إني وضعت الحب موضعه، واحتلت حيلة صاحب الدنيا. وإذا سُئلت عن التي شغفت قلبي وكُلتُهم إلى أخرى، ما زلت أكذبهم وأكتمهم، حتى اشتهرتُ بغير ما أهوى. الغدر ثمة البشر والخيانة عرق لا ينقطع مهما حدث.
هذا كان اختصار حياة الكثير والكثير من العائلات، في كل عائلة ترى بها الخبيث والمنافق الشرير والكاذب الحقير والمتخاذل، هذا كان قانون الحياة على مر السنوات. صراع طاحن نشب بين الخير والشر وكلاهما يسعى للنصر، لا يهم إن فقد أحدهم حياته أو تعرض للخيانة أو لأي من أنواع الأذى الجسدي أو النفسي، فالأهم المسعى لتحقيق المراد حتى وإن كان على حساب حياة الآخرين. "دقت ساعة الصفر وقرر المرء، فالسكوت عن الحق كان شيطان أخرس."
رآه "يوسف" يقف على أعتاب محله والصدْمة بادية على تقاسيم وجهه، وهو يرمق "رمزي" بعينين مجحـظتين ليشعر بأنه هو المتسبب في هذا الفعل، فلا غيره يسعى للقضاء عليهم جميعًا. فبرغم أن "رمزي" لم يؤذه، كذلك هو لم يسلم من شره، ونفسه المريضة الأمارة بالسوء. تحرك مع صديقه وبصره مُثبتًا على "فتوح" الذي ولج سريعًا إلى محله مغلقًا الباب خلفه، والصدْمة كانت حليفته. اقتربوا من محل عم "فريد" الذي رحب بقدومه بسعادة
وابتسامة صافية حينما قال: "يا أهلًا يا أهلًا بالغالي، نورت الحارة يا غالي، كانت مظلمة من غيرك أقسم بالله." قام "حسن" بوضع المقعد الخشبي في وضع مريح، ثم قاموا بمساندته ليجلس "رمزي" شاعرًا بالألم يكاد يفتك به، ليجاوب على حديث "فريد" بنبرة هادئة ووجه مبتسم: "الحارة منورة بيكم يا راجل يا طيب." انحنى "يوسف" قليلًا بنصفه العلوي وهو ينظر له قائلًا بنبرة هادئة متسائلة: "تحب تشرب إيه يا "رمزي"؟
الجو سقعة أكيد محتاج حاجة تدفيك شوية." ابتسم "رمزي" له وقام بالتربيت على كفه الموضوع على كتفه قائلًا بنبرة هادئة: "المرة دي مش أنا اللي هطلب، هشرب على ذوقك أنت، شوف بقى هتشربني إيه." ابتسم له "يوسف" ومسد على ذراعيه قائلًا: "هشربكم كلكم على ذوقي، "لؤي" خلّي "لمونة" يعملنا قهوة." "عيوني يا باشا."
نطق بها "لؤي" بوجه مبتسم، ثم أخذ معه "منصف" وذهبا إلى المقهى سويًا، فيما رأى "سراج" ارتعاش جسد رفيقه الحبيب، ليقوم بنزع معطفه الثقيل واضعًا إياه على جسده قائلًا: "خد البسه الجو سقعة عليك وكده هتتعب، كفاية اللي أنت فيه." رفض "رمزي" في الحال وهو يأخذه ويقوم بمد كفه به إليه قائلًا: "لا مش هاخده، خد عشان متتعبش أنت، حرام تلاقيك كنت متدفي."
جاء رد "سراج" الصارم على حديثه وهو يبتعد عنه قائلًا مشيرًا إلى صديقه الحبيب "يوسف": "ألبسه أحسن لك، لبسهوله يا "يوسف" وأنا خمسة وجاي." نظر "رمزي" إلى أثره بيأس شديد وقلة حيلة، ليأخذ "يوسف" معطف صديقه ناظرًا إلى "رمزي" قائلًا بنبرة هادئة: "يلا يا "رمزي" عشان متتعبش يا صاحبي، والجاكيت من جوه دافي عشان تدفى، كده كده رايح يجيب غيره متقلقش، بس البس أنت أهم حاجة عشان متتعبش بالله عليك."
وفي الأخير خضع إليه "رمزي" وارتداه بمساعدة صديقه إليه، ليقوم بغلقه بإحكام مندسًا به وهو يشعر بالبرودة، ليجلس هو بجواره ويرافقهما "حسن" الذي قال: "الجو سقعة جدًا النهاردة." نظر "يوسف" إلى الأحطاب المتواجدة بجوار متجر "فريد"، لينهض مقتربًا منها أسفل نظرات صديقيه إليه، وقف أمام متجر "فريد" وقال بنبرة عالية بعض الشيء يجذب بها انتباه الآخر: "بقولك إيه يا "هيرو"، محتاج الحطب ده في حاجة؟
جاءه رد "فريد" في الحال من الداخل حينما قال بنبرة عالية بعض الشيء: "خُدوه يا "يوسف" ولّعوه، مش محتاجه." أخذه "يوسف" بالفعل وهو يقول: "ربنا يبارك لك يا شيخ ونفرح بعيالك قريب يارب."
أقترب من صديقيه، لينهض "حسن" من مجلسه يبدأ في مساعدته على إشعاله كي يحظوا ببعض الدفء قليلًا. صَدَحَ رنين هاتفه عاليًا يعلنه عن اتصال هاتفي، ولذلك استقام في وقفته وأخرجه من جيب بنطاله، ليرى المتصل والدته الحبيبة، ولذلك ابتسم وأجابها بنبرة هادئة وهو يساعد صديقه قائلًا: "ست الكل وحشاني يا غالية، أقسم بالله بقالي فترة مسمعتش صوتك ولا أعرف عنك حاجة، طمنيني عليكِ يا حبيبتي." جاءه صوتها الهادئ الحنون حينما
أجابته بوجه مبتسم قائلة: "أنا كويسة الحمد لله يا حبيبي، طمني عليك وعلى أختك وولادك ومراتك، طمني عليكم كلكم." ابتسم "يوسف" وأجابها بنبرة هادئة للغاية وهو يقول: "كلنا بخير الحمد لله يا حبيبتي، طمنيني عليكِ أنتِ وعلى اللي عندك، ما عدا "عنايات" عشان مش ناقصة تشاؤم على المسا." ضحكت هي على حديثه، فكانت تعلم أنه سيتواثق كما اعتادت، خصوصًا مع زوجة عمه، لتجاوبه بنبرة هادئة قائلة:
"الحمد لله في نعمة يا حبيبي، قولت أتطمن عليك، الجو ساقع جدًا، قولت أتطمن عليكم، لابس تقيل أهم حاجة."
شعر أنه ولد صغير في هذه اللحظة، سؤالها كان وكأنها تسأل طفلًا صغيرًا وليس شابًا كبيرًا متزوجًا ولديه طفلتين، أعادته للماضي الأسود دون أن تشعر، لتجعله يفتقر إلى أشياء لم يجرّب العيش بها، ولكنه في كل الأحوال ما مضى قد رحل، واليوم هم في الحاضر، يجب أن يمضي قدمًا وألا يلتفت إلى الماضي حتى وإن كان أسودًا. جاوبها بنبرة هادئة بعدما صمت قليلًا ليبتسم قائلًا:
"متخافيش يا حبيبتي، لابس تقيل ومتخافيش على "مها"، هي زي الفل، أنا بروح لها كل شوية أطمن عليها، مش عايزك تقلقي." شعرت "شاهي" بالراحة حينما اطمأنت على ولدها وابنتها، لتقول بنبرة هادئة: "بقولك إيه يا حبيبي، كنت محتاجة أتكلم معاك شوية لو فاضي." "ولو مش فاضي أفضي لك يا حبيبتي، سامعك، قولي اللي عايزاه."
هكذا جاوبها "يوسف" مبتسم الوجه، تاركًا الأحطاب ليتولى صديقه أمرها، وأبتعد عن موقعهما قليلًا كي يستطيع التحدث معها، ليسمعها تقول بنبرة هادئة متوترة: "كنت عايزة يعني أكلمك في موضوع يمكن يضايقك شوية، بس ليك مطلق الحرية طبعًا." "يا حبيبتي قولي على طول، واللي يريحك أنا هعمله."
هكذا طمأنها بعدما شعر بتوترها الشديد بنبرة هادئة، لتطمئن هي وتبدأ في التحدث معه، فيما كان هو الطرف المنصت في هذه اللحظة، يستمع إلى حديثها دون أن يقاطعها، فيما قام "حسن" بإشعال الحطب ليستقيم في جلسته مبتسم الوجه قائلًا: "وأدي النار أهي يا عم "رمزي" عشان تدفى، "فريد" بيضحي بالحطب بتاعه، سجل يا تاريخ."
هكذا مازح "حسن" "فريد" الذي بالتأكيد تواثق معه، لتعلو قهقهاته وهو ينظر إلى "رمزي" الذي حرك رأسه بقلة حيلة مبتسم الوجه، نظر بعدها إلى "يوسف" الذي كان مندامجًا في التحدث مع والدته ليقول متسائلًا: "هو "يوسف" بيكلم مين؟ "والدته."
هكذا أجابه "رمزي" الذي وضع قبعة المعطف على رأسه مندسًا به بعد أن شعر ببرودة الطقس القاسية. جاء "لؤي" ومعه "منصف" وهما يحملان أكواب القهوة الساخنة، ليعطي "منصف" الكوب إلى "رمزي" الذي أخذه شاكرًا إياه بوجه مبتسم. ذهب "لؤي" إلى صديقه "يوسف" يعطيه الكوب، ليأخذه الآخر شاكرًا إياه بوجه مبتسم، ثم عاد يكمل حديثه مع والدته، فيما عاد هو يرافق أصدقائه الذين كانوا يجلسون، ويبدأ في الاندماج معهم والتحدث ضاحكًا بين الفينة والأخرى.
مرت ربع ساعة كاملة و "يوسف" يتحدث مع والدته، حتى أنهى المكالمة مودعًا إياها بوجه مبتسم، ثم أغلق المكالمة، وحينما جاء كي يلتفت حتى يعود إلى أصدقائه، رأى "نورهان" تقف في إحدى الزوايا تنظر إليه، مشيرة له بالأقتراب. عقد هو ما بين حاجبيه متعجبًا، ليشر بسبابته إلى نفسه، لتؤكد هي عليه ذلك بإيماءة خفيفة من رأسها، وبالفعل سار تجاهها وبصره مُثبتًا على محل "فتوح" الذي كان فارغًا، ليعلم أنه ذهب إلى مكان ما.
وقف "يوسف" أمامها متعجبًا يسألها بنظراته، لتجاوبه هي بنبرة هادئة حينما فهمت معنى هذه النظرة لتقول: "كنت عايزة أبلغك بحاجة مهمة جدًا، مينفعش يتسكت عليها كتير." عقد "يوسف" ما بين حاجبيه وسألها بنبرة هادئة حينما قال: "حاجة إيه دي؟ أنا سامعك." توترت "نورهان" كثيرًا في بادئ الأمر، ولكنه عزمت على قول الحقيقة إليه، لتقول بنبرة متوترة:
"امبارح "فتوح" نزل من البيت على الساعة ٢ بليل، وبصراحة نزوله في التوقيت ده مريحنيش، فنزلت وراه ومشيت على خط سيره، راح وقتها المخزن اللي على الطريق هنا، وكان معاه رجالة مسلحين. المهم سمعته وهو بيخطط على موتك، وقتها أتفق مع الرجالة دول إنهم يخلصوا عليك وأنت رايح تصلي الفجر في المسجد، وساعتها محدش هياخد باله منهم. بصراحة أنا واجهته وعرفته إنه لو متراجعش عن اللي بيعمله أنا هبلغك، وهو نوعًا ما خاف، بس أنا متأكدة مليون في المية إنه مش هيسكت غير لما ينفذ اللي في دماغه. أنا خوفت عليك عشان أنت ملكش ذنب تكون ضحية لواحد عقليته مريضة زي جوزي...
أنا ندمت إني اتجوزته بجد، حاسة إني غلطت في حق نفسي أوي. "يوسف" خد بالك عشان هو مش هيسكت، ولو ساكت دلوقتي مش هيسكت بعدين، أنا عارفاه كويس." كان ينصت إليها طوال الوقت وهي تتحدث وتخبره بالحقيقة والخوف بادٍ على تقاسيم وجهها، فلا تريد أن تكون ضحية لأفعال زوجها المريض ذاك. لا ينكر أنه تفاجأ بحديثها، ولذلك كان بالفعل مصدومًا. ابتلع غصته بتروي ونظر إليها قائلًا بنبرة هادئة:
"متخافيش عليا، أنا هخلي بالي ومش هينوله اللي في دماغه مهما حصل. شكرًا بجد إنك جيتي وعرفتينى حاجة زي دي، أنا حقيقي مش عارف أقولك إيه غير إني أشكرك وربنا أكيد جعلك سبب عشان يكشفه. أنا هاخد بالي وأنت كمان خلي بالك من نفسك ومن بنتك، فوجوده ده مجنون ممكن تهب في دماغه ويعمل حاجة." زفرت هي بهدوء، ثم ابتسمت ابتسامة هادئة ونظرت له قائلة بنبرة هادئة:
"أنا هكون كويسة، أهم حاجة أنت. أنا حياة البني آدم عندي غالية جدًا، وعشان كده مستنتش إني أجي أقولك بصراحة. محتاج أي حاجة؟ هكذا أنهت حديثها وهي تسأله بنبرة هادئة مبتسمة الوجه، ليأتي رده في الحال وهو يبتسم إليها كذلك مجيبًا إياها قائلًا: "لا تسلمي يا "نورهان"، شكرًا مرة تانية، ولو احتجتي حاجة أخوك موجود."
ابتسمت هي ابتسامة خفيفة له، ثم تركته وذهبت بخطى هادئة بعد أن فعلت ما يريح قلبها ونفسها، فيما نظر هو إلى أثرها قليلًا، ثم عاد من جديد وهو يتوعد بشدة إلى "فتوح" الذي تمادى كثيرًا معه. رافق أصدقائه في مجلسهم وهو ينظر إلى محل "فتوح" متوعدًا، لينظر إلى "حسن" الذي قال متسائلًا: "مالك يا "يوسف"؟ راجع وشك يضرب يقلب كده ليه؟ وكُنت فين كل ده؟
لم يجبه "يوسف" وألتزم الصمت إجابة، فيما وصلت رسالة نصية على هاتفه من رقم مجهول، ليعقد هو ما بين حاجبيه لثوانٍ قبل أن تلين تقاسيم وجهه حينما رأى تلك الكلمات التي جعلت الدماء تتجمد في عروقه:
"يوسف أنا نورهان خدت رقمك من تليفون فتوح من غير ما يحس، هقولك حاجة كمان وهمسح المسدج على طول عشان ميشوفهاش ومضمنش وقتها ممكن يعمل فيا إيه. نسيت أقولك إنه بلغ عن صاحبك الشيخ أمن الدولة عشان كده خدوه فجأة من غير ما حد يعرف حاجة، كأنك عارف من أي حد غيري لاحسن دي فيها رقبتي."
شرد "يوسف" في رسالتها وقد تبدلت تقاسيم وجهه في غضون ثوانٍ، ليشعر بأن الدماء بدأت تغلي في أوردته حينما تأكد من الفاعل الحقيقي، والذي لم يخيّب ظنونه أبدًا، فلا سواه يسعى للقضاء عليهم، ولذلك قرر أن يدبر مكيدة خاصة له يكافئه من خلالها على جرائمه التي لا تُعد ولا تُحصى. عاد الفقر يلازمنا من جديد، ويا ويلتاه من عنايات ومواويلها. حينما تتعاشر شخصًا ما، وحينما تمر السنوات لا تعلمه جيدًا.
في كل يوم شيء جديد يظهر على شخصيته يجعل فكرك يتشتت تمامًا ولا تعلم ماذا عليك أن تفعل، فحتى المعاشرة أصبحت خدعة كبيرة ترتدي ثوب التخفي، وما خفي كان أعظم. كانت "شاهي" تقف في المطبخ تُعد الشاي لنفسها بهدوء، حتى ولج إليها "عماد" يبحث عن زوجته المزعومة مثلما كان يلقبها، ليرى زوجة أخيه تقوم بإعداد الشاي ليقول بنبرة هادئة مبتسم الوجه: "ألف هنا على قلبك." التفتت برأسها تنظر له لتبتسم ابتسامة خفيفة له، ثم عادت تنظر إلى ما
تفعله قائلة بنبرة متسائلة: "أعملك كوباية معايا؟ "آه ياريت لاحسن عندي مواويل لسه عايز أشوفلها وقت." أنهى حديثه وهو يجلس على المقعد الخشبي زافرًا بعمق، ليأتي قولها الهادئ الرزين: "المواويل دي عايزالها رواقة عشان تعرف تشوفلها حل، إنما التوتر اللي أنت فيه ده مش هيجيب نتيجة. كنت على طول أقول كده لـ "عدنان" الله يرحمه...
كل ما الحمول تزيد من حواليه ويبدأ يحس إنه مش عارف يسيطر أقوله هدي نفسك الأول وأقعد قعدة رايقة كده وهتلاقي الحلوّل جايلك بنفسها. كان بيتريق عليا ساعتها بس لما جرّب ساعتها قام خدني بالحضن. كان طيب أوي وحنين." ترقرق الدمع في مقلتيها حينما تذكرت زوجها الحبيب الراحل، ليشعر "عماد" كذلك بالحزن على أخيه الحبيب الذي رحل للأبد وفارقه دون أن يودعه. تملكت نفسها فورًا لتقوم بتغيير مسار الحديث حينما قالت متسائلة:
"مقولتليش مفيش أي جديد عن موضوع "عامر"؟ جاوبها "عماد" بنبرة هادئة مبتسم الوجه بعد أن أزال عبراته قائلًا: "لسه أبوها كلم "عامر" وقاله نروح عشان نتفق على كل حاجة." سعدت "شاهي" كثيرًا لأجل هذا الشاب الحبيب الذي أخيرًا قررت الحياة أن تبتسم إليه، لتقول بنبرة غمرتها السعادة وهي تعطيه كوب الشاي خاصته: "مبارك يا "عماد"، ربنا يتممله على خير يارب وتفرح بيه وبعوضه إن شاء الله. "عامر" ابن حلال ويستاهل كل خير."
ابتسم إليها "عماد" وقال بنبرة هادئة بعد أن أخذ منها كوب الشاي: "الله يبارك فيكِ يا مرات أخويا، وعقبال ما تفرحي بعوض "مها" قريب إن شاء الله. شكرًا على كوباية الشاي." ابتسمت "شاهي" وهي تنظر لأثره قائلة بنبرة هادئة: "صحة وهنا على قلبك." التفتت تأخذ كوب الشاي خاصتها وعندما التفتت وجدت "زينب" خلفها تنظر إليها بنظرات حاقدة والشرار يتطاير من عينيها، لترتعب هي قائلة:
"بسم الله الرحمن الرحيم سلام قولًا من رب رحيم. إيه يا شيخة ما تكحي ولا تخبطي، حد يدخل على حد كده." رمتها "زينب" بنظرات كقززات الشرار المشتعلة وهي تشعر أنها تريد قتلها في الحال. فيما تعجبت "شاهي" كثيرًا من نظرتها تلك، ولذلك قالت بنبرة متسائلة: "في إيه يا "زينب"؟ أنتِ أتلـبستي ولا إيه؟ مالك بتبصيلي كده ليه؟
القليل من تبادل النظرات بين الاثنتين دام لثوانٍ، فيها أزداد تعجب "شاهي" بكل تأكيد. وأخيرًا تحدثت "زينب" بنبرة حادة وهي تقوم بتحذيرها بعدم الاقتراب من زوجها قائلة: "بقولك إيه يا "شاهي"، أنا ياما جيت على نفسي واستحملتك غصب عني رغم إني مش طايقاكي ولا بحبك من الأساس، وقولت ماشي مفيش مشكلة. جوزها اتقتل يا حرام وحياتها الوردية الجميلة بقت سوداء وجيتي هنا وقولنا ماشي. بس إنك تقربي من جوزي مش هسمح لك."
"أنتِ مجنونة إيه اللي أنتِ بتقوليه ده؟! هكذا صاحت "شاهي" في وجهها وهي تنظر إليها بعد أن أغضبها حديثها وجعل النيران تندلع بداخلها بلا شك. ليأتي قول الأخرى حينما صرخت بوجهها بقوة وهي تقول: "بقول اللي بشوفه يا عين أمك، شيطانك يوزك تقربي من جوزي، هقتلك يا "شاهي"، مرة وعديتها ساعة الجنينة لمّا مثلتِ علينا التعب عشان يلحقك، بس وأيمان المسلمين ما هعديها لك المرة دي يا "شاهي" وهوريكي أنا هعمل فيكي إيه!!
كانت "شاهي" في صدمة من أمرها حينما استمعت إلى حديثها بكل تأكيد، فلم تتوقع أن تفكر بها "زينب" بهذه الطريقة، إنها بالتأكيد مجنونة، هذا ما أقنعت نفسها به، فهذا ليس بتفكير إنسي قط. تملكت نفسها حتى لا يشعر بها أحد من أفراد العائلة في الخارج، لتطبق على أسنانها بغيظ، تحاول لجم غضبها بداخلها قائلة بنبرة مكتومة:
"طب اسمعي يا "زينب" الكلمتين دول وحطيهم حلقة في ودنك عشان المرة الجاية مش هتعدي على خير. شيلي الأفكار المريضة دي من دماغك خالص واسلكي. اسلكي للي حواليك شوية عشان أنتِ كل مدى بتخسري بني آدمين في حياتك، أقربهم جوزك وولادك. عمر ما كان في بيني وبين "عماد" حاجة، هو يعتبر أخ بالنسبة لي لا أكتر ولا أقل، وأخو جوزي الله يرحمه. وبالمناسبة يا "زينب"...
كل الرجال ماتت في عيني بعد موت "عدنان" الله يرحمه، يعني العيب فيكِ أنتِ مش في حد تاني."
هكذا أنهت "شاهي" حديثها المؤلم إلى "زينب" التي كانت تقوم مخيلاتها المريضة بتصوير مشاهد مستحيلة داخل عقلها بكل تأكيد، وهذا ما يجعل جميع من حولها ينفرون منها في الحال، وكأنها فيروس وبائي وانتشر في الأجواء. رمته "شاهي" بنظرة حادة يغلفها الحزن والألم، فهذه ليست المرة الأولى، ودومًا تتعمد "زينب" فعل ذلك. لا تعلم لم وكيف وما المغزى من ذلك، ولكنه قد نفذت طاقتها، فقد تحملت فوق قدرة تحملها. تركت كوب الشاي وخرجت من المطبخ أسفل نظرات الأخرى لها، والتي كانت مليئة بالحقد والشر العظيم.
ولجت "شاهي" إلى غرفتها وأغلقت الباب خلفها، وقد اختفى قناع القوة ليحل محله قناع الضعف. لم تستطع تماسك نفسها أكثر من ذلك، وقد اقتربت من فراشها لتجلس على طرفه بضعف شديد، وقد سمحت لنفسها بالبكاء الشديد، فمنذ مجيئها إلى هذا البيت وهي تتحمل الكثير والكثير دون أن تفصح عن أي شيء. قد استمرت هكذا لسنوات عديدة حتى طفح بها الكيل بكل تأكيد. سقطت عبراتها على صفحة وجهها وبدأت تبكي بقهر شديد، وألم تراكم لسنوات عديدة دون الإفصاح عنه، مما جعلها الآن هشة كالريشة.
بكت بحرقة وقهر بعد أن استنفذت طاقة تحملها، لتعلن استسلامها أخيرًا منكسرة وحزينة. دقائق مرت وهي في هذه الحالة بعد أن فشلت في السيطرة على نفسها، لتسمع طرقات هادئة على باب غرفتها، تليها صوت "محمود" الذي جاء هادئًا حينما سألها وقال: "عمته أنتِ كويسة؟
لم تستطع أن تجيبه وتركت نفسها تبكي أكثر، ولأول مرة تشعر أنها بحاجة ولدها الحبيب بجوارها، ففي الماضي كان الوضع سيئًا وكلا الطرفين يظن الآخر ميتًا. أما الآن فالوضع قد تغير كثيرًا وأصبح يبتعد عنها أمل طويل. فيما شعر "محمود" أن ثمة شيئًا حدث معها، هي لا تريد الإفصاح عنه إليه، ولذلك كطبيعته الطيبة الحنونة، رفع كفيه وأزال عبراتها عن صفحة وجهها بإبهاميه برفق وحنو، ثم جاء قوله الهادئ متسائلًا:
"مالك بس يا ست الكل، مين اللي زعلك و خلاكي تعيطي؟ أول مرة أشوفك بتعيطي من ساعة موت عمي الله يرحمه. قوليلي مش أنا ابنك برضه زي ما أنتِ على طول بتقوليلي؟ قوليلي إيه اللي حصل ومين زعلك ووعد حقك هيرجع مهما كان مين اللي مزعلك. أنتِ غالية على قلبي أوي يا مرات عمي ومبقدرش أشوف دموعك دي أو أعرف بس إنك مضايقة من حاجة حتى لو كانت صغيرة. فضفضيلي جايز ترتاحي."
أنهى حديثه وانتظر ردًا منها على حديثه وهو ينظر إليها نظرات هادئة مترقبة قولها. فيما حاولت هي تماسك نفسها بعد قررت واتخذت قرارها الأخير بينها وبين نفسها، لتنظر إلى "محمود" بعينين باكيتين والذي كان ينظر إليها بقلق واضح على تقاسيم وجهه ينتظر ردها. ابتسمت ابتسامة هادئة خفيفة وقد ربتت على كفه بحنو وأجابته بنبرة باكية قائلة: "مفيش حاجة يا حبيبي، أنا كويسة وزي الفل، كل ما في الموضوع إني مخنوقة شوية بس مش أكتر، متخافش عليا."
"بجد ولا بتقوليلي كلمتين تسكتيني بيهم وخلاص؟ هكذا جاوبها "محمود" منهيًا حديثه بسؤاله مترقبًا ردها. ليراها تبتسم وتنظر إليه والدمع يترقرق في المقل قائلة: "بجد، شوية وههدى، متقلقش عليا، سيبني لوحدي بس شوية ممكن؟ "آه آه طبعًا ممكن. لو احتجتي أي حاجة قوليلي على طول، أنا قاعد في البيت النهاردة مش هروح فمكان."
هكذا جاوبها "محمود" بنبرة هادئة بعد قام بتلبية مطلبها ونهض، ليراها تحرك رأسها برفق توافق على حديثه، ليبتسم هو إليها، ثم قبل أن يغادر الغرفة ويتركها، انحنى بنصفه العلوي نحوها، يُلثم رأسها بقبلة حنونة، ثم تركها وخرج مغلقًا الباب خلفه. نظرت هي إلى أثره بوجه باكٍ مبتسم، لتُزيل عبراتها التي عادت تتساقط من على صفحة وجهها، ثم نهضت متجهة إلى خزانة الملابس بعد أن اتخذت قرارها الأخير حيال ذلك الأمر، عازمة على تنفيذه.
عودة الغريب إلى أرض الوطن، وعودة الحبيب إلى من أحب. عودة الغريب إلى أرض الوطن. فبعد أن كان في الأمس حبيبًا لها، أصبح اليوم غريبًا عليها. يعرفها ولا تعرفه. يحبها وهي لا تحبه. هكذا كانت المعادلة الصعبة بين الطرفين قائمة. وما هو سوى بمحب حينما بلغه الشوق قد عاد.
كانت تجلس في تلك الشقة التي كانت في يوم من الأيام ملكًا لـ "جميلة" أو ما شابه، ففي الواقع كانت ملكًا لهذا الملك القوي الذي لا يخشى أحدًا ولا يهابه. تجلس وتعض أظافرها بتوتر، تنتظر كلا الطرفين وهي لا تعلم أي واحد منهما سيصل أولًا. تقف خلف النافذة، تارة تتابع سير الأجواء في الخارج والتي كانت طبيعية بشكل كبير، وتارة أخرى تجلس بتوتر بلغ أشده. دقائق معدودة مضت ليصدح رنين جرس الشقة.
تأهبت حواسها بالكامل، ثم نهضت من جلستها واقتربت من الباب بخطى هادئة حتى وقفت خلفه تتطلع إلى الزائر بواسطة ثقب الباب الذي كان يوضح لها من في الخارج. ولم تستغرق الكثير من الوقت لتفتح إليه في الحال وهي تبتسم إليه ابتسامة هادئة، ليقابلها هو بأخرى حنونة، معانقًا إياها بعد أن أغلق الباب خلفه قائلًا: "وحشتيني."
لأول مرة يقولها إليها، ولأول مرة تخرج بهذه الطريقة. فقد قالها بشوق حقيقي وليست مجرد كلمة قد قالها وانتهى الأمر. ضمها إلى دفء أحضانه، مشددًا من عناقه إليها لتبتسم هي ابتسامة واسعة، فرحة بعدها رأت حبه إليها قد ظهر نصب عينيها، لتبادله عناقه بآخر حنونًا، لتجاوبه بنبرة هادئة حنونة قائلة:
"وأنت كمان وحشتني أوي. أنا حاسة بالراحة والأمان وأنا معاك بجد. أنا اتحرمت من أحلى لحظات حياتي من زمان، بس عارف أنا مبسوطة أوي دلوقتي عشان ده أول حضن تحضنهولي من نفسك وتقولي إني وحشتك." ابتسم هو وقد شدد من عناقه إليها برفق وهو يُلثم رأسها بقبلة حنونة قائلًا بنبرة هادئة:
"وأنا زيك برضه. والله أنا ما بكرهك بالعكس، بس الظروف مسمحت لناش نشوف الحقيقة المستخبية دي. حقك عليا قلبي وآسف بالنيابة عن أي حد زعلك قبل كده. أنا خلاص بقيت موجود، مفيش زعل تاني يا "عليا". أنتِ أختي الكبيرة، زيك زي "مها" عندي اللي مقبلُهوش عليها مستحيل أقبله عليكي. انسى وعيشي اللحظة كأنك بتعيشيها لأول مرة." اتسعت بسمتها وترقرق الدمع في المقل، لتجاوبه بنبرة باكية قائلة: "أنا فعلًا بعيش اللحظة دي لأول مرة يا "يوسف"."
