أن تعشق امرأة مثلي، إنه أمرٌ شاق للغاية. لم أكن أنثى استثنائية يومًا، بل أنا الأسوأ من بين جميع النساء، وعليك أن تدرك هذا أولاً، لأن الطريق إلى قلبي لن يكون سهلاً أبداً. فعليك تقبل جميع صفاتي السيئة وترى ميزات! أن تتقبل جميع تصرفاتي المتقلبة دون أن تسأل عن الأسباب! أن تتعامل مع ردودي غير المتوقعة على أنها أمور طبيعية! أن تراني جميلة بجميع حالاتي وترى مزاجيتي أجمل أنواع الدلال!
أن تراني دائماً مميزة ببساطتي، بعفويتي، بحماقتي! ألا أكون مجبرة دائماً على إدهاشك! أريد عشقاً خالصاً يرمم شقوق قلبي ويصلح ندبات روحي، أريد أماناً ينتزع الخوف العالق بثنايا فؤادي، واعلم حينها أنك ستحظى بعشق سرمدي يفوق حدود الأبدية. كان الأمر في المستشفى على صفيح ساخن، بينما الصمت يسيطر على الجميع للحد الذي يجعل هسيس أنفاسهم مسموعاً بوضوح.
بينما القلوب تحترق بهدوء قاتل، والألسنة عاجزة عن الحديث، فأي كلام يمكن أن يقال يخفف من وطأة هذه الصدمة الكبيرة حين أخبرهم الطبيب أنهم على وشك خسارة الطفل! خنجر مسموم بنيران الذنب انغرز بمنتصف قلبه حين رآها غارقة في دمائها، بينما تجمد في مكانه لا يعي ماذا يحدث. فقط ألم هائل اجتاح كيانه حينما سقطت كلمات "فرح" كجمرات فوق قلبه وهي تقول بصراخ: "لازم نوديها المستشفى حالاً، دي حالة إجهاض."
لا يعلم كيف حملها بكل هذا الرفق الذي لم يكن يظن بأنه يمتلكه، وأي قوة خفية سكبت كل هذا الحنان بين كفوفه الممسكة بها، بينما ملامحه كانت قاسية وعابسة وكأنه يرفض تلك الكلمات المقيتة التي أُلقيت على مسامعه للتو.
كان مسيطراً على مقود سيارته الضخمة، بينما لم يستطع السيطرة على نبضاته الهادرة التي تتخبط بعنف بين ضلوعه، وكأنها تعلن ثورتها عليه وانقلابها ضده وضد هذا العنف المعنوي الذي ارتكبه بحق تلك الجنة التي كانت تصارع آلاماً تفوق طاقتها وحدود قدرتها. قبضة قوية اعتصرت قلبه وهو يضعها فوق الحامل أمام المشفى، بينما كل خلية به تصرخ غاضبة على تركها، ومتألمة على حالها وشحوب ملامحها التي كانت تضج بالحياة حين كانت تتحدث مع الفرس.
فقد كان يستمع إلى حديثها بقلب ممزق وعقل مشتت، فكل الاتهامات تشير إلى أنها مذنب، حتى حديثها ونبرة الندم التي تغلفه تؤكد على ذنبها الكبير الذي لم تستطع غفرانه لذاتها، بينما عيناها الشيء الوحيد الذي ينطق ببرائتها. ويكاد قلبه يصدقها، بينما عقله ينهره بشدة ويحذره من مغبة الوقوع بسحرها، فيتضاعف الذنب بقلبه، وهذا ما لن يستطيع احتماله أبداً! *** معظم الخسارات في حياة الإنسان قابلة للتعويض، أما التجاوز!
ولكن ثمة خسارات مروعة تحمل الموت في طياتها، كأن تخسر شقاً من روحك أو تفقد إحدى بطينان قلبك، وهذا ما شعرت به "فرح" حين رأت شقيقتها تتوسط الأرضية الصلبة غارقة بدمائها، مهددة بفقدان جنينها. فلم تتمالك نفسها، إذ خرجت صرخة متألمة من جوفها، بينما جسدها أخذ يهتز بقوة وهي تحتضنها بالسيارة في طريقهم إلى المستشفى، ودموعها المتساقطة لا تتوقف أبداً. بل أخذت تزداد كلما مرت دقيقة تلو الأخرى دون أن يطمئنهم أحد.
تود لو تكسر تلك الأبواب الزجاجية وتخترق تلك الغرفة لتحتضنها وتخبرها بأنه لا طاقة لها بالفراق أبداً. تود أن تصل نبرتها المتألمة إلى أعماق قلبها حتى يتمسك بالحياة وألا يفقد الأمل مطلقاً. تريد قطع وعد صارم لها بأنها لن تدع أحداً يؤذيها، لكنها ستستبسل في الدفاع عنها حتى الموت. فقط لو تخرج سالمة من هذه الغرفة! لو ترى ضحكتها البريئة تزين وجهها الفاتن مرة ثانية! "يارب احفظها يارب، ومتضرنيش فيها أبداً."
هكذا خرجت الكلمات من أعماق قلبها تناجي ربها بأن يحفظ شقيقتها الغالية وألا يريها فيها بأساً يبكيها.
ولم تلحظ ذلك الذي كان يراقب جميع انفعالاتها بهدوء تام، وملامح صارمة تتنافى مع ذلك الحنان الذي تسرب إلى قلبه دفعة واحدة، وهو يناظر رأسها المنكفئ وأكتافها المتهدلة وملامحها المنهزمة، حتى خصلات شعرها التي كانت تسترسل بهدوء خلف ظهرها تتساقط منها قطرات الماء لتغرق ملابسها كما أغرقت قطراتها مقدمة صدرها ليلتصق قميصها القطني بجسدها بطريقة أشعلت نيران غضب ممزوج بمشاعر أخرى لا يعلم من أين غافلته وانبثقت بين طيات قلبه.
فقام بخلع جاكيت بدلته وتقدم منها محاوطاً كتفيها به، بينما توقف لثوانٍ حين هاجمته رائحتها العذبة التي أثارت شهيته بطريقة لم يعهدها مسبقاً، بل لم يتوقعها! شعرت بالحرارة المنبعثة من جسده حين توقف خلفها على بعد خطوتين، وحاوتها رائحة عطره الممزوج مع رائحة التبغ المميز الذي يتناوله، فخلقت شعوراً من الدفء بداخلها، والذي كانت تفتقده كثيراً.
ولكنها لم تكن تشعر بذلك، فقد كانت خارجة من المرحاض لتوه بعد أن أخذت حماماً منعشاً لتتفاجأ بتلك الكارثة التي حدثت، ولم تهتم بشأن ملابسها، فحمدت ربها أنها قد ارتدت ذلك البنطال القطني القصير نوعاً ما، وفوقه هذا القميص من نفس قماشه، والذي التصق على جسدها بفعل المياه المتساقطة من خصلاتها التي لاحظت للتو أنها تركتها منسدلة خلف ظهرها.
لم تستطع أن تدير رأسها إليه، فقد كانت عيناها تحمل ضعفاً كبيراً لم تعتاده، خاصةً أمامه، لذا تمتمت بكلمات شكر مقتضبة لم ترضيه، فقد كان يود اقتناص فرصته في رؤية عينيها الزيتونيتين دون حواجز، فهو يعرف تمام المعرفة بأنها تحتاج أن تشعر بالأمان في تلك اللحظة التي عاشها هو بمفرده، ويعلم مدى قساوتها ومرارة شعورها، ولم يطاوعه قلبه أن تعيشها منفردة، فخرجت الكلمات من فمه خشنة كما هي عادته: "هتبقي كويسة إن شاء الله."
بقدر خشونة لهجته، ولكنها كانت تحمل دفئاً تحتاجه كثيراً، أو هكذا كانت تتخيل، وقد تمنى قلبها لو تناظره في تلك اللحظة حتى تتأكد من صدق تخيلاتها، ولكن أبى كبرياؤها الظهور بمظهر أنثى بائسة قليلة الحيلة، لذا رفعت رأسها تنظر أمامها قائلة بصوت متحشرج: "إن شاء الله."
كان رجلاً لا يعرف المستحيل ولا يقبل الرفض، تعود على انتزاع ما يريده بمنتهى السهولة واليسر الذي يتنافى مع ما يقابله معها، فها هي ترفض توسله الخافت الذي لم ولن يفصح عنه أبداً. تُعانده بشدة لتمنحه ذلك التعطش الغريب لنظرة احتياج واحدة من عينيها!
وكأن احتياج كل هؤلاء الناس ممن هم حوله الذين يعتمدون عليه كلياً لا يكفيه ليشعر بهذه الرغبة القاتلة في رؤية افتقارها إليه، ليس من أجل إرضاء متعته في تحقيق انتصاراته المتتالية معها، ولكن حتى يكون ولأول مرة هو مصدر قوتها! قطع حديثه الدائر بين ثنايا قلبه خروج الطبيب من غرفة "جنة"، فكان أول من هرول إليه هو سليم الذي قال بقلب لهف: "طمني يا دكتور؟
هرولت هي الأخرى، وكان هو بجانبها ليتحدث الطبيب قائلاً: "الحمد لله قدرنا ننقذها هي والجنين بمعجزة. وبالرغم من كدا الخطر لسه قائم." تجمدت الحروف على شفتيها، بينما قال سالم بفظاظة: "يعني إيه الخطر لسه قائم؟ "يعني حالتها الصحية غير مطمئنة لأنها نزفت كتير والهيموجلوبين عندها أقل من الطبيعي.. أنا مستغرب إزاي الطفل دا لسه بيقاوم ومنزلش. وتفسيري الوحيد إن دي إرادة ربنا اللي كاتبله أنه يعيش! خرجت الكلمات
متلهفة من بين شفتيه: "طب إيه العمل يا دكتور علشان نحافظ عليها هي والطفل؟ لم يدقق قبل أن يتفوه بتلك الكلمات، في حين ضاقت عينا "سالم"، بينما التفتت "فرح" تناظره بغموض أصاب كبرياءه في الصميم، ولكنَّه تجاهل كل ذلك والتفت إلى
الطبيب الذي قال بتحذير: "طبعاً إحنا حاولنا نظبط الهيموجلوبين وإن شاء الله منحتاجش نقل دم، بس في المجمل هي محتاجة الراحة التامة عشان وضع الجنين يستقر، كمان ياريت نمنع عنها أي ضغط نفسي ولازم نهتم بالأكل الصحي، وأنا هكتبلها على الفيتامينات اللازمة وبإذن الله الحالة تستقر." "تقدر تمشي امتى؟ هكذا تحدث سالم ليجيبه الطبيب: "مش قبل بكرة، عشان نطمن أكتر على حالتها ولو حصل لا قدر الله أي حاجة نقدر ندخل في الوقت المناسب."
"ممكن أشوفها؟ أخيراً خرج صوتها متحشرجاً جافاً ليجيبها الطبيب قائلاً: "ممكن طبعاً، هي هتتنقل لأوضة عادية وتقدروا تشوفوها، بس زي ما قلت مش عايز أي ضغط عصبي ولا مجهود بدني." هزت رأسها بتفهم، بينما شعر هو وكأن حديث الطبيب موجهاً إليه، فكل ما حدث لها كان بسبب غبائه في التعامل معها، وتلك الكلمات المهينة والاتهامات القاتلة التي أمطرها بها كوابل من الرصاص لم يحتمله جسدها الرقيق وسقط معلناً استسلامه أمام طوفان الظلم!
لم يتفوه بحرف، بل استدار على عقبيه يخرج من المستشفى وهو يلعن كل شيء حوله، فقد أوشك الليلة على ارتكاب جريمة شنعاء وهي القتل! وكان ضحيته الشيء الوحيد المتبقي من أخاه الذي لا يزال للآن يحمل ذنبه هو الآخر، والذي كان يظن بأن بانتقامه منها سيكفر عنه، ولكن وجد نفسه يغرق بوحل الذنوب أكثر.
فزفر بحنق وأخذ يملأ رئتيه بالأكسجين الذي يحتاجه حتى يهدئ من حرقة صدره، ولكنه نسي أن الأكسجين غاز يساعد على الاشتعال أكثر، خاصةً وهو يحمل رائحتها العالقة بملابسه ودمائها التي طبعت بقعة فوق قميصه نفذت إلى أعماقه دون أن يشعر! "إلى أولئك الذين ما زالوا محتجزين خلف أسوار الماضي عالقين بتلك العلاقات المشوهة التي لم تكتمل ولم تستطع قلوبهم تحمل نهايتها، فك الله أسركم."
كانت نائمة على غيمة وردية تحملها كالريشة وتطير بها هنا وهناك، أو هكذا كان حال قلبها الذي غزته ذكريات جميلة حد البكاء، رائعة حد اللعنة التي أصابتها ذلك اليوم حين أقرت بتسليمها إلى راية العشق.
كانت تترجل من إحدى سيارات الأجرة تنوي الدلوف إلى جامعتها، ولكن استوقفتها نبرة صوت أصبح قلبها يعرفها جيداً، حتى لو أنها كانت تخفي ذلك خلف قناع من الغرور واللامبالاة، ولكن داخلها كان يميل إلى ذلك الشاب الوسيم العابث الذي يلاحقها بكل مكان دون أي حديث، فقط نظرات أذابت بروعتها حصون قلبها التي كانت متماسكة إلى حد ما، قبل أن تسقط كلياً عندما ضايقها أحد الشباب ذات يوم، وكان له هو بالمرصاد.
وحينها قرر قطع حرب النظرات الدائرة بينهم واقترب منها بلهفة لامست أوتار قلبها حين قال: "عملك حاجة؟ هزت رأسها دون أن تتفوه بحرف، بينما تولت عيناه زمام الأمور بينهم لبعض الوقت، قطعته كلمات حانية مدروسة اخترقت جدران قلبها حين قال بخفوت: "متخافيش أبداً طول ما أنا موجود محدش يقدر يأذيكي أو حتى يقرب منك!
خفقت دقات قلبها بعنف كلما مرت ببالها تلك الكلمات الرائعة والتي بثتها شعوراً كانت تفتقده في أعماق قلبها كثيراً، وكأنها جاءت مثلما تمنت تماماً. فلاحت ابتسامة خجولة على شفتيها وهي تتوجه إلى بوابة الجامعة لتوقفها كلمات عابثة تراقصت على أوتار ثباتها: "طب مش كفاية كدا بقى!
لم تجب، بل لم تلتفت، على الرغم من صراعها الداخلي، ولكنها دون أن تلاحظ توقفت بمكانها ليتقدم تجاهها إلى أن توقف أمامها وهو يناظرها بقوة أثارت خجلها بشدة، وجاءت كلماته لتجهز على ما تبقى من ثبات: "طب أنا مستسلم! متستغربيش بس زي ما كنتي بتقاوميني كدا أنا كمان كنت بقاومك، بس أنا فعلاً مبقتش قادر! أنا اللي كنت برن عليكي كل يوم قبل ما تنامي أسمع صوتك وبعدين أقفل عشان أعرف أنام. وكل يوم كنت ببعتلك الصبح صباحك جنة تشبه عيونك!
الحقيقة إني كنت بحاول أمنع نفسي عنك بصعوبة، بس لما شفت في عينيكي النظرة دي مقدرتش أسكت." كانت كلماته حانية بشكل لم تعهده من قبل، تُغريها كطفل حُرم من الحلوى طوال حياته، فإذا بالسماء تمطر أشهى أنواعها أمام عينيه الجائعتين. هذا هو حالها في تلك اللحظة، ولكنها تمسكت بآخر خيط من إرادتها حين قالت بتوتر: "نظرة إيه؟ إيه اللي أنت بتقوله دا؟
توترها الملحوظ واهتزاز حدقتيها كانتا خير دليل على مقاومتها الواهية، فاستغل هو ذلك قائلاً بلهفة: "عينيكي بتكذب كل كلامك دا! أرجوكِ مش عايز منك حاجة غير أنك تديني فرصة! فرصة واحدة بس عايزك تعرفيني فيها. عايز أحكيلك على حازم الوزان.. عايزك تشوفي اللي كل الناس مش شيفاه."
رغمًا عنها أومأت برأسها ملبية نداء قلبها، وبالفعل تقابلا في أحد الأماكن العامة، وجلست هي تناظره بخجل كبير تجلى في خدها الوردي وارتباك شفتيها التي لم تستطع الحديث، ليقطع هو صمتهم قائلاً بمزاح: "قبل أي حاجة عايزك تعرفي إني أكبر منك بسنتين، لكن كنت بسقط ومش مكسوف وأنا بقولك كدا، بس فعلاً أنا مكنش عندي هدف يخليني أنجح، لكن دلوقتي... صمت متمهلاً يناظرها بجرأة، بينما لاح التساؤل في حدقتيها
اللامعة حين قال بحماس: "دلوقتي عندي هدف قوي إني أنجح وأخلص كليتي عشانك. أيوه عشانك يا جنة! أنا بقالي شهر بـراقبك شهر مفيش في تفكيري غيرك، بنام وبقوم على صورتك اللي انطبعت جوايا. عايزك تعرفي إني عمري ما حسيت كدا ناحية أي بنت، وعمري ما هضحي بالإحساس اللي جوايا دا أبداً، حتى لو فضلتِ تقاوميني هفضل أقولك إني بحبك!
