حسناء لا تبغي حليا إذا برزت لأني خلقها بالحسن حلاها قامت تمشى، فليت الله صيّرني ذاك التراب الذي مسته رجلاها. أبو العتاهية. تأتي الرياح العاصفة تقتل ما يمكن أمامها وبدون سابق إنذار، لم يتلقى ساكني المدينة أي إنذارات قبل، بل تلقوا الصدمة ومعها تقبلوا مصيرهم المحتوم، فإما النجاة حيًا أو الموت.
وهنا كانا العشاق في شتات من أمرهما، فدومًا في هذه الحياة لا يشعر المرء بقيمة حبيبه أو صديقه الذي سعى للحفاظ عليه إلا حينما يهجره دون عودة. هذا قانون مرسخ منذ سنوات طويلة، هذا هو المرء وهذه هي الحياة وتلك هي الظروف، وليس كل ما ينكسر يصلح أن يعود كما كان في السابق، فمن سابع المستحيلات أن تداوي قلبًا تهشم إلى أشلاء صغيرة، فإن كسر القلب ماتت الروح. "وإن كان معك حبيب الآن تراه، فبعد دقائق سيفارقك للأبد."
كل شيء حدث في غضون ثوان قليلة، هو ولأول مرة لا يشعر بمن حوله، وهي أمامه ترى الماثل خلفه يستعد لقتله حتى يظل محافظًا على صك ملكيته، أصابها الهلع والخوف الشديد على "رانڤير" لتحاول لفت انتباهه إلى ما سيحدث له ووجود آخر خلفه ينتوي على قتله، ولكن وكأن حديثها مازال يرن في أذنيه يكاد يصمهما. ركض الآخر تجاه "رانڤير" وهو ينوي إنهاء حياته، لتصرخ هي به عاليًا وهي تتسارع نحوه حتى تنقذ حياته.
لا أحد ينتبه لما يحدث، ولذلك كان الأمر يتم باحترافية، فالإثنين يتصارعون عليها، ذاك يريد استعادتها وذاك يريدها له، وهي في المنتصف بينهما، لا تعلم ماذا عليها أن تفعل.
كلاهما قريبين منه، واحد يسعى لقتله والتخلص منه، والآخر يود إنقاذ حياته وحمايته، برغم ما تلقى منه من آلام وأحزان ومعاملة سيئة، ولكن سطوة القلب كانت أكبر من كل شيء، وقفت خلفه حتى تتلقى هي الضربة بدلاً منه، فلن يستطيع القلب رؤية محبوبه غريقًا في دمائه، ولذلك يفضل هو الموت ولكن لا يراه مصابًا ولو بخدشة صغيرة.
أغمضت عينيها تنتظر مصيرها المحتوم بخوف من حدة الألم الذي ستشعر به، ولكن بعد ثوان لم تشعر بشيء، قد قام بأذيتها، ولذلك فرقت بين جفنيها بهدوء ونظرت إلى موضع السكين التي كانت تفصل عن ملامستها سنتيمترات فقط، وهناك ما يعرقل تنفيذ مهمتها.
كانت قبضة "رانڤير" هي من تمنع السكين من اختراق جسدها، تنفست براحة كبيرة واستدارت برأسها تنظر إليه بعدم تصديق، لتراه ينظر إلى الآخر بمعالم وجه لا تنذر بالخير ألبتة، ترى الغضب يحتضن تقاسيم وجهه وعينيه، فهو مازال كما هو لم يتغير قط.
لا تعلم لم شعرت بالسعادة والفرح حينما رأته، ولأول مرة يمنع عنها الأذى من النيل منها، ألتمعت العبرات في مقلتيها بفرحة كبرى، وأرتسمت البسمة على ثغرها لتعود تلك المشاعر التي صارعت لدفنها وعدم إخراجها، تعود وتحيا مرة أخرى. للحظة أرادت أن تعانقه، أشتاقت له كثيرًا هذه المدة الطويلة التي تركها فيها ورحل، تعترف أمام نفسها أنها لم تكرهه، بل ازداد عشقها له بعد أن كانت تتلقى الأخبار والتطورات من شقيقته بعد أن انفصلا.
شعرت بقلبها يتراقص داخل قفصها الصدري بفرحة عارمة، لتعاود النظر إلى الآخر الذي كان ينظر إلى "رانڤير" بحقد دفين، فكان ابن عمها السكير الذي منذ زمن يصارع لامتلاكها فقط لجمالها الخارجي لا أكثر من ذلك، وكان والدها دومًا يقف له بالمرصاد أبيًا أن يعطيها له، حتى ظهر "رانڤير" وأخذها هو في الأخير، مما جعل الآخر يغضب بشدة متوعدًا لامتلاكها في يوم من الأيام، حتى جاء اليوم الذي انفصلا فيه، وقد سعى في امتلاكها في حالتها المتأربة تلك، ليرى "رانڤير" اليوم يعود من جديد للوقوف أمامه وأخذها من جديد له.
شعرت "فيرولا" بالخوف الشديد على "رانڤير" وعلى ابن عمها، فحـقده قد زاد تجاه الآخر، ولذلك سحب السكين بعنف ليقوم بجرح كف "رانڤير" الذي تألم وبدأ كفه بالنزيف بغزارة بعدما قام بوضع علامته عليه وجرحه جرحين وليس واحد. شعرت "فيرولا" بالرعب وسريعًا أمسكت بكفه تتفحصه بخوف وهي تنفخ به، لينظر لها "رانڤير" ليرى خوفها عليه.
لم يمت بل مازال حيًا ويحيا، اعتاد على هذا وأحبه بشدة، ولذلك حينما رأى خوفها أمام ناظريه الآن ابتسم وعلم أن ما كانت تقوله وتفعله كان ليس حقيقيًا فقط لرد كرامتها وكبريائها. أمسك بكفه الآخر، رفسها لتنظر هي إليه بعينين دامعتين والخوف يحتضنهما، ليقول بنبرة هادئة حنونة لأول مرة: "لا تخافي حبيبتي، سيلتئم الآن، لم يحدث شيئًا." "ولكن يا رانڤير، كفك ينزف بشدة، ألا ترى كيف تتساقط الدماء على الأرض؟
هكذا ردت عليه بنبرة لوعة ورعب تملك منها، ليرفع هو كفه المعافى يزيل عبراتها بأنامله بحنو عن صفحة وجهها قائلاً: "كفي وقلبي وروحي جميعهم فداء لك حبيبتي، هذا أقل شيء أقدمه لك، أريد التكفير عن أخطائي معك في الماضي وأن نبدأ معًا صفحة بيضاء خالية من الشوائب وكأننا نبدأ من جديد. أنا أحبك يا فيرولا، وإن بحثت فوق الظهر ظهرًا لن أجد امرأة مثلك تحبني مثلما تحبيني أنت."
إنها بالتأكيد تحلم وستستيقظ في أي لحظة لواقعها المؤلم، تتعايش معه مثلما اعتادت، فما تسمعه وتراه يجعلها تظن أنه حلم وسينتهي، فهذه أول مرة يخبرها أنه يحبها ومستعدًا للتضحية من أجلها دون أن يفكر مرتين. ألتفتت إليه بكامل جسدها وهي تنظر إليه بنظرة سعيدة لأول مرة، نظرة تعطيه أملًا جديدًا وفرصة أخرى لإصلاح ما تم كسره مسبقًا.
عانقته بسعادة لمرتها الأولى والبسمة مرتسمة على ثغرها، فهو من تريده من بين الرجال ولا أحد سواه، سطوة القلب هي دومًا ما تحرك المرء ولذلك لا أحد يستطيع أن يتحكم في مشاعره مهما قال وفعل. ضمها بذراعه الذي أصيب به كفه، مستشعرًا حنان ودِفء عناقها، لأول مرة عنّف نفسه على إضاعتها، ولكن لا ينفع الندم بعد فوات الأوان، ولكن أيضًا هناك أملًا في إعادة إصلاح ما تم هدمه، مازالت لديه الفرصة.
جن جنون الآخر حينما رأى هذا المشهد، ولذلك ازداد حقده أكثر، وخاطر من جديد وحاول هذه المرة إصابتها هي، فإن لم تكن له، فلن تكون لغيره، هذا ما أقنع نفسه به، ولذلك قبل أن تخترق السكين جسدها من جديد، منعه "رانڤير" الذي قبض بكفه المعافى على السكين يحميها وللثاني مرة من جديد، وهو يرمقه بنظرات حاقدة، ولذلك قام بجذب السكين هذه المرة منه وألقاها بعيدًا.
ما كان يمنعه من الاقتراب منه وإبراحه ضربًا هي "فيرولا" التي كانت متشبتة به، لم يرد إبعادها عنه، ولذلك ترك "أبهي" و "راهول" يتوليان الأمر، ليراهما يسحبانه خلفهما كما الذبيحة التي يتم سحبها. ألتفتت "فيرولا" برأسها تنظر إلى أثره بضيق، بعدما كان ينوي قتلها وانتهى الأمر بإيذاء حبيبها.
انسحبوا جميعهم من بينهم "سيهار" التي كانت تبتسم بعدما رأت حب "فيرولا" لم يمت تجاه أخيها، لتطمئن أن أخيها سيقوم بإصلاح الأمر ولن يعود إلا حينما يقوم بإعادة كل شيء لمكانه الصحيح. ابتعدت "فيرولا" عنه بهدوء بعدما أدركت ما يحدث حولها وأنها قد كشفت حقيقة مشاعرها أمامه. أما عنه، فقد نظر إليها بوجه مبتسم بعدما تأكد من مشاعرها الحقيقية وليست تلك الزائفة التي كانت تخرجها إليه، ليقول بنبرة هادئة:
"مشاعرك الحقيقية لن تتغير مهما حدث يا فيرولا، حتى وإن حاولت توضيح عكس ما تشعرين به في الواقع. رأيت اليوم الحب الصادق نابعًا من صميم قلبك لي، برغم ما حدث وفعلته مازلتي كما أنت لم تتغيري قط، ولذلك أريد أن أخبرك أنني تغيرت يا فيرولا، لقد تغيرت لنفسي أولًا ثم لأجلك أنت.
تركت هذا الحقير الذي كان يجعلك تضعين رأسك على الوسادة والعبرات تتساقط عليها، وأصبحت هذا الذي تريدينه أنت… فيرولا، رانڤير لا يستطيع أن يعيش إلا بوجودك في حياته. أريدك زوجتي وحبيبتي ومعشوقتي، أريد مرافقتك، دعينا نتزوج مرة أخرى." حسنًا، ما كانت تتوقعه بدأ يحدث بالفعل، لقد طلبها من جديد زوجته. أعترف بما يمكن أن بداخلة من مشاعر كانت مدفونة بداخله وأرادت من يقوم بإخراجها.
لا تنكر أن السعادة تغمرها الآن وتريد القفز بسعادة طاغية والبوح بما تشعر به، ولكن أرادت ملاعبته قليلًا، فلن تلبي ذلك له بسهولة. عقدت ذراعيها أمام صدرها ونظرت إلى الجهة الأخرى بتكبر وقالت: "لا أعلم إن كانت مشاعرك تلك صادقة أم لا، ولكن دعني أفكر في الأمر بتعمق أكثر حتى لا أكرر خطأي ذاك مرتين." "حقًا؟ أبعد هذا كله ومازلت تريدين التأكد من مشاعري؟ "فيرولا" لقد جرح كف يدي كي أنقذك من هذا الحقير الذي كان يريد أن يقتلك.
هكذا رد عليها بتهكم واضح وهو ينظر لها رافعاً كفه المجرُوح أمام وجهها ليرى اللامبالاة هي عنوانها مما جعله يشتعل غيظاً، ولكنه وجد طريقة أخرى من خلالها يستطيع إيقاعها في شباكه، ولذلك ابتسم بسمة خبيثة واحتضن المكر مقلتيه، وارتسمت بسمة عابثة على ثغره ليقترب منها بخطى هادئة وهو يقول: "حسنًا يا فتاة، فلتتحملي ما سيحدث لكِ الآن."
شعرت بالقلق من اقترابه ذاك، وتلك النظرة التي كان يشقها بها، ولذلك بدأت تعود إلى الخلف بخطى هادئة وهي تشعر به يقترب منها، ولذلك قبل أن تتخذ أي رد فعل كان هو يمنعها قائلاً بنبرة خبيثة: "تعلمين كم أنا حقير، ولن أهتم بمن حولنا." "حسنًا حسنًا حسنًا، توقف، سأفعل ما تريده، لكن لا تتهور."
هكذا ردت عليه بسرعة فائقة تردع فعله، ليتوقف هو حينها وهو ينظر لها منتصرًا، فيما زفرت هي بعمق ونظرت له بعدما فشلت في إخفاء مشاعرها عنه كثيرًا، لتقول بنبرة هادئة: "حسنًا، أنا أوافق على الزواج من جديد، ولكن إن حدث شيء آخر لم يروق لي، فسأنفصل، وهذه المرة دون عودة." "لن يكون هناك بعاد يا فتاة، فلن أتخلى عنكِ مرة أخرى مهما حدث."
هكذا جاوبها "رانفير" مبتسم الوجه، ليرى بسمتها تزين ثغرها أخيرًا من جديد، لتتسع بسمته كذلك وهو ينظر لها ليشعر بالسعادة تغمر قلبه لأول مرة، ولذلك لم ينتظر كثيرًا ليأخذها ويذهب كي يتمم زواجهما من جديد، وهذه المرة كانت مختلفة عن المرات السابقة، فهذه المرة الاثنين يحيا ويعيشا لحظة مختلفة. ***
منذ زمن والجميع يطارده دون ملل، من الحين للآخر الأصفاد الحديدية تعانق رسغيه وجسده يستقبل العديد من الضربات العنيفة والمؤلمة دون رحمة أو شفقة، روح نقية بريئة تجاهد في الأرض لتعاليم شريعة الله الصحيحة، وأشرار الأرض يسعون لإسكات هذا الصوت منذ سنوات، ولكن صاحب الحق لا يستسلم ولا ييأس من الأمر، وإن كان هذا سبب موته، فهو مرحبًا به وبشدة، فهو لا يرتكب جريمة فاحشة ولا يفعل ما يغضب رب العالمين منه، ولذلك اتخذ السعي منهجًا حتى آخر نفس سيخرج منه وتفارق روحه الحياة بعدها.
قام بفتح المسجد وولج ملقيًا السلام، ليبدأ بتشغيل الأضواء وتجهيز المسجد استعدادًا لرفع آذان العشاء واستقبال المصلين، قام بتسوية صف من المقاعد لكبار السن ولمن ليس بقادر على السجود، وقام بوضع الأكواب البلاستيكية لمبردات المياه، ومن ثم بدأ بنثر المعطر في أنحاء المسجد، لحظات وولج "نادر" بعدما رأى المسجد مفتوحًا، ليرى "رمزي" يستعد لرفع الآذان، ولذلك اقترب منه وقام بإلقاء السلام عليه بوجه مبتسم، ليرد "رمزي" عليه السلام مبتسمًا
ليقول: "إلحق، أتوضأ بقى وتعالى عشان تلحق الصف التاني، لأن هتلاقي دلوقتي الناس بدأت تدخل ومش هتلحق، لإن ما شاء الله الحارة كلها بتيجي تصلي أول ما بيسمعوا صوتي وأنا برفع الأذان." ابتسم "نادر" وقال بنبرة هادئة يرد عليه ممازحًا إياه: "ربنا يحبب فيك خلقه يا حبيبي، ولأمانة يعني صوتك الله أكبر عليه، كروان." "الله يبارك لك يا حبيبي، أشكرك."
هكذا رد عليه "رمزي" مبتسمًا، ثم تركه يذهب كي يتوضأ، ليذهب هو ليقف أمام مكبر الصوت ليبدأ برفع الآذان بصوته العذب الهادئ، يرفع الآذان بصوته الذي يتغلغل إلى القلوب يريحها، بدأ الناس بالولوج إلى المسجد بمنتـهى الأعمار المختلفة لتأدية الصلاة، ولج "بشير" رفقة أخيه "أكرم"، ومعه كذلك "يوسف" و"سراج"، وفي الأخير "منصف" و"لؤي".
أنهى "رمزي" رفع الآذان ليقوم بإغلاق المكبر، ثم التفت خلفه ليجد أصدقائه حاضرين كما وعدوه بأن يلتزمون في تأدية فرائضهم بميعادها، ابتسم إليهم، ولذلك اتجه نحوهم بخطى هادئة حتى وصل إليهم وقال مبتسم الوجه: "حاسس إني بحلم، لأمانة يعني." "لا يا عين أمك، كأننا ملحدين يعني ولا إيه؟ هكذا رد عليه "لؤي" بوقاحته المعتادة، ليرد "رمزي" عليه بنبرة هادئة مبتسم الوجه قائلًا:
"أولًا يا لؤي، مينفعش تشبه المسلم بالملحد، ولا أي حد من الديانات الأخرى، أنت مسلم يعني ليك دين وأسس بتمشي عليها وشريعة إسلامية بتعمل بيها، المسيحي نفس الشيء له دينه وأسس بيمشي عليها، اليهودي نفس الكلام، إنما الملحد دا اللي معندوش دين عايشها كدا أي حاجة بالنسباله مباحة، ولو سألته وقولتله مين ربنا، استغفر الله العظيم، هيقولك مفيش رب، أنت متخيل العقل واصل لفين؟
ولذلك متشبهش نفسك بالملحد، واحمد ربنا إنك اتولدت على دين من أديان ربنا السماوية." وحينما أنهى حديثه جاء الرد من "يوسف" الذي اقترب منه بخطى هادئة معانقًا إياه دون أن يتحدث، ليتفاجأ "رمزي" برد رفيقه، ولكنه ابتسم وبادله العناق مربتًا على ظهره برفق دون أن يتحدث، ابتعد "يوسف" بعد مرور ثوانٍ، ليأتي قول "بشير" الذي أشار تجاه وجهه مبتسمًا: "الدقن محلياك أوي يا رمزي، لايقة عليك جامد، أوعى تحلقها بقى."
