كان جعفر في عالم آخر، الصدمة جعلته يصمت وكأنه في إحدى الأفلام الدرامية. وضعت بيلا يديها على فمها بصدمة وهي تنظر له. سقطت دموعه واحدة تلو الأخرى ثم أصبحت كالشلالات المنهمرة. صدره يعلو ويهبط بقوة وصوت أنفاسه عالية. لم يشعر بنفسه إلا وهو يسقط أرضًا ويصرخ صرخة عالية للغاية هزت المكان. صرخة مؤلمة مليئة بالجروح والوجع. شعر بنيران تنهش قلبه بكل وحشية وهو مازال يصرخ بحرقة.
فلم يكن يتوقع بأن يكون متورطًا في هذه الحقيقة القاسية. جلست بيلا على ركبتيها ووضعت راحتيها على كتفيه وهي تنظر له بدموع وحزن. بدء يبكي بقوة فهو لا يعلم ماذا فعل حتى يعاقب هكذا. فقد دمر جعفر من كل جهة. نهشت الحيوانات المفترسة لحمه بصعوبة ودون رحمة لتجعله في النهاية عبارة عن بقايا عظام. تحدثت بيلا بدموع وصوت مهزوز وهي تقول بحزن شديد: وحد الله يا جعفر دا نصيبهم وخدوه مش هتقدر ترجعهم تاني.
أزداد بكاء جعفر وأصبح يبكي بصوت عالٍ وهو يرفض الاستماع لمن حوله. نظرت بيلا لغزالة التي كانت تنظر له بحزن وتأثر ودموع حبيسة بملتقياتها. دلف منصف ولؤي وخلفهما بثوانٍ سراج الذي اقترب منهم وهو لا يعلم ماذا حدث. جلس منصف على ركبتيه من الجهة الأخرى ووضع راحته على كتف جعفر وهو يقول بتساؤل وقلق: في ايه جعفر ماله؟ نظر له ومال برأسه قليلاً وهو يقول: أهدى يا جعفر مالك؟ نظر سراج لغزالة وهادي وعلم بأنهما أخبرانه الحقيقة.
تحدثت بيلا بدموع وحزن وهي تنظر لمنصف قائلة: جعفر عرف الحقيقة... غزالة وهادي قالوله كل حاجه. نظروا لهما بصدمة فلم يكونوا يتوقعون بأن يخبرانه بالحقيقة. نظر منصف لهما وهو يشعر بالعجز ولا يعلم ماذا يفعل. نظر لؤي لبيلا وقال: قالوله ايه بالظبط خلاه بالحالة دي؟ نظرت له بيلا وهي لا تريد أن تقول شيئًا كهذا أمام جعفر حتى لا تزيد وجعه. ولكن قال لؤي بإصرار: بيلا جعفر عرف ايه عشان نعرف نتعامل معاه. نظر سراج لهما وقال:
تعالوا ورايا. خرج سراج ونظروا له ثم ذهب لؤي خلفه ونهض منصف وذهب خلفهما. بينما نظرت بيلا لجعفر وربتت على ظهره بمواساة وهي تقول بحزن: عشان خاطري يا جعفر أهدى انت بتأذي نفسك وانت مش حاسس. كان جعفر يستند بذراعيه على الأرض ورأسه عليهما ويبكي. فمالت بيلا برأسها نحوه وهي تتحدث معه عله يهدئ وهي تعلم بأنه لا يستمع إليها ولكن لا بأس فلتُحاول فحسب. في الخارج لؤي بصدمة: انت عرفت منين؟ نظر له سراج وقال:
مش وقته يا لؤي المهم دلوقتي هنهدي جعفر إزاي دا مش هيهديه حاجة غير الانتقام... جعفر لو فاق هيفوق على الكل ومش هيرحم حد. منصف: والحل دلوقتي لازم نهديه ونمشيه من هنا مينفعش يسمع أكتر من كده هيجراله حاجة. سراج بضيق: بعد الشر متقولش كده... لازم نحاول ولو مكانش كده هلجأ لحل تاني. منصف بتساؤل: واللي هو؟ نظر لهما وقال: يتخدر. في الداخل عادوا مرة أخرى وكان هو مازال كما هو. فأقترب سراج وجلس على ركبتيه بجانبه وهو يقول بصوت عالٍ
حتى يسمعه ويستجيب له: جعفر لازم تفوق يا صاحبي متدخلش نفسك في الدوامة دي انت مش قدها صدقني لازم تفوق يا جعفر. وضع جعفر يديه على أذنيه وهو يضغط عليهما حتى لا يسمعه. فحاول معه أصدقائه ولكنه أصر على ما هو عليه. فنظر لهما سراج وقال: للأسف هنلجأ للحل التاني. نظرت له بيلا وقالت بعدم فهم: حل إيه؟ نظر لها سراج وقال: هيتخدر. جحظت عينا بيلا بصدمة. فقال سراج: مفيش حل تاني جعفر لازم يتخدر لو سبناه كده هيودي نفسه في داهية.
صمتت بيلا قليلاً وهي لا تعلم ماذا تقول فهي تشعر بالقلق والخوف. فأخرجها سراج من دوامتها وهو يقول: يلا يا بيلا أكيد انت مش عايزة تشوفيه في حالة أسوأ من دي ولا إحنا كمان. نظرت بيلا لجعفر بدموع ثم نظرت له وحركت رأسها برفق رغمًا عنها وهي تقول: ماشي. أخرج سراج حقنة التخدير من جيب چاكته وقام بتجهيزها تحت نظرات بيلا الخائفة والتي قالت: ركز عشان متديهوش جرعة زيادة بالغلط يا سراج. تحدث سراج بتركيز وهو ينظر للحقنة قائلاً:
متخافيش. قام سراج بتجهيزها ونظر لمنصف ولؤي اللذان تحركا ووقف كل واحد منهما بجهة وحملا نصفه العلوي بقوة. وقال سراج: ثبتوه عشان ميتحركش. حاوطه منصف بقوة وقام لؤي بتثبيت ذراعه وحقنه سراج بها سريعًا تحت نظرات بيلا التي كانت تنظر لهم بحزن ودموع. ثم نظرت لجعفر الذي كان ينظر لها بعينيه الباكية والحمراء من يراه يشفق عليه. لحظات وبدأ جعفر يغيب عن الوعي تدريجيًا ونظره مُسلط على بيلا وكأنه يطلب منها عدم التخلي عنه.