برقت عيناها فيما اخترقت كلمته أعماق فؤادها الذي انصاع لتلك المشاعر الجامحة التي اجتاحتها، لتستسلم لسحرها الأخاذ، حين أخذ يسرد لها كل شيء عن عائلته وحياته وكأنه يعرفها منذ زمن، وقد بدأت هي في التجاوب معه لتبدأ بينهم قصة حب كبيرة انتهت بعرض مسرحي للزواج أمام المارة بأحد الشوارع، بينما قلبها يدق بعنف من فرط فرحته لروعة ذلك الحدث الذي تتمناه أي فتاة في العالم.
ونظراً لبرائتها وقلة خبرتها لم تلحظ المكر الذي غلفته عيناه بالحب الوهمي، وأفصحت شفتيها عن قبولها لعرضه، والذي كان المفتاح لأبواب الجحيم الذي اجتاح حياتها بعد ذلك! خرجت صرخة قوية من قعر وجعها حين انقلبت بها تلك الغيمة الوردية لتسقط بقوة، شاعرًة بألم حاد في أسفل معدتها، فتحت على إثره عينيها بقوة لتهب "فرح" من مكانها تقترب منها بلهفة تجلت في نبرتها حين قالت: "جنة حبيبتي.. حمد لله على سلامتك. حاسة بأيه طمنيني!
في البداية لم تدرك ما يحدث حولها، ولكن ما إن طافت عيناها بالمكان حتى تحركت يدها تلقائياً إلى مكان الوجع أسفل بطنها وقالت برعب: "ابني! ابني جراله حاجة؟ ردي عليا يا فرح؟ سرعان ما احتضنت ثورتها كفوف "فرح" التي احتوت وجنتيها بحنان قائلة: "لا يا حبيبتي متخافيش. الحمد لله كويس، ربنا نجاكم! تنفست الصعداء وزفرت خوفها الذي كاد أن يقبض روحها بتلك اللحظة، وأسندت رأسها للخلف وهي تنظر إلى شقيقتها بتعب تجلى في ملامحها، وخرج
الكلام بين شفتيها بضعف: "الحمد لله." فرح بحنان: "الحمد لله يا حبيبتي. طمنيني حاسة بأيه؟ جنة بضعف: "في ألم بسيط في بطني." فرح بإشراقة: "هتبقي أحسن لما تشوفي حبيب خالته اللي مغلبنا معاه دا." رفعت رأسها تطالعها بعدم فهم، فنهضت فرح من مكانها وقامت بالضغط على إحدى الأزرار بجانب
مخدعها وهي تقول بتفسير: "الدكتور قال أول لما تفوقي هيكشف عليكي سونار عشان يطمنك على البيبي. وقال كمان أنك مبتتغذيش كويس ودا غلط عليه. وشكله زعل منك عشان كدا حصل اللي حصل." اهتز قلبها لحديث شقيقتها، فهي تحاول إضفاء المرح على قلبها، وآثرت ألا تسألها عن السبب خلف ما حدث لها، وقد كانت أكثر من ممتنة لهذا الأمر، لذا قالت بابتسامة واهنة: "من النهاردة مش هزعل تاني مهما حصل. وههتم بصحتي عشانه."
كانت تتحدث بتأكيد نابع من صميم قلبها وهي تقسم داخلياً على ألا تسمح لشيء أن يؤذي صغيرها، تلك النعمة التي خرجت من بين كل هذا السوء الذي حدث لها، وهي تنوي أن تحميه بروحها، فإن تمسك هو بها مرتين فهي لن تتركه أبداً.
بعد مرور بعض الوقت انصرف الطبيب بعد أن قام بفحصها وطمأنها بأن الأوضاع تحت السيطرة، وأمطرها بوابل من التنبيهات مشدداً على كل كلمة يتفوه بها، وقد أقسمت داخلياً على أن تقوم بتنفيذ كل ما قاله دون الإغفال عن أي شيء. وما إن خرج الطبيب حتى سمعوا طرقاً على الباب، طال دويه قلبها، وقد علمت من الطارق، فهو لم يكن سوى "سالم" الذي كان ينتظر خروج الطبيب من الغرفة حتى يطمئن هل عادت الأمور تحت السيطرة وزال الخطر أم لا.
وقد كان الغضب يأكل داخله بنهم، فهذه هي المرة الثانية التي يتعرض بها الطفل لخطر محدق، ولكن هذه المرة لم تكن كسابقاتها، فهو يكاد يجزم بأن أخاه له يد بما حدث، فذلك الرعب الذي كان يحاول إخفاءه لم يكن من فراغ، ولهفته القوية في الاطمئنان عليها لابد وأنها نابعة من ذنب كان يتجلى بوضوح في عينيه، ولكنَّه أجل الحديث بهذا الأمر إلى حين يطمئن على الطفل، وقد انتوى على وضع الأمور في نصابها الصحيح وسيتأكد من أن الجميع يسير على النهج المطلوب.
دلف إلى الغرفة بعد ما سمع صوتها يسمح له بالدخول، وما إن وقعت عيناه عليها حتى تشعب الغضب داخله وتجلى ذلك بعينيه السوداوين حين رآها تقف أمامه بثيابها تلك، وقد خلعت جاكيت بدلته واضعة إياه على الأريكة خلفها، وهذا يعني بأن الطبيب رآها بحالتها تلك! رغمًا عنه أغضبه هذا كثيراً، لكنه حاول ابتلاع غضبه حين قال بخشونة موجهاً حديثه لـ "جنة": "عاملة إيه دلوقتي؟ أجابته بخفوت فقد كانت تخشاه كثيراً: "الحمد لله أحسن."
هز رأسه وهو يتنفس بصعوبة حين تشابكت نظراته مع تلك التي كانت تتحاشى النظر إليه، وقد أضاف ذلك الوقود لغضبه المشتعل بصدره، ولكنَّه كالعادة بدا هادئاً بارداً جافاً! جاء صوته جامداً متسلطاً حين قال: "سمعتي الدكتور قال إيه؟ أجابته "جنة" بهزة من رأسها دون حديث، ليأتيها صوته قوياً حين قال مهدداً: "دي آخر مرة هسمحلك تعرضي حياة ابن أخويا للخطر." لم تتحمل حديثه مع شقيقتها بتلك الطريقة، والتفتت تناظره بغضب
تجلى في نبرتها حين قالت: "على أساس إن حياتها هي كمان مكنتش معرضة للخطر! قابل غضبها وحديثها بسخرية ارتسمت على ملامحه للحظة قبل أن تعود إلى جمودها، وأدار رأسه إلى "جنة" وهو يقول آمراً: "هتفضلي هنا تحت الملاحظة كام يوم لحد ما الدكتور يقول إن الخطر زال. أي حاجة تحتاجيها بلغيني." أجابته "جنة" باختصار: "تمام."
أغضبها تجاهله لها، ولكنها حاولت إخفاء غضبها بابتسامة عابثة رسمتها ملامحها التي كانت في أوج ازدهارها بفعل الغضب الذي كسى خديها بحمرة جميلة، وعيناها الصافية مع وجه أشرق حين اطمأنت على شقيقتها. مظهرها الفاتن هذا أعاد إليه شهوة استفزازها، فقال بسخرية وهو يلقي عليها نظرة عابرة: "هبعتلك هدوم مع السواق." شعرت بالسخرية في لهجته وقد أغاظها ذلك، فأرادت رد الصاع صاعين حيث قالت بلامبالاة: "لا متشغلش بالك. أنا مرتاحة كدا."
دون حديث ابتلع غضبه الحارق وتوجه إلى الباب، وما إن هم بفتحه حتى نادته بلهفة توقف على إثرها بقلب يدق بعنف: "آه.. سالم بيه.." قالت كمن نسي شيئاً، ثم التفتت تتناول جاكيت بدلته وتوجهت بهدوء تناوله إياه، راسمًة ابتسامة عفوية على شفتيها وهي تقول بتمهل: "ميرسي أوي. تقدر تاخده مبقتش محتاجاه." امتدت يداه لتلتقطه، وقبل أن تتركه شعرت بقبضته القوية تعتصر يدها الممسكة بالجاكت وهو يطالعها
بغضب قبل أن يقول بجفاء: "مش أنتي اللي تقولي إذا كنتي محتاجاه ولا لأ! كانت قبضته مؤلمة، ولكنها لم تدعه يعلم بأنها تتألم، لذا رفعت أحد حاجبيها قبل أن تقول بتهكم: "نعم! تحمحم بخفوت قبل أن يسيطر على ضربات قلبه الصاخبة أمام عينيها الصافيتين التي تحاول استثـزازه، ولكنَّه لن يقع بفخها أبداً، لذا قال بفظاظة: "إنتوا هنا تحت اسم الوزان والإسم دا له هيبته واحترامه. وشكلك دلوقتي يعني!!!
طافت عيناه على جسدها الأنثوي الرقيق بمنحنياته القاتلة التي تخطف العقول، وارتفعت نظراته تبحر فوق ملامحها الجميلة والتي جعلت نبضاته تتعثر داخل صدره تأثراً بهيئتها العشوائية الساحرة، ولكنَّه نجح في إخفاء كل هذا ببراعة، ولوى فمه بامتعاض، تاركاً لعينيه وملامحه أن توصل لها مقصده، وقد أغضبها هذا لدرجة جعلت أنفاسها تتسارع، وبصعوبة بالغة حافظت على بعض من هدوئها حين قالت ساخرة: "غريبة!
مع إنك كنت عايزني أرجع لشخصيتي الأصلية، إيه اللي حصل دلوقتي؟ سالم بحدة: "كنت غلطان! رفعت إحدى حاجبيها الجميلين وناظرته بسخرية قبل أن تقول بهدوء مستفز: "عشان كدا زي ما قولتلك مخدتش رأيك بعين الاعتبار!
كانت مشاكساتها لذيذة بحق، وملامحها التي تتحدّاه بخطورة لا تعي توابعها، وقد كان هو الآخر يشعر بأنه يمشي بحقل ألغام قد تنفجر بقلبه في أي لحظة وهو غير عابئ لتوابعها التي قد تكون مدمرة، يريد أن تدوم حربهم تلك للأبد دون أن يمل! "لو كنت أعرف إن شخصيتك الأصلية شبه أطفال الشوارع كدا مكنتش هطلب منك ترجعي لها!
برقت عيناها من شدة الذهول الذي تحول لغضب عارم، فقد أهان أنوثتها بشدة جعلتها تود لو تمزقه إرباً حتى تمحي تلك الابتسامة الكريهة على وجهه، والتي كانت تخفي أخرى صاخبة نجح في خنقها حتى لا تفضح استمتاعه بملامحها وغضبها المروع هذا، وتابع بتهكم: "في رأيي شخصية أبلة نظيرة لايقة عليكي أكتر! كان طوال الوقت ممسكاً بمعصمها القابع خلف الجاكت الخاص به، والذي كانت ممسكة به بقوة دون أن تدري، فلم يستطع أن يفوت فرصة أخرى
في إغضابها إذ قال بتسلية: "الجاكيت! مش تقريباً قلتي إنك مش محتاجاه! لا تعلم ما دهاها في تلك اللحظة، ولكنها انتزعت الجاكت من بين يديه وقالت بحدة توازي حدة نظراتها إليه: "غيرت رأيي. هاتيه." أخذته وحاوتت كتفها به في حركة منها لإغاظته، فابتسم تلقائياً على فعلتها، ولكنَّه سارع بمحو بسمته وهو ينظر إلى الجاكت الذي يعانق جسدها بغموض، ولوهلة طرأ على باله هاجس. "ما هو شعوره حين تصبح تحت سطوة عناقه!؟ ***
كانت "جنة" تقف أمام تلك الفرس الرائعة التي أعجبت بها سابقاً، تناظرها بسعادة غامرة انبثقت من بين كلماتها حين قالت بحبور: "أذيك يا جميلة.. وحشتيني أوي." مدت يدها تدغدغ أسفل عنقها والفرس تتجاوب معها، مما جعلها تقول برقة: "أنا كمان وحشتك. حقك عليا اتأخرت عليكي كل دا، بس أنتي متعرفيش حصلي إيه؟ ارتسم الحزن على ملامحها الجميلة
وهي تقول بنبرة خافتة: "أنا كنت هخسر البيبي، وقعدت يومين في المستشفى، وبعدين الدكتور منعني من الحركة لمدة أسبوعين! تخيلي أسبوعين كاملين وأنا نايمة في السرير مبتحركش! أكل في السرير وشرب في السرير لحد ما طهقت." تابعت بعد أن أشرق وجهها وارتسمت ابتسامة سعيدة على
ملامحها وهي تقول بحبور: "بس النهاردة خدت إفراج. وأول ما رجعت من عند الدكتور جيتلك على طول. بالرغم من إن هتلر دا منعني إني آجي أشوفك وعلى الرغم من إنه السبب في كل اللي حصلي! لكن ولا يهمني، هجيلك أشوفك على طول. أقصد يعني طول ما هو مش موجود! مانا نسيت أقولك أصله من يوم اللي حصل مشوفتوش. بس أحسن أنا أصلاً مش عايزة أشوفه!
كانت جملتها الأخيرة نابعة من أعماق قلبها الذي كان يتمنى حقاً لو لم تراه أبداً، فبكل مرة تقع عيناه عليها يذيقها أقسى أنواع الإهانات، حتى أنها بآخر مرة كانت معه لم يتحمل جسدها هذا الألم الهائل الذي تشعب إلى أوردتها، ولم يرحمها منه سوى تلك الهوة العميقة التي أنقذتها من ذلك العذاب المرير!
ابتلعت غصة تشكلت داخل حلقها ما أن زارتها تلك الذكريات المريرة، فحاولت التغلب عليها حين ارتسمت ابتسامة جميلة على شفتيها وهي تلتقط إحدى حبات الجذر وتضعها في فم الخيل وهي تقول بإعجاب بالغ: "مفكر إنه هيقدر عليا ويمنعني عنك.. هه يبقي يوريني سي هتلر دا! المهم أنا مضطرة أمشي بقى عشان زمان فرح رجعت من مشوارها والمفروض هنروح نتغدى مع العيلة النهاردة وأتعرف على باقيتهم." أخذت نفساً عميقاً قبل أن
تقول بنبرة يتخللها القلق: "بصراحة أنا خايفة أوي من المقابلة دي! الناس دول أصلاً شكلهم مرعب من أول سالم الديكتاتور! آه مانا نسيت أقولك إني سميته الديكتاتور! على طول عاوز أوامره بس هي اللي تتنفذ والناس تقول سمعاً وطاعة. والتاني اللي عامل زي هتلر دا معدوم القلب والإحساس! ولا الحاجة! يا عيني على الحاجة شبه إليزابيث اللي في فيلم stay alive الست اللي كانت بتخطف البنات الحلوين وتتغذى على دمهم دي!
حستها أول ما شافتني كانت عايزة تجيبني من رقبتي كدا وتقوم جاية عضاني! زفرت بحنق قبل أن تتابع حديثها الناقم: "بصراحة أشكالهم كلهم مـتـطـمـنـش. ولسه بيقولك في عمته وأخته وبنت عمته. هقول إيه الله يسامحك يا حازم! ويعيني على ما بلاني! حانت منها التفاتة حولها قبل أن تستقر نظراتها على معدتها، فارتفعت يدها تـمـسـدها بحنان وهي تقول برقة: "بس مش مشكلة. كله يهون عشان حبيبي.." رفعت رأسها تبتسم للفرس في
سعادة وهي تقول بإستسلام: "مضطرة أمشي دلوقتي عشان معاد الغدا المقدس جه! ومينفعش أتأخر عليه أحسن يقيموا عليا الحد! أرسلت قبلة في الهواء وهي تلتفت تتابع طريقها دون أن تلاحظ تلك العينان اللتان شيعتها بنظرات الغضب.. *** "آنسة فرح عمران!
لم تكد تجلس في مكانها حين وقعت تلك النبرة الخشنة على مسامعها كقنبلة مدوية اخترقت قلبها أولاً ومن ثم عقلها الذي لم يكن يصدق ما يسمعه، وتعـلـقـت نظراتها الجاحظة بذلك المقعد الذي حين التفت توسعت حدقتاها أكثر وصدق ظنها بأنه هو! جاءها صوته الرجولي الخشن الذي يحوي بين طياته السخرية والغضب حين قال: "أيه اتصدمتي؟
لم تجبه، فلم تستطع السيطرة على صدمتها بعد، فأخذت تبلل حلقها تحاول البحث عن صوتها الذي اختفى بفعل تلك المفاجأة غير المتوقعة أبداً.
فهي منذ أن بدأت حالة شقيقتها بالاستقرار وهي تحاول البحث عن عمل في شبكة الإنترنت، ولحسن حظها وجدت إحدى الشركات الكبيرة تعلن عن حاجتها لإحدى الوظائف التي لاءمت مؤهلاتها كثيراً، فلم تتردد وقامت بإرسال الملف الخاص بها وجاءها الرد قبل يومين بموعد المقابلة اليوم، وكانت طوال الطريق تدعو الله أن يكون هذا العمل من نصيبها، فهي لم تعتد على الجلوس هكذا دون فعل شيء، وأيضاً لن تنتظر حتى انتهاء مدخراتها من النقود ولن تسمح لأحد بأن ينفق عليها أبداً.
أخيراً استطاعت السيطرة على صدمتها وقالت بصوت مهزوز: "أنت بتعمل إيه هنا؟ نالت سخريته من ثباتها الواهي حين قال بتهكم: "تقريباً أنا اللي مفروض أسألك السؤال دا؟ أعادت نبرته الساخرة صوتها الضائع وأيقظت شيئاً من روح القتال بداخلها، لذا أجابته بكل هدوء: "بما إنك هنا وقاعد على الكرسي دا تحديداً يبقى عارف أنا جايه أعمل إيه هنا! خرج صوته جافاً مع نظرات حادة رمقها بها قبل أن يقول باستفهام: "ومقولتليش ليه إنك عايزة تشتغلي؟
فرح بهدوء مستفز: "وأقولك ليه؟ كانت أنثى متمردة تثير غضبه النفيس، تتنافس معه في أعظم صفاته وهو الهدوء، تغتال ثباته بضراوة وتقف أمامه كند لا يستهان به، تجعل عقله يعمل بكل دقيقة في كيفية اختراقها؟
تحاربه خلف تلك الحواجز الزجاجية لنظارتها الطبية التي يكاد يقسم بأنها لا تحتاجها، فتحجب عنه لذة التوغل إلى غاباتها الزيتونية وكشف ما تجيد إخفاءه عنه، وكان هذا أكثر ما يثير غضبه، ولكنَّه كعادته تحدث بهدوء ونبرة كانت قوية محملة بتقريع خفي لم تخطئ في فهمه: "عشان مفروض تحترمي الراجل اللي إنتي مسئولة منه."
اهتزت حدقتاها لثوانٍ، فقد اخترقت الكلمة أعماقها محدثة عاصفة هوجاء بداخلها لم تستطع للحظات السيطرة عليها، وتسارعت أنفاسها، ولكنَّها بصعوبة استطاعت التحكم بملامحها لتظل على ثباتها قبل أن تقول مشددة على كلماتها: "بس أنا مش مسئولة من حد! أجابها مصححاً وكأنه ينفي تلك التهمة عن ذاته: "أقصد الراجل اللي إنتي عايشة في بيته!
لا تعلم لما أغضبها تصحيحه لتلك الهفوة التي ظنت أنها خرجت من بين شفتيه دون حساب، ولكنَّها تابعت باستـمـاتـة في الوقوف أمامه ومجابهته والدفاع عن استقلاليتها: "إني أكون عايشة تحت بيتك دا مش معناه إنك تصرف عليا! أخذ يناظرها بغموض دام لثوان، وسرعان ما خرج صوته هادئاً وهو يقول: "عندك حق." انتقلـت نظـراتـه إلى الأوراق أمامه قبل أن ترتفع عيناه التي تحولت بطريقة جذرية وملامحه التي أصبحت
صارمة حين قال بفظاظة: "خلينا نشوف إذا كنتي مؤهلة للشغل هنا ولا لا؟
لوهلة لم تفهم حديثه الذي كان يقصد به بداية المقابلة، حيث فاجأها بعدها بأن شرع يختبرها، وقد تحولت هيئته وأصبح رجل مختلف تماماً عما عهدته، وتفاجأت من أسلوبه ومدى مهنيته حين كان يلقي بأسئلته التي أجابت على معظمها بامتياز، ودام الوضع بينهم لمدة تتراوح بين ربع إلى نصف ساعة حتى انتهت تلك المقابلة الأصعب في حياتها، لاهثة وهي تحاول مضاهاته وإجابته بطريقة نموذجية، لتتفاجأ به يغلق ملفها ويناولها إياه، وعلى وجهه ترتسم
تعبيرات أسف زائفة حين قال: "للأسف يا آنسة فرح مؤهلاتك أضعف بكتير من إنك تشتغلي في شركة إنترناشونال زي دي."
برقت عيناها من شدة الصدمة، فإجابته تلك لم تكن في حدود توقعاتها أبداً، فهي أجابته على جميع الأسئلة تقريباً، وإن كان يحاول تعجيزها بين الفينة والأخرى، ولكنَّها متأكدة من أنها مؤهلة وبقوة للعمل بتلك الشركة، فهي تضاهي الشركة التي تعمل بها بالقاهرة من حيث قوة استثماراتها الداخلية والخارجية، ولكنَّها وصلت إلى حقيقة ثابتة أنه لا يريدها هنا، وهذا ليس له علاقة بأي مؤهلات كما أخبرها، لذا بمنتهى الهدوء الذي يتنافى مع غضبها وألمها الداخلي، مدت يدها تأخذ
منه ملفها وهي تقول ساخرة: "تمام. بس بلاش كلمة إنترناشونال دي عشان مش لايقة مع سوء الإدارة اللي هنا." رفع إحدى حاجبيه وهو يناظرها بغموض قبل أن يقول بخشونة: "سوء الإدارة! دي كلمة كبيرة أوي يا آنسة! تجلى غضبها وألمها في عينيها ولم تفلح في إخفائهما، بل تضمنوا لهجتها حين قالت بجفاء: "لما الإدارة تبقى ماشياها بالمزاج مش بالمؤهلات تبقى إدارة سيئة.. عن إذنك!
قالت جملتها الأخيرة وتوجهت بشموخ نحو باب مكتبه، فاستوقفتها كلمته التي تحمل وسام الانتصار والسخرية معاً: "شرفتينا! *** وصلت "جنة" إلى الملحق الخاص بهم فوجدت "فرح" التي كانت تبحث عنها بوجه متجهم وعينان تعكسان غضباً مروعاً قلما يظهر عليها، فاقتربت منها "جنة" بخوف وترقب تجلى في نبرتها وهي تقول: "إيه يا فرح حصل حاجة ولا إيه؟ حاولت "فرح" ابتلاع جمرات غضبها من ذلك المتكبر المغرور المتغطرس، وجاهدت في رسم ابتسامة هادئة على
ملامحها قبل أن تقول بهدوء: "مفيش يا حبيبتي! طمنيني أنتي كويسة؟ هزت رأسها وتابعت برجاء خفي في عينيها وهي تقول باستفهام: "متخبيش عليا يا فرح. حصل إيه؟ وإنتي كنتي فين أصلاً؟ فرح بمزاح: "يا بت بطلي أفورة، هخبي عليكي إيه. وبعدين تعالي هنا أنتي بتستجوبيني يا ست جنة؟ ابتسمت "جنة" قبل أن تقول بلهجة غلب عليها الحزن: "لا طبعاً. بس غصب عني بقيت خايفة من كل حاجة! امتدت يد فرح تعانقها بحب
تجلى في نبرتها حين قالت: "متخافيش من حاجة أبداً وأنا معاكي." ارتفعت رأس جنة تطالعها بلهفة وهي تقول بتوسل يغلف نظراتها ونبرة صوتها: "يعني خلاص سامحتيني يا فرح! ومبقتيش زعلانة مني؟ حاولت فرح انتقاء كلماتها حتى لا تؤذي شقيقتها فقالت بلطف: "إحنا مش قولنا مش هنتكلم في حاجة خالص دلوقتي وهنستنى لحد ما تقومي بالسلامة!
همت "جنة" بالحديث ولكن أوقفها صوت زامور سيارة "سالم" التي توقفت أمام الباب الداخلي للقصر دون أن يلقي عليهم نظرة واحدة، مما أدى إلى زيادة غضبها، وللمرة التي لا تعرف عددها تمنت لو أنها لم تقابل ذلك الرجل أبداً! توجهت الفتاتان إلى الباب الداخلي للقصر لحضور أول غذاء لهم مع تلك العائلة، فبعد ما حدث لـ "جنة" أمر "سالم" بأن تلتزم السرير عملاً بتنبيهات الطبيب وأن تجلب لهم الطعام إحدى الخادمات في مواعيده.
ما إن أوشك الاثنان إلى الدلوف إلى داخل المنزل حتى ظهرت إحدى الخادمات التي قالت باحترام: "فرح هانم. سالم بيه مستني حضرتك في أوضة المكتب! تفاجأت من حديث الخادمة، ولكنها أوشكت على الرفض فهي لن تترك "جنة" تواجه هؤلاء الناس عديمي الذوق وحدها، ولكن جاء صوت "جنة" التي قالت لتطمئنها: "روحي يا فرح شوفيـه عايزك في إيه وأنا هدخل." فرح بصرامة: "لا طبعاً مش هينفع أسيبك تدخلي لهم لوحدك. أبقى أشوفه عايز إيه بعدين! حاولت
جنة تطمينها إذ قالت بهدوء: "أكيد مش هياكلوني يا فرح! وبعدين يا ستي ولا تزعلي نفسك أنا هستناكي هنا في الجنينة لحد ما تخلصي، كدا كدا لسه معانا وقت قبل معاد الغدا." حاولت فرح الاعتراض فبادرتها "جنة" القول: "خلاص بقى روحي أنا هشم شوية هوا على ما تخلصي معاه."
أذعنت فرح لاقتراحها وذهبت إلى حيث أشارت الخادمة، تاركة "جنة" التي أرادت التجول في تلك الحديقة الجميلة المليئة بالأزهار التي تلائم كثيراً تلك الأزهار الجميلة المنقوشة على فستانها الزهري الذي يلتف حول جسدها بنعومة، وخاصةً أن وزنها قد زاد بسبب الحمل مما جعلها تبدو أكثر جمالاً وأنوثة.
أخذت تتمشى بين الأزهار تشمها وتتلمسها غافلة عن مكان وجودها، وكان تفكيرها منصبًا على تلك الجنة المحيطة بها والتي تشبهها كثيراً، إلى أن أخرجها من عالمها الجميل صوت لهجة باردة محملة بالحقد: "أنتي بقي جنة! التفتت "جنة" تنظر إلى تلك الفتاة التي كانت ترتدي الأسود الذي يوازي نظراتها الحادة وهي تتقدم تجاهها بخطوات ثقيلة عكرت الهواء الصافي حولها، ولكنها حاولت التغاضي عن كل شيء وقالت بهدوء: "أيوا أنا جنة. أنتي مين؟
ناظرتها سما بغضب ممزوج باحتقار وهي تجوب بعينيها "جنة" من رأسها إلى أخمص قدميها قبل أن تقول بنبرة مسمومة: "أنا سما. بنت عم حازم وخطيبته! برقت عيناها للحظة من كلمتها الأخيرة التي جعلتها ترتـد خطوة إلى الخلف وهي تقول بعدم فهم: "نعم! خطيبته! أجابتها سما بلهجة تقطر حقداً: "أيوا خطيبته اللي دمرتي حياتها وخطفتي منها حبيبها وكنتي السبب في موته!
لا ومكفكيش كل دا دانتي بكل بجاحة جاية ترمي بلاكي علينا وتلبسينا عيل مش ابننا وكل دا عشان إيه! عشان تورثيه! "اخرسي! جاءت صرخة غاضبة جمدت الفتاة بمكانها وكأن دلواً من الماء المثلج سقط فوق رأسها، ولكن كانت مفاجأة "جنة" أكبر حين رفعت رأسها ورأت......
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!