"بصراحة آه، الواد بشير عنده حق." هكذا وافقه "سراج" الرأي مبتسمًا، لتتسع بسمة "رمزي" الذي قال بنبرة هادئة: "عشان خاطركم مش هحلقها، هبقى أخففها من الوقت للتاني، عشان المدام حبتها برضوا وحلفت لو شيلتها ما هتدخلني البيت أسبوع." أنهى حديثه بعدما ظهر خوفه من تهديد زوجته، ليضحكوا جميعًا على حديثه، وقد شاركهم هو كذلك الضحك، ليأتي قول "منصف" الممازح:
"بقيت تخاف يا شيخنا من المدام، شوفت اللي حصلك، من عاب في شيء ابتلى به، عشان تعيب حلو بعد كدا وتفرح فينا، أديك بقيت واحد منا." "لا يا عم خلاص حرمت والله مرة ومش هتتكرر تاني... طب لو عملت كدا على عربية مرسيدس هبتلي بيها؟ هكذا أنهى حديثه المرح بسؤال يجهل إجابته، ليتلقى الرد من "يوسف" الذي قال: "جرب ولو مشيت أعمل زيك." "وأشمعنى أنا الأول يعني؟ في كل حاجة بتجربوا فيا الأول عشان لو جرالي حاجة تاخدوا حذركم؟
هكذا رد عليه "رمزي" ساخرًا، ليأتي الرد من "لؤي" الذي قال بصراحة تامة: "متقولش كدا ياض، دا أنت حبيبي، منقدرش نستغنى عنك مهما حصل." "حبيبي يا خويا."
هكذا رد عليه "رمزي" مبتسمًا، وبعد مرور دقائق بدأ "رمزي" إقامة الصلاة، وبعدها بدأ يصلي بهم ويتلو ما تيسر من آيات الذكر الحكيم، على الجهة الأخرى، في محل "فتوح وفتحي" الأخوين اللذان لا ينويان على خير ألبتة، يجلس "فتوح" أمام باب المحل الخاص به وهو يدخن السيجارة ببرود، ينتظر المشهد المفضل الذي سيحدث بعد قليل، خرج "فتحي" من الداخل وجلس بجوار أخيه ونظر إليه، ليرى السعادة بادية على معالم وجهه، ولذلك عقد ما بين حاجبيه وسأله قائلًا:
"مالك مبسوط أوي كدا ليه؟ في مصيبة جديدة بتحضر لها؟ "بصراحة بقى آه." هكذا رد عليه "فتوح" مبتسم الوجه، وكأنه سيشاهد مشهدًا من فيلم جديد يعرض على شاشة السينما لمرته الأولى، تعجب "فتحي" كثيرًا وشعر بالقلق من ما سيفعله أخيه المختل ذاك، والذي لن يصمت إلا حينما يتم إلقاء القبض عليه ويتم الزج به في السجن، تمنى أن يهدأ أخيه عن إثارة غيظهم. بعد مرور الوقت.
خرجوا جميعهم من المسجد وهم يتحدثون ويتبادلون الضحكات الخفيفة والمزحات الصبيانية، فيما كان "رمزي" يغلق المسجد وهو يستمع إليهم ويبتسم بين الفينة والأخرى، نزل عدة درجات ووقف بينهم يستمع إلى حديثهم بوجه مبتسم لبرهة من الوقت، حتى توقفت بالقرب منهم سيارة كبيرة بعض الشيء تسمى في اللغة الدارجة "ميكروباص"، ليترجل منها رجل يظهر عليه الصرامة. نظروا جميعهم إلى السيارة وإلى الرجل، ليزفر "رمزي" بقلة حيلة قائلًا: "تاني؟
مش معقول بجد." وقف الرجل أمام "رمزي" الذي ابتسم له وضَم يديه إلى جانب بعضهما البعض قائلًا: "تفضل، أنا عارف إنكم جايين مخصوص عشاني." نظر "يوسف" إلى الرجل تارة وإلى رفيقه تارة أخرى، وهو يشعر بالتعجب ولا يفهم شيئًا، ليتحدث بنبرة هادئة يسأل عن سبب اعتقال صديقه: "إيه يا أستاذ؟ هتاخدوه ليه؟ هو عمل إيه؟ نظر إليه الرجل وأجابه بنبرة صارمة قائلًا: "أمن دولة، أتقدم فيه شكوى من ساكن في الحارة."
صُدموا جميعهم، لينظر "يوسف" إلى صديقه الذي ابتسم له وقال بنبرة هادئة يوصيه على أهل بيته: "عيلتي أمانة في رقبتك يا يوسف، أمي و"تسنيم" و"قمر"، أمانة في رقبتك، متسبيهمش لوحدهم، وبالذات "تسنيم" في شهور حملها الأخيرة، خلي أمي تاخد بالها منها ومتسيبهاش لحظة واحدة." وضع "يوسف" كفه على كتف رفيقه وشعر بالضيق حيال ما يحدث معه، لـيطـمئنه بقوله القوي:
"متقلقش، هترجع على طول، وأنت اللي هتاخد بالك منهم كلهم، مش هسيبك مهما حصل، سامعني؟ هتصرف، وعد." ابتسم له "رمزي" ثم طاف ببصره للمرة الأخيرة على أصدقائه قبل أن يتحرك مع الرجل يستقل السيارة، ليتحرك سائقها مودعًا "رمزي" عائلته وأصدقائه، أصابتهم الحزن جميعًا دون استثناء والغضب كذلك، فهذه أول مرة يتم اعتقاله منذ أن جاء إلى الحارة، تحدث "يوسف" بنبرة حادة وهو يستعد للذهاب قائلًا:
"لازم نحط حد للموضوع دا ونشوف هنخرجه إزاي، أنا مستحيل أسيبه يوم واحد هناك." تحركوا جميعهم خلفه واحدًا تلو الآخر وهم ينتوون على السير نهج طريقه، فهو صديقهم أيضًا وسلامته من سلامتهم أيضًا، وحياته هي الأهم بالنسبة إليهم، وصلوا بعد برهة من الوقت إلى حارتهم وبالتحديد أسفل بناية "يوسف" الذي كان يفكر في هذا الحقير المتخاذل الذي قدم هذا المسكين تلك الشكوى، فلـيهدأ إلا حينما يأتي بحق هذا الحبيب وإخراجه من هذا المعتقل.
"هنعرف مراته إزاي دي روحها فيه، لو عرفت أكيد هتترعب عليه؟ هكذا قال "لؤي" يسألهم ماذا عليهم أن يفعلوا وكيف سيقومون بإخبار زوجته، فجميعهم يعلمون جيدًا أنها لا تحب "رمزي" فحسب، بل هي تعشقه، ولذلك كان من الصعب عليهم إخبارها بالحقيقة، ولذلك التزموا الصمت جميعهم، فجأة كل واحد منهم يفكر ماذا سيفعل في هذه الورطة، حتى خطرت الفكرة رأس "يوسف" الذي قال قبل أن يتجه إلى بناية رفيقه التي كانت في مقابلة بنايته:
"أنا لقيتها، خليكم هنا شوية وراجع." أردف بها ومن ثم تحرك مسرعًا نحو البناية، عازمًا على تنفيذ ما جال بخاطره، وصل إلى الطابق الذي تمكث به والدته، ليبدأ الطرق على الباب بهدوء عدة مرات، حتى سمع صوتها يخبره بقدومها، لحظات وفتحت الباب لتراه أمامها، مما جعلها تبتسم له، ومن ثم تقوم بالترحيب به بحفاوة قائلة: "أهلًا وسهلًا يا حبيبي، يا خطوة عزيزة، اتفضل يا ابني، أنت مش غريب."
ابتسم "يوسف" لها، لـيلـبي مطلبها بالفعل ويولج إلى الداخل، لتقوم هي بإغلاق الباب والالتفات له قائلة بنبرة هادئة مبتسمة الوجه: "ادخل يا حبيبي، أنت مش غريب، اتفضل تعالى."
تحركت إلى الداخل وهي ترحب به، ليلحق بها وهو يفكر كيف سيقول إليها شيئًا كهذا، فبالتأكيد ستمرض، خصوصًا أن "رمزي" ولدها الوحيد ومحور حياتها بالكامل، وبعد أن قدمت له كرم الضيافة وجلست برفقته، نظر هو إليها يبتلع غصته بتروٍ، وقد شعر بالقليل من التوتر، ليتحلى ببعض الشجاعة ويبدأ في التحدث بنبرة هادئة وهو ينظر إليها قائلًا:
"اسمعيني كويس يا أمي، وبالله عليكِ، اللي هقولهولك دا مش عايز أم "قمر" تعرف عنه حاجة مهما حصل، دا سر بيني وبينك." "طبعًا يا حبيبي، قول متخافش، أسرار الناس كلها معايا فأمان، لأن دي أمانة مينفعش أخونها مهما حصل." هكذا جاوبته والدة "رمزي" بوجه مبتسم وبشوش تطمئنه، ليصمت هو ثوانٍ يتحـلى بالهدوء قبل أن يقول مجددًا:
"بصراحة يا أمي، "رمزي" اتـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ
ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ
ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ
ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ
ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ
ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ617;
"إيه!! "رمزي" ابني أنا! ليه عمل إيه ابني طول عمره في حاله لا بيضايق حد ولا بيزعل حد منه خدوه ليه وحصل أمتى الكلام دا. هكذا جاء ردها الصادم تهتف بعدم تصديق وفزع على ولدها ليقوم "يوسف" بتهدئتها وهو يربت على ظهر كفها برفق يطمئنها قائلا: _متخافيش "رمزي" معملش أي حاجة لحد ولا عمره أذى حد...
بس ولاد الحرام كتير وبتوع أذية لا بيرحموا ولا بيسيبوا رحمة ربنا تنزل. بس هو بريء والله وأنا واثق إن الشكوى دي غرضها انتقام. صدقيني ربنا دايما بيقف مع المظلوم ودي محنة وهتعدي. محدش فينا هيسيبه لحظة واحدة...
هو وصاني عليكم قبل ما يمشي وأكد على أم "قمر" عشان هي تعبانة الفترة دي وفشهور حملها الأخيرة بيوصيك عليها وبيقولك متسبهاش لحظة. وأنتم في حمايتي وأمانة في رقبتي لحد ما يرجع. وبصراحة عشان مخبيش عليك الله أعلم هيقعد هناك قد إيه لأنه ممسوك أمن دولة ومش بالسهل يخلوا سبيله ويمشي.
بدأت "نجلاء" تبكي حزنا وقهرا على ولدها الحبيب الذي على مدار هذه السنوات التي مضت لم ترى منه إلا الخير والعطاء والمحبة. هي تعلم ولدها جيدا ولذلك تسأل لم يتم إيذاءه بهذه الطريقة وما المستفاد من هذا الفعل؟ تدرعت إلى ربها وهي تشكو له وتدعو على من فعل هذا وقام بإيذاء ولدها الحبيب. فيما حزن "يوسف" كثيرا عليها وآلمه قلبه وقد بدأ يفكر ماذا عليه أن يفعل فلن يهدأ إلا حينما يعود من جديد.
وحينما يطالب القلب صاحبه بحبيب تنتتهي أفكاره وتظل واحدة حية بداخله وهي كيف يقوم بإمتلاكها؟ حينما يحب القلب لا يفكر إلا بحبيبه ويبدو أنه قد سقط في بئر العشق ولن يستطيع الخروج إلا على مجاورة من يحب. يجلس في غرفة المعيشة ينتظر مجيئها بعد أن أخبرته أنها ستؤجل الزيارة حتى حلول المساء. ولن يتبقى سوى دقائق معدودة وتحضر في أي وقت. داعبت روائح الطعام اللذيذة أنفه ليبتسم قائلا بنبرة عالية بعض الشيء:
_الله على الحلاويات إيه الريحة الجامدة دي تسلم الأيادي. جاءه صوتها العالي من الداخل حينما ردت عليه قائلة: _تسلم يا حبيبي من كل شر. تعالى دوق طيب وقولي رأيك بدل ما أتفضح قدام البت وهي لسه أول زيارة. نهض هو متجهًا إليها بخطى هادئة بوجه مبتسم قائلا: _إيه الكلام الماسخ دا بس يا ست الكل. دا أنت أكلك سكر والله يعني أنا مدوقتش قبل كدا. ولج إليها ليشم روائح عديدة طيبة وشهية ليشعر بكركرة معدته ليقول بنبرة ضاحكة مبتسم الوجه:
_اللهم صل على النبي إيه الجمال دا إيه الروايح التحفة دي. محاشي وفراخ وشوربة دي وليمة يا ستي مش عزومة فرد. _ولو يا حبيبي إحنا أهل كرم برضوا. وبعدين وإيه يعني لو فرد واحد هي مش ضيفة برضوا بدل ما تقول علينا ناس بخلة وإحنا أهل كرم أصلا. هكذا ردت "هناء" عليه وهي مندمجة في إعداد الطعام لتتلاشى بسمة "بشير" الذي تذكر اعتقال "رمزي" ليظهر الحزن مليا على تقاسيم وجهه. لمحته "هناء" بطرف عينها لتعقد ما بين حاجبيها
قائلة بنبرة متسائلة: _مالك قلبت وشك كدا ليه والضحكة اختفت. _مضايق أوي بسبب اللي حصل لـ "رمزي". معرفش خدوه أمن دولة ليه بجد هو عمل إيه دا ماشي زي الألف مبيعلمش أي حاجة غلط. هكذا جاوبها "بشير" بنبرة يظهر بها الضيق الشديد لتجاوبه "هناء" بنبرة هادئة قائلة:
_ولاد الحرام هنا كتير يا حبيبي ومبيتمنوش الخير لحد. بس إن جيت للحـق أنا شاكة فالواد اللي اسمه "فتوح" دا. عندي إحساس قوي بيقولي إن هو اللي بلغ عنه معرفش ليه. طول عمره الواد دا شراني ومش بتاع خير أبدا. سبق وكان عايز يتجوز "مها" أخت "يوسف" و "يوسف" وقتها رفضه. بعدين أخوه "فتحي" كان عاوز يتجوز "بيلا" أختك. والله يسامحه أبوك سمعله وبهدلها وأضطريت أجوزها "يوسف". تربيتي وهأمن له على بنتي. بس هنقول إيه بقى خلاص اللي حصل حصل.
نظر إليها "بشير" بهدوء وجاء سؤاله الهادئ حينما قال: _يعني أنت ندمانة إنك جوزتيهاله دلوقتي ولا إيه مش فاهم.
_لا طبعًا مش ندمانة وبالعكس لو الزمن رجع بيا لورا تاني هجوزهاله برضوا. "يوسف" دا واد مجدع حمش كدا وبيخاف على أهل بيته وشاب يؤتمن عليه وذكي. مخيبش ظني فيه وقتها وطلع قد المسؤولية. رغم إنه كان متجوزها كحماية بس منهم لوقت مؤقت وكل حاجة هتنتـ ـهي. بس سبحان الله ربنا كان له حكمة والجوازة كملت وهي حبته بعدين ومبقتش قادرة تبعد عنه وبتخاف عليه أوي. ربنا يباركلهم في حياتهم جابولي حفيدتين زي القمر وخلوني جدة وأنا لسه صغيرة.
نظر إليها "بشير" نظرة ذات معنى بعد أن أنهت كلماتها الأخيرة لبرهة من الوقت قبل أن يقول موافقًا إياها الرأي كي لا يتم طرده من المنزل: _آه طبعًا عندك حق يا ست الكل. كبروكي وأنت لسه صغيرة. بس هنقول إيه بقى شقاوة عيال. دام الصمت في المكان بعد أن أنهى حديثه لبرهة من الوقت لتقطعه هي حينما قالت بنبرة هادئة:
_عايزة أفرح بيك يا "بيشو" أنت كمان. عايزة أشوفك عريس زي القمر كدا وتبقى تالت عيل من عيالي أجوزه. جوزت اتنين وفاضلي اتنين. أبتسم "بشير" حينما رأى بسمتها تزين ثغرها وهي تتخيل هذا اليوم الذي سيصبح به رجلًا مسؤولًا عن منزل وزوجة. ليقف بجوارها يحاوط كتفيها بذراعه الأيسر قائلا بنبرة هادئة مبتسمًا:
_بصي هو لأجل الأمانة أنا لسه مش متأكد أوي من مشاعري. بس بعد قعدة النهاردة ممكن أقولك. وأنا لو متأكد فعلًا مش هخبي عليك. بالعكس هقولك لأن فرحتك وسعادتك من سعادتي. أبتسمت هي له بعد أن أستمعت إلى حديثه الذي أسعد قلبها لتنظر إليه بوجه مبتسم قائلة: _بإذن الله يا حبيبي وأنا أكيد هحبها أول ما أشوفها وهتمنالك كل خير. دا يبقى يوم المنى لم ألاقيك أستقريت في بيتك.
لثم رأسها بحنو وربت على ذراعها برفق وتركها تكمل إعداد الطعام حتى مر الوقت وأنهت هي تجهيز كل شيء. صدح رنين هاتفه عاليًا يعلنه عن اتصال هاتفي منها ليقوم بالرد عليها لثوان قبل أن يغلق معها أسفل نظرات "هناء" التي قالت بنبرة هادئة: _إيه يا حبيبي جت ولا لسه. _آه تحت هنزلها عشان مسيبهاش لوحدها والزفت دا موجود. أنهى حديثه ونهض من مجلسه ذاهبًا إلى باب الشقة ليسمع "هناء" حينما قالت بنبرة ماكرة:
_أيوه يا أبو قلب حنين يا خشـ ـن أنت. أبتسم هو إليها قبل أن يغلق الباب خلفه لتنهض هي من جلستها تأخذ حجاب رأسها الذي وضعته على رأسها وهي تتجه إلى الشرفة لتراها. أما على ذكرها فقد صفت سيارتها أسفل إحدى البنايات الأخرى وهي تنتظره. أما عنه فقد خرج من البناية ووقف ينظر حوله يبحث عن سيارتها حتى رآها تصف أسفل بناية أخرى ليؤشر إليها بذراعه لتترجل هي منها مغلقة إياها. ثم اقتربت منه بخطى هادئة تبتسم له. صافحته "بـسنت"
بوجه مبتسم قائلة: _أزيك يا "بشير" عامل إيه. أبتسم "بشير" وأجابها بنبرة هادئة قائلا: _كويس الحمد لله. أنت عاملة إيه كويس إنك عرفتي تيجي. أنا عارف إن المكان بعيد عليك. أجابته بنبرة هادئة وهي تبتسم له قائلة: _الحمد لله أنا كويسة. أهو الحمد لله عرفت أجي. هو أينعم بعيد شوية بس مش مشكلة هاجي حتى لو في آخر الدنيا يعني. أبتسم "بشير" لها وقبل أن يأخذها ويصعدا أوقفها حينما استأذنها قائلا:
_معلش ثواني بس هروح أوصي على العربية عشان ولاد الحرام هنا كتير. حركت رأسها برفق له وهي تبتسم إليه ليتركها هو ويذهب إلى "ثريا" بخطى هادئة أسفل نظراتها له. فيما وقف هو أمام محلها وقال بنبرة هادئة: _السلام عليكم ورحمة الله وبركاته يا ست أم "حسن". نظرت إليه "ثريا" وقد ردت السلام عليه بوجه مبتسم وقالت: _أؤمرني يا حبيبي محتاج حاجة. _الأمر لله وحده معلش بس طلب صغير تخلي بالك من العربية دي.
هكذا قال يستسمحها بوجه مبتسم لتبتسم هي في المقابل ترد عليه قائلة: _عيوني يا حبيبي بس كدا فعنيا لحد ما صاحبها ياخدها. _تسلم عيونك يا ست الكل منتـ ـحرـ ـمش منك.
هكذا رد "بشير" عليها ثم تركها وعاد إلى "بـسنت" مبتسم الوجه ليصعد هو أولًا ثم تلحق هي به. كل هذا أسفل نظرات "هناء" المبتسمة والتي ولجت إلى الداخل وذهبت إلى باب شقتها لتقوم بفتح الباب تنتظرهما. ثوان وكان "بشير" أمامها ترافقه "بـسنت" التي أبتسمت لها ورحبت بها لتـ ـعانقها "هناء" تستقبلها بحفاوة شديدة وهي لا تـ ـود تركها أسفل نظرات "بشير" المبتسم وكذلك "بـسنت" التي ربتت على ظهرها برفق.
بعد الترحاب وتقديم كرم الضيافة كانوا يجلسون ثلاثتهم وهم يتبادلون أطراف الحديث حتى أثنت "هناء" على جمالها قائلة: _بسم الله ما شاء الله عليك زي القمر يا "بـسنت". لايقة على "بـشير" أوي. تفاجئ "بشير" من حديثها ولذلك جحظت عينيه بـ ـصدمة وهو ينظر إليها. فيما خجلت "بـسنت" من حديثها ولذلك ابتلعت غصتها بترو وهي تنظر أرضًا. فيما أدركت "هناء" حديثها ولذلك ابتسمت وقالت:
_قصدي فيكم شبه من بعض يعني. زي القمر ربنا يحميكم ويحفظكم يارب. قوليلي يا "بـسنت" إيه رأيك فـ "بـشير". جحظت عينين "بـسنت" بـ ـصدمة واضحة حينما سمعت حديث "هناء" ومعها "بـشير" الذي نظر إليها ليرى الخجل طـ ـاغيًا على تقاسيم وجهه. ولذلك ابتلع غصته بترو وقال بنبرة خجولة: _يا ست الكل ميصحش كدا. قربت أشـ ـق هدومي من الإحراج. ما بالك بيها هي. ما تطلبي المأذون بالمرة وتجيبي شهود ونخلص.
_لا لا متستعجلش كل حاجة هتيجي واحدة واحدة. هكذا ردت عليه "هناء" مبتسمة الوجه لتكتسي الـ ـحمرة وجه "بـسنت" التي كانت تتمنى أن تنشق الأرض وتبتلعها في هذه اللحظة. نظر إليها "بشير" وقد سعل لتنظر إليه "هناء" قائلة: _مالك يا "بـشير" بتكح ليه يا حبيبي. _مفيش يا حبيبتي أنا بس شرقت. ممكن تجيبيلي ميه. هكذا جاوبها "بشير" مبتسمًا لتحرك هي رأسها برفق قائلة بنبرة هادئة مبتسمة الوجه: _آه طبعًا ثواني وتكون عندك.
أنهت حديثها وذهبت لجلب كأس الماء. فيما تابعها هو حتى اختفى أثرها لينظر بعدها إلى "بـسنت" معتذرًا منها قائلا: _أنا حقيقي آسف جدًا على الكلام اللي قالته. هي فرفوشة حبتين وبتحب تهزر بس مش أكتر. أبتسمت "بـسنت" بسمة خفيفة إليه وحركت رأسها برفق توافق على حديثه دون أن تتحدث ليبتسم هو إليها ويعاود النظر إلى "هناء" التي جاءت تعطيه كأس الماء ليأخذه هو مرتشفًا القليل ليأتي قولها وهي تنظر إلى "بـسنت" مبتسمة الوجه:
_منورانا والله يا "بـسنت". أبتسمت لها "بـسنت" وقالت بنبرة هادئة خجولة: _بنور حضرتك والله يا طنط. شكرًا لذوقك والله.
بدأت "هناء" تتحدث معها وسرعان ما اندمجت "بـسنت" في الحديث معها أسفل نظرات "بشير" الذي كان يتابعهما مبتسم الوجه. وقد شاركهم مؤخرًا الحديث ليبدأ التحدث مع "بـسنت" بعد أن تلاشى الخجل وأصبحا يتحدثان وكأنهما صديقين منذ زمن. كان كل هذا أسفل نظرات "هناء" المبتسمة والتي كانت تتابعهما بهدوء وهي ترى التشابه الكبير بينهما لتدعو لهما بالخير الكثير والسعادة الراحة. فأمنت حياتها أن تراه سعيدًا في حياته وأن يجد شريكة حياته حتى يستقر في حياته. فهذا ما ينقصه كما ترى هي.
يتبع... ليه عمل إيه ابني طول عمره في حاله لا بيضايق حد ولا بيزعل حد منه خدوه ليه وحصل أمتى الكلام دا. هكذا جاء ردها الصادم تهتف بعدم تصديق وفزع على ولدها ليقوم "يوسف" بتهدئتها وهو يربت على ظهر كفها برفق يطمئنها قائلا: _متخافيش "رمزي" معملش أي حاجة لحد ولا عمره أذى حد...
بس ولاد الحرام كتير وبتوع أذية لا بيرحموا ولا بيسيبوا رحمة ربنا تنزل. بس هو بريء والله وأنا واثق إن الشكوى دي غرضها انتقام. صدقيني ربنا دايما بيقف مع المظلوم ودي محنة وهتعدي. محدش فينا هيسيبه لحظة واحدة...
هو وصاني عليكم قبل ما يمشي وأكد على أم "قمر" عشان هي تعبانة الفترة دي وفشهور حملها الأخيرة بيوصيك عليها وبيقولك متسبهاش لحظة. وأنتم في حمايتي وأمانة في رقبتي لحد ما يرجع. وبصراحة عشان مخبيش عليك الله أعلم هيقعد هناك قد إيه لأنه ممسوك أمن دولة ومش بالسهل يخلوا سبيله ويمشي.
بدأت "نجلاء" تبكي حزنا وقهرا على ولدها الحبيب الذي على مدار هذه السنوات التي مضت لم ترى منه إلا الخير والعطاء والمحبة. هي تعلم ولدها جيدا ولذلك تسأل لم يتم إيذاءه بهذه الطريقة وما المستفاد من هذا الفعل؟ تدرعت إلى ربها وهي تشكو له وتدعو على من فعل هذا وقام بإيذاء ولدها الحبيب. فيما حزن "يوسف" كثيرا عليها وآلمه قلبه وقد بدأ يفكر ماذا عليه أن يفعل فلن يهدأ إلا حينما يعود من جديد.
وحينما يطالب القلب صاحبه بحبيب تنتتهي أفكاره وتظل واحدة حية بداخله وهي كيف يقوم بإمتلاكها؟ حينما يحب القلب لا يفكر إلا بحبيبه ويبدو أنه قد سقط في بئر العشق ولن يستطيع الخروج إلا على مجاورة من يحب. يجلس في غرفة المعيشة ينتظر مجيئها بعد أن أخبرته أنها ستؤجل الزيارة حتى حلول المساء. ولن يتبقى سوى دقائق معدودة وتحضر في أي وقت. داعبت روائح الطعام اللذيذة أنفه ليبتسم قائلا بنبرة عالية بعض الشيء:
_الله على الحلاويات إيه الريحة الجامدة دي تسلم الأيادي. جاءه صوتها العالي من الداخل حينما ردت عليه قائلة: _تسلم يا حبيبي من كل شر. تعالى دوق طيب وقولي رأيك بدل ما أتفضح قدام البت وهي لسه أول زيارة. نهض هو متجهًا إليها بخطى هادئة بوجه مبتسم قائلا: _إيه الكلام الماسخ دا بس يا ست الكل. دا أنت أكلك سكر والله يعني أنا مدوقتش قبل كدا. ولج إليها ليشم روائح عديدة طيبة وشهية ليشعر بكركرة معدته ليقول بنبرة ضاحكة مبتسم الوجه:
_اللهم صل على النبي إيه الجمال دا إيه الروايح التحفة دي. محاشي وفراخ وشوربة دي وليمة يا ستي مش عزومة فرد. _ولو يا حبيبي إحنا أهل كرم برضوا. وبعدين وإيه يعني لو فرد واحد هي مش ضيفة برضوا بدل ما تقول علينا ناس بخلة وإحنا أهل كرم أصلا. هكذا ردت "هناء" عليه وهي مندمجة في إعداد الطعام لتتلاشى بسمة "بشير" الذي تذكر اعتقال "رمزي" ليظهر الحزن مليا على تقاسيم وجهه. لمحته "هناء" بطرف عينها لتعقد ما بين حاجبيها
قائلة بنبرة متسائلة: _مالك قلبت وشك كدا ليه والضحكة اختفت. _مضايق أوي بسبب اللي حصل لـ "رمزي". معرفش خدوه أمن دولة ليه بجد هو عمل إيه دا ماشي زي الألف مبيعلمش أي حاجة غلط. هكذا جاوبها "بشير" بنبرة يظهر بها الضيق الشديد لتجاوبه "هناء" بنبرة هادئة قائلة:
_ولاد الحرام هنا كتير يا حبيبي ومبيتمنوش الخير لحد. بس إن جيت للحـق أنا شاكة فالواد اللي اسمه "فتوح" دا. عندي إحساس قوي بيقولي إن هو اللي بلغ عنه معرفش ليه. طول عمره الواد دا شراني ومش بتاع خير أبدا. سبق وكان عايز يتجوز "مها" أخت "يوسف" و "يوسف" وقتها رفضه. بعدين أخوه "فتحي" كان عاوز يتجوز "بيلا" أختك. والله يسامحه أبوك سمعله وبهدلها وأضطريت أجوزها "يوسف". تربيتي وهأمن له على بنتي. بس هنقول إيه بقى خلاص اللي حصل حصل.
