الفصل 106 | من 129 فصل

رواية جعفر البلطجي الفصل 106 - بقلم بيسو وليد

المشاهدات
17
كلمة
7,196
وقت القراءة
36 د
التقدم في الرواية 82%
حجم الخط: 18

يا ربة الحسن في الأفياء والدّيّم، هل لي إلى وصلك المأمول من سبيل؟ مررت بالحي والأحباب قد رحلوا، فاستوقفتني طيوف الوجد والذكر. رأيت ظبيًا تسامى في خمائلها، كالغصن يمشي تهاديًا على مهل. ناديتُها والهوى نارٌ تؤججني، يا ذات الطرف هل تسمعين مرتهلي؟ قُل للعاشق وهل لدواء العشق من دواء؟ وكيف لعاشق أن يتعافى من داء العشق بعد أن أسلمه نفسه بكامل الرضا؟

غريب هذا العاشق الوهان، فبرغم ما يعانيه من لهيب الشوق، فما زال يتلذذ بلذة هذا الشعور حتى وإن كان مؤلم. وكيف الضالين يلتقوا سويًا، والقلوب معلقة كالذبيحة النازفة.

كان بحبها مدمن وقلبه كالذبيحة النازفة معلق، لا قدميه تلامس الأرض ولا يستطيع الرفرفة بجناحيه في السماء كالطيور الحرة، فكان حبها في بادئ الأمر كما العالم الوردي، صعب الوصول إليه، فكان هو في قاع الأرض وهي في الأعلى وبينهما مسافة كبيرة من الصعب قطعها، فإن مد يده عاليًا كي تنتشله، فلن يستطيع الوصول إليها مهما حاول. وفي حقيقة الأمر، حينما اقترب رأى عالمًا آخر غير هذا الوردي الذي خدعه في بادئ الأمر، ولذلك استسلم للأمر الواقع وأصبح سجينًا في عشقها.

كانت تنظر إليه، تحاول استيعاب ما قاله، لا تصدق ما سمعته. وهو حينها أزاح ببصره بعيدًا وهو يشعر بالضعف يستولي عليه في حضرتها. رفرفت بأهدابها عدة مرات وهي تحاول التحدث وإخراج الكلمات من فمها، فقد صدمها بمعرفته بأمر هذا العريس المزعوم. عريس؟ هو أنت عرفت؟

هكذا قالت بعد أن فشلت في قول أكثر من ذلك، ففي حضرته تنسى نفسها وتنسى كل ما حولها ولا ترى سواه حينها. رأته يحرك رأسه برفق دون أن ينظر لها، يؤكد قولها، لتحاول هي تبرئة نفسها حتى لا يراها في صورة المتهمة، التي برغم علمها بحبه لها، خانته ودُهست بعنف على قلبه النازف بدون رحمة أو شفقة. قررت الدفاع عن نفسها وتبرئة نفسها، لتقول بنبرة هادئة وهي تنظر إليه:

جاد، صدقني أنت فاهم الموضوع غلط. أنا مش زي ما أنت شايفني كدا والله، أنا زيي زيك. نظر إليها "جاد" ليرى مقلتيها تلمعان بالعبرات والحزن يحتضنهما، ليبتسم هو بسمة هادئة حزينة قائلًا بنبرة حزينة:

مش هتفرق يا "كايلًا" خلاص. اللي حصل حصل. أنا صحيح يوميها كنت جاي أتكلم مع أخوك، بس قدرة ربنا فوق كل شيء. جه اللي سبقني، ولو هو كويس ويستاهلك، اقبلي. دا قدر وأنا بأمن بالقدر، واعتبريني محطة وانتهت. ولو لينا نصيب فبعض، هنكون لو ربنا أراد... أتمنالك حياة سعيدة وربنا يسعدك فحياتك.

"جاد"، عشان خاطري متقولش كدا. أنا والله فكرته أنت، بس أنا اتصدمت لم لقيت غيرك. أنا مش عايزاه، أنا عايزاك أنت. أنا مش شايفة نفسي مع حد غيرك أنت. أنا مش هوافق عليه مهما حصل، أنا قلبي معاك أنت، مش مع حد غيرك.

هكذا ردت "كايلًا" على حديثه وهي تبكي، لا تصدق أن علاقتهما سويًا ستنتهي قبل أن تبدأ. هكذا فكرت حينها، لينظر هو حينها والحزن يحتضنه والألم يلازمه، فإن كانت تتألم قليلًا، فهو يتألم كثيرًا، فهو قام بتسليم نفسه وقلبه لها، وفي النهاية انتهت القصة قبل أن تبدأ. ألمعت مقلتاه بالعبرات وهما ينظران إلى بعضهما البعض، وهنا قالت الأعين كل شيء. حرك رأسه بقلة حيلة يعتذر لها، ثم تركها ورحل دون أن يقول شيئًا. رحل وأخذ قلبه وروحها معه، وتركها جسدًا بدون روح ولا حياة. سقطت عبراتها على صفحة وجهها بغزارة، وجلست على ركبتيها تبكي، منزوية عن أعين الجميع، بقلب نازف وروح معذبة.

وسقاني حبيبي شراب العسل، وكان هو شاربًا شرابًا مر الطعم مبتسمًا. سُقيا الروح مرة، والساقي كان أشد قسوة، وبين الاثنين كان هو جسدًا بدون روح وعقل بلى وعي. كان أكثرهم حنوًا وعطفًا على من حوله، حتى على القاسي. كان الجميع بالنسبة إليه صف واحد، لا أحد أقرب من الآخر، وإن تلقى الأذى من أحدهم يقول: عفى الله عما سلف. كان وما زال طيب القلب، فما هو عليه الآن ما هو إلا ابتلاء من رب العالمين، هكذا كان يذكر نفسه دومًا.

كان في غرفة منعزلة عن العالم بأكمله، غرفة يسودها الظلام الدامس، يقف على ركبتيه، وكلتا يديه في اتجاه مكبلتين بجنازير حديدية. يشعر بالألم منتشرًا في أنحاء جسده وفكه الذي لا يستطيع تحريكه بسبب شدة الألم اللاحق به، فقد تعرض لضرب مبرح ليلة أمس كادت تودي بحياته لولا أن جاء الغوث من رب العالمين، أبعد عنه شر هذا الرجل الذي لن يصمت إلا بإعترافه اللا وجود له في الأساس. الدماء كانت تغرق جلبابه الأبيض، والجروح والكدَمات متفرقة على أنحاء جسده ووجهه.

وإن كان جاسوسًا قد تسلل إلى أحد البلاد وتم الإمساْك به، لن يعامل بهذه الطريقة. كان في غفوة قصيرة حظي بها قبل أن يأتي الميعاد ويتم تعذيبه من جديد. رأسه منتكسة إلى الأسفل، مغمض العينين، وما زال الألم بالطبع يلحق به. رأى حبيبة القلب ودواء الروح، جاءت تزوره في غفوته تطلب منه العودة، فهي ليست بخير ولا تطمئن إلا في وجوده، فقد مر أسبوعًا على اعتقاله وكلاهما لا يعلمان شيئًا عن بعضهما البعض. رآها تبكي وتتألم، تجلس على أرضية صلبة والعبرات تتساقط على صفحة وجهها وتصرخ به أن لا يرحل، وكان هو يزيد المسافة بينهما بابتعده عنها، حتى صرخت صرخة عالية فيها استيقظ هو مفزوعًا ليرى الظلام الدامس من حوله.

كان يلهث بعنف، كأنه كان يركض في سباق المئة متر. لا يعلم لم جاءت له الآن، وهل هي بخير أم لا، فلم يعتاد على أن يبتعد عنها كل هذه المدة، فإن غاب عن المنزل قليلًا دون أن يخبِرها، جن جنونها وتقلق عليه، فكيف بها الآن بعد أن مر أسبوعًا على ابتعاده؟

جلس بعد أن ألمته ركبتيه ليبدأ بالتدَرع إلى ربه عز وجل، فلا ملجأ أمامه سواه دومًا. لا يعلم لم تم إيذاؤه بهذه الطريقة، ولم يحدث هذا معه، فهو في حياته لم يقم بإيذاء أحد ويخاف بشدة على جرحهم، ولكنه في المقابل قد تم جرحه مئات من الجروح الغائرة التي من الصعب أن تلتئم. جن جنون الصبية على حبيب فارقها، وما كان هو سِوى الروح بالنسبة لها. على مدار هذا الأسبوع العصيب كانت ستفقد عقلها حينما لم تتلقى الإجابة الصحيحة على سؤالها.

فارقها حبيبها فجأة، وبدون إنذارات سابقة. وحينما حاولت معرفة أين الممكن أن يكون قد ذهب لم ينفعها أحدهم ويريح قلبها بالجواب المراد. وأصبحت هي حينها كالمجنونة تصرخ بهم وتطيحهم بما تتناوله أياديها. حتى قرر "يوسف" مصارحتها وإخبارها بالحقيقة مرغماً. لتكون حينها كمن ضربتها صاعقة من السماء أودت بحياتها في الحال. كانت تجلس في غرفة المعيشة تبكي منذ أن علمت الأمر. تبكي من صميم قلبها، فهذا ليس فقط زوجها بل هو حبيبها ورفيق دربها.

والركن الدافئ الذي تلوذ إليه دوماً، فبمرافقته لا تخشى أحد ويحيطها الأمان من كل جانب. والآن تشعر أنها كاليتيمة التي حرمت من عائلتها بدون سابق إنذار. ولجت إليها "نجلاء" وبيدها كوب العصير. تراها تبكي لتشعر بقلبها يؤلمها أكثر. فلم تنسى وصية ولدها الذي أوصى صديقه بنقلها إليها. وهي الآن المسؤولة الوحيدة عنها في غيابه. جلست بجوارها ووضعت الكوب أمامها على سطح الطاولة. ثم نظرت إليها لترى العبرات تغرق صفحة وجهها.

ولذلك رفعت كفها وأزالت هذه العبرات بحنو قائلة بنبرة حزينة: "وبعدين يا تسنيم آخر العياط دا إيه؟ لو كان بيرجع الحبايب كانوا رجعوا من زمان. وبعدين دا قضاء ربنا مينفعش نعترض عليه. وهو دلوقتي زمانه راضي أنا واثقة دا ابني وأنا عارفاه كويس أوي. أهدي يا حبيبتي وصلِ على النبي وأستعيذي بالله وأشربي العصير دا كدا غلط عليك دا موصيني عليك لو جالك حاجة كفا الله الشر أنا المسؤولة عنك يلا يا حبيبتي."

نظرت إليها تسنيم بعينين باكيتين ومر هنقتين لتقول بنبرة باكية: "وحشني أوي يا ماما، وحشني أوي وعايزاه يرجع. أنا مبطمنش غير وهو معايا. قالي بس هروح أرفع الأذان وأأُم بالناس ومش هتأخر عليك. راح ومرجعش تاني." أنهت حديثها وانخرطت بالبكاء وعاد الألم يحتضن قلبها. كلما تذكرت آخر لقاء بينهما. لتسقط عبرات نجلاء على صفحة وجهها تأثراً بحديثها. لتقوم بضمها إلى دفئ أحضانها ممسدة على ظهرها برفق. لتبكي الأخرى داخل أحضانها أكثر.

لتربت على ظهرها بحنو قائلة بنبرة باكية: "هيرجع بإذن الله، والله هيرجع كله بمشيئة ربنا. متخافيش ربك كبير. ولو اللي حصل له دا كان وراه حد فربنا ينتقم منه أشد انتقام ويدوق من اللي مدوقه لغيره. فرج ربنا قريب." هكذا أنهت نجلاء حديثها وهي تمسد على ذراعها بحنو. وهي تعلم أن حق ولدها سيأتي عاجلاً غير آجل. مر القليل من الوقت وكانت تسنيم تجلس وحيدة شاردة الذهن. تفكر به وكيف حاله الآن وهل هو بخير أم لا.

كل تلك الأسئلة كانت تطرح على عقلها جاهلة جوابها. وبعد ما يقارب ساعة بدأت تشعر ببعض الألم في بطنها. جعلت تقاسيم وجهها تنكمش ألماً وهي تضع يدها عليها. كانت تظن في بادئ الأمر أن الأمر عادي وسيزول. ولكن فاجأها حينما استمر معها وقد اشتد أكثر عن زي قبل. لتبدأ تعلو تأوهاتها. ولجت إليها نجلاء التي تركت كل شيء بيدها. وقالت بنبرة قلقة تتسأل عما حدث: "فيه إيه يا تسنيم؟ أنتِ كويسة إيه اللي حصل؟ "مش قادرة أنا شكلي هوُلد!!

هكذا ردت عليها تسنيم وهي تتأوه عالياً بألم. لتشعر الأخرى بالقلق فهي وحدها ومعها طفلة صغيرة لن تستطيع فعل شيء. ولذلك قررت أن تستعين بـ "يوسف". فهو ثاني المسؤولين عنهما في غياب ولدها. ولذلك أخذت هاتفها وعبثت به قليلاً ثم وضعته على أذنها. تنتظر تلقي إجابته التي جاءت في غضون ثوان. يتسأل إن كانتا تحتاجان إلى شيء. ليأتي جواب نجلاء التي قالت مستغيثة به:

"يوسف لو أنت فالحارة بالله عليك تطلعلنا بسرعة تسنيم تعبانة أوي وشكلها هتولد وأنا لوحدي زي ما أنت عارف والبت صغيرة مش هعرف أتصرف لوحدي ... كتر ألف خيرك يا ابني أنا مستنياك." أنهت حديثها معه ثم أغلقت المكالمة. ونظرت إلى زوجة ولدها قائلة بنبرة هادئة متوترة: "متقلقيش يا تسنيم حظك حلو يوسف موجود فالحارة هياخد عربية بشير ويودينا المستشفى خدي بس الطرحة دي ألبسيها." أنهت حديثها وهي تعطيها حجاب الرأس.