مسد على ظهرها بحنو أخوي، ثم بعد لحظات أبعدها عنه قليلًا وهو ينظر إليها ليرى عبراتها تغرق صفحة وجهها، ولذلك رفع كفيه وأزال عبراتها بإبهاميه بحنو عن صفحة وجهها وقال بنبرة هادئة مبتسم الوجه: "عيون وقلب وروح "يوسف"، مش عايز أشوف الدموع دي تاني خالص طول ما أنا موجود. اتفقنا يا جميل؟ أنهى حديثه متسائلًا وهو ينظر إليها ينتظر الرد منها، لتُعطيه إياه دون أن تبخل به عليه قائلة بمزاح: "حاضر يا باشا، طلباتك أوامر واجبة التنفيذ."
ابتسم هو برضا بعد أن تلقى الإجابة المرادة، ليبتعد عنها بعد لحظات وهو ينظر إليها مبتسم الوجه، ليرى التوتر قد أصبح باديًا على تقاسيم وجهها. تعجب من هذا التحول المفاجئ، ولذلك قال متسائلًا بعد أن بدأ يشعر بالقلق: "فيكِ إيه يا "عليا"؟ أنتِ كويسة يا حبيبتي؟
نظرت إليه "عليا" بتوتر بعد أن تذكرت هذا اللقاء الذي سيحدث بعد قليل من الوقت، لترى في هذه اللحظة أن تلك هي اللحظة المناسبة لقول هذه الحقيقة المخفية عنه. ابتلعت غصتها بتروي ونظرت إليه من جديد لتقرر التحدث وإخباره تلك الحقيقة لتبدأ القول: "يوسف أنا بصراحة عايزة أقولك على حاجة مخبيها عليك، مش عليك لوحدك عليكم كلكم." تعجب "يوسف" قولها، ولذلك عقد ما بين حاجبيه وقال بنبرة متسائلة وهو ينظر إليها مترقبًا: "حاجة إيه بالظبط؟
دق قلبها بعنف في هذه اللحظة بعد أن أخبرها أنه ينتظر سماع قولها. لا تعلم أهو سيقبل تلك الحقيقة أم لا، ولكنه في كل الأحوال يجب عليه أن يتقبلها، فقد حدثت منذ وقت طويل وانتهى الأمر. نظرت إليه وقالت بنبرة هادئة للغاية مترقبة فعله على ما ستقوله: "أنا متجوزة."
دقائق من الصمت القاتل دامت بين الطرفين، أحدهما كان هادئًا والآخر كان يموت خوفًا من رد الفعل المنتظر من الطرف الآخر. ترقبت رده بفراغ الصبر والخوف ينهش قلبها. دقائق أخرى مضت ليأتي قوله الهادئ حينما قال: "متجوزة إزاي؟ ومعرفتنيش ليه من الأول وخبيتي عليا؟ عايز أسمع القصة كاملة لو مش هيضايقك."
صُدمت بكل تأكيد من هذا الرد غير المتوقع منه، خصوصًا لتجحظ عينيها قليلًا بعدم استيعاب، لا تصدق ما تسمعه من أخيها الذي قد خالف توقعاتها هذه المرة تمامًا. أخذته وتوجهت إلى الداخل ليجلس هو على الأريكة وقد جاورته هي وهي تنظر إليه لتبدأ بسرد كل شيء حدث له، فيما كان هو في هذه اللحظة الطرف المستمع. نظرت له وقالت مبتسمة الوجه وهي تعود إلى الخلف تتذكر أول لقاء بينها وبين زوجها الذي تحبه بشدة:
"أول مرة شفته فيها كانت بداية كل حاجة حلوة. طيب أوي وبيحبني. أول مرة شوفنا بعض فيها كانت صدفة عابرة بس كانت أحلى صدفة. هو مهندس معماري كان قاعد فالمنطقة اللي كنت قاعدة فيها، كان ساكن فالعمارة اللي جنبي ومن الوقت للتاني بشوفه. الموضوع اتطور وساعتها جرى صالحني وقالي إنه بيحبني. بعدها بفترة طويلة، بعد ما إحنا الاتنين اتأكدنا من مشاعرنا لبعض. وبعدها اتخطبنا سنة بعدين اتجوزنا. كان في جيران ليا كانوا يعتبر أهلي وقفوا جنبي
وهما اللي شهدوا على الجواز. بقالنا ٣ سنين متجوزين بس ربنا مأرادش لحد دلوقتي الخلفه. لمّا "ماري" خدتني فجأة قررت أكلمه وأقوله. أنا بني آدمة عادية زيك بس عشت فترة زي اللي بيعيشها المخطوف بالظبط ولو منفذتش طلباته هيقتلك. لحد ما قررت إني آخد خطوة جد في حياتي وبس. أنا بقيت وسط عيلتي الحقيقية دلوقتي، هعوز إيه تاني تفتكر؟
كان يستمع إليها طوال الوقت بإنصات شديد ويبتسم بين الفينة والأخرى، وهو يرى حب شقيقته إلى هذا الرجل الذي يجهله حتى هذه اللحظة. وقد عادت ذاكرته إلى الخلف يتذكر لقاءاته الأولى بحبيبته، مستشعرًا هذا الشعور الذي كانت تشعر به شقيقته الآن وهي تنتظر وصول الآخر على أحر من الجمر. نظر إليها بوجه مبتسم قليلًا قبل أن يقول بنبرة هادئة:
"حاسس بيك. كنت فيوم من الأيام مكانك وبصراحة اللحظات دي هتفضل محفوظة داخل العقل مستحيل تتنسي بأي شكل. أنا اتحمست إني أشوفه." أنهى حديثه مبتسم الوجه وهو ينظر إليها ليرى ابتسامتها قد اتسعت على ثغرها وازداد حماسها لتجاوبه بنبرة حماسية قائلة: "زمانه على وصول دلوقتي، أنا واثقة إنكم هتكونوا صحاب أوي."
اتسعت بسمته وقد نظر إلى معالم وجهها الجميلة التي بالتأكيد قد ورثتها من أمها، بداية من معالم وجهها الصغيرة والبريئة، فبرغم أنها الأكبر، ولكنه معالم وجهها كانت تدل على أنها مازالت صغيرة. عينيها الجميلتين المزينتين بالكحل الأسود، وابتسامتها التي لا تفارق ثغرها البتة. قرر ضمها إلى أحضانه يقوم بطمئنتها. فعل هذا بالفعل لتضع هي رأسها على كتفه بوجه مبتسم، ليُمسد على ظهرها برفق قائلًا:
"متقلقيش، شوية وربنا هيعوضك، متستعجليش، كده هتصوتي وكده هتصوتي." ضحكت هي على ممازحته إليها، لتظل كما هي دون أن تتحرك، تركت نفسها تحظى بهذه الدقائق الهادئة بجوار أخيها. كانت تفتقر لهذا الشعور كثيرًا. لا تعلم كيف يكون وماذا يفعل بالمرء، ولكنه في هذه اللحظة علمت هذا الشيء جيدًا، وكم تمنت أن تحظى به منذ زمن، ولكنه على أي حال في النهاية قد نالت ما تتمناه، وهي مجاورة أخيها وشعورها بحنانه عليها. وبعد مرور القليل من الوقت.