نظر إليها "بشير" بهدوء وجاء سؤاله الهادئ حينما قال: _يعني أنت ندمانة إنك جوزتيهاله دلوقتي ولا إيه مش فاهم.
_لا طبعًا مش ندمانة وبالعكس لو الزمن رجع بيا لورا تاني هجوزهاله برضوا. "يوسف" دا واد مجدع حمش كدا وبيخاف على أهل بيته وشاب يؤتمن عليه وذكي. مخيبش ظني فيه وقتها وطلع قد المسؤولية. رغم إنه كان متجوزها كحماية بس منهم لوقت مؤقت وكل حاجة هتنتـ ـهي. بس سبحان الله ربنا كان له حكمة والجوازة كملت وهي حبته بعدين ومبقتش قادرة تبعد عنه وبتخاف عليه أوي. ربنا يباركلهم في حياتهم جابولي حفيدتين زي القمر وخلوني جدة وأنا لسه صغيرة.
نظر إليها "بشير" نظرة ذات معنى بعد أن أنهت كلماتها الأخيرة لبرهة من الوقت قبل أن يقول موافقًا إياها الرأي كي لا يتم طرده من المنزل: _آه طبعًا عندك حق يا ست الكل. كبروكي وأنت لسه صغيرة. بس هنقول إيه بقى شقاوة عيال. دام الصمت في المكان بعد أن أنهى حديثه لبرهة من الوقت لتقطعه هي حينما قالت بنبرة هادئة:
_عايزة أفرح بيك يا "بيشو" أنت كمان. عايزة أشوفك عريس زي القمر كدا وتبقى تالت عيل من عيالي أجوزه. جوزت اتنين وفاضلي اتنين. أبتسم "بشير" حينما رأى بسمتها تزين ثغرها وهي تتخيل هذا اليوم الذي سيصبح به رجلًا مسؤولًا عن منزل وزوجة. ليقف بجوارها يحاوط كتفيها بذراعه الأيسر قائلا بنبرة هادئة مبتسمًا:
_بصي هو لأجل الأمانة أنا لسه مش متأكد أوي من مشاعري. بس بعد قعدة النهاردة ممكن أقولك. وأنا لو متأكد فعلًا مش هخبي عليك. بالعكس هقولك لأن فرحتك وسعادتك من سعادتي. أبتسمت هي له بعد أن أستمعت إلى حديثه الذي أسعد قلبها لتنظر إليه بوجه مبتسم قائلة: _بإذن الله يا حبيبي وأنا أكيد هحبها أول ما أشوفها وهتمنالك كل خير. دا يبقى يوم المنى لم ألاقيك أستقريت في بيتك.
لثم رأسها بحنو وربت على ذراعها برفق وتركها تكمل إعداد الطعام حتى مر الوقت وأنهت هي تجهيز كل شيء. صدح رنين هاتفه عاليًا يعلنه عن اتصال هاتفي منها ليقوم بالرد عليها لثوان قبل أن يغلق معها أسفل نظرات "هناء" التي قالت بنبرة هادئة: _إيه يا حبيبي جت ولا لسه. _آه تحت هنزلها عشان مسيبهاش لوحدها والزفت دا موجود. أنهى حديثه ونهض من مجلسه ذاهبًا إلى باب الشقة ليسمع "هناء" حينما قالت بنبرة ماكرة:
_أيوه يا أبو قلب حنين يا خشـ ـن أنت. أبتسم هو إليها قبل أن يغلق الباب خلفه لتنهض هي من جلستها تأخذ حجاب رأسها الذي وضعته على رأسها وهي تتجه إلى الشرفة لتراها. أما على ذكرها فقد صفت سيارتها أسفل إحدى البنايات الأخرى وهي تنتظره. أما عنه فقد خرج من البناية ووقف ينظر حوله يبحث عن سيارتها حتى رآها تصف أسفل بناية أخرى ليؤشر إليها بذراعه لتترجل هي منها مغلقة إياها. ثم اقتربت منه بخطى هادئة تبتسم له. صافحته "بـسنت"
بوجه مبتسم قائلة: _أزيك يا "بشير" عامل إيه. أبتسم "بشير" وأجابها بنبرة هادئة قائلا: _كويس الحمد لله. أنت عاملة إيه كويس إنك عرفتي تيجي. أنا عارف إن المكان بعيد عليك. أجابته بنبرة هادئة وهي تبتسم له قائلة: _الحمد لله أنا كويسة. أهو الحمد لله عرفت أجي. هو أينعم بعيد شوية بس مش مشكلة هاجي حتى لو في آخر الدنيا يعني. أبتسم "بشير" لها وقبل أن يأخذها ويصعدا أوقفها حينما استأذنها قائلا:
_معلش ثواني بس هروح أوصي على العربية عشان ولاد الحرام هنا كتير. حركت رأسها برفق له وهي تبتسم إليه ليتركها هو ويذهب إلى "ثريا" بخطى هادئة أسفل نظراتها له. فيما وقف هو أمام محلها وقال بنبرة هادئة: _السلام عليكم ورحمة الله وبركاته يا ست أم "حسن". نظرت إليه "ثريا" وقد ردت السلام عليه بوجه مبتسم وقالت: _أؤمرني يا حبيبي محتاج حاجة. _الأمر لله وحده معلش بس طلب صغير تخلي بالك من العربية دي.
هكذا قال يستسمحها بوجه مبتسم لتبتسم هي في المقابل ترد عليه قائلة: _عيوني يا حبيبي بس كدا فعنيا لحد ما صاحبها ياخدها. _تسلم عيونك يا ست الكل منتـ ـحرـ ـمش منك.
هكذا رد "بشير" عليها ثم تركها وعاد إلى "بـسنت" مبتسم الوجه ليصعد هو أولًا ثم تلحق هي به. كل هذا أسفل نظرات "هناء" المبتسمة والتي ولجت إلى الداخل وذهبت إلى باب شقتها لتقوم بفتح الباب تنتظرهما. ثوان وكان "بشير" أمامها ترافقه "بـسنت" التي أبتسمت لها ورحبت بها لتـ ـعانقها "هناء" تستقبلها بحفاوة شديدة وهي لا تـ ـود تركها أسفل نظرات "بشير" المبتسم وكذلك "بـسنت" التي ربتت على ظهرها برفق.
بعد الترحاب وتقديم كرم الضيافة كانوا يجلسون ثلاثتهم وهم يتبادلون أطراف الحديث حتى أثنت "هناء" على جمالها قائلة: _بسم الله ما شاء الله عليك زي القمر يا "بـسنت". لايقة على "بـشير" أوي. تفاجئ "بشير" من حديثها ولذلك جحظت عينيه بـ ـصدمة وهو ينظر إليها. فيما خجلت "بـسنت" من حديثها ولذلك ابتلعت غصتها بترو وهي تنظر أرضًا. فيما أدركت "هناء" حديثها ولذلك ابتسمت وقالت:
_قصدي فيكم شبه من بعض يعني. زي القمر ربنا يحميكم ويحفظكم يارب. قوليلي يا "بـسنت" إيه رأيك فـ "بـشير". جحظت عينين "بـسنت" بـ ـصدمة واضحة حينما سمعت حديث "هناء" ومعها "بـشير" الذي نظر إليها ليرى الخجل طـ ـاغيًا على تقاسيم وجهه. ولذلك ابتلع غصته بترو وقال بنبرة خجولة: _يا ست الكل ميصحش كدا. قربت أشـ ـق هدومي من الإحراج. ما بالك بيها هي. ما تطلبي المأذون بالمرة وتجيبي شهود ونخلص.
_لا لا متستعجلش كل حاجة هتيجي واحدة واحدة. هكذا ردت عليه "هناء" مبتسمة الوجه لتكتسي الـ ـحمرة وجه "بـسنت" التي كانت تتمنى أن تنشق الأرض وتبتلعها في هذه اللحظة. نظر إليها "بشير" وقد سعل لتنظر إليه "هناء" قائلة: _مالك يا "بـشير" بتكح ليه يا حبيبي. _مفيش يا حبيبتي أنا بس شرقت. ممكن تجيبيلي ميه. هكذا جاوبها "بشير" مبتسمًا لتحرك هي رأسها برفق قائلة بنبرة هادئة مبتسمة الوجه: _آه طبعًا ثواني وتكون عندك.