تراخى جسده بأحضان منصف وفقد الوعي تحت نظراتهم. وقف سراج وقال: دا أنسب حل. سقطت دموع بيلا وهي تنظر له. بينما نظر سراج لغزالة وهادي للحظات ثم نظر لمنصف وقال: أنا هاخد جعفر معايا عنيكوا تكون مفتحة كويس أوي لأي حاجة تحصل لحد ما أتصرف أنا معاه. لؤي: أي جديد تبلغنا. نظر له وحرك رأسه برفق ثم اقترب من جعفر ومال بجزعه وهو يقول: قومه معايا يا منصف. لؤي بتساؤل: انت هتاخده إزاي؟ سراج: أنا عامل حسابي متقلقش. حمله
سراج على كتفه فقال منصف: على مهلك وأبقى طمني عليه. حرك سراج رأسه برفق ونظر لبيلا وقال: يلا! ألقت بيلا نظرة أخيرة على غزالة وهادي ثم نظرت لسراج بهدوء وعينان باكيتان وذهبت معه وتركوا غزالة وهادي كما هما. في منزل كيفن كانت كاثرين تجلس وهي شارده للحظات حتى أخرجها من شرودها اقتراب سميث منها وهو يقول: أتفكرين في الطعام؟ نظرت له كاثرين وأبتسمت قائلة: نعم... أشعر بالجوع. سميث: حسنًا... الطعام بالداخل لقد جلبته هذا الصباح.
أبتسمت كاثرين بجانبه وهي تنظر له قائلة: لما لم تخبرني سميث أنت تعلم بأنني جائعة وبشدة. نهضت وتركته وذهبت للمطبخ فنهض هو أيضًا ودلف خلفها وهو يقول: لا أعلم عزيزتي بأنك بكل هذا الجوع. لم تعره أي أهمية فأبتسم هو بجانبه ونظر للخارج ورأى سراج يدلف ويحمل جعفر على كتفه وخلفه بيلا. فخرج سميث من المطبخ إلى الخارج ورأى سراج يدلف فعقد حاجبيه وقال: ماذا يحدث ما الذي أصابه؟
صعد سراج للأعلى وخلفه بيلا التي كانت تجفف دموعها دون أن يتحدث. فصعد خلفه ليفهم ماذا حدث. بينما وضعه سراج على الفراش ودثرته بيلا جيدًا. فدلف سميث وهو يقول: ماذا حدث يا رفاق هل هو بخير؟ نظر سراج لبيلا وقال: متقلقيش ساعة ساعتين بالكتير أوي ويفوق. حركت رأسها برفق وهي تنظر لجعفر بحزن. فقال سراج: لو أحتاجتي حاجة ياريت تعرفيني. حركت رأسها برفق وهي تنظر له بهدوء: شكرًا يا سراج مش عارفة أقولك إيه. سراج بأبتسامة:
متشكرنيش ده أخويا المهم خلي بالك منه وأنا هاجي شوية كده وأتطمن عليه. حركت رأسها برفق وهي تنظر له بأبتسامة. بينما نظر سراج لسميث وتحرك متوجهًا للخارج وجذبه معه وهو يقول: هيا معي. أخذه وخرجا من الغرفة وأغلق الباب خلفه وترك بيلا مع جعفر الذي كان لا يعي لمن حوله. جلست بجانبه وهي تنظر له بهدوء ورغمًا عنها تذكرت ما حدث وسمعت صوت بكائه وصراخه بأذنيها وكأنه يعاد أمامها مرة أخرى.
زفرت بهدوء ثم نظرت له لثوانٍ قبل أن تنهض وتذهب. في الأسفل كانوا جميعهم مجتمعون ويستمعون له بحزن. تحدثت روزلين بتأثر قائلة: يا إلهي... لقد أشفقت عليه كثيرًا. كين بتساؤل: وهل هو بخير الآن؟ حرك سراج رأسه نافيًا وهو يقول: لا إنه ليس بأفضل حال. كيفن: هذا يعني بأنه وحيد في هذا العالم. سراج: نعم... مقتل أبويه سيسبب له مشاكل نفسية كثيرة صعب التعافي منها بسهولة. روزلين: إن أحتاج لشيء سراج أخبرني فحسب..
أنا أحببته من أول مرة جاء فيها لهنا. شعرت بأنني أتعامل مع ابني وليس رفيقك. صديقك بداخله شيء يجذبني إليه دائمًا. سراج... لا أعلم ما هذا الشيء، ولكن عندما أراه أشعر بشيء ما يجذبني تجاهه وأود أن أراه بخير دائمًا. يبدو لأنني فقدت ابني منذ سنوات عديدة. كلما رأيته أمامي أردت أن أعانقه. ولذلك أريد منك عندما يستفيق تخبرني. حرك سراج رأسه برفق وهو يقول: حسنًا... عندما يستفيق ستخبرنا زوجته. في الأعلى.
عادت بيلا مرة أخرى وبيدها صحن به مياه ومعها قطعة قماش. جلست على طرف الفراش ووضعت الصحن وقطعة القماش به، ثم جففتها جيدًا وبدأت تمسح بها على وجهه برفق وهي تزيل الأتربة من على وجهه ثم ذراعيه وراحتيه. وهي شارده تفكر فيما سمعته من غزالة، فهي تعلم بأن الحقيقة صعبة للغاية وعدم تقبلها ليس بالشيء الهين. ولكن تقبل جعفر لها ليس بالشيء الهين، فهي تعلم بأنه متهور ودائمًا يفعل ما يطيح به إلى الهلاك. زفرت بهدوء ونظرت له بشرود وهي تشعر بأنها يجب عليها أن تفعل شيئًا ما من أجله، فيجب عليها مساندته ودعمه حتى وإن كان صعبًا عليها، ستتحمل من أجله الصعاب. انتهت بيلا ودثرته مرة أخرى وأخذت الصحن وذهبت وتركته حتى يستفيق.
في الحارة. نظر لؤي حوله بهدوء بينما كان منصف جالسًا بجواره ويمسك بسيجارته وينظر بهاتفه. تحدث لؤي وهو ينظر للمارين قائلًا: ملهاش طعم من غيره. تحدث منصف بعد ثوانٍ وهو يقول: ومين سمعك... وحشني صوته اللي كان مسمع في الحارة أربعة وعشرين ساعة. تحدث لؤي وهو يبتسم بجانبيه ويقول بسخرية: أتمنى يكونوا ارتاحوا... أهو سابها خالص وبقى لا حول بيه ولا قوة... المصايب نازلة على دماغه من كل مكان وكأن الدنيا بتعاند معاه. منصف: تعرف...
لو جعفر اتغير هتتغير حاجات كتير أوي وحياته هتبقى أفضل بكتير. نظر له لؤي وقال: تقصد إيه يا منصف؟ نظر له منصف وقال: يا عم لا مش قصدي... قصدي أنه بعد ما عرف الحقيقة أكيد مش هيسيب نفسه كدا. لؤي: وانت فكرك جعفر هيقتنع بالسهولة دي... جعفر عنيد وأنا وانت عارفين كدا... صعب تقنعه بأي حاجة يا منصف. منصف: حبة ضغط مننا ومن مراته هيخليه يعيد تفكيره مرة ثانية ويشوفها من زاوية ثانية. أعتدل لؤي بجلسته وأستند بظهره على
ظهر المقعد الخشبي وقال: أتمنى يحصل... أنا هتمناله كل خير والله دا أخويا قبل ما يكون صاحبي، واكلين مع بعض عيش وملح من صغرنا، دا الناس بتحسدنا على صداقتنا. منصف: هي كدا دايمًا يا لؤي... شوية تبقى معاك... وشوية تبقى عليك... مش ثابتة على قرار للأسف، وهو أكيد ربنا هيعوضه وهيرزقه، جايز يلاقي شغلانة كويسة... أو ربنا يهديه... أو يرزقه بالذرية الصالحة، هو ونصيبه اللي مكتوب هياخده. زفر لؤي وهو أمامه بهدوء وقال: على رأيك...
ربنا ييسر له الحال. مر اليوم سريعًا حتى حل المساء. دلفت بيلا الغرفة ورأته مستيقظًا... يجلس على الفراش وينظر أمامه بشرود، حتى أنه لم يشعر بها وهي تقترب منه وتجلس أمامه على طرف الفراش. نظرت له بهدوء وهو ينظر أمامه، فزفرت بهدوء ومدت يدها ووضعتها على ذراعه وهي تقول بصوت هادئ: كويس. نظرت له تنتظر إجابته عليها، ولكن قابلها الهدوء. فقالت من جديد:
إنت على لحم بطنك من الصبح ومأكلتش حاجة والساعة دلوقتي حداشر ونص بليل، أجيب لك حاجة تاكلها!
لم يصدر منه رد فعل أيضًا، فأقتربت منه بجسدها حتى أصبحت قريبة منه وعانقته وهي تمسد على ظهره بحنان دون أن تتحدث. أدمعت عيناه، حاول جاهدًا أن لا يبكي، ولكن خانته دموعه لتسقط على كتفها كالشلالات المنهمرة، وحاوطها بذراعيه وهو يضع رأسه على كتفها. فأدمعت عيناها وربتت على ظهرها بمواساة. القليل من الوقت مروا، كان هو يبكي بهدوء وهي تواسيه. حتى سمعته يقول بصوت باكٍ: طلعت يتيم بعد العمر دا كله يا بيلا...
الست اللي عشت معاها عمري كله دمرتني أشد تدمير ممكن الإنسان يدمر بيه إنسان... عايش طول العمر دا مخدوع ومضحوك عليا، طب ذنبي إيه... طب أنا بتعاقب على اللي عملوه دلوقتي... وياريتهم ماتوا موتة ربنا... ماتوا مقتولين... ذنبي إيه يارب وذنب أختي إيه... عملنا إيه عشان يحصل فينا كدا... عصيتك في إيه يارب عشان أتعاقب العقاب دا، أنا معملتش حاجة تغضبك مني... حاسس إحساس وحش أوي...
عارفة لما تتفرجي على فيلم وتشوفي واحد بيشيل قلب واحد من مكانه بعزم ما فيه... أنا قلبي اتشال بنفس النظام بس اتعذب قبل ما يترحم... غلطته اللي عملها اللي ممكن كانت هتغير كل حاجة، مفكرش في عواقبها قدام... مفكرش فيا ولا في مها... عايش مع ناس مش أهلي ولا من دمي... كل واحد بيحرك فيا شوية زي اللعبة... أنا أمك يا جعفر... أنا اللي بطني شالتك، جاي بعد دا كله تزعلني منك بالشكل دا... تضرب في بطنها بسيف البعيدة اللي دمرتني...
أبسط حقوقي مأخدتهاش... لو كنت حتى معايا إعدادية كانت هتبقى أهون من مفيش، على الأقل هعرف أقرأ لي كلمتين... أنا مليان جروح يا بيلا متداواش حتى لو مر عليها سنين... بس أنا اتظلمت في كل حاجة واتحرمت من كل حاجة... ياريتها كانت قتلتني معاهم ولا عيشت لحد اليوم دا. تحدثت بيلا وهي تعنفه قائلة:
بعد الشر عليك إيه اللي بتقوله دا يا جعفر، لا متقولش كدا أبدًا. إنت مكتوب لك عمر هتعيشه، لو كان عمرك خلص كان وجب قضاء ربنا، بس ربنا لسه مديك عمر... اللي ربنا بيبتليه كدا يا جعفر بيكون بيحبه أوي وليه مكانة كبيرة أوي عنده... ممكن تتظلم في الدنيا دي كتير أوي... بس يوم القيامة لما تقف قدام اللي ظلمك هتلاقي حاجة ثانية خالص... هتلاقي أن ربنا خد لك حقك منه... لو دعيت دلوقتي هيستجاب عشان دعوة المظلوم دايمًا مستجابة...
أنا عارفة قد إيه الامتحان دا صعب عليك ومش سهل، بس أنا واثقة أن ربنا هيعوضك خير عن كل حاجة وحشة حصلت في حياتك وهياخد لك حقك... بس لازم تديله حقه هو كمان ومتنساهوش، ووقت ما يرزقك بنعمة حلوة قول الحمد لله يارب على نعمتك التي أنعمت علي بها... صدقني حياتك هتتغير بطريقة غير طبيعية لو خدت خطوة صح لقدام. شد جعفر من احتضانه لها وهو يقول بصوت باكٍ:
إنتِ النعمة الحلوة الوحيدة اللي في حياتي يا بيلا واللي بشكر ربنا عليها كل يوم... أنا مش عايزك تسيبيني، أنا محتاجك أوي الفترة دي... محتاج أترمي في حضنك وتعرفيني الصح من الغلط... مش عايز أكمل حياتي على نفس النمط، أنا مش حابب نفسي. مسدت على ظهره بحنان وقالت بحب: أنا جنبك وقت ما تيجي هتلاقيني مستنياك بصدر رحب حتى لو هتتكلم كلام مش مفهوم... أنا معاك في أي حاجة، وقت ما تقول حاجة هقول لك عنيا ليك. أخذ نفسًا عميقًا
ثم زفره بهدوء وقال: ربنا يخليكِ ليا يا حبيبتي. ابتسمت بيلا وقالت بمرح: ويخليك ليا يا دكري. ابتسم جعفر بخفة وأبتعد عنها، فنظرت له بابتسامة ثم مدت يدها ومسحت دموعه بأطراف أصابعها وهي تقول: كفاية دموع بقى، اللي حصل حصل خلاص، نقفل الماضي ونبص للمستقبل... اتفقنا. حرك رأسه برفق فقالت هي: قولي بقى يا ترى هتاكل ولا لسه مصمم متأكلش. ابتسم جعفر وقال: لا هاكل عشان جعان. ابتسمت بيلا وقالت:
ماشي يا سيدي، استنى هروح أجيب لك الأكل وأجي، بس أوعى تنام ها، إنت حر. أردفت بها بتحذير وهي ترفع سبابتها وتتجه للخارج، وعلى ثغرها ابتسامة خفيفة، فأبتسم هو وحرك رأسه برفق وقال: حاضر. اتسعت ابتسامة بيلا وتركته وخرجت، بينما نظر هو لأثرها ثم زفر وعاد بظهره يستند على ظهر الفراش وهو ينظر للسقف بشرود. بعد مرور أسبوع. كان جعفر واقفًا بالخارج وهو يستند بنصفه الأيمن على الشجرة وينظر حوله بهدوء، حتى اقتربت منه بيلا بهدوء
ووقفت بجانبه وهي تقول: إنت ناسي حاجة مهمة أوي يا باشا. نظر لها جعفر نظرة ذات معنى، فقالت هي: أنا منزلتش الجامعة وفات أسبوعين. أغمض جعفر عيناه فقد نسي تمامًا أمرها. فتح عينيه مرة أخرى ونظر لها وقال: فاتك كتير. أغمضت عينيها قليلًا وهي تقول: مش أوي يعني. حرك رأسه برفق ونظر أمامه قائلًا: هوديكِ حاضر. بيلا: طب كنت عايزة أسألك سؤال كدا يعني بس مش عارفة أقولهولك إزاي. نظر لها جعفر وقال بهدوء: متقلقيش، أنا هتصرف.
نظرت بيلا للأسفل بحرج، فقال هو: المهم جهزي نفسك... هتروحي إمتى بقى. بيلا بهدوء: بكرة. حرك رأسه بتفهم وقال: جهزي نفسك وسيبي الباقي عليا، وأي حاجة نفسك فيها متحرميش نفسك منها ومتخبيش عليا برضوا عشان هضايق أوي ساعتها... أنا المسئول عن مصاريفك مهما كانت. حركت رأسها برفق ولم تتحدث، فأعتدل هو بوقفته وقال: أنا هروح مشوار كدا وراجع. بيلا بهدوء: هتروحلهم. نظر لها ولم يتحدث، فقالت هي: ناوي تاخد خطوة. حرك رأسه برفق
وهو ينظر لها بهدوء وقال: مش هينفع أفضل ساكت كدا... عايز أعرف أكتر. بيلا: وهتواجه البت دي إزاي؟ ممكن تعمل أي حاجة من غير ما تاخد بالك يا جعفر. جعفر: خير إن شاء الله، مش عايزك تخافي، أنا هتصرف، بس عايزك تدعي لي. مد يده وأمسك بيدها ووضعها على موضع قلبه وهو يقول: مدمر. نظرت له بيلا وقالت: هيتصلح ويرجع زي الأول... حتى لو كان فتافيت... في إيدك ترجعه أحسن من الأول كمان. حرك رأسه نافيًا وهو يقول: مظنش...
اللي بيتكسر عمره ما بيتصلح يا بيلا... أنا عيشت بيه مشروخ طول السنين اللي فاتت دي... لحد ما جه اليوم اللي كان زي النهارده من أسبوع واتكسر... مش هيرجع صدقيني... أنا عارف أنا بقولك إيه وعارف نفسي كويس أوي. زفرت بهدوء ونظرت له بعينان لامعتان، بينما كان هو ينظر لها بهدوء. ربتت على موضع قلبه وهي تقول: هيرجع عشان خاطر بيلا... هيرجع صدقني. نظر جعفر للأسفل واكتسى الحزن وجهه، فأقتربت هي منه وعانقته قائلة:
أنا متفائلة خير صدقني. عانقها جعفر وهو ينظر للفراغ دون أن يتحدث بحرف واحد. في منزل والده سراج. كانت مها تحاول الوصول إلى جعفر على مدار الأيام التي مضت في محاولة فاشلة منها، مما جعلها تحزن كثيرًا. كانت تجلس على الأريكة وهي تنظر للفراغ، حتى فتح الباب ودلف جعفر وهو ينظر لها بابتسامة قائلًا: قالوا لي أني واحشك. نظرت له مها ولم تصدق عينيها، فقال هو بابتسامة وهو يفتح ذراعيه لها: مستنية إيه.
أدمعت عينا مها ولم تنتظر كثيرًا حتى نهضت وأقتربت منه سريعًا وأرتمت بأحضانه. عانقها جعفر بحب وبادلته مها ذلك وأكثر، فقد اشتاقت له كثيرًا وسعدت عندما رأته أمامها مرة أخرى. طبع جعفر قبلة على خدها وهو يقول: وحشتيني أوي يا مها. شدت مها من عناقها له وهي تقول: وإنت أكتر يا جعفر... وحشتني فوق ما تتصور. ربت جعفر على ظهرها بحنان ثم ابتعدت هي عنه بهدوء وهي تنظر له، فنظر لها جعفر قليلًا ثم قال: حاسك متغيرة. مها:
عشان مبقتش جنب جعفر... بعدت عن الشخص اللي عايشة معاه حياتي كلها لظروف معرفهاش... بقيت أشوف أخويا صدفة، متخيل بعد ما كان قدامي أربعة وعشرين ساعة. نظر لها جعفر بحزن وقالت هي: أنا مش فاهمة حاجة ومعرفش إنت بتعمل إيه ومبعدني ليه عنك، أنا عملت إيه عشان تحرمني من وجودك وإنت لسه عايش... بتعمل كدا ليه بجد يا جعفر، أنا مش فاهماك. أردفت بجملتها الأخيرة وهي تنظر له بعينان دامعتان، بينما نظر هو لها بتأثر وقال بنبرة حزينة:
عشان خايف عليكي يا مها... إنتِ اللي بقيتي لي في الدنيا دي، مش عايز أخسرك في أي وقت... كل اللي بعمله دا عشان خايف عليكي صدقيني، إنتِ مش عارفة حاجة. مها: طيب عرفني... أنا قدامك أهو وبقولك عرفني يا جعفر، أنا محتاجة أعرف. نظر لها للحظات وادمعت عيناه، بينما كانت هي تنظر له بتعجب وهي تقول: في إيه يا جعفر، إنت هتعيط.
أغمض جعفر عيناه وهو يزفر بقوة، فهو لا يعلم ماذا سيقول لها، فهو يشعر بالحيرة ولا يعلم ماذا ستفعل هي عندما تعلم شيئًا كهذا. نظر لها جعفر وعندما جاء كي يتحدث شعر بأن شيئًا قد ألجم لسانه ليمنعه عن الحديث لسبب غير معلوم. بينما نظرت له مها وقالت: قول يا جعفر، كنت هتقول إيه ورجعت في كلامك فيه. مسح جعفر على وجهه وهو يزفر قائلًا بحيرة: مش عارف يا مها... مش عارف أتكلم ومش عارف أقولك إيه. مها بتشجيع:
قول حتى لو الكلام مش داخل في بعضه، أنا هفهمك بس اتكلم. عدة طرقات على باب الغرفة قطعت جعفر عن الحديث. نظرا للطارق ولم تكن سوى بيلا التي دلفت وأغلقت الباب خلفها وتقدمت منهما. نظرت لها مها وقالت: أزيك يا بيلا. عانقتها بيلا وهي تقول بهدوء: الحمد لله، طمنيني عليكي. ابتعدت عنها ونظرت لها قائلة: كويسة الحمد لله. نظرت بيلا لجعفر الذي نظر لها وقالت: جيت في وقت مش مناسب ولا إيه. حرك جعفر رأسه برفق وهو يقول:
لا بالعكس، جيتي في أنسب وقت... أنا مش عارف أفتحها إزاي. نظرت مها لهما وقالت: في إيه، حصل حاجة، إنت تعبان... ماله يا بيلا. نظرت بيلا لجعفر الذي مسح على خصلاته للخلف وهو لا يعلم كيف سيقول ذلك، فسمع مها تقول: في إيه يا جماعة، أنا خوفت على فكرة. ثم نظرت لبيلا وقالت: في إيه يا بيلا، جعفر في حاجة وجعاه صح، عشان كدا خايف يقول.
سقطت دموع جعفر وهو ينظر لها وشعر بألم قلبه يعود من جديد، فمهما حدث لا يملك الشجاعة الكافية لإخبارها بهذا الخبر القاسي، فنظر لبيلا علها تنقذه هي، وفهمت هي نظرته، فنظرت لمها بقلق وضغطت على يديها وهي تقول بترقب: بصي يا مها، بصراحة هو حصل حاجة كدا... جعفر خايف يقولهالك عشان خايف عليكي بعدها... وفي نفس الوقت الحاجة دي وجعاه ومعلمة جواه لسنين قدام. مها بترقب: في إيه... تعبان طيب وخايف يقول صح. بيلا بترقب:
هو الموضوع أكبر من التعب بكتير... في الحقيقة اليومين اللي فاتوا مكانوش أحسن حاجة بالنسبة لجعفر... جعفر كان مبعدك عنه لسبب، جه الوقت إنك تعرفيه. نظرت لها مها باهتمام وقالت: واللي هو. ابتلعت بيلا تلك الغصة ونظرت لها وقالت بترقب: جعفر عرف الحقيقة. عقدت مها حاجبيها وهي تقول بعدم فهم: حقيقة إيه معلش؟ نظرت بيلا لجعفر بتوتر ثم نظرت لها وقالت:
في ناس كتير أوي ضد جعفر وبيحاولوا زي ما بيقولوا ينتقموا منه لسبب أحنا مش عارفينينه لحد دلوقتي... وجعفر ضغط على اتنين منهم وقالوا له الحقيقة... قالوا له أن جميلة مش أمكم، الحقيقة وخداكوا كأنتقام منكم، وباباكوا ومامتكوا في الأصل ميتين من زمان... من أيام ما كنتوا صغيرين لسه، والسبب في دا مراته الأولانية.
باباكي اتجوز مامتك على مراته الأولانية من غير ما يعرف وهي اكتشفت بالصدفة إنه متجوز بعد ما شكت فيه وفيها لأنهم كانوا صحاب أوي. والموضوع اتطور وطلع ليكوا أخت من الست الأولانية دي اسمها علياء. اللي هي بتهدد جعفر كل شوية بأنها هتنتقم منه. جحطت عينان مها وهي تنظر لها بصدمة وعدم تصديق. بينما نظرت لها بيلا بحزن. ثم نظرت لجعفر وقالت بعدم تصديق وصدمة: الكلام دا بجد؟
نظر لها جعفر بحزن شديد وعينان دامعتان وهو لا يستطيع أن يجيبها. فقالت مها بحده ودموع: الكلام دا بجد يا جعفر. اتكلم متسكتش. قولي لأ يا مها مش صح وإن بيلا بتحور وبتعمل فيكي مقلب. قولي مش صح. قول إن جميلة أمنا يا جعفر وإن بيلا بتكدب. عندما لم تجد منه رد صرخت به قائله ببكاء: رد يا جعفر ساكت ليه؟ رد وقولي أيوه يا مها كدب وبعمل فيكي مقلب ولا بتهزر معايا زي ما متعود تهزر معايا. سكوتك بيأكدلي كلامها.
سقطت دموعه الحارقة على وجنتيه لتحرقه مثلما تحرق قلبه من الداخل. هي لا تعلم كيف يتم تعذيبه الآن. لا تسمع صراعاته العنيفة وصراخته الداخلية. لا تعلم كم المعارك التي تطوح بداخله. لا ترى سوى الهدوء فقط. لكن لا ترى ما خلفه. فخلفه براكين متفجرة. أقترب منها وضمها لأحضانه وسقطت دموعه رغمًا عنه. بينما كانت هي في حالة من الصدمة والذهول الشديد. شدد هو من احتضانه لها وهو يقول بصوت باكٍ: يعز عليا أقولك كدا. بس للأسف هي دي الحقيقة.
جميلة لا هي أمنا ولا احنا من لحمها ودمها. احنا منفنهاش غير أنها أمنا زي ما كانت عاوزه تقولنا. حقك عليا بس انت لازم تعرفي زي ما انا كان لازم أعرف الحقيقة. أنا عارف أن الحقيقة مرة بس لازم نتقبلها يا مها. أنا مجروح زي ما انت مجروحة برضوا ومقهور أكتر منك. بس لازم نتقبل الحقيقة مهما كانت أيه هي. تحدثت مها وهي تبكي قائلة: وأنا ذنبي أيه أتحرم من أمي؟ ذنب أيه أتيتم؟ نظر لها جعفر ومسح دموعها بيديه وحاوط وجهها بيديه وهو ينظر
لها بعينان باكيتان وقال: مش ذنبك لوحدك يا مها. أنا محروق زيني زيك وأكتر. أنا دلوقتي يعتبر هادي. أنا أول ما عرفت كل حاجة مسكتش غير بحقنة مخدر. متخيلة أنا عملت أيه يا مها يوميها. بيلا مسابتنيش وفضلت جنبي وقعدت تهون عليا وتواسيني. عشان أقدر أواسيكي أنا كمان دلوقتي وأهون عليكي. أنا جيت أعرفك عشان انت لازم تعرفي الحقيقة. سقطت دموعها أكثر وهي تبكي بحرقة. فعانقها هو وربت على ظهرها بحنان وسقطت دموعه أكثر.
بينما كانت تنظر لهما بيلا بعينان دامعتان وحزن وهي تشعر بالعجز. في الخارج. تحدثت والدة سراج بتأثر وهي تقول: لا حول ولا قوة إلا بالله. صعبان عليا والله. طب أقف جنبه يا سراج ومتسبهوش يا حبيبي لوحده. سراج: عيب عليكي يا أمي. أنا مش هسيبه مهما حصل دا أخويا. والدة سراج بحزن: دي أخته اللي بتعيط كدا. حرك سراج رأسه برفق وهو يقول بهدوء: للأسف. زفرت والدة سراج بحزن وقالت: خليه ييجي يا ابني ويجيب أخته معاه. أنا عايزة أتكلم معاهم.
حرك رأسه بتفهم ونهض وتركها وذهب لهم. بينما كان جعفر مازال يضم مها ويحاول تهدئتها بشتى الطرق. دلف سراج لهم ونظر لجعفر ومها بهدوء وقال: جعفر. ألتفت جعفر إليه ونظر له. بينما قال سراج: هات مها وتعالى. ماما طالبة تقعد معاكوا. نظر جعفر لمها للحظات بهدوء ولم يتحدث. خرجوا لوالدة سراج التي كانت تجلس بهدوء على المقعد وتنظر لهم بابتسامة. وقف جعفر الذي كان يضم مها لأحضانه وبجانبه بيلا وسراج ونظر لها. أتسعت ابتسامة والدة سراج
ومدت يدها لمها وهي تقول: تعالي يا بنتي. نظرت لها مها ولم يصدر منها رد فعل. شعرت بيد جعفر التي ضغطت بخفة على ذراعها. رفعت رأسها ونظرت له. ثم أقتربت من والدة سراج وأرتمت بأحضانها. ربتت والدة سراج على ظهرها بحنان وهي تقول: الوجع والحقيقة صعبين أوي أنا عارفة. وعارفة أن فراق الأم صعب بس هي دي سنة الحياة ومنقدرش نعمل حاجة غير أننا نتقبل الحقيقة. أنا مش هعرف أعوضك عنها بس هحاول ولو حاجة بسيطة.
نظرت لجعفر وفردت ذراعها الأيسر له. فربت سراج على ظهره برفق وأقترب جعفر منها وجلس بجانبها أيضًا. ربتت هي على ظهره بحنان وقالت: انت ابن حلال وطيب وجدع وشهم. سراج دايمًا بيحكيلي عنك وبيعد يمدح فيك وبيحبك أوي. سراج عمره ما بيتكلم عليك غير بالخير. وعشان كدا حبيت أشوفك وأعرف مين جعفر دا اللي سراج عمال يحكيلي عليه دا. وطلع بسم الله ما شاء الله عليه. شاب زي القمر. أنا عارفه أن الأيام جت عليك زيادة عن اللزوم.
بس ربنا هيعوضك إن شاء الله صدقني. وأنا اعتبروني أمكوا. أنا آه مش قد المقام بس نمشيها. أردفت بجملتها الأخيرة بمرح وهي تنظر لهما بابتسامة. فابتسم جعفر وهو ينظر لها وطبع قبلة على رأسها وهو يقول: ولو... قد المقام وزيادة... كفاية أنك هتكسبي في اتنين أيتام ثواب. والدة سراج بابتسامة: انتوا ولادي زيكوا زي سراج بالظبط. سراج: لا معلش أنا معترض. نظروا له فأكمل هو وقال: أنا مبتعاملش المعاملة دي الست دي بتضحك عليكوا.
ابتسم كل من جعفر ومها وبيلا. بينما نظرت له والدته وقالت: هي بقت كدا يا سراج؟ طب مفيش عشا ليك بقى؟ أنا هعشي جعفر ومها والبت العسل دي وانت روح شوفلك حاجة تاكلها بقى. نظر لها جعفر وقال بابتسامة: طب دا هيوفر كتير أوي. نظرت له والدة سراج وقالت بابتسامة: وانا بقول كدا برضوا. ضحكوا بخفة. فقالت هي: بالمناسبة الحلوة دي وبكرا إن شاء الله أول يوم رمضان أنا عاملالكوا فطار بصوا مصروف عليه وبزيادة. نظرت لها مها وقالت:
ليه فطار إيه دا؟ نظرت لها والدة سراج وقالت: أصل دا سر بس هقولهولك برضوا. أنا قولت بما أن بكرا أول يوم فلازم الفطار الرئيسي بتاع كل بيت مصري فعملت بقى جريمة. نظرت لهم جميعًا وقالت بخفوت: أنا جبت فراخ بس أوعوا تقولوا لحد. ضحكوا جميعًا عليها. بينما قالت هي: دا سر، أنتوا عارفين الفراخ وصلت لكام النهاردة؟ جعفر بابتسامة: عارفين بس مش كله هيجازف. والدة سراج بابتسامة:
أنا قولت أجازف بقى وأهو فرصة فهغذيكوا بكرا بقى لحد ما تقولوا حرام عليكي أرحمينا. ربت جعفر على يدها بحنان وقال بابتسامة: ربنا يخليكي لينا ولسراج. والدة سراج بابتسامة: حبايبى أنتوا شباب زي الورد ما شاء الله عليكوا... هو الزمن كدا بس ربنا هيعوضكوا والله. حرك رأسه برفق وهو يقول بهدوء: الحمد لله. سراج: طب بمناسبة أن بكرا أول يوم رمضان تعالى ننزل نقعد شويه على القهوة. تحدثت بيلا بتساؤل وهي تقول: وايه علاقة القهوة برمضان؟
نظر لها سراج وقال: ما إحنا بنقعد عليها بالنهار هو عارف بقى. نظرت بيلا لجعفر نظرة ذات معنى. والذي نظر لها وقال: لا مش اللي في دماغك دا بيودي الواحد في داهية وهو قاعد. والدة سراج: متاخديش بكلام سراج عشان بيوقع الدنيا في بعض. نظرت بيلا لسراج بطرف عينها وقالت: شكلك مش هتسكت غير لما جعفر يتدخل. نظر سراج لجعفر الذي كان ينظر له نظرة ذات معنى. فقال: لا وعلى إيه خلينا كدا حلوين أحسن. ضحكوا بخفة.
وضمت والدة سراج مها وجعفر لأحضانها وربتت على ظهرهما بحنان وحب. بعد مرور القليل من الوقت. كان جعفر يسير برفقة سراج في الشوارع المليئة بالزينة والأطفال يركضون هنا وهناك وصوت المفرقعات يدوي بالمكان، هنا صوت أغاني رمضان تنبع من الراديو والتلفاز لتطبّط على قلبك وهنا صوت ضحكات نابعة من القلب مع العودة للخلف بالذاكرة وتذكر المواقف الطريفة. تحدث سراج وهو ينظر أمامه قائلًا: وحشتك الأيام دي؟ جعفر: أنا وحشاني الحارة أوي. سراج:
هننزلها قريب يا صاحبي ونعيد على أهل حتتنا بطريقتنا. ابتسم جعفر وهو ينظر حوله وهو يسير بجواره. جلسا على القهوة وثنى أكمام قميصه الأبيض وهو ينظر للمارين. نظر له سراج وقال: تشرب إيه يا معلم؟ نظر له جعفر وقال: قهوة عشان محتاج أفوق. حرك سراج رأسه برفق. ثم طلب الشاب الذي جاء وهو يقول: حمدلله على السلامة يا معلم سراج، عاش من شافك. سراج بابتسامة: عامل إيه؟ الشاب بابتسامة: الحمد لله بخير يا معلم. نقل نظره لجعفر وقال بذهول:
معلم جعفر بنفسه هنا! يادي النور يادي النور. ابتسم جعفر وهو ينظر له. بينما قال سراج: دا إيه الاستقبال الجامد دا؟ الشاب بابتسامة: دا المعلم جعفر سيد المعلمين، دا أنا اتعلمت الرجولة والشهامة منه، دا كل اللي أنا فيه دا بفضله خيره عليا. جعفر بابتسامة: إيه الكلام الحلو دا... أنا حاسس إني معملتش كل دا. الشاب: ممكن متحسش بس أنا حاسس... أنا شفت بصراحة منك كتير... وانت طيب وتستاهل يتقال في حقك كلمة حلوة.
سعد جعفر من داخله رغم هذا الدمار الذي يحاوطه، ولكن يبقى عوض الله موجود، والأهم من ذلك هو جبر الخواطر. الشاب بابتسامة: تشرب إيه يا سيد المعلمين؟ جعفر بابتسامة: هات اتنين قهوة. نظر لهما الشاب وقال بابتسامة: عنيا. تركهما الشاب وذهب. بينما نظر سراج لجعفر بابتسامة وقال: أيوه يا جامد سيرتك مسمعة في كل حتة أهو بالحلو أفرح بقى. ابتسم جعفر بخفة وقال: الحمد لله. ربت سراج على يده بمواساة وهو ينظر له بابتسامة.
وابتسم جعفر بخفة وهو ينظر له. في منزل والده سراج. كانت بيلا تجلس مع مها وهي تنظر لها قائلة: كان لازم تعرفي يا مها... أنا عارفه أن الموضوع صعب ويوجع بس لازم نتقبله... دي سنة الحياة... أدعيلهم في الأيام المباركة دي... هما محتاجين دعاكي. نظرت لها مها بدموع وقالت: تعرفي يا بيلا... أول مرة أحس إني مكسورة بجد... جعفر مكانش بيحسسني بالإحساس دا أبدًا... كان هو عنده استعداد يتحمل الوجع دا ولا يخليني أتحمله أنا...
جعفر ضهري وسندي... والراجل بتاعي اللي بتحامى فيه وأجري عليه... جعفر عيلتي وعزوتي... كان يتحمل كلام الناس عليه... انت فاشل... انت جاهل... انت مبتفهمش... كان بيتحمل كل الكلام المؤذي دا ويفضل ساكت وكاتم جواه ويشوفك كأن متقالهوش حاجة ويبتسم في وشك ويضحك ويهزر بعدها... أنا يمكن بعد كلام كتير معايا ومع الست اللي اتضحك علينا منها وافقت إني أتعلم... نزل شغل عشان يوفر مصاريف تعليمي... عشان مبقاش زيه...
كان بيشتغل كذا شغلانة مع بعض ويتذل لدا ويتهان من دا ويتحوج لدا عشان خاطر يوفر مصاريف تعليمي... كان دائمًا يقولي عايز أشوفك أحسن مني يا مها... عايز أتشرف بيكي وسط الناس إنك تبقي حاجة كويسة... جعفر شاف كل الوحش اللي في الدنيا... ومعرفش يشوف الحلو غير وهو معاكي... يوم ما اتجوزك كان طاير من الفرحة... كنت أول مرة أشوفه بالسعادة دي... وأنا فرحت لفرحته ساعتها أكيد مش هتمنى لأخويا الشر وأكرهله الخير...
ودلوقتي أنا وهو بنتجرح سوى ومش عارفين نواسي بعض ونطبطب على بعض... صعبان عليا أوي وحاسة إني مش عارفة أعمله حاجة تبينله قد إيه زعله فارق معايا وواجعني... مش عايزاه يشوفني بصورة أنا مش عايزاه يشوفني بيها. ربتت بيلا على يدها وهي تنظر لها قائلة بابتسامة خفيفة ودموع: لا يا مها متقوليش كدا... جعفر عمره ما كان كدا ولا هيكون... جعفر أطيب من كدا بكتير وعمره ما يفكر كدا...
كلنا بنمر بظروف صعبة ومحدش فينا مرتاح كلنا تعبانين بس تعب كل واحد مش زي التاني... جعفر راجل بمعنى الكلمة... كل مدى بتثبتيلي إني خدت الإنسان الصح... وهو بيكبر في نظري كل شوية وبشوفه الراجل الوحيد اللي على الكوكب ومفيش منه اتنين... الفلوس مش كل حاجة... المواقف والأفعال بتبين معادن الناس وأنا مبسوطة أنه جوزي زي ما انت مبسوطة إنه أخوكي... ربنا يخليه لينا لأننا فعلًا من غيره ولا حاجة وهو الضهر اللي أنا وانت ساندين عليه...
أدعيله يا مها... أدعيله كتير. نظرت مها ليديها وهي تقول بدموع: بدعيله على طول... هو يستاهل أكتر من كدا بكتير... وأنا هفضل أدعيله لحد ما ربنا يعوضه عن كل الصعب اللي شافه في الدنيا دي. ربتت بيلا على يديها وهي تنظر لها بابتسامة ثم عانقتها بحب وبادلتها مها عناقها. بعد مرور الوقت. دقت الساعة الثانية عشر منتصف الليل.
دلف جعفر من الخارج وأغلق الباب خلفه بعدما أعطاه سراج مفاتيح منزل كان يمتلكه ولكن أعطاه له حتى يتحسن وضعه قليلًا. دلف الغرفة وأغلق الباب خلفه وألتفت ووقف مكانه وهو ينظر لها بصدمة وعدم تصديق.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!