صدح رنين جرس المنزل عاليًا يطرب أذنيها ومعها قلبها الذي بدأ ينبض بعنف، حينما شعرت أنه هو من جاء. ارتسمت البسمة على ثغرها، لتترك أخيها وتنهض ذاهبة إلى الباب بخطى واسعة وحماس كبير، كي تفتحه إليه، وقد كان كل ذلك أسفل نظرات أخيها إليها، والذي رأى سعادتها التي ظهرت فجأة. وقد وقف بهدوء وهو يترقب ما سيحدث، فهذه أول مرة سيلتقي بها مع زوج شقيقتها الكبرى. فيما قامت "عليا" بفتح الباب لتنظر إليه بوجه مبتسم ومشرق.
سعدت كثيرًا حينما رأته أمامها، عاد إليها من جديد بعد غياب قد طال بينها كثيرًا وجعل القلب مولعًا بشوقه إلى حبيبه. ابتسم هو إليها وهو يُطالعها، فما زالت جميلة كما هي، وما زالت تُبهره حتى هذا اليوم بطلتها البهية التي تُفاجئه في كل مرة. لم تستطع أن تنتظر أكثر من ذلك، ولذلك ارتمت بأحضانه تقوم بلف ذراعيها حول عنقه، تُعانقه بقوة وحماس كبير لا حدود له. بالطبع تعشقه وتخشى عليه كثيرًا، هكذا كانت منذ ثلاث سنوات. حاوطها هو بذراعيه يضمها إلى أحضانه الدافئة، يستشعر وجودها بعد هذا الغياب الطويل.
رأى "يوسف" حب شقيقته إلى هذا الرجل ومدى تعلقها به. رأى جانبًا محبًا وعاشقًا منها. رأى شخصية أخرى كانت مدفونة بداخلها لم تظهر إلا بظهور هذا الرجل الآن. فيما كان الآخر يضمها بشوق إلى أحضانه بعد أن بلغ شوقه لها الحدود، ليهمس إليها في أذنها قائلًا: "وحشتيني أوي المرة دي، مبقتش حابب البعد ده يا حبيبتي."
ابتسمت هي بسعادة كبيرة بعد أن أخبرها أنه قد اشتاق إليها وأصبح لا يريد تركها من جديد. لتبتعد عنه قليلًا وهي تنظر إليه بوجه مبتسم، ترى بسمته تزين ثغره، لتجاوبه هي بنبرة خافتة قائلة: "وأنا كمان على فكرة، خلاص مفيش بعد تاني نهائي... شوف فرحتي برجوعك نسيتني أدخلك، أدخل يلا."
أنهت حديثها وهي تضحك، لتتسع بسمته ويولج صاحبًا حقيبته خلفه، ليرى "يوسف" يقف على بعد سنتيمترات وهو ينظر إليه، تعجب كثيرًا من وجوده وبالطبع تساءل عن هويته بداخله. فيما أغلقت هي الباب وأقتربت منه بوجه مبتسم، تجاوره في وقفته، لتراه ينظر إليها وكأنه يسألها عن هويته. فهمت هي نظرته، ولذلك أمسكت بكفه وسارت تجاه شقيقها الذي كان يتابعها بهدوء، ليسير الآخر معها منصاعًا لها، حتى وقفت هي بينهما وأصبح هو في مواجهة "يوسف" الذي كان ينظر إليه نظرة ذات معنى.
نظرت لهما "عليا" بوجه مبتسم، وقد قالت بفرحة عارمة وهي تقوم بتعريفهما على بعضهما البعض:
"يوسف أحب أعرفك، زايد جوزي، زايد ده يوسف أخويا الوسطاني، نسيت أقولك، أنا قدرت ألاقي أهلي، بصراحة معرفش ده إزاي حصل بس فرحت أوي بوجودهم. يوسف أخويا بس من أم تانية وعندي أخت صغيرة متجوزة اسمها مها، وبصراحة مامت يوسف كمان ست عسل وطيبة أوي تشوفها تحبها وترتاح لها على طول، ولقيت عيلة بابا كلها مبسوطة أوي إني لقيتهم وواثقة إنكم هتكونوا صحاب."
أنهت حديثها الحماسي وهي تنظر إلى كلا الطرفين بسعادة كبيرة، فيما كان "يوسف" ينظر إلى "زايد" وهو يشعر بشعور غريب. حاسته السادسة قد أنذرته في هذه اللحظة منه، لا يعلم لم ولكنه لم يشعر بالراحة تجاهه. فيما كان "زايد" ينظر إليه بهدوء قليلًا من الوقت، قبل أن يمد يده إليه كي يُصافحه وهو يقول بنبرة هادئة: "اتشرفت بمعرفتك يا "يوسف"، اسمي "زايد عطية" شغال مهندس معماري." مد "يوسف" يده ليُعانق كف الآخر قائلًا بنبرة هادئة:
"الشرف ليا، اسمي "يوسف المحمدي"." أكتفى بقول اسمه فقط، ليتعجب الآخر من إجابته حينما لم يخبره ماذا يعمل، ليعقد ما بين حاجبيه وهو يقول متعجبًا: "غريبة يعني، مقولتليش بتشتغل إيه، خايف أحسدك؟! نظرت "عليا" إلى أخيها الذي لم يجبه، لتُدرك الأمر سريعًا وتُنقذ أخيها من هذه الورطة حينما أجابت بدلًا عنه:
"هو في الحقيقة، "يوسف" شغال مع عمي "راضي" فالشركة بتاعته، ماسك مصنع كبير من مصانع العيلة وأوقات بيروح الشركة لأنه مساهم فيها، بس هو مبيحبش يتكلم عن حياته الشخصية كتير، دي طبيعته." نظر هو إلى شقيقته التي نظرت إليه نظرة ذات معنى، وقد ومضت بجفنها الأيسر بخفة إليه خفيًا، ولذلك أكد على حديثها حينما نظر إلى "زايد" وقال بنبرة هادئة: "بالظبط، مبحبش أحكي عن حياتي الشخصية، بحب الخصوصية بمعنى أصح."
تفهم "زايد" حديثه، ولذلك لم يتحدث، ولج إلى الداخل، فيما نظر هو إلى شقيقته التي ابتسمت له واقتربت منه بخطى هادئة حتى وقفت أمامه وهمست إليه قائلة: "أنا مكدبتش عليه على فكرة لأن كل اللي قولته صح." نظر إليها ساخرًا وقد رفع حاجبه الأيسر عاليًا كأنه يقول "حقًا" ليسمعها تقول بنفس النبرة: "أيوه، بكرة هتمسك المصنع وشوية وتاخد نصيبك فالشركة، يعني أنا مكدبتش صح ولا لا؟
اسمع أنا عارفة كويس أوي إن بابا كاتب كل حاجة ليك أنت و "مها"، وعشان كده... قاطع "يوسف" حديثها حينما قال بنبرة جادة لا تقبل المزاح:
"مفيش الكلام ده، الورث هيتقسم علينا إحنا الـ ٣، ميهمنيش الكلام ده ولا بيعنيني شيء، كل واحد هياخد حقه. أنتِ بنته زي ما إحنا ولاده، وإذا كان هو فعلًا عمل كده عن قصد أو لا فأنا مش هعمل اللي قال عليه، فلوسه هي فلوسك وأنتِ بنته ووريثة ليه، يعني ليكِ حق هتاخديه. مش هاخد فلوس مش فلوسي، كل واحد هياخد حقه. جزء من ورثي وجزء من ورث "مها"، هما في الأصل نصيبك، مينفعش بعد كل اللي حصل ده ومتاخديش حاجة. كده أنا هظلمك. هتاخدي حقك
وهشاركك في جزء من نصيبي من الشركة وهتشتغلي وهتعملي لنفسك كيان واسم الكل بيتحاكي بيه. عايزك في خلال ٦ شهور تبقي معروفة ومعاكي فلوسك وضامنة مستقبلك، لأنه في الزمن ده مينفعش تثقي في حد أوي وتديه حبك واهتمامك كله، لأنه في لحظة ممكن يغدر، وعشان كده لو ده فعلًا حصل تكوني مأمنة نفسك. عايزك أحسن واحدة في الدنيا كلها وعايز أشوف نجاحك وسعيك في اللي عايزاه يا أختي. فاهمة كلامي؟
كانت متعجبة من حديثه ولا تستطيع استيعاب كل هذا الحديث، ولما تعلم أين يرمي أخوها، ولكنه وافقت على حديثه بعد أن ابتسمت له وحاوطت وجهه بكفيها الدافئتين قائلة بنبرة حنونة: "زي ما أنت عايز، مقدرش أقولك لا، أنت أكيد عارف أكتر مني وشايفلي الخير فين. أنا هسمع كلامك يا حبيبي ومش هزعلك. بحبك يا أحن أخ في الدنيا."
أنهت حديثها وهي تعبر إليه عن حبها له، ومن ثم عانقته بقوة، ليحاوطه هو كذلك بذراعيه يضمها إلى دفء أحضانه مشددًا من عناقه إليها، وهو ينظر في أثر "زايد" نظرة ذات معنى تحكي الكثير والكثير من الغموض وعدم الراحة. ابتعدت هي عنه مبتسمة الوجه لتنظر إليه قائلة بنبرة هادئة: "يلا تعالى معايا أنت النهاردة هتقضي اليوم معانا، عايزك تتعرف أكتر على "زايد"، بجد أنا واثقة إنك هتحبه أوي."
أنهت حديثها وهي تُمسك بكفه وتسحبه خلفها إلى الداخل دون أن يُعترضها هو أو حتى يُكلف نفسه عناء الرفض، فهو الآن لا يريد أن يراها حزينة بعد أن رأى سعادتها بعودة زوجها إليها من جديد وسعادتها الطاغية وحماسها الكبير في تعريفها على بعضهما البعض، ليقرر أن يترك نفسه لها هذا اليوم وأن يُلبي إليها مطالبها كاملة.
كشـ ـفـ ـت الحـ ـقيقة اليوم بعد وقت طويل دون أن يعلم الطرف الآخر عنها شيئًا. الصدمة كانت بادية على تقاسيم وجهها وهي تقف أمامه تستمع إلى حديثه معها بعد أن اتخذ قراره وقام بتنفيذه دون أن يُخبر أحدًا منهم عنه، وكأنه يخصه هو فحسب ولا يتعلق بحياة الكثير غيره. كانت لا تصدق أذنيها بكل تأكيد، فحتى هذه اللحظة هي تظن أنها تحلم وستستفيق من هذا الحلم على الواقع الذي اعتادت عليه.
فيما كان هو يقف أمامها وينظر إليها بهدوء دون أن يتحدث، كل ما يفعله هو أنه يُطالعها فحسب، يرى تقاسيم وجهها التي كانت تتبدل بين الفينة والأخرى، من الصدمة إلى الذهول ثم إلى التفاجؤ. تحدث بنبرة هادئة يسألها بعد أن طال الصمت بينهما قائلًا: "مالك يا "مها"؟ ساكتة ليه مش بتتكلمي؟ قولي حاجة على اللي قولته ده على الأقل."
حركت أهدابها عدة مرات متتالية وكأنها تقوم بإفاقة نفسها وأنها لم تجن بعد. فيما اقترب هو منها أكثر حتى وقف أمامها مباشرة، يفصل المسافة الواقعة بينهما وهو يُحاوط ذراعيها برفق، ينظر مباشرة إلى عينيها التي كانت تقول كل ما يعجز الفم عن قوله. ابتلع غصته بترو وقال بنبرة هادئة حنونة:
"اسمعيني كويس أوي يا "مها"، أنا معملتش كده غير لما اتغيرت لأن كان لازم أتغير وأرجع لطبيعتي تاني، أكون زي أي واحد حواليا. القرار اللي خدته ده كان في مصلحتك قبل مني عشان أنا مش عايز أكون سبب في أذيتك مهما حصل. أنا بحبك ومش عايز أشوف فيكِ أي حاجة وحشة حتى لو أنا السبب فيها. أنا حتى مستغرب رد فعلك، المفروض دي حاجة تفرحك!
أنهى حديثه مستنكرًا هدوءها ذاك على ما قاله وهو ينظر إليها عاقدًا ما بين حاجبيه. ليدوم الصمت بعد أن أنهى حديثه قليلًا قبل أن تقطعه هي هذه المرة حينما قالت بنبرة هادئة وهي تنظر إليه: "أنا بجد مش قادرة أستوعب اللي أنت بتقوله. يعني من شهر تقريبًا واخد القرار ونفذته، حتى من غير ما تقولي أو تديني حتى خلفية. ليه وعشان إيه يا "سراج"؟ قولي عشان خاطر إيه؟
لو عشاني فأنا مش اشتكيت بالعكس وأنت عارف كده كويس. بس على الأقل مفكرتش أخويا من بعد قرارك ده هيعمل إيه وهيتصرف إزاي وهيأمن لمين بعد كده؟ طب وليان كان ذنبها إيه دا كله؟ رد عليها في الحال وهو يجيبها على أسئلتها العديدة التي طرحتها عليه الآن قائلًا بنبرة هادئة:
_أكيد فكرت فيه يا مها وفيها وقبل ما أعمل أي حاجة بديه خلفية مبعملش أي حاجة غير لما يكون عارف وراضي كمان. أنا مش أنا اللي بوحش بس حياتنا لازم تبدأ تمشي طبيعي زي أي حد. أنا كل يوم بحس بالذنب وبضيق وأنتِ عارفة كدا كويس. أنا مش عايز حياتنا تقف. أنا مليت وأنتِ أكيد مليتي من الروتين دا. عايزين نغير شوية في حياتنا حتى على الأقل الفترة الهادية دي نستغلها إحنا بدل ما تضيع منا على الفاضي كدا زي ما ضاع غيرها. حاولي تفهميني أنا والله ما هتخلى عن يوسف ولا عن ليان، حتى أنا هفضل معاهم وفضلهم وأي حاجة يحتاجوها أنا هعملها على طول. متخافيش عليهم أنا لسه عند وعدي والله.
كالعادة تقوم بتصديقه، ثقتها به عمياء. قامت بمعانقته دون أن تتحدث وهي تحاوط خصره بذراعيها، ليبادلها هو عناقها ذاك بهدوء دون أن يتحدث. وهو يفكر في هذا الموضوع الذي تم بناءً على طلب عليا ويوسف له، وكيف سينتهي بهم الحال في هذا الوضع الذي طال لوقت طويل. رأى الآن أنه واجب عليه الآن أن ينتهي وتعود حياتهم إلى طبيعتها من جديد. مسد على خصلاتها برفق وهو يلثم رأسها بقبلة حنونة دون أن يتحدث. في أمسية هذا اليوم..
كان يوسف جالسًا في غرفة المعيشة يشاهد التلفاز ويتناول ثمرة البرتقال، وبجواره كانت تشاركه بيلا بعد أن أنهت أعمال منزلها بالكامل وها هي تحظى بوقت راحتها. سقط بصرها على كتيب تصاميمها لتأخذه بهدوء تتفحصه. أخذت حاسوبها وقامت بفتحه لتبدأ بعملها بأندماج. زفر يوسف بعمق ووضع رأسه على كتفها قائلًا: _هتسبيني وتشتغلي؟ أقوم أنام طيب. رفعت بصرها من على حاسوبها ونظرت له لتتقابل عينيها مع عينيه، تجيبه بنبرة هادئة قائلة:
_لا وتقوم ليه؟ شوية وهسيبه ببص على حاجة بس. عادت تنظر إلى شاشة حاسوبها من جديد ومعها يوسف الذي بدأ يتابعها بهدوء، يرى كيف تعمل وماذا تفعل حتى يخرج هذا الإبداع بهذا الشكل وهذا المظهر الحسن يسرق أنظار الجميع. قطع هو هذا الصمت بينهما حينما قال بنبرة هادئة: _كانت موهبة عندك ولا حبيبتي تاخدي فيها كورسات؟ أجابته بنبرة هادئة وهي تنظر إلى شاشة حاسوبها قائلة:
_لا موهبة. من صغري بحب التصميم، بنسق الألوان مع بعضها وكدا يعني. مرة بعد مرة الموضوع أتطور بصراحة وحبيت الموضوع. _براڤو عليكِ، أستمري وأنا فضهـ ـرك. حابب أشوفك ناجحة دايمًا. هكذا جاوبها بنبرة هادئة مبتسم الوجه وهو ينظر إليها ليراها تبتسم كذلك له. ومن ثم نظرت إليه بطرف عينها وقالت بنبرة هادئة: _مش ناسية عمولتك على فكرة. ضحك يوسف على حديثها ومن ثم نظر إليها وقال بنبرة ضاحكة:
_بقت الضعف على فكرة متفتكرنيش أهبل وعلى نيايتي أنا عارف أنتِ بتاخدي كام. ضحكت هي على حديثه ونظرت إليه بوجه ضاحك وقالت: _فلوسنا واحد مفيش فرق بينا وأنت عارف كدا كويس. طالعها قليلًا بعد أن استمع إلى حديثها الذي بالتأكيد توقع أن يسمعه كما اعتاد ليقول بنبرة هادئة محبة: _مغلطش قلبي لما حبك، كان صح وعارف كويس هو عايز إيه. ابتسمت وعادت تنظر إلى شاشة حاسوبها من جديد ليأتيها قوله الهادئ حينما قال:
_بكره إن شاء الله أول يوم شغل ليا في المكان الصح اللي فضلت أدور عليه سنين. أنا حقيقي مبسوط جدًا ومتحمس إني أنزل. وعند ذكره للعمل الجديد الذي سيتسلمه في صبيحة اليوم الموالي، أبعدت حاسوبها وأغراضها ثم نهضت أسفل نظراته قائلة: _تعالى عايزة أوريك حاجة.
عقد هو ما بين حاجبيه ولكنه نهض وذهب معها إلى غرفتهما سويًا منتظرًا رؤية ما تريد زوجته أن توريه إياه. فيما تركته هي واتجهت إلى خزانة الملابس تفتحها أسفل نظراته لتأخذ الحلة السوداء المعلقة في خزانتهما عائدة إليه تنظر له بوجه مبتسم لتقف أمامه قائلة بنبرة هادئة: _إيه رأيك فالبدلة دي؟
نظر يوسف إلى الحلة الأنيقة التي لا ينكر أنها قد نالت إعجابه بكل تأكيد ليمد كفه يتلمسها بهدوء بعد أن ظهرت بسمة هادئة على ثغره ونالت الحلة إعجابه بكل تأكيد. رأت لمعة عينيه وسعادته بها لتقول بنبرة هادئة مبتسمة الوجه: _هديتي ليك بمناسبة الشغل الجديد. جبتلك كذا واحدة تغير فيهم. قولت مينفعش مجيبلكش حاجة بمناسبة شغلك الجديد فبصراحة كان معايا مبلغ كويس جبتلك الألوان اللي بتحبها ومعاهم كام جزمه. قولي عجبتك مش كدا؟
لا يعلم ماذا يقول إليها فقد فاجأته بكل تأكيد. أخذها منها ووضعها على الفراش وقام بمعانقتها بقوة إلى أحضانه مبتسم الوجه والعبرات تسقط على صفحة وجهه بكل تأكيد بسعادة كبيرة فقد فاجأته بيلا بكل تأكيد وهو لم يتوقع هذا منها فقد كان يخطط لارتداء ملابسه العادية والذهاب بها ولكنه خالفت مخططاته بأكملها وفاجأته بهذه الحلة الرائعة التي تناسب رجال الأعمال بكل تأكيد.
بادلته عناقه بوجه مبتسم بعد أن رأت سعادته بهذه الحلة ممسدة على ظهره برفق لتسمعه يقول بنبرة بها بحة البكاء: _مش عارف بجد أقولك إيه. لو شكرتك من هنا لبكره مش هتكفي بجد كل اللي بتعمليه عشاني. أنا بحبك أوي يا بيلا. اتسعت بسمتها على ثغرها وربتت على ظهره برفق وجاوبته بنبرة هادئة قائلة:
_وأنا بحبك أكتر يا عيون بيلا. اللي يهمني سعادتك وراحتك. وبعدين دا اللي المفروض يليق بيك بعد كل اللي شوفته وعيشته في حياتك. لازم تكون دي النهاية. نهاية التعب والشقى والمرمطة. أنا مش مستنية شكر منك مستنية نجاحك. مستنية أشوف يوسف تاني بيسعى في المكان الصح زي ما سعى قبل كدا في أماكن تانية كتير. مستنية أشوف حبيبي وهو بيحقق أحلامه اللي كان بيحلم بيها. مستنية أشوف يوسف الناجح.
شدد من ضمته إليها وقطع إليها في هذه اللحظة وعدًا صادقًا حينما قال بنبرة هادئة: _وعد. فخلال شهرين بس هخليكي تشوفي نجاحي بحق وحقيقي. هخليكي تشوفي يوسف الناجح في خلال شهرين بس. وهنعيش عيشة كويسة ومش هنشيل هم حاجة تاني خلاص. هنرتاح من الضغوط دي كلها ومش هنحرّم نفسنا من حاجة تاني. ادعيلي كتير يا بيلا محتاج دعواتك الفترة دي.
_أنا عارفة حبيبي لما بيوعد بيوفي بوعده مهما كان وعارفة إنك قدها كمان. ومفيش لحظة عدت غير وكنت بدعيلك فيها عمري ما نسيتك لحظة. هكذا ردت عليه بيلا بصدق تام ليبتسم هو ممسدًا على ظهرها بحنو يلثم رأسها بقبلة حنونة ثم أبتعد عنها ونظر إلى الحلة من جديد وقال بنبرة هادئة مبتسم الوجه: _حلوة أوي البدلة. ذوقك حلو أوي. ابتسمت بيلا له ثم أخذتها وقامت بتعليقها من جديد قائلة: _هتبقى زي القمر بيها بكرا أنا عارفة.
عادت له من جديد ليأخذها ويخرجا من جديد سويًا وهو يتحدث معها ليقطع حديثه رنين جرس المنزل الذي صدح عاليًا. تركها يوسف وذهب لرؤية الطارق وقبل أن يفتح الباب رأى الزائر أولًا ليرى والدته. تعجب كثيرًا ومن ثم نظر إلى زوجته وقال متعجبًا: _دي ماما!!
عقدت هي ما بين حاجبيها كذلك متعجبة ليفتح هو الباب لها وهو ينظر إليها رفقة زوجته ليراها تقف والعبرات تتساقط على صفحة وجهها ومعها حقيبة ملابسها. تفاجأ يوسف كثيرًا وتلبسته الصدمة رفقة زوجته التي كانت لا تقل عنه شيئًا. نظرت له شاهي بعينين باكيتين وقالت بنبرة باكية: _ليا مكان عندك يا يوسف!!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!