لتقوم هي بدلا عنها بوضعه على رأسها وإحكام غلقه. ثم ذهبت لتأخذ حقيبتها هي والصغير. وتتأكد من وجود جميع الأغراض. لتخرج إليها من جديد تزامنناً مع سماعها لرنين جرس الشقة. لتترك الحقيبة وتذهب لتفتح الباب بخطى هادئة. لترى الطارق "يوسف" الذي قال: "جاهزين؟ "آه كل حاجة جاهزة." هكذا ردت عليه نجلاء. ليولج بعد أن سمحت له. ليأخذ الحقيبتين ويقول: "بيلا هتيجي تساعدك تنزليها دلوقتي." حركت رأسها برفق إليه.

ليتوجه هو إلى الصغيرة التي كانت مستلقية بجوار والدتها على الأريكة. لينحني هو بجذعه العلوي نحوها يحملها برفق على ذراعيه. وهو يقوم بالتسمية. لتولج "بيلا" في هذه اللحظة ترحب بـ "نجلاء". ثم بعدها اتجهت إلى "تسنيم" تطمئن عليها. لتبدأ هي و "نجلاء" بمساعدتها على النهوض والتحرك للذهاب إلى المشفى. وبعد مرور الوقت. كانوا يقفون أمام غرفة العمليات ينتظرون خروجها في أي لحظة. كانت "نجلاء" تجلس على إحدى المقاعد وهي تحمل الصغيرة.

التي كانت تغط في ثبات عميق داخل أحضانها. دقائق وخرجت الممرضة وهي تحمل الصغير. لتقترب منهم بخطى هادئة مبتسمة الوجه. لتقف أمام "يوسف" تعطيه إياه قائلة: "ألف مبروك ولد زي القمر، هو كويس الحمد لله وهي زي الفل شوية وهتخرج." أخذه "يوسف" وهو ينظر له. وقد تجمعوا جميعهم حوله ينظرون إلى الصغير. الذي كان نائماً بأحضان "يوسف". وقبل أن تغادر الممرضة والعودة إلى الغرفة. عادت إليهم لتنظر إلى "يوسف" قائلة بوجه مبتسم:

"أمه بتقولكم إن الولد هيتسمى عمار." دق قلب "يوسف" بسرعة وعنف داخل قفصه الصدري. حينما حمله بين ذراعيه وأصبح قريباً منه بهذه الطريقة. فشعوره أن يحمل صبياً صغيراً مازال في أولى الساعات له على هذه الدنيا مختلف تماماً عن الصبية. رأى به صديقه الحبيب الذي لا يعلم عنه شيئاً حتى الآن. ولذلك ابتسم بسمة هادئة ولثم جبينه بقبلة حنونة. وعاد ينظر له قائلاً بنبرة هادئة حنونة: "نورت الدنيا يا عمار، نورت الدنيا يا حبيبي."

هكذا كانت أولى كلماته إلى الصغير. ليقوم بالتكبير أولاً في أذنه. ثم بعدها اجتمعوا حوله يشاهدون الصغير. ومن بينهم جدته التي كانت سعيدة بقدوم حفيدها الصغير. وثاني فرحتهم. لينظر "يوسف" إلى زوجته بوجه مبتسم. والتي كانت تبتسم كذلك تبادله نظرته دون أن تتحدث. _قالوا الحب أم مجالسة من تحب. فبكل فخر قلت مجالسة من أحب فهو الحب. مازال يتذكر في إحدى الأيام حينما كان صبياً في سن المراهقة. وحينما رآها لمرته الأولى.

تلك الأيام التي من الصعب نسيانها. عادت تلاعب ذاكرته مرة أخرى. كلما رآها أمامه تسير في أنحاء المنزل. وقد أخبره أحدهم أنه لن ينالها وإن ظل عبداً عند والدها. فكان هو حينها عبداً لديه. بعد أن نالها فلا شيء يصعب على عاشق مثله. مستعد لفعل أي شيء لحبيبته. أقترب منها بعد أن رحل طفليه إلى المدرسة في صبيحة اليوم. حيث كانت هي تقف في المطبخ تقوم بإعداد الفطور إليه. ليقف خلفها محاوطاً إياها بذراعيه. يلثم وجنتها بقبلة حنونة.

جاء صوته الهادئ حينما قال: "وحشتني يا فاطمة." تعجبت من قوله لتعقد ما بين حاجبيها. وهي تردد ما قاله بذهول. لتعاود إعداد الفطور مرة أخرى. وهي تحرك رأسها بقلة حيلة قائلة: "مالك يا لؤي؟ هو الصحيان بدري بيعمل فيك كدا ولا إيه؟ نظر إليها نظرة ذات معنى وقال بنبرة هادئة: "بيعمل إيه يا بت؟ هو لا الدبش جايب معاك سكة ولا الحنان جايب معاك سكة. حيرتيني معاك أعمل إيه أكتر من كدا؟

"أبداً أنا بس خوفت لتكون سخنة ولا حاجة، حاكم أنت دبش أصلاً معايا على طول." هكذا جاوبته بنبرة باردة. بعد أن قررت ملاعبته قليلاً وإثارة غيظه كما اعتادت. ليأتيها الرد حاضراً منه حينما قال: "تصدقي أنتِ ولية ناكرة للجميل صحيح، أنا غلطان يا فاطمة وابن *** أستاهل ضرب الجزمة وربنا إني بعاملك المعاملة الملكية دي غوري." أنهى حديثه ومن ثم دفعها بعيداً عنه. لتتفاجأ هي وتشـهق بخفة. ثم التفتت له تنظر إليه بعدم استيعاب.

لتراه قد خرج دون أن يتحدث. لتشعر بالغضب من فعلته تلك. ولذلك تركت ما كانت تفعله وخرجت خلفه تتوعد إليه قائلة: "طب مش عاملة فطار بقى طالما المعاملة حقيرة للدرجة دي ويا أنا يا أنت يا ابن الدالي." أقتربت منه بخطى واسعة لتدفعه من الخلف بضيق. مردفة بنبرة حادة: "معاملة ملكية ها؟ بذمة أهلك المعاملة دي بتسميها معاملة ملكية دي معاملة خدامين يا ابن الأمراء. دا أنت لو مستعبـدني أنت وعيالك هتعاملوني معاملة أحسن من دي."

ألتفت ينظر إليها بعد أن تم دفعه من الخلف. ليراها تقف ويديها تتوسطان خصرها. ترميه بنظراتها الغاضبة وعدم الرضا بادياً على تقاسيم وجهها. وبعد أن كان يتخذ منهجاً لها قام بتغيير ذلك في ثوان. ليبدأ بالاقتراب منها بخطى هادئة وهو يرشقها بنظراته المتوعدة. ليقوم سريعاً بمحاوطتها بذراعيه بعد أن قام بتكبيل يديها خلف ظهرها. ليفرض سيطرته كما اعتاد قبل أن تهرب هي إلى الداخل. "مستعبـدينك ها؟!

يمين بالله يا "فاطمة" أنت تستاهلي قص لسانك اللي زي الدبش دا عشان بترمي كلام كدا ميعجبنيش. بقى إحنا مستعبدينك يا كدابة؟ أومال أنا إيه إن شاء الله لو هنمشيها نظام عبيد وجواري؟ "فاطمة" اصطبحي عشان لو صبحطك أنا مش هتعدي على خير. نظرت إليه دون أن تأبه تحذيراته تلك لتقول بنبرة متحدية وهي تنتظر رده قائلة: _هتعمل إيه يا حبيبي وريني هتصبحني أزاي يا "لؤي" يلا.

نظر إليها قليلاً دون أن يتحدث وقد غرق في سواد عيونها اللامعة اللتان يزينهما الكحل الأسود جاعلًا إياهما عينين فاتنتين تأثرانه إن حاول التمادي كعادته لتجعله سجينة خلف سوادها اللامعة وبريقها الذي لا ينطفئ طوال تواجده معها. ظل يتطلع إلى عينيها دون أن يحيد ببصره بعيدًا عنها لتفهم هي أن سحر عينيها قد أصبح له تأثير قوي عليه، لتعلو بسمتها ثغرها وهي تنظر إليه دون أن تتحدث. فبرغم عناده معها وتكابره عليها ألا وأن بداخله شخص متخفي عاشقًا لأعين حواء.

فلولا شراستهما وعنادهما لبعضهما البعض لم كان هذا حالهما سويًا. أقترب منها بهدوء يلثم وجنتها بقبلة حنونة ثم قال بنبرة هادئة بعدما تذكر أول لقاء بينهما: _لسه فاكر أول مرة شوفتك فيها. كنت زي القمر لدرجة إني كنت بشوفك فأي حد. ساعتها قلبي اتخطف فجأة وبقيت كل ما بشوفك بتوّتر بدون سبب، بس الشعور اللي كان بيسيطر عليا وقتها إني وقعت رسمي قصاد القناصتين دول.

ابتسمت بعد أن استمعت إلى حديثه الذي راق لها هذه المرة لتنتظر سماع المزيد منه، وصدقًا هو لم يتأخر عليها وأكمل حديثه قائلاً: _كنت بكره اسم "فاطمة" دا أوي بسبب عمتي. منكروش إني ضايقت أكتر لما عرفت اسمك، بس وقتها كرهي للاسم اختفى وحبيته أوي وبقيت مفتون بيه أوي هو وصاحبته. اتسعت بسمتها لتنظر إليه حينها وتتقابل عينيها مع عينيه لتذكره بالذي مضى حينما قالت بوجه مبتسم:

_فاكر يا "لؤي" الواد اللي أديته علقة سخنة عشان وقتها قالك إنه عايز يتقدملي وإنك مش هتعرف تعمل حاجة. _دا أنا طلعت عيني اللي جابوه. فاكر نفسه مين العيل دا؟ قال فاكرني مش هعرف أتكلم، حاكم هو كان ابن معلم بقى، بس يمين بالله ما بتفرق معايا ابن مين. وبعدين أنا كنت هسيبه يعملها؟ أينعم اتكسر فيها دراعي وقتها، بس كان كله يهون عشانك يا "فاطمة".

هكذا رد عليها منهيًا حديثه بنبرة حنونة لينة وهو يبتسم لتقوم هي بتحرير رأسها من قبضته ثم بعدها حاوطت عنقه بذراعيها تضمه إلى دفء أحضانها قائلة بوجه مبتسم: _وأنا ساعتها مثلت عليهم لما رفضوك وقعدت أسبوع فالأوضة قافلة على نفسي بعيط وأتشحتفلهم ومنعت الأكل والشرب لحد ما خافوا ورجعوا فكلامهم ووافقوا. لعبناها صح. ضحك هو محاوطًا إياها بذراعيه يتذكر تلك الأيام التي لن ينساها يؤكد على كلماتها الأخيرة قائلاً:

_لعبناها صح يا "فاطمة". مش سهلة يا بت برضوا فيك عرق خبيث بيمشي اللي على مزاجه. ضحكت هي على حديثه لتبتعد عنه قليلاً حتى تتثنى لها رؤيته لتقول بنبرة ماكرة وهي ترميه بنظراتها قائلة: _أعترف إني جامدة وبعرف أعملها صح. _أنا معايا واحدة دماغها توزن بلاد، مش هتعرف تعملها صح. بقى دا اسمه كلام برضوا.

عادت تعانقه من جديد مبتسمة الوجه ليسمعا رنين هاتفه يعلو يعلنه عن اتصال هاتفي ولذلك ابتعدت "فاطمة" عنه ليأخذ هو هاتفه من على سطح الطاولة ليرى رقمًا مجهولًا يهاتفه ولذلك أجابه بنبرة هادئة قائلاً: _أيوه مين معايا؟ أيوه أنا "لؤي الدالي"، خير. عقدت "فاطمة" ما بين حاجبيها وهي تنظر إليه تنتظر معرفة صاحب هذه المكالمة وماذا يريد من زوجها لتراه بعد برهة من الوقت أغلق المكالمة وترك هاتفه ليأتي صوتها تسأله عن المتصل قائلة:

_مين اللي بيكلمك يا "لؤي"؟ ألتفت ينظر إليها ليجاوبها بنبرة هادئة يقول: _مفيش جايلي قضية وصاحبتها عايزاني أمسكها. دام الصمت بينهما قليلاً بعد أن أخبرها بهوية المتصل لتتسع بسمتها على ثغرها بحماس ثم نظرت إليه قائلة: _تعرف يا "لؤي" أنا نفسي أشوفك وأنت بتترفع أوي. نفسي أشوفك بلبس المحاماة وواقف بتدافع كدا. لو هتمسك القضية دي عشان خاطري أبقى خدني معاك، نفسي أشوفك ساعتها أوي ومتحمسة للحظة دي.

نظر هو إليها وقد ابتسم حينما رأى حماسها الشديد ذاك ليوافق على مطلبها قائلاً: _لو مسكتها أوعدك يوم المرافعة هاخدك معايا. سعدت بشدة ولذلك قفزت بسعادة وحماس كبير لتعانقه بعدها بقوة وهي تقول: _أنا بجد بحبك أوي يا "لؤي".

اتسعت بسمته وقد حاوطها بذراعيه يضمها إلى دفء أحضانها يخبره كذلك أنه يحبها كثيرًا، فبدونها هو لا شيء، فبها وجد حياته ورأى سعادته ومستقبله وراحته. هي من استطاعت أن تأسره بعينيها وأفعالها المجنونة ولذلك كان منجذبًا إليها وبشدة فقد رآها مختلفة عن كثير غيرها ولذلك انجذب إليها أكثر وأكثر حتى جاء اليوم الذي فيه أصبحت زوجته وحبيبته وأمًا لأطفاله. ***

سعـى كلا الطرفين في المحاربة في حرب طاحنة لأجل الحرية والعدالة، فطرف أبى الاستسلام حتى ينجح في تحقيق العدالة والحرية وإبقاء صوت الحق عاليًا في سماء صافية وأرض حرة. والآخر كان اليد الحقيرة التي تكمم هذا الفم لمنع ارتفاع صوت العدالة والحرية وبقاء القوى الفاسدة في السيطرة على أرجاء المكان.

وها قد مر أسبوع آخر ولم يصل إلى حل في إخراجه حتى أنه قد بدأ يغضب من نفسه لعدم وفائه بالعهد ولأجل زوجته التي قد تدمرت في غيابه وعانت بدونه. كان يدور في أرجاء المكان وهم يجلسون والهدوء سيد المكان، كل واحد منهم يفكر به وكيف يبدأ. نظر "منصف" إلى "يوسف" الذي كان لا يهدأ ليقول: _ما تقعد يا عم جننتني معاك.

نظر "ليل" إلى "يوسف" الذي توقف أمام الطاولة وضرب عليها بكفيه بعد أن فشل في إيجاد طريقة لإخراجه. تحدث "سراج" بنبرة هادئة وهو ينظر إليهم قائلاً: _"رمزي" بقاله أسبوعين مفيش خبر عنه والله أعلم بيه دلوقتي عامل إزاي. أنا اللي هيجنني مين ابن الـ**** اللي بلّغ عنه. دي أول مرة يتأخد من وسطنا بالمنظر دا وهو وقتها معترضش وسلّم نفسه وكأنها مش أول مرة تحصل. إحنا لازم نعرف مين عمل كدا ونفكر هنخرجه إزاي.

ومن جديد عاد الصمت يسود المكان بعد أن أنهى "سراج" حديثه وقد بدأ "يوسف" يفكر في حديث صديقه الذي قاله منذ قليل. لحظات ودخل "حذيفة" إليهم ملقيًا عليهم تحية السلام بنبرة هادئة ليردوا جميعهم عليه السلام ومن ثم جلس بجانب ابن خالته وقال بنبرة هادئة يجذب انتباههم بقوله:

_صلوا بينا على النبي الأول عشان اللي هيتقال دلوقتي دا كلام مهم. أول مرة شفت فيها "رمزي" شفت قد إيه هو طيب وميستاهلش اللي بيحصل فيه دا دلوقتي. على فكرة أنا كمان زيه يعني، بس دخوله هناك كان بتبليغ من حد عندكم فالحارة هنا اسمه "فتوح الجزار"، تقريبًا انتقام مش عارف بصراحة، بس خلينا فالأهم إن أنا الحمد لله قدرت أدخل لـ"رمزي" وأتطمن عليه.

بتـر حديثه هجوم "يوسف" الهوائي حينما تلقى حديث "حذيفة" الذي كان كإنذار له لما هو قادم. وقف "يوسف" أمامه وهو ينظر إليه قائلاً: _دخلتله بجد؟ عملتها إزاي والأهم هو عامل إيه دلوقتي كويس؟ نظر إليه "حذيفة" قليلاً ليجاوبه بنبرة هادئة يطمئنه عليه قائلاً:

_متخافش أوي عليه، هو بيطمنكم وبيقولكم إنه كويس متخافوش عليه. وبعت رسالة لمراته قالي أي حد فيكم يوصلها ليها عشان تطمن هي كمان. وعشان مبقاش كداب هو جثمانيًا مش كويس خالص واكل ضرب شديد لحد ما قال يا بس. لأمانة ربنا يعني قلبي وجعني أول ما شوفته، بس أول ما خرجت من عنده اتوسطت لحد كبير يعني وليه سلطة فالحالات اللي زي دي وهو وعدني إنه هيخرجه فأقرب وقت ممكن يعني خير إن شاء الله.

زفر "يوسف" بعنف وعاد يستقيم في وقفته وهو يمسح بكفيه على خصلاته الشقراء بعد أن عاد القلق يلازمه حينما سمع حديث "حذيفة" ولكنه حينما أعاد كلماته من جديد برأسه تذكر من المتسبب في هذا ليتحول في لمح البصر ليترك شخصية "جعفر" تتحكم به هذه المرة ليتركهم جميعًا ويذهب إلى الخارج بخطى سريعة وهو ينوي على قتله. وأول من علم بما ينوي على فعله كان "سراج" الذي نهض ولحق به إلى الخارج يردع فعله بوقوفه أمامه يمنع عنه طريقه.

توقف "يوسف" وهو ينظر إليه دون أن يتحدث ولكنه تقاسيم وجهه تتحدث وتقول كل شيء. نظر إليه "سراج" وقال بنبرة هادئة: _"يوسف"، بالله عليك تهدى دلوقتي وتفـ ـكك مـن زفت دا خالص وتركز فـ "رمزي". "رمزي" موصيك على مراته ركز بالله عليك لمـ ـا يرجع بالسلامة إن شاء الله تقدر تعمل فيه اللي أنت عايزه. بس دلوقتي لا عشان خاطر "رمزي" بس مش أكتر. _بجد؟ أنت شايف كدا؟

لأن لو شايف كدا يبقى تقعد مع نفسك قعدة حلوة تراجع فيها نفسك تاني عشان بدأت تخيب. هكذا رد عليه "يوسف" بنبرة باردة وهو ينظر إليه ليتفاجئ "سراج" بحديث "يوسف" وما قاله ليقول هو بنبرة متفاجئة: _إيه اللي أنت بتقوله دا يا "يوسف"؟

أنا بفكر بالعقل اللي بيتلغي عندك وقتها وجنانك بيقوم. أنا بعمل كدا عشان خاطر في واحدة المفروض إنها فحمايتك هي وولدها لحد ما جوزها يرجع واللي هو في الأساس موصيك عليهم عشان عارف إن زي ما الأذى طاله فهو هيطولهم. ولو لمرة واحدة بس فكر بعقلك ومتخليش حاجة تانية غيره تحركك عشان لو حاجة غيره حركتك هتدمر الدنيا وحصلت كتير قبل كدا مش محتاج إني أقول يعني.

_بس أنت برضوا عارف إني عند نقطة زي دي بلغي عقلي عشان مبيرضنيش قد ما بترضيني نفسي. مش دايما العقل بينصف صاحبه يا "سراج" قد ما اللي بينصفه نفسه. يعني مثلا لو حد حاول يقرب من "مها" أختي تقريبا أنت مش هتستنى تفكر بعقلك لأن اللي هيحركك نفسك وغريزتك. ودلوقتي نفس الشيء بس أنت عايزني أسكت وحتى لو سكت دلوقتي، مش هتعرف تسكتني بعدين.

هكذا رد عليه "يوسف" بنبرة جامدة وهو ينظر إليه يتحداه على قول شيئًا غير ذلك ليرى الترّدد في عينين صديقه الذي اتخذ الصمت إجابة على حديثه. وضع "يوسف" كفه على كتفه وشّدد عليه برفق قائلًا: _المرة دي بس هسمع فيها كلامك لأن مبقدرش أزعلك أو أرفضلك طلب بس بعدين أنا هعمل اللي أنا شايفه صح وبس أيًا كان هو إيه وقتها.

نظر إليه "سراج" قليلًا قبل أن يبتسم له ويقوم بمعانقته وكأنه يشكره على حفاظه على هذه المشاعر حتى هذه اللحظة. ولذلك عانقه "يوسف" مبتسم الوجه مشددًا من عناقه له دون أن يتحدث فمهما حدث لا يستطيع إحزان صديقه وإن كان عن طريق الخطأ. عاد كلاهما إليهم من جديد لينظر "حسن" لهما نظرة ذات معنى ليرى أن "سراج" استطاع السيطرة على الوضع قبل أن يتدمّر كل شيء بفعل رفيقهم الهوّاجي. أما عن "يوسف" فقد نظر إلى "حذيفة" نظرة ذات

معنى ليقول بنبرة جامدة: _هات الرسالة اللي عايز يوصلها لمراته، أنا هوصلهالها بنفسي.

نظر إليه "حذيفة" قليلًا ثم نظر إلى ابن خالته الذي حرك رأسه برفق يؤكد على إعطائه الرسالة. ولذلك أخرجها بالفعل وأعطاها إياه ليأخذها "يوسف" متعهدًا على إيصالها لزوجة رفيقه حتى يطمئن قلبها عليه، ولو قليلًا. استأذن منهم جميعًا ثم خرج متوجهًا إلى منزل رفيقه وهو يحاول لجم انفعالاته وشخصه الآخر الذي خرج يشتهي العراك والغضب وتسديد الضربات العنيفة حتى تخمد نيرانه كما اعتاد.

وقف أخيرًا أمام باب شقة رفيقه وطرق عليه برفق ووقف ينتظرها كي تفتح له الباب وهو ينظر إلى المظروف الأبيض الذي أرسله رفيق دربه من داخل معتقله إلى زوجته التي يتقطع قلبها عليه، أربًا وحيدة تنتظر شعاع الأمل يضيء في وجهها من جديد. لحظات بعد أن أخبرته أن ينتظر قليلًا وفتحت له الباب لتراه أمامها ينظر لها بهدوء. ابتسمت بسمة هادئة على ثغرها لتقول: _يوسف، خير إن شاء الله في حاجة؟ ابتسم "يوسف" في المقابل بسمة هادئة ليقول:

_لا أبدًا قولت أتطمن عليكم وأشوف لو محتاجين حاجة. _كتر خيرك أنا عارفة إننا تعبينك معانا، بس الحمد لله خير ربنا كتير لو احتاجت حاجة أكيد هقولك. هكذا جاوبته بنبرة هادئة مبتسمة الوجه لينظر إلى المظروف ثم إليها وهو يتلمسه بإبهامه ليقوم بمد كفه به إليها أسفل نظراتها المتعجبة والمتسائلة عن هوية ذاك المظروف ليجاوبها هو حينما رأى التساؤل يحوم عينيها قائلًا: _باعتهولك رمزي..

بدأت بقية الحديث وانتشلت المظروف منه حينما علمت أنه من حبيبها بتلهف لتنظر إليه بعينين دامعتين ليأتيها قول "يوسف" الهادئ الذي قال: _في حد زميلنا ظابط عرف يوصله و "رمزي" باعتلك الظرف دا وبيقولك متخافيش عليه هو كويس وزي الفل. _هو قال كدا بجد؟ هو شافه يا "يوسف" بجد.

هكذا قالت بتلهف وهي تنظر إليه ليبتسم هو لها ويحرك رأسه برفق يؤكد لها ذلك لتعلو الإبتسامة ثغرها حينما تلقت أن هذه الرسالة من حبيبها لتتبادل النظرات بين المظروف وبين "يوسف" الذي قال بنبرة هادئة مبتسم الوجه: _عمار و قمر كويسين؟ محتاجين أي حاجة دول زي بناتي بالظبط. _شكرًا يا "يوسف" الحمد لله كويسين مش محتاجين أي حاجة.

هكذا جاوبته بوجه مبتسم ليبتسم هو ومن ثم تركها ورحل لتغلق هي الباب خلفه ثم نزعت رداء الصلاة وتركته على إحدى المقاعد وجلست بجوار طفليها على الفراش في الغرفة وبدأت بفتح المظروف ومعها بدأت نبضات قلبها تعلو داخل قفصها الصدري. أخرجت المظروف وبدأت تقرأ ما كتبه إليها بخطه المميز الذي لا يقارن بغيره وكأن كلماته تربت على قلبها المتألم تشفي أوجاعه الغائرة ويحتضنه. _السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

يمكن دي أول مرة تحصل من ساعة ما عرفتك بس الظروف ساعات بتكون أقوى مننا فلازم نقبلها ونرضى بيها ونحمد ربنا عليها. أنا كويس الحمد لله مش عايزك قعدة خايفة عليا أنا عارف إنه غصب عنك بس أنا بطمنك عليا وبقولك إني كويس والحمد لله راضي باللي مكتوبلي لا أعترض على أمر الله.

عايزك تخلي بالك من نفسك وتهتمي بنفسك وبـ "قمر" و "عمار" صحيح أنا عرفت إن ربنا كرمك و "عمار" جه بالسلامة صحيح عندي شغف أشوفه بس مسيري أخرج ووقتها بمشيئة الله مش هبعد عنك تاني أنا عارف إنك كنت محتاجاني جنبك وعارف إنك ولدتي طبيعي مش قيصري زي ما الدكتورة كانت قايلالنا بس الحمد لله دا أحسن ليكي عشان متتعبيش بعد كدا أهم حاجة تكوني كويسة والولاد كويسين عايزك تبوسيلي "عمار" لحد ما ربنا يكرمني وأخرج ووعد مش هسيبك تاني بس المرة دي الظروف كانت أقوى مني ...

وأمسحي دموعك عشان غاليين على قلبي وأضحكي عشان "رمزي" مخدش عليكي وأنت زعلاانة ودموعك على خدك. بحبك. حبيب قلبك/رمزي المفتون.

أزالت عبراتها عن صفحة وجهها حينما أنهت قراءة المظروف ومن ثم ضمته إلى أحضانها وهي تبتسم فيستطيع بكلماته البسيطة أن يداوي قلبها ويحتضنها مربتًا عليه. نظرت إلى طفليها النائمين لتبتسم بسمة هادئة وهي تمسد على رأسيهما برفق داعية المولى عز وجل أن يخرجه سليمًا معافًى ويعود إلى دياره ولطفليه الحبيبين اللذان ينتظرانه.

_أتخذ قراره وكأنه لم يعد يهتم لأحد طالما ما يفعله هو الصواب. حياته هي مفتاح سرّي خاص به لا يستطيع أن يأخذه أحد منه وإن كان عن طريق التهديد فهو صاحب القرار في الأوقات العصيبة ويعلم كيف يدير حياته بالشكل الصحيح دون أن ينتظر ردًا أو مساعدة وعلى الجميع الطاعة في هذه اللحظة.

تجهز بالكامل وها هو يقف أمام باب منزلها يدق جرسه بهدوء ويجاوره والديه. تشدقت "زينات" بعدم رضا وضيق لينظر إليها "عماد" نظرة حادة قائلًا بنبرة خافتة محذرًا إياها: _لمي ليلتك يا "زينات" وعديها بلاش فضايح وإلا قسمًا بربي لتندمي بعدها وهعمل تصرف ميعجبكيش ساعتها وهيكون قدام ولادك. فلّميها أحسن ما تتلمي أنتِ. رمته بنظراتها الحادة بعد أن قام بتهديدها لينظر هو أمامه دون أن يعيرها أي أهمية ليفتح الباب من قبل "بهيج"

الذي أبتسم وقال بترحاب: _يا أهلًا وسهلًا نورتونا والله أتفضلوا.

أبتسم "عامر" ليتقدم هو أولًا مصافحًا إياه ليّرحب "بهيج" به مبتسم الوجه ثم بعدها "عماد" فيما صافح "عامر" زوجة "بهيج" مبتسم الوجه وأعطاها علبة الحلويات لترحب هي بعدها بوالده ووالدته التي كانت تتكبر عليهم وترميها من أعلى إلى أسفل لتشعر زوجة "بهيج" بالغرابة وقد شعرت كذلك بالضيق حينما رأتها ترميها بهذه النظرات ولكّنها تغاضت عن كل ذلك لأجل ابنتها ثم ولجت إليهم ترحب بهم بوجه مبتسم ومن ثم جاورت زوجها.

تحدث "عماد" بوجه مبتسم وهو ينظر إلى "بهيج" بعد أن تبادلا الترحيبات وتقديم كرم الضيافة قائلًا بنبرة هادئة: _بدون مقدمات كتير يا "بهيج" أنا جاي أطلب إيد الآنسة "أمل" بنتك لأبني "عامر" قولت إيه. أبتسم "بهيج" الذي قال بنبرة هادئة ودودة: _شرف لينا يا "عماد" إننا نناسب عيلة زيكم. _طبعًا شرف ليكم هو أنتم تطولوا.

هكذا ردت "زينات" بتكبر وغرور لينظر كلًا من "بهيج" وزوجته إليها بصدمة ويرميها كلًا من "عماد" نظرة حادة غاضبة ومعه ولدها الذي صدم من قولها لتشعر هي بأنها قد دمرت كل شيء لتسارع في إصلاح الأمر بوجه مبتسم قائلة: _قصدي يعني الشرف للعيلتين وبعدين إحنا هناخد عروسة لبيت عريسها يعني مسيرها إن شاء الله لو في نصيب تتعود علينا بسرعة وكأنها وسط عيلتها بالظبط.

لم ترتاح لها والدة "أمل" وشعرت أنها امرأة ماكرة وخبيثة وبالتأكيد من حركاتها تلك أنها غير راضية عن هذا المجلس ولكّن يبدو أن أحدهم قد قام بإجبارها. أما عن "عامر" فقد شعر بالإحراج وقد ندم كثيرًا لأصطحابها معهم فهو يعلم أنها ستقوم بتخريب هذا الزفاف قبل أن يتم. أبتلع غصته بتروٍ وأبتسم قائلًا يحاول إصلاح الأمر: _أعذروها ماما على طول بتقول كلام بتلقائية بدون ما تفكر فيه.

أبتسمت له والدة "أمل" التي كانت تشعر بالراحة لهذا الشاب وتتسأل بداخلها كيف لهذا الشاب أن يكون ابنًا لتلك المرأة المزعومة. وبعد العديد من تبادل الأحاديث بينهم جاءت "أمل" التي كانت تشعر بالخجل تنظر إلى الأسفل وتبتسم بسمة هادئة. نظر إليها "عماد" مبتسمًا ومعه "عامر" الذي كان سعيدًا برؤيتها وبأنه يقوم بطلبها الآن من والدها وأخيرًا "زينات" التي نظرت إليها بتهكم من أعلى إلى أسفل فبالطبع هي غير راضية عن هذا الزواج ولكّن سيطرة وهيمنة "عماد" كانت لها تأثيرًا كبيرًا عليها.

_بسم الله ما شاء الله، يا زين ما ربيت يا "بهيج" أدب وجمال وأخلاق أي حد يتمناها تكون عروسة لابنه والله. أبتسموا جميعهم عدا "زينات" التي أشاحت ببصرها بعيدًا وقد أزداد خجل "أمل" التي كانت تشعر بالخجل. وبعد دقائق تركوهما سويًا في رؤية شرعية حتى يرى كلا الطرفين ماذا سيكون مصيرهما سويًا بعدها. نظر "عامر" إلى "أمل" وقد أبتسم قائلًا:

_إن شاء الله لو لينا نصيب فبعض هنعيش مع بعض أحلى عيشة. أنا عارف إنك خايفة من أمي بس طول ما أنا وبابا موجودين متقدرش تعمل حاجة. "أمل" أنا بصراحة مش عايز واحدة تانية غيرك أنت وبس. أنت عارفاني كويس وأنا عارفك وشايف إننا مش لازم نتعرف على بعض مش كدا؟ حركت رأسها برفق وهي تبتسم بخجل فطري طغى على تقاسيم وجهها لينظر هو أرضًا كي لا يخجلها أكثر من ذلك وقال بنبرة هادئة:

_تمام عمومًا أنا هسيبك أسبوع برضوا تفكري كويس وتصلي استخارة لو مرتاحة يبقى على بركة الله هنعمل الخطوبة لو مرتحتيش مفيش مشكلة برضوا. اتفقنا؟ _اتفقنا. هكذا ردت عليه مبتسمة الوجه ليبتسم هو كذلك ليقول متسائلًا: _مش عايزة تسأليني عن أي حاجة؟ _معتقدش. إحنا عارفين بعض كويس يا "عامر". هكذا ردت "أمل" عليه بوجه مبتسم ليحرك هو رأسه برفق لينهض مشيرًا إليهم ليعودوا هم مجددًا لتنظر لهما والدة "أمل" قائلة بوجه مبتسم:

_شايفة إنكم اتفقتوا. نظر "عامر" إلى "أمل" التي نظرت إليه بطرف عينها دون أن تحرك رأسها لترى نظرته إليها والتي لم تتغير قط ليقول "بهيج" بوجه مبتسم: _على بركة الله أنا برضوا شايف زي أم "أمل". أدونا أسبوع "أمل" تفكر مع نفسها وتستخير ربنا وهنرد عليكم إن شاء الله واللي فيه الخير يقدمه ربنا.

أتفقوا جميعهم على منحها أسبوع واحد كي تفكر في الأمر جيدًا وقد رحل "عامر" ووالديه وقد ولجت "أمل" إلى غرفتها ووقفت خلف النافذة بعد أن أزاحت الستار لترى "عامر" يستقل السيارة رفقة والديه ليلمحها هو بطرف عينه تراقب من خلف النافذة ليرفع رأسه ينظر لها ليراها تشير إليه بكفها تودعه بوجه مبتسم خجول لتعلو بسمته شفتيه ثم استقل سيارته وتحرك من المكان بعد أن ودعها بعينيه راحلًا لترقبه هي السيارة حتى اختفت من المكان ومن ثم ولجت إلى الداخل وهي في قمة سعادتها بعد أن تقدم اليوم حبيبها لخطبتها.

_في بعض الأحيان تكون صدمة المرء في المرة الأولى قوية ومؤلمة من الصعب تخطيها أو حتى نسيانها. وفي المرة الثانية تكون عائدًا لنقطة البداية حينما تشعر بنفس الألم في المرة الثانية فالعقل لا ينسى، ولا القلب يشفي، ولا الروح ترفرف حرة فأصفاد الماضي لا تتركها حرة كيد العدو المحتل لأراضي عربية حرة كانت تريد العيش آمنة مستقلة ولكّن أيادي العدو أبت تركها تصرخ عاليًا لطلب النجاة.

كانت تجلس في شقتها رفقة فتاتيها كما المعتاد بعد أن تركهن زوجها وذهب لرؤية أصدقائه. كانت صغيرتها الأولى تجلس أمام شاشة التلفاز تشاهد الفيلم الكرتوني المفضل لها بتركيز شديد والأخرى تقبع داخل أحضانها تئن وتمسك بخصلات والدتها الطويلة بين أناملها الصغيرة. فيما كانت "بيلا" تمسد على رأسها بحنو وهي تنظر إليها مبتسمة الوجه.

نظرت "بيلا" إلى طفلتها الصغيرة التي كانت مندمجة في مشاهدة الفيلم الكرتوني لتتذكر زوجها الذي يجلس مثلها دومًا يشاهد التلفاز بإنصات وكأن تركيزه بالكامل قد انصب عليه هو فقط. دقائق قليلة مرت ليعلو صوت جرس الشقة يعلنها عن وصول زائر. نهضت بعد أن حملت صغيرتها على ذراعيها وذهبت بخطى هادئة إليه لتقف خلف الباب تشاهد الزائر الذي كان غير واضح لها معالم وجهه ولذلك تركت صغيرتها على الأريكة ووضعت وسادتين بجانبها حتى لا تسقط من أعلاها ثم ارتدت رداء الصلاة وقامت بوضع حجاب رأسها وإغلاقه وقبل أن تفتح الباب نظرت إلى نفسها في المرآة تتأكد أن لا خصلة ظاهرة من أسفل حجاب الرأس.

فتحت الباب بهدوء بعد أن تأكدت أن خصلاتها أسفل حجاب رأسها بالكامل مبتسمة الوجه ليتجمد جسدها وتجحظ عينيها بصدّمة كبرى حينما رأته قد عاد إليها من جديد وقد ذكرها سريعًا عقلها بآخر زيارة بينهما وكيف هاجمها وأبرحها ضربًا وهي مازالت في أولى شهور حملها ليؤدي ذلك عن موت جنينها وولجها في حالة صحية جثمانيًا ونفسيًا سيئة. وها هو المشهد يعاود تكرار نفسه من جديد وزوجها ليس معها هذه المرة كذلك لإنقاذها فهي وحدها في مواجهة "حليم" للمرة الثانية.

يتبع... كانت الشمس غاربة، وأشعة البرتقالي تلون السماء. وقف جعفر يتأمل المنظر، يتذكر أيام زمان. "يا ترى، هي فين دلوقتي؟ " سأل نفسه بصوت خافت. تنهد بعمق، ثم استدار متوجهًا نحو سيارته. "لازم ألاقيها." قال بحزم. فتح الباب وجلس خلف المقود. شغل المحرك، وخرج بالسيارة إلى الشارع. "مش هنام الليلة دي لحد ما أعرف أخبارها." أسرع في قيادته، وقلبه يعتصره الشوق والقلق. كل شارع يمر به كان يحمل ذكرى. "يا رب، دلني عليها."

وصل إلى منزل قديم، كان يعرفه جيدًا. توقف بالسيارة ونزل. "أتمنى ألاقيها هنا." اقترب من الباب وطرق. انتظر بصبر، ثم طرق مرة أخرى. انفتح الباب ببطء، وظهر وجه امرأة عجوز. "مين؟ " سألت بصوت متعب. "أنا جعفر. عايز أسأل عن بنت اسمها ليلى." نظرت إليه المرأة بتمعن، ثم قالت: "ليلى؟ ما أعرفش حد بالاسم ده." شعر جعفر بخيبة أمل. "متأكدة؟ يمكن تعرفيها باسم تاني." "لا يا ابني، ما أعرفش."

شكرها وابتعد. عاد إلى سيارته، وشعر بالإحباط يتسلل إليه. "فين ممكن تكون؟ قرر أن يعود إلى منزله، ويحاول التفكير بهدوء. "يمكن فيه حد تاني يقدر يساعدني." قاد سيارته عائدًا، والأفكار تدور في رأسه. "لازم ألاقي حل. مش هسيبها كده."

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...