "لسه يا بابا. لسه ملقتهمش. بس اطمن أنا مش ساكت. أنا مخلي ناس تدور في مصر كلها. ومش هيهدى لي بال غير لما ألاقيهم." أطلق زفرة حارة نابعة من ذنب كبير يرسو فوق قلبه الضعيف الذي لم يعد يتحمل ثقله، فقال بتعب: "معدش باقي في العمر كتير يا ابني. عايز أصلح غلطتي وأطمن عليهم قبل ما أموت." تدخل قائلاً بلهفة: "ماتقولش كده يا حاج. ربنا يطول في عمرك ويخليك لينا." قاطعه بتعب:
"يا ابني محدش هيخلد فيها، الموت علينا حق. وأنا مش خايف منه. أنا خايف من ذنبي اللي ارتكبته زمان ومش هقدر آخده معايا لآخرتي." "طب قولي أعمل إيه تاني وأنا أعمله." "تنزل مصر تدور بنفسك. ومترجعليش غير وبنات عمك في إيدك. جنة وفرح! يتبع...
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!