أنهت حديثها وذهبت لجلب كأس الماء. فيما تابعها هو حتى اختفى أثرها لينظر بعدها إلى "بـسنت" معتذرًا منها قائلا: _أنا حقيقي آسف جدًا على الكلام اللي قالته. هي فرفوشة حبتين وبتحب تهزر بس مش أكتر. أبتسمت "بـسنت" بسمة خفيفة إليه وحركت رأسها برفق توافق على حديثه دون أن تتحدث ليبتسم هو إليها ويعاود النظر إلى "هناء" التي جاءت تعطيه كأس الماء ليأخذه هو مرتشفًا القليل ليأتي قولها وهي تنظر إلى "بـسنت" مبتسمة الوجه:
_منورانا والله يا "بـسنت". أبتسمت لها "بـسنت" وقالت بنبرة هادئة خجولة: _بنور حضرتك والله يا طنط. شكرًا لذوقك والله.
بدأت "هناء" تتحدث معها وسرعان ما اندمجت "بـسنت" في الحديث معها أسفل نظرات "بشير" الذي كان يتابعهما مبتسم الوجه. وقد شاركهم مؤخرًا الحديث ليبدأ التحدث مع "بـسنت" بعد أن تلاشى الخجل وأصبحا يتحدثان وكأنهما صديقين منذ زمن. كان كل هذا أسفل نظرات "هناء" المبتسمة والتي كانت تتابعهما بهدوء وهي ترى التشابه الكبير بينهما لتدعو لهما بالخير الكثير والسعادة الراحة. فأمنت حياتها أن تراه سعيدًا في حياته وأن يجد شريكة حياته حتى يستقر في حياته. فهذا ما ينقصه كما ترى هي.
عصفور الحديقة ذو الصوت الهادئ العذب الذي يزقزق في الصباح الباكر قد تم إمساكه وكتم صوته وكأنه ميكروب يعيش بينهم. يخـ ـشون انتشار وباءه وليس وكأنه طير مسكين يطير في أجواء المكان ينتشر الفرحة والراحة في قلوب الآخرين. أجتمعوا على تكبيله وكتم صوت الحق وإن كلـ ـفهم الأمر حتى يحققوا أهدافهم. يتم سحبه كالذبيحة وهو مقيد بالأصفاد الحديدية التي تعانق رـ ـسغيه. يسير مرفوع الرأس على الرغم من أنهم يحاولون إنكـ ـاسه أرضًا. ولج إلى الداخل ويتم سحبه بين الفينة والأخرى.
على الجهة الأخرى. كان يسير بخطى هادئة وهو ينظر في أوراقه العديدة الخاصة بالعمل حتى رفع رأسه حينما لمـ ـح حشدًا كبيرًا وشخصًا يتم سحبه وكأنه ذبيحة ليعلم سريعًا فيما جاء دون أن يتحدث. سبقه على الغرفة التي سيتم التحقيق بها ليأمر الجميع بالبقاء في الخارج ويجلس هو معه كي يبدأ التحقيق كما تطلـ ـب منه. نظر إليه بعد أن جلس أمامه والصمت قائم بينهما ليأتي قول "رمزي" الذي ابتسم قائلا: _مش خايف ومش هخاف لأن أنا معملتش حاجة.
_عارف من غير ما تقول. باين عليك على فكرة. وأنا مش حابب ولا ناوي أأذيك. دا الروتين بتاع شغلنا وكلمتين هنقولهم وهياخدوك يحطوك في أوضة فردية لوحدك. بس عايزك تعرف حاجة واحدة بس. إني معاك ومش هسيبك مهما حصل لأن مبعرفش أشوف حد مظلوم وأفضل ساكت كتير من غير ما أخد رد فعل أو أحاول أدافع عنه وأبرأه. هكذا رد عليه بنبرة هادئة مبتسم الوجه لينظر له "رمزي" قليلًا دون أن يتحدث ليأتي قول الآخر الذي أكمل وقال:
_معاك أخوك "حـ ـذيفة". بعون الله مش هسيبك غير وأنا مخرجك من هنا. أبتسم "رمزي" له وأجابه بنبرة هادئة قائلا: _واثق فيك يا صاحبي. كفاية وشك البشوـ ـش دا بيخلي أي حد يتطمـ ـن. أبتسم له "حـ ـذيفة" ومن ثم أعتدل في جلسته ونظر له قائلا: _تسلم على كلامك دا. وعايزك دلوقتي تقولي إيه اللي حصل خلاهم يجيبوك لهنا. وفي لحظة السكون وصمت الليل. دوى في بيتنا صوت القصف.
لحظات هادئة. ساكنة. دوى صوت القصف عاليًا بدون إنذار. كان آخر صوت يسمع ومن بعدها تعالت أصوات الصرخات تدوي في المكان وانتشر الهلع أركان المكان وكل ما يطلبه الناس الاستغاثة. هكذا كان منزلهم حينما انقلب في لمح البصر.
كانوا جميعهم يجتمعون في منزل "المحمدي" بعد أن دعاهم "راضي" على العشاء. وحينها كان "يوسف" يرفض الذهاب والتفرغ لصديقه الذي حتى هذه الساعة لا يعلم عنه شيئًا. ولكـ ـن إصرار العم الأكبر جعله يذهب رغـ ـمًا عنه. وفي نفس الوقت الضيق مرتسمًا على تقاسيم وجهه وعقله لم يتوقف عن التفكير به.
كان يجلس في الحديقة شارد الذهن. فالوصول له أمر صعب وبشدة ويحتاج إلى ذوي السلطات الكبرى. وهو حتى الآن لا يعلم ماذا عليه أن يفعل. لحظات مرت عليه وهو يفكر حتى خطرت برأسه الفكرة. شخص واحد يستطيع مساعدته في هذه المعضلة. أخذ هاتفه وعبث به قليلًا ومن ثم وضعه على أذنه ينتظر تلقي الإجابة منه وهو يشعر بالتوتر الشديد. لحظات وجاء الجواب ليشعر هو بالراحة حينما جاوبه الطرف الآخر ليقول بنبرة حاول أن يجعلها هادئة:
_"ليل". أنا "يوسف"... "يوسف عدنان المحمدي". _أهلًا بالبيه اللي مبيتصلش غير عشان المصالح. صدقت لمـ ـا قولت عليك تربية *****. هكذا جاوبه "ليل" بوقاحته المعتادة بعد أن تلقى اتصالًا من صديقه الذي لا يعلم عنه شيئًا منذ وقت طويل وفشل في الوصول إليه في المرات السابقة. ليأتيه رده حينما قال: _يا سيدي عندك حق أنا فعلًا تربية *****. فكك مـ ـن كل دا دلوقتي وخليك جد عشان في ليلة كبيرة عايزك تساعدني فيها.
_ليلة إيه اشتغـ ـلت فالآثار ولا تجارة الأعضاء. هكذا رد عليه "ليل" ساخرًا ليزفر "يوسف" في المقابل وقد رد عليه بوقاحة مماثلة حينما قال: _لا هتشتغل طباخ يا اـ ـبن الظرـ ـيفة. بقولك ليلة كبيرة فيها حبس وموال أزرق. أستشعر "ليل" جدية الموضوع وكم هو مهم بالنسبة إلى "يوسف". ولذلك بدأ يستمع إليه والآخر يقص عليه ما حدث مع رفيق دربه بالتفصيل. حتى أنهى حديثه حينما قال بخوف شديد:
_أنا هتجنن مـ ـن وقتها يا "ليل" ومش عارف أتصرف. ودا متـ ـاخد أمن دولة فمـ ـلقتش غيرك يعرف يسـ ـلـ ـك فالموضوع. لو هتعرف توصله بنفسك أو حد تبعك تقيل يتصرف بس ميباتش ليلة واحدة جوه. زفر "ليل" بعمق وقد أجابه بصدق تام ونبرة هادئة:
_بص يا "يوسف" أنا مقدر خوـ ـفك كويس أوي على صاحبك. بس دا مش بالساـ ـهل. دا متـ ـاخد أمن دولة يعني عشان نعرف إيه اللي بيحصل معاه جوه لـ ـيلة كبيرة أوي مش هتتحـ ـل بسهولة. الموضوع كبير وهو بنسبة ١٠٠% هيتحبـ ـس دي مفيهاش جدال. بس متقلقش أنا هعرف أوصله إن شاء الله. ولو عرفت حاجة هطمنك على طول. متقلقش يا صاحبي.
وبعد قليل أغلق "يوسف" المكالمة بعد أن قطع صديقه وعدًا له بمساعدته وإخراج رفيقه مـ ـن هذه المعضلة مهما كلفه الأمر. وضع "يوسف" هاتفه على الطاولة أمامه وشرد قليلًا يفكر ويدعو أن يكون صديقه بخير وألا يـ ـمـ ـسه سوء. أما في الداخل. كانت "كايلا" تقف أمام النافذة الزجاجية تتابع الزهور الصغيرة المزروعة بأبتسامة بعد أن جذبت انتباـ ـهها ورائحتها العبـ ـقة. مـ ـلـ ـست بإبهامها عليها حتى جاءها صوته مـ ـن خلفها
حينما قال بنبرة هادئة: _عجبوك.
شهـ ـقت بخـ ـفة وألتفتت له تنظر إليه لتراه يقف خلفها ينظر إلى ما تفعله. تعاـ ـلت نبضات قلبها حينما رأته أمامها بدون سابق إنذار ليقوم ببعثرة ثباـ ـتها في لمح البصر. شعرت بالتوتر الشديد ولكـ ـن الأعـ ـين كانت تتحدث وتقول كل شيء حينما يعجز الفم عن البوح بما يريد القلب قوله لتكون لغة الأعـ ـين أفضل لغة للتعبير عن الحب. أما عنه فلـ ـم يستطع أن يحـ ـيد ببصـ ـره عنها فالقلـ ـب يشتاق والروـ ـح متعطـ ـشة وهو لا حول له ولا قوة يعجـ ـز عن فعل شيء.
طاـ ـلت النظرات بينهما كلاهما يعبر عن شوـ ـقه وحـ ـبه إلى الطرف الآخر دون أن يتحدث أحد منهما. إزداد توترها لتشيـ ـح ببصـ ـرها بعيدًا عنه تحاول أن تتلاـ ـشى النظر إليه بشتى الطرق الممكنة. أما عنه فلـ ـم يستطع أن يظل ملتزمًا الصمـ ـت في حضـ ـرتها ولذلك قال بنبرة هادئة يسألها سؤالًا لـ ـم تتوقعه منه: _قبلتي العريس اللي جه أتقدملك ولا لسه بتفكري. على حسب معلوماتي العريس كويس وميعيبهوش حاجة يعني ميترفضش مش كدا برضوا.
نظرت إليه بـ ـصدمة بادية على تقاسيم وجهها وقد تعاـ ـلت نبضات قلبها دـ ـاخل قفـ ـصها الصدـ ـري فجأة وهي لا تصدق ما تسمعه وتراه. فقد رأت نظرة ألمـ ـتها وبشدة أكثر مـ ـن كونه يتأـ ـلم. وحينما حاولت التحدث شعرت بأن الكلمات تعجـ ـز عن الخروج وكأن فـ ـمـ ـها قد شـ ـل عن الحركة لتلتزم الصمـ ـت وهي كل ما تفعله تتأـ ـمله فقط. فيما نظر هو إليها بنظرة متأـ ـلمة تخبرها كم هو يحـ ـبـ ـها ويريدها زوجة له. ولكـ ـن ثمة شيء مازال يعرـ ـقل طريقه ليلتزم الصمـ ـت كذلك تاركًا قلبه الذي يحترـ ـق وينشـ ـطر إلى نصـ ـفين.
وفي لحظة السكون وصمـ ـت الليل. دوى في بيتنا صوت القصف. لحظات هادئة. ساكنة. دوى صوت القصف عاليًا بدون إنذار. كان آخر صوت يسمع ومن بعدها تعالت أصوات الصرخات تدوي في المكان وانتشر الهلع أركان المكان وكل ما يطلبه الناس الاستغاثة. هكذا كان منزلهم حينما انقلب في لمح البصر.
كانوا جميعهم يجتمعون في منزل "المحمدي" بعد أن دعاهم "راضي" على العشاء. وحينها كان "يوسف" يرفض الذهاب والتفرغ لصديقه الذي حتى هذه الساعة لا يعلم عنه شيئًا. ولكـ ـن إصرار العم الأكبر جعله يذهب رغـ ـمًا عنه. وفي نفس الوقت الضيق مرتسمًا على تقاسيم وجهه وعقله لم يتوقف عن التفكير به.
كان يجلس في الحديقة شارد الذهن. فالوصول له أمر صعب وبشدة ويحتاج إلى ذوي السلطات الكبرى. وهو حتى الآن لا يعلم ماذا عليه أن يفعل. لحظات مرت عليه وهو يفكر حتى خطرت برأسه الفكرة. شخص واحد يستطيع مساعدته في هذه المعضلة. أخذ هاتفه وعبث به قليلًا ومن ثم وضعه على أذنه ينتظر تلقي الإجابة منه وهو يشعر بالتوتر الشديد. لحظات وجاء الجواب ليشعر هو بالراحة حينما جاوبه الطرف الآخر ليقول بنبرة حاول أن يجعلها هادئة:
_"ليل". أنا "يوسف"... "يوسف عدنان المحمدي". _أهلًا بالبيه اللي مبيتصلش غير عشان المصالح. صدقت لمـ ـا قولت عليك تربية *****. هكذا جاوبه "ليل" بوقاحته المعتادة بعد أن تلقى اتصالًا من صديقه الذي لا يعلم عنه شيئًا منذ وقت طويل وفشل في الوصول إليه في المرات السابقة. ليأتيه رده حينما قال: _يا سيدي عندك حق أنا فعلًا تربية *****. فكك مـ ـن كل دا دلوقتي وخليك جد عشان في ليلة كبيرة عايزك تساعدني فيها.
_ليلة إيه اشتغـ ـلت فالآثار ولا تجارة الأعضاء. هكذا رد عليه "ليل" ساخرًا ليزفر "يوسف" في المقابل وقد رد عليه بوقاحة مماثلة حينما قال: _لا هتشتغل طباخ يا اـ ـبن الظرـ ـيفة. بقولك ليلة كبيرة فيها حبس وموال أزرق. أستشعر "ليل" جدية الموضوع وكم هو مهم بالنسبة إلى "يوسف". ولذلك بدأ يستمع إليه والآخر يقص عليه ما حدث مع رفيق دربه بالتفصيل. حتى أنهى حديثه حينما قال بخوف شديد:
_أنا هتجنن مـ ـن وقتها يا "ليل" ومش عارف أتصرف. ودا متـ ـاخد أمن دولة فمـ ـلقتش غيرك يعرف يسـ ـلـ ـك فالموضوع. لو هتعرف توصله بنفسك أو حد تبعك تقيل يتصرف بس ميباتش ليلة واحدة جوه. زفر "ليل" بعمق وقد أجابه بصدق تام ونبرة هادئة:
_بص يا "يوسف" أنا مقدر خوـ ـفك كويس أوي على صاحبك. بس دا مش بالساـ ـهل. دا متـ ـاخد أمن دولة يعني عشان نعرف إيه اللي بيحصل معاه جوه لـ ـيلة كبيرة أوي مش هتتحـ ـل بسهولة. الموضوع كبير وهو بنسبة ١٠٠% هيتحبـ ـس دي مفيهاش جدال. بس متقلقش أنا هعرف أوصله إن شاء الله. ولو عرفت حاجة هطمنك على طول. متقلقش يا صاحبي.
وبعد قليل أغلق "يوسف" المكالمة بعد أن قطع صديقه وعدًا له بمساعدته وإخراج رفيقه مـ ـن هذه المعضلة مهما كلفه الأمر. وضع "يوسف" هاتفه على الطاولة أمامه وشرد قليلًا يفكر ويدعو أن يكون صديقه بخير وألا يـ ـمـ ـسه سوء. أما في الداخل. كانت "كايلا" تقف أمام النافذة الزجاجية تتابع الزهور الصغيرة المزروعة بأبتسامة بعد أن جذبت انتباـ ـهها ورائحتها العبـ ـقة. مـ ـلـ ـست بإبهامها عليها حتى جاءها صوته مـ ـن خلفها
حينما قال بنبرة هادئة: _عجبوك.
شهـ ـقت بخـ ـفة وألتفتت له تنظر إليه لتراه يقف خلفها ينظر إلى ما تفعله. تعاـ ـلت نبضات قلبها حينما رأته أمامها بدون سابق إنذار ليقوم ببعثرة ثباـ ـتها في لمح البصر. شعرت بالتوتر الشديد ولكـ ـن الأعـ ـين كانت تتحدث وتقول كل شيء حينما يعجز الفم عن البوح بما يريد القلب قوله لتكون لغة الأعـ ـين أفضل لغة للتعبير عن الحب. أما عنه فلـ ـم يستطع أن يحـ ـيد ببصـ ـره عنها فالقلـ ـب يشتاق والروـ ـح متعطـ ـشة وهو لا حول له ولا قوة يعجـ ـز عن فعل شيء.
طاـ ـلت النظرات بينهما كلاهما يعبر عن شوـ ـقه وحـ ـبه إلى الطرف الآخر دون أن يتحدث أحد منهما. إزداد توترها لتشيـ ـح ببصـ ـرها بعيدًا عنه تحاول أن تتلاـ ـشى النظر إليه بشتى الطرق الممكنة. أما عنه فلـ ـم يستطع أن يظل ملتزمًا الصمـ ـت في حضـ ـرتها ولذلك قال بنبرة هادئة يسألها سؤالًا لـ ـم تتوقعه منه: _قبلتي العريس اللي جه أتقدملك ولا لسه بتفكري. على حسب معلوماتي العريس كويس وميعيبهوش حاجة يعني ميترفضش مش كدا برضوا.
نظرت إليه بـ ـصدمة بادية على تقاسيم وجهها وقد تعاـ ـلت نبضات قلبها دـ ـاخل قفـ ـصها الصدـ ـري فجأة وهي لا تصدق ما تسمعه وتراه. فقد رأت نظرة ألمـ ـتها وبشدة أكثر مـ ـن كونه يتأـ ـلم. وحينما حاولت التحدث شعرت بأن الكلمات تعجـ ـز عن الخروج وكأن فـ ـمـ ـها قد شـ ـل عن الحركة لتلتزم الصمـ ـت وهي كل ما تفعله تتأـ ـمله فقط. فيما نظر هو إليها بنظرة متأـ ـلمة تخبرها كم هو يحـ ـبـ ـها ويريدها زوجة له. ولكـ ـن ثمة شيء مازال يعرـ ـقل طريقه ليلتزم الصمـ ـت كذلك تاركًا قلبه الذي يحترـ ـق وينشـ ـطر إلى نصـ ـفين.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!