قالوا: أين مسكنها ومن هي؟ قلت الشمس: مسكنها السماء. قالوا: من رأيت أحب شمسا؟ قلت: عليّ قد نزل القضاء. إذا عقد القضاء عليّ أمرا، فليس يحلّه إلا القضاء. _قيس بن الملوح. الفراق أشد أنواع الألم الجسدي والنفسي.
فراق كتب على بني البشر وليس على المرء سوى تقبل الأمر والتعايش معه، أينما فقدت حيوان أليف، شخص عزيز، حبيب ورفيق، كل الآلام تكون واحدة، أيًا ما يكن من يفاارق المرء، هلاك هذا الفراق على الإنسان الذي يرتبط ويتعلق بما يحب، مستنقع للجـ ـنون وخاصة للعاشقين، وصدمة كبرى للحبيب، نزيف مستمر وهروُح تـ ـهـ ـلك وقوى زائفة يظهرها المرء لمواجهة الحياة والعالم، سيكون الفراق سكـ ـين حاد ترشـ ـق في الجسـ ـد تنشر آلامها بلا رحمة وتعذب روح بريئة، كل أخطائها أنها أحبت وبشدة.
"مؤامرة مـ ـخططة لإسقـ ـاط الملك، ولا شك في أن الملك لربما يـ ـقتل." مؤامرة مـ ـخططة ومدروسة بدقة لإسقـ ـاط الملك.
تخطيط شيطاني وأفعى سامة تبـ ـث سموها وإبليس يوسوس لبني البشر على الشر والضلال، وبرغم ذلك ربما تشتعل النيران في الساحة ولا تحرق بها سوى صاحبها، السعي في قتـ ـل الملك واحتلاـ ـل المملكة ليست غاية مؤكدة بل هو تصفية حسابات قديمة مرت عليها سنوات عديدة تم نسيانها من قبل الجميع عدى هذا المريض الذي مازال يحاول ويسـ ـعى للفوز على غريمه وعدوه الأول والأخير.
ساعة كاملة قضى "يوسف" أمام مقبرة والده الراحل مليئة بالنزيف والألم والإرهاق. ساعة كاملة بها قال الكثير والكثير عما يؤلمه دون أن يعطي نفسه الفرصة لالتقاط أنفاسه، وكأنه لا يصدق أنه أصبح أمامه. وإن لم يكن جسد فروحه تحاوطه وتستمع إليه، ولكن بدون أن تجيبه وتواسيه. أراد أن يكون بجواره كي يدعمه ويواسيه ويكون الحامي الأول له إن سـ ـقط يومًا. أراد الشعور بالأمان وهو معه، وليس وهو بعيدًا عنه. أنهى حديثه ومعه انخرط في البكاء المرير دون أن يتوقف. أراد أن يبكي بتلك الحرقة حتى يشعر بعدها بالراحة التي يتمنى أن يحصل عليها كي يستطيع العـ ـيش بنمط صحيح.
وبعد دقائق قليلة فيها هدأ "يوسف" قليلًا، رفع كفيه يزيل عبراته عن صفحة وجهه، ثم التقط أنفاسه التي أزهقت، لينھض بهدوء أسـ ـفل نظرات صديقه إليه المترقبة والذي يريد الاطمئنان عليه في نفس الوقت. ثوانٍ، والتفت إليه "يوسف" ينظر له قائلًا: "خليك هنا هروح أجيب الورد مـ ـن العربية وجايلك." "متأكد ولا أجي معاك؟
هكذا سأله "سراج" بنبرة قلـ ـقة وهو ينظر له حينما رأى الإرهاق باديًا على تقاسيم وجهه، ليأتيه جوابه في نفس الوقت حينما قال بنبرة هادئة يرفض مجيئه: "لا خليك أنا كويس، هروح وأرجع على طول."
أنهى حديثه وهو يـ ـربت على ذراعه برفق وتركه وذهب أسـ ـفل نظرات "سراج" الحزينة التي كانت تـ ـتابع رحيله بهدوء، مستشعرًا بألم قلبه على أخيه الحبيب الذي قضى حياته بأكملها يعـ ـاني دون أن يشعر بالراحة ولو ليوم واحد فقط. لم يرى شخصًا مثله يتحمل جميع هذه الآلام دون أن يشـ ـكو، بل يتعامل ويواجه ويضحك دومًا حتى لا يشـ ـكو لأحد ويكون عبـ ـئًا على غيره. كم هو محظوظ لامتلاكه صديقًا وأخًا مثله لا يخشـ ـى شيئًا ويواجه دومًا كل شيء.
فيما خرج "يوسف" مـ ـن المقابر متجهًا إلى سيارة صديقه بخطى هادئة حتى يجلب الورود التي قد اشتراها صديقه في طريقهم إلى المقابر لوضعها على مقبرة أبيه حتى تـ ـتيح إليه فرصة زرعهم له بنفسه. وبنفس اللحظة كانت هناك أعين تتابعه عن قرب، منذ أن خرج مـ ـن خلفه وبيده عـ ـصا خـ ـشبية. لحظة حاسمة لدى هذا الطرف لتنفيذ ما جاء إليه، فهذا أنسب وقت للطرق على الحديد وهو ساخن. بدأ يقترب مـ ـنه بخطى هادئة بعد أن خرج مـ ـن مـ ـخبئه، يـ ـتابعه بعينيه الحادة مشددًا مـ ـن قبضته على العصا التي يحملها.
انتهـ ـز فرصة خلو المكان مـ ـن حوله ولا يوجد به سواهما الآن. لم يحترم حرمة المكان المتواجد به وجاء لتنفيذ ما تم أمره به فحسب حتى يحظى بالكثير مـ ـن الأموال المتـ ـلتلة بعد ذلك مـ ـن رئيسه. لا يـ ـهم كيف تكون الطريقة، كل ما يـ ـريده الآن أن يجني الأموال حتى وإن قام بالقتل. أصبح خلفه مباشرة، يترقب اللحظة الحاسمة وهو ينظر إليه بأعين تنـ ـطق بالشر. فيما توقف "يوسف" فجأة على بعد سنتيمترات مـ ـن السيارة بعد أن شعر بأن هناك أحدًا ما يسير خلفه بعد أن أنذرته حاسته السادسة بذلك، حتى وإن كان الما\كث خلفه ماهرًا في التخـ ـفي، فلن يفلـ ـت مـ ـن هذا الذكي الذي لا يخفى عنه شيء.
ترقب الآخر حركته ملتزمًا الصمت وهو ينظر إليه. تعالت نبضات قـ ـلب "يوسف" الذي شعر بالآخر يقف خلفه، ولذلك نظر إلى الأرض ليرى ظل الآخر يوازي ظله، فقد كانت الشمس في الاتجاه المعاكس لوقوفه، ولذلك أظهرت ظل الآخر الذي كان يمسك بالعـ ـصا. ثوانٍ معدودة مـ ـن الصمت التام، فيها التفت "يوسف" سريعًا إلى الآخر الذي رفع العصا سريعًا إلى الأعلى لإسقـ ـاطها على رأـ ـسه، ليقوم "يوسف" بإيقافه وهو يمسك بالعصا وينظر إليه نظرة حادة، ليصدر رد فعل الآخر سريعًا حينما باغته وركله بقدمه في معدته، جعل "يوسف" يتأوه، والذي أبى ترك العصا لمعرفته بماذا يـ ـريد هذا الحـ ـقير تنفيذه.
أعاد الآخر ضربته بقدمه الأخرى ليعلو تأوه "يوسف" عاليًا، ليترك العصا مرغمًا وهو يضع كفيه على موضع الألم منكمشًا بنفسه بعد أن تلقى ضربة أكثر قوة عن سابقتها. أسقط الآخر العصا على كتف "يوسف" الأيسر ثم دفعه ليسقط "يوسف" أرضًا متألمًا وهو يمسك بكتفه مغمض العينين متجهـ ـم الوجه بعد أن شعر بانتشار الألم في كتفه. نظر له الآخر متـ ـشفيًا، ثم لم ينتظر كثيرًا وأسقط العصا على قدمه بعزم قوته، لتعـ ـلو صرخات "يوسف" أكثر وأكثر، وتسقط العصا مـ ـجددًا على قدمه عمدًا، ليصرخ "يوسف" بنبرة متألمة يستغيث بصديقه "سراج" الذي لم يستغرق ثوانٍ وخرج راكضًا بعدما استمع إلى صراخ صديقه ومعه حارس المقابر.
"سراج"... ألحـ ـقني يا سراج !!
هكذا صرخ "يوسف" عاليًا برفيقه مستغيثًا به، ليخرج "سراج" في هذه اللحظة يرى صديقه مـ ـلقى أرضًا والآخر يقوم بضربه، ليصرخ به بعدما اشتعل غـ ـضبه وجنونه وهو يرى رفيق دربه مـ ـلقى هكذا لا يقدر على النجاة مـ ـن هذا الحـ ـقير، الذي حينما سمع صراخ "سراج" فر هاربًا مـ ـلقيًا العصا أرضًا، ليحاول "سراج" الإمساك به في محاولة فاشلة منه. توقف وهو يلهث وينظر إلى أثر هذا المتخاذل الذي قام بتنفيذ جريمته وهرب. اقترب حارس المقابر مـ ـن "يوسف" وهو يجلس عند موضع رأـ ـسه يقوم بمساندته قائلًا:
"على مهلك يا ابني، على مهلك، حسبي الله ونعم الوكيل فيه، مفيش دم ولا احترام لحرمانية المكان." ألتفت "سراج" ينظر إلى صديقه الذي كان يتألم بشـ ـدة واضعًا كفه على كتفه وثيابه تملؤها الأتربة. اقترب مـ ـنه بخطى واسعة حتى جلس بجواره يتفحصه بخوف وهو يقول بنبرة قلق: "عمل إيه الحيوان دا؟ ضربك فين وإيه اللي حصل؟ تألم "يوسف" أكثر حينما لمس صديقه قدمه المصابة ليقول بنبرة متألمة: "رجلي يا سراج، مش قادر."
أبعد "سراج" كفه سريعًا عن قدم رفيقه ليقول بنبرة متسائلة: "ضربك عليها مش كدا؟ "حاول يضربني أول مرة على دماغي بس أنا لحقت نفسي ومنعته، قام ضاربني برجله فمعدتي. حاول يعجزني بس ملقاش رد، بعدين حاول تاني وأول ما سبت العصايا ضربني بيها على كتفي الشمال وزقني... بعدها فضل يضربني على رجلي الشمال لحد ما خرجت أنت وهرب هو." أنهى "يوسف" حديثه المتألم وهو يلهث، ليشعر "سراج" بالغضب حينما لم يستطع الإمساك به، ليقول مطبقًا
على أسنانه بنبرة غاضبة: "هرب مني ابن الـ*** ملحقتهوش. يمـ ـين بالله لو كنت مسكته ما كنت خليت فيه حتة سليمة." "ولاد الحرام كتير يا ابني، الحمد لله إنه مضرـ ـبهوش ضربة تموته، شكله كان جاي ناويها، احمد ربنا." هكذا قال حارس المقابر، لينظر "سراج" إلى صديقه وهو يشعر بالضيق والندم، ليقرأ هذا "يوسف" بكل سهولة مما نظرته، ليقول بنبرة متعبة وهو ينظر له قائلًا بنبرة واهنة:
"متشيـ ـلش نفسك هم يا صاحبي، أنت عملتش حاجة، كل الحكاية إنك ملحقتوش بس، وده أنا مش بلومك عليه. المهم عندي إنك أنقذتني يا صاحبي." نظر إليه "سراج" بنظرة نادمة وحزن على ما أصاب صديقه، وهو لم يكن بجواره لحمايته والدفاع عنه مثلما اعتاد كليهما، لتلمع العبرات في مقلتيه، قائلًا بنبرة نادمة معتذرة: "أنا آسف يا صاحبي، ملحقتش أمسكه ولا أكون جنبك."
أنهى حديثه وهو يضمه إلى أحضانه معتذرًا منه، والندم يتآكله، ليبتسم "يوسف" بسمة هادئة خفيفة، ليقم بمحاوطته بذراعه السليم، مربتًا على ظهره برفق، قائلًا بنبرة هادئة ممازحًا إياه: "متأڤورهاش ياض بقى خلاص، ده هما ضربتين يعني، وبعدين بيقولك ما يـ ـقع إلا الشاطر، يعني تخاف عليا لو وقعت فيوم ومقومتش تاني... متعتذرش على حاجة خارجة عن إرادتك يا سراج، وبص لنص الكوباية الملـ ـيان دايمًا."
أبتعد عنه "سراج" وهو ينظر إليه بعينين تلمعان، ليبتسم له قائلًا بنبرة بها بحة البكاء: "مش قادر أتخيل حياتي مـ ـن غيرك يا صاحبي. لو مكنتش معاك فاللحظة دي كان موتك. بس صدقني ما هسـ ـيبه وهعرف مين وراه، ولك عليا عهد لدوقه مـ ـن نفس الكاس قدام الناس كلها."
ابتسم "يوسف" وربت على ذراعه برفق دون أن يتحدث، فيما نهض حارس المقابر ومعه "سراج" يسـ ـاندان "يوسف" لإنهاضه، والذي تألم بسبب ألم قدمه القوي الذي كان يتمركز بها. قام بإسناده "سراج" شاكرًا حارس المقابر الذي اطمأن أنه بخير، ثم تركهما وعاد إلى مكانه مـ ـجددًا. فيما نظر "سراج" إلى "يوسف" وقال: "تعالى نمشي يا يوسف، أحسن وضعك صعب، لازم تروح للدكتور أنت مش قادر تمشي على رجلك." رفض "يوسف" قوله وهو يقول بنبرة جاـ ـدة:
"لا، مش عايز أمشي. أنا عايز أفضل معاه شوية." "بس رجلك وكتفك.." قام "يوسف" ببـ ـتر حديث صديقه وهو يعـ ـانده قائلًا: "أيًا يكن يا سراج، مش همشي غير لمـ ـا أعوز إني أمشي. متخافش عليا بس سيبني أعمل اللي يـ ـريحني عشان خاطري." أنهى حديثه وهو ينظر له نظرة راجية، أمامها عجز "سراج" عن معارضته، ولذلك حرك رأسه برفق وهو يقول بنبرة هادئة: "حاضر يا يوسف، هسيبك تعمل اللي أنت عايزه."
تركه "يوسف" وسار متحاملًا على قدمه اليمنى أمام أعين "سراج" الذي حاول مساندته، ليرفض "يوسف" ذلك حينما نظر له وقال بنبرة هادئة: "متخافش أنا كويس، رجلي التانية سليمة."
أصبح "سراج" غير راضٍ عما يفعله صديقه، يرى العناد قائمًا بينهما، ليتركه يفعل ما يريد، وهو يـ ـتابعه على أتم الاستعداد للتدخل إن تطلـ ـب الأمر منه ذلك. فيما سار "يوسف" متحاملًا على قدمه اليمنى ويسير بالأخرى بخـ ـفة، فبدلًا أن تكون خطواته طبيعية، أصبح يعرج بسبب ما أصاب قدمه اليسرى، متقدمًا مـ ـن صندوق السيارة الذي قام برفعه عاليًا ليأخذ الزهور البيـ ـضاء الجورية بهدوء، حتى يضعها على مقـ ـبرة والده، وكأن لم يـ ـصبه شيء ما منذ قليل. هكذا كان "يوسف" دومًا.
أغـ ـلق صندوق السيارة بعد أن أخذ مبتغاه وعاد إلى صديقه مـ ـن جديد بخطى هادئة للغاية، ليقوم الآخر بمساعدته ممسكًا بكفه، يصطـ ـحبه إلى الداخل. اقتربا سويًا مـ ـن مقبرة "عدنان"، ليترك "يوسف" صديقه ويسير بخطى متعرجة مقتربًا مـ ـن مقبرة أبيه، ليقف أمامها ينظر لها قليلًا بنظرات هادئة وشاردة، لينزل بقدميه إلى مستوى المقبرة، متحاملًا على قدمه التي اشتـ ـدت ألمها عليه.
تجاـ ـهل هذا الألم، فلن يأتي شيء بجانب ألم قلبه وروحه. وضع الزهور البيضاء أمام مقبرة أبيه وهو يقوم بترتيبها بشكل أنيق حتى تصبح مظهرها خلابًا. وحينما أنهى وضعها، نظر إلى المقبرة وعينيه تفصح الكثير الذي يعجز الفم عن إخراجه والبوح به، ليقول بنفسه محدثًا إياه: "شوفت اللي بيحـ ـصل في ابنك يا عدنان؟ مش راحـ ـمين ابنك ولا سايبينه يعيش مرتاح. البشر وحشة أوي يا حبيبي، ودايسين على ابنك لحد ما جاب آخره."
وحينما شعر أنه سيضعف مـ ـن جديد، تماـ ـلك نفسه سريعًا ليحاول كـ ـبح عبراته التي ألتمـ ـعت في مقلتيه، ثم مد كفه يسير على باب المقبرة متلمسًا اسمه المحفور عليها بحنين، ثم نهض بمساعدة "سراج" له، الذي قام بمساندته ليقف "يوسف" ينظر إلى المقبرة التي كانت تجاور مقبرة أبيه، ليسير بخطى هادئة متعرجة يقف أمامها وهو مازال يحمل بقية الزهور، ليرى اسمًا ذكوريًا، ليعلم أنه جده والد أبيه الراحل، ليقم بوضع القليل مـ ـن الزهور كذلك أمام مقبرته مثلما فعل مع أبيه. ثم بعدها رأى مقبرة جدته التي كانت تجاور مقبرة جده، ليضع كذلك القليل مـ ـن الزهور، وكان يجاوره رفيقه الذي كان يقدم له يد المعونة.
وقف بعدها "يوسف" أمام مقبرة تجاور مقبرة جدته، ينظر إلى الاسم المدون على بابها، ليعقد ما بين حاجبيه مصدومًا حينما رأى أنها تخص طفلًا صغيرة. الطفل _مؤنس مؤمن راضي المحمدي _. كانت صدمة بالنسبة إليه حينما قرأ اسم الصغير، فلم يخبره "مؤمن" عن هذا الموضوع بأنه كان يملك طفلًا آخر غير طفليه الحاليين. نظر إليه "سراج" متعجبًا وقال بنبرة هادئة متسائلة: "يوسف، كمل مالك وقفت مرة واحدة كدا ليه؟
لحظات وألتفت إليه "يوسف" برأسه ينظر إليه وهو مازال في صدمة مـ ـن أمره، ليقول بنبرة هادئة: "الطفل دا، الطفل دا اسمه "مؤنس مؤمن راضي المحمدي"، يعني يبقى ابن "مؤمن" ابن عمي راضي. "مؤمن" مجابليش سيرة إن عنده طفل متوفي. أنا كل اللي أعرفه إن عنده ولدين بس. طب لمـ ـا دا ابنه ليه مقاليش حاجة عنه؟ ولا حتى جاب سيرته؟ أنهى حديثه متسائلًا وهو يشعر بالتشـ ـتت وهو ينظر إلى المقبرة الخاصة بالصغير، ليأتي جواب "سراج"
الذي قال بنبرة هادئة: "يمكن نسي، أو هو مش عايز يقول. أكيد موجوع عليه وكل ما بيجيب سيرته بيتعب. إحنا منعرفش السبب الرئيسي." دام الصمت بينهما قليلًا، خلاله كان "يوسف" ينظر إلى المقبرة، ليقوم بوضع ما تبقى مـ ـن الزهور أمامه، ثم استقام بوقفته وهو يفكر في الأمر، ليقول بنبرة هادئة:
"مش هينفع أسأل "مؤمن". يمكن أجـ ـرحه وأنا مش واخد بالي وأفتح جروح حاول يداويها. مش عايز أفكره ولا أعرفه إني عرفت. هسأل عمي "راضي" يمكن يقول، أو عمي "عماد". هسأل عمي "عماد" أفضل عشان مـ ـسببش وجع لحد مـ ـنهم، شكله صغير في السن." "كلامك صح، شكلها كانت حادثة. ربنا يرحمه ويصبر أبوه وأمه على فراقه." هكذا جاوبه "سراج"، ليخرج "يوسف" زفرة قوية يخرج بها مشاعره السلبية، ليلتفت إلى صديقه قائلًا: "يلا نمشي."
لبى "سراج" مطلب صديقه ليقوم بمساندته وسار معه بخطى هادئة للغاية، وهو يقول بنبرة آمرة لا تقبل النقاش: "هنطلع مـ ـن هنا على الدكتور على طول، ولو ناقشتني يا يوسف هتغاـ ـبى عليك وهتزعل. خليك شاطر واسمع الكلام أحسن ليك." نظر إليه "يوسف" في هذه اللحظة وقال بنبرة معـ ـاندة: "لا مش هروح لدكاترة. هروح وهبقى كويس ملهوش لزوم." رمقه "سراج" نظرة حادة بعد أن عـ ـانده "يوسف" بلا شك، ليقول بنبرة حادة: "يوسف متعـ ـاندنيش."
"لا هـ ـعاـ ـندك. أنا مش هروح لدكاترة، خلصت، روحني و "بيلا" هتاخد بالها مـ ـني." هكذا جاوبه وعـ ـانده "يوسف" دون أن ينظر إليه، ليزداد غضب "سراج" الذي زفر بقوة وهو يقول بنبرة غاضبة: "يا صبر أيوب."
أصطحبه إلى السيارة وساعده على الجلوس على المقعد الأمامي، وهو يأخذ حذره في عدم إيلامه، ليغـ ـلق الباب خلفه ويلتفت إلى الجهة الأخرى مجاورًا إياه، ليضغط على الزر الذي أدار السيارة وتحرك بعدها، لا دون أن يتحدث، ليسمع "يوسف" يقول محذرًا إياه: "على البيت يا سراج بدل ما تشوف مـ ـني وش تاني أحسنلك."
زفر بغضب ولم يجاوبه، فهذا لا يروق إليه بكل تأكيد، ولكن لم يستطع معـ ـاندته بعدما رأى ما مر به صديقه اليوم، ولذلك خضع إليه ولبى مطلبه وتحرك في طريقه إلى الحارة، مستسلمًا إلى هذا العنيد الذي حينما رأى الطريق مؤديًا إلى الحارة، ابتسم بسمة هادئة وانبسطت معالم وجهه. فيما لمحه "سراج" بطرف عينه، ولذلك ابتسم بسمة خـ ـفيفة حينما رأى تلك البسمة، ليحرك رأسه برفق وقـ ـلة حيلة وصـ ـب كامل تركيزه على الطريق أمامه حتى يصلوا إلى حارتهم.
"ليس كل ما يـ ـريده المرء يحصل عليه. فلا تعود تشـ ـكو عـ ـصيان ولدك وأنت المتسبب بذلك." تضعنا الحياة دومًا في مواقف صـ ـعبة للغاية. نـ ـجبر على اتخاذ دروب لم نكن نظن أننا سنخطوها يومًا. ولكن أمام أناس يطمعون في أخذ ما لا يعنيهم، نتخذ تلك الدروب مـ ـصيرًا إليها حتى وإن كانت مليئة بالأشواك الحادة.
كان يجلس رفقة "لؤي" يقـ ـص عليه مشكلته وما يعـ ـانيه مع والدته وأخيه الصغير علـ ـى نيرانه تنطـ ـفئ ولو قليلًا. وكان قد اختار خير المستمعين هذه المرة. وحينما أنهى حديثه، نظر إلى "لؤي" نظرة حائرة وقال بنبرة متوـ ـترة:
"وبيني وبينك أنا حيران مش عارف أعمل إيه. هـ ـربت وقتها عشان مكانش عندي حل تاني غير الهروب. تعبت يا لؤي أنا مضغوط عليا زيادة عن اللزوم، مبقوش يكلموني غير عشان الفلوس وبس، بقيت حاسس إني متـ ـكتف ومش مرتاح. أنا بتعب عشان أجيب الفلوس دي أقسم بالله وهي بتاخدها تصرفها على الشوبينج والنادي، وهو بيصرفها على سفراته مع صحابه والحفلات. طب وأنا ليه أتعـ ـب نفسي وأهـ ـلكها طالما اللي بتـ ـعب فيه بيروح هدر كدا؟
وعايز أجيب شقة وأجهز نفسي، مسيري هتجوز، مش معقولة هصرف على بيتين فيهم راجل شحـ ـط زي "أمير"." أخرج "لؤي" زفرة قوية بعض الشيء يـ ـائسة، وهو يتعجب لأمر هؤلاء البشر، ليقول بنبرة هادئة:
"والله يا نادر أنا شايف إنك خدت القرار الصح. ما أنت متتعـ ـبش وتشـ ـقى وتطـ ـفح الكوتة عشان الهانم تصرف على الشوبينج والبيه يصرف على سهراته. قرارك صح حتى لو لـ ـوـ ـت دراعك ووقفت حسابك فالبنك، طـ ـز. أنا شايف إنك تنزل مع "يوسف" الشغل الجديد اللي هيستلمه تتعلم الصنعة وإيدك تشتغل، ويمـ ـين بالله ما هتحتاج لأي حد، وبكرا ييجوا يترـ ـجوك بعد ما يلاقوا اللامبالاة مـ ـنك. إيدك فإيد "يوسف" ومرة بعد مرة هتحـ ـوـ ـشك مبلغ حلو، هات شقتك يا ابن الناس، وحـ ـوـ ـش مبلغ تاني وشيله للمهر، والله المستعان، أقسم بالله قعدة الحارة وسط الناس الطيبة دي أحلى مليون مرة مـ ـن الفشـ ـخرة الكدابة اللي أمامك وأخوك عايشين فيها دي."
أبتسم "نادر" بسمة هادئة والتزم الصمت قليلًا، ثم قطـ ـعه مجددًا قائلًا بنبرة هادئة: "عندك حق والله، ما كذبت فحرف. هعمل كدا فعلًا. والله أنا حبيت القعدة هنا وسطكم، بفكر أخد شقة هنا." "يا عم ندورلك، هسألك الوالد "منير" عارف فالحوار بتاع الشقق، دا لو يعرف واحدة فاضية نشوف شكلها ولو عجبتك نتفق على السعر وهظبطك." هكذا جاوبه "لؤي" بنبرة هادئة يطمئنه حيال ذلك الأمر، لتتسـ ـع البسمة على ثغر "نادر" الذي قال بنبرة صادقة:
"أقسم بالله أنت جدعة وما فيه فطيبة قلبك. يا بخت ناسك بيك يا لؤي والله." ربت "لؤي" على كف "نادر" بوجه مبتسم دون أن يتحدث، ليـ ـبادله الآخر بسمته، ثم نظر حوله يشاهد الناس، حتى رأى "ليان" تقترب مـ ـنه وهي في أفضل طـ ـلاتها الجميلة مبتسمة الوجه، ليعتدل هو في جلسته ويـ ـفرّق ذراعيه يدعوها لمعانقته، لتـ ـلبي هي مطلبه سريعًا وهي تولج إلى دفء أحضانه، ليـ ـطبق هو بذراعيه عليها ضاممًا إياها قائلًا بنبرة هادئة مبتسم الوجه:
"حبيبي يا جدعان، مراتي وصلت وعبرتني أخيرًا." أنهى حديثه وهو يمازحها، لتعلو ضحكاتها الرنانة حينما بدأ يدغدغها أسـ ـفل نظرات "لؤي" الذي كان يـ ـتابعهما مبتسم الوجه. توقف "نادر" وهو يلثم وجنتها الصغيرة المتوردة بقـ ـبلة عمـ ـيقة، ليسألها قائلًا بنبرة هادئة: "متشيكة كدا ورايحة على فين؟ جاوبته "ليان" مبتسمة الوجه قائلة بنبرة هادئة حماسية: "رايحة عند تيتا هناء وتيتا شـ ـاهي، وخالو بشير هييجي كمان شوية مـ ـن السفر أخيرًا."
رمـ ـقه بنظرة تملؤها الغـ ـيرة تجاه أخيه حينما رأى سعادتها وتلهـ ـفها الشديد له، ليقول بنبرة غير راضية: "بـ ـت بقولك إيه، ملكيش دعوة بالواد دا أديني بقولك أهو. إحنا اتفقنا إني هتجوزك لمـ ـا تكبري وبغير على فكرة." أنهى حديثه مغتاـ ـظًا وهو ينظر إليها، لتضحك هي مـ ـجددًا بطفولة، وكان "لؤي" يـ ـتابع هذا الحديث بينهما مبتسم الوجه، لتجاوبه بنبرة هادئة وببساطة:
"بس أنا بحب خالو بشير على فكرة، وكمان قالي إنه جايبلي هدية وهو راجع، فلازم أروح." رمـ ـقها بنظرة ذات معنى حينما استمع إلى كلماتها، ليقول مترقبًا: "يعني أنت رايحة عشان خاطر الهدية؟ طب أنا هجيبلك ٢ إيه رأيك." جاوبته فورًا بوجه متجهـ ـم ترفض ذلك قائلة: "لا أنا هاخد هدية خالو بشير. سيبني بقى عشان أروح لتيتا قبل ما ييجي." أغتاـ ـظ "نادر" بشدة وهو يرى إصرار الصغيرة على الذهاب ورؤية "بشير"، ليقول بنبرة حادة:
"لا مش هتروحي، أنت مـ ـخدتيش إذني وأنا مش موافق." "بس يوسف موافق وقالي روحي، يبقى خلاص." جاوبته بسلاسة وهي تفـ ـك حصاره عليها وتركض هربًا إلى والدتها التي خرجت وهي تحمل صغيرتها على ذراعها، ومعها حقيبة صغيرة بمتعلقات صغيرتها. نظر هو إليها، ثم نظر إلى صديقه واعتذر له وهو ينهض قائلًا: "عن إذنك يا صاحبي ٥ دقايق وراجع."
حرك "لؤي" رأسه برفق موافقًا بوجه مبتسم، ليتركه "نادر" ويذهب إلى شقيقته بخطى هادئة، ليرى "ليان تختبئ خلفها حينما رأته يقترب مـ ـنها، ليقف أمام شقيقته قائلًا بنبرة هادئة متسائلة: "رايحة على فين كدا؟ نظرت له "بيلا" وأجابته بنبرة هادئة حينما قالت: "رايحة عند ماما. كلمتني وطلبت مـ ـني أودي ليان عندها عشان بشير راجع مـ ـن السفر وطلب يشوفها، فقولت أودي لين بالمرة وأجي أنضـ ـف الشقة وأجهز الأكل قبل ما يوسف يرجع."
تفهم "نادر" حديثها، ليسقط بصره على تلك الصغيرة التي كانت تـ ـخرج رأسها وتنظر له، لتقوم بإغاـ ـظته وهي تـ ـخرج لسانها إليه، ليزداد غيـ ـظه وهو يقول بنبرة حادة: "بتغـ ـظيني يعني، فاكرة أمك هتـ ـمنعك عني وأنت واقفة مستـ ـخبية وراها كدا." أبتسمت "بيلا" ونظرت إلى صغيرتها التي اختبأت سريعًا خلفها. عادت تنظر إلى أخيها الذي اقترب مـ ـنها، يلثم وجنة الصغيرة بقـ ـبلة حنونة قائلًا: "شكلك هتطلعي شـ ـقية يا بت أنت."
اتسـ ـعت بسمة "بيلا" لتسأله بنبرة هادئة قائلة: "مش هتيجي عشان تشوفه ولا إيه يا نادر؟ جاوبه فورًا على سؤالها حينما قال بنبرة هادئة: "لا طبعًا هاجي. يوصل بس بالسلامة وأنا هروح أتطمـ ـن عليه وأقعد معاه شوية." "طب هروح أنا أودي البنات وأرجع عشان أشوف هعمل إيه." هكذا جاوبته واستعدت للرحيل، ليوقفها هو قائلًا: "لا هاتي لين وليان هوديهم أنا، وأنت طلعي عشان تخلصي اللي وراكي، أنا كدا كدا فاضي مبعملش حاجة يعني."
رفضت الصغيرة وهي تتشبـ ـث بملابس والدتها وهي تـ ـصر على أن تصطحبها والدتها، لينظر إليها "نادر" بعد أن حمل الصغيرة على ذراعه وأخذ الحقيبة مـ ـن شقيقته، وهو يتوـ ـعد إليها قائلًا: "لا دا أنا هـ ـربيكي يا بتاعت بشير، اتقلـ ـبي عليا." ضحكت "بيلا" وهي ترى تشبـ ـث أبنتها، تـ ـطالع "نادر" بخوف، لتـ ـمسد على خصلاـ ـتها بحنو، قائلة بنبرة هادئة مبتسمة الوجه:
"متخـ ـافيش مش هيعملك حاجة، بيهزر معاكي. روحي معاه يلا عشان تلـ ـحقي بشير بدل ما يزـ ـعل." أقترب "نادر" مـ ـن الصغيرة وأمسك بيدها وهو ينظر إلى شقيقته يـ ـطمئنها بوجه مبتسم قائلًا: "متخـ ـافيش عليهم. ولو أحتاجتي حاجة كلميني، أنا قاعد تحت شوية."
حركت رأسها برفق موافقة على حديثه، ثم ودعتهما وصعدت مـ ـجددًا إلى شقتها كي تستعد إلى ما ينتظرها في الأـ ـمام. ولجت إلى شقتها وأغلقت الباب خلفها، ثم نزـ ـعت حجاب رأسها وعباءتها، لتبدأ في تنظـ ـيف المنزل قبل أن يعود زوجها في الأمس، فبالتأكيد سيعود مرهقًا ويريد أن يحظى بالقليل مـ ـن الراحة والهدوء. وبداخلها تتمنى أن يكون قد شعر بالراحة حينما قام بزيارة والده، فهذا أقل شيء تفعله لأجله كي يهدأ قليلًا.
"خطوة جديدة تؤخذ بعين الاعتبار. وبداية جديدة لحياة مشرقة مع مـ ـن نحـ ـب." خطوة واحدة فاصـ ـلة في حياة المرء. خطوة تأخذه إلى عالم آخر بعيد كل البعد عن عالمهم ذاك، عالم وردي لطيف رفقة مـ ـن نحـ ـب. بداية جديدة تبدأ لحياة أفضل تكون هي الأفضل لحياة مشرقة مع مـ ـن نحـ ـب.
كان يجلس في غرفة المعيشة ينتظر قدومه وهو يشعر بالتوـ ـتر الشـ ـديد. لا يعلم كيف يبدأ وماذا يقول. شعر بالتخـ ـبط الشـ ـديد. ولكن حاول تماـ ـلك أعصاـ ـبه قدر المستطاع، لينظر إلى "أكرم" الذي خرج مـ ـن الداخل وهو يبتسم إليه معتذرًا مـ ـنه قائلًا: "إحنا آسفين على التأخير يا باشا. العيال شغالين عياط لحد ما صدعوا دماغ اللي جابوني، مصدقت ناموا وسكتوا." أبتسم "جاد" إليه وقال بنبرة هادئة معتدلًا في جلسته:
"ولا يهمك. الله يعينك عليهم ويباركلك فيهم." "عقبالك إن شاء الله. تشرب إيه الأول، عشان المدام مش هنا؟ هكذا سأله "أكرم" بنبرة هادئة مبتسم الوجه، ليجاوبه "جاد" قائلًا: "لا تسلم كـ ـلك واجب يا صاحبي." أستنكر "أكرم" قوله، ليقول بنبرة غير راضية تفوه به: "يعني إيه الكلام دا؟ لا بقولك إيه، اللي بيدخل بيتنا بنكرمه آخر كرم. سـ ـكة دخول الحمام زي خروجه دي مش عندي. دخلت بيتي يبقى تضايف، يعني تضايف. ها تشرب إيه بقى؟
أنهى حديثه الذي كان يتخذ وضعية الهجوم في بادئ الأمر بنبرة هادئة ودوـ ـدة مبتسم الوجه. أستنكر "جاد" ما يراه في بادئ الأمر، ثم أبتسم وقال بنبرة هادئة: "خلاص مش هـ ـزعلك، فنجان قهوة يا سيدي." تركه "أكرم" وأتجه إلى المطبخ وهو يقول مبتسم الوجه: "أيوه كدا هو دا الكلام. لازم تضاـ ـيقني يعني."
رمقه "جاد" بقلة حيلة مبتسم الوجه، لينظر إلى المكان مـ ـن حوله بإعجاب بائن على تقاسيم وجهه ونظراته، حتى مرت دقائق قليلة وخرج إليه "أكرم" ومعه فنجانين مـ ـن القهوة، ليضعهما على سطح الطاولة أمامه قائلًا بنبرة هادئة: "أحلى فنجان قهوة للغالي حبيب الغالي." أبتسم "جاد" ونظر إلى "أكرم" الذي جلس بجواره وهو يقول: "تسلم يا حبيبي. إن شاء الله مش هتكون آخر مرة أجيلك فيها." نظر إليه "أكرم" وقال بنبرة هادئة مبتسم الوجه:
"طبعًا، شـ ـرط لمـ ـا تنزل الحارة بعد كدا تجيلي، مش هتنازل ولا هقبل أعذار. والمرة الجاية أنت معزوم عالغدا عندي، دي مفيهاش نقاش."
شعر "جاد" بالراحة تجاهه، فقد كان يشعر بالقلق في التعامل معه وظن في بادئ الأمر أنه مـ ـن هؤلاء الشباب الصارمين، استنتاجًا مـ ـن معالم وجهه الصارمة، ليقـ ـن الآن أن الاختلاط بالبشر شيء مؤكد حدوثه، فلا ينبغي أن نحكم على الآخرين مـ ـن مظهره مهما كان. وبعد القليل مـ ـن التحدث في العديد مـ ـن المواضيع المتنوعة والضحكات المتبادلة، اتخذت الجلسة مسارًا جادًا منذ هذه اللحظة التي فيها اعتدل "جاد" بجلسته وقال بنبرة جاـ ـدة:
"بـ ـص بقى يا معلم. صـ ـلـ ـ بينا على النبي الأول." "عليه أفضل الصلاة والسلام." تحدث "جاد" بنبرة جاـ ـدة وهو ينظر إليه قائلًا: "أنا جاي بصراحة عشان في حاجة تانية. أنا ليا عندك أمانة جاي آخدها، قولت إيه؟ تفهم "أكرم" ما يـ ـريده "جاد" وجاء لأجله منذ أن طرق بابه وولج، وشعر أنه جاء لغرض ما، وهو هي الأمور تضح بينهما الآن. نظر له "أكرم" بعد أن ساد الصمت بينهما قليلًا، ليقطـ ـعه حينما قال بنبرة هادئة:
"قولت لا إله إلا الله. طب بص زي ما جيتلي سـ ـكة ودوغري، أنا كمان هجيلك سـ ـكة ودوغري عشان نبقى على نور وتقعد تشاور عقـ ـلك تاني."
أصـ ـابه الخوف في هذه اللحظة بلا شك. لا يعلم لمـ ـا ساوره الخوف الشديد حينما أجابه "أكرم" بهذا الأسلوب الذي أنذر بعدم الخير. سيجن جنونه إن لم يحصل عليها بلا شك. يريدها بكل تأكيد. ينتظر أين ستصـ ـيبه رصاصة "أكرم" في هذه اللحظة، وهو يدعو بأن يكون في النهاية يمازحه ولا يرفضه، فلا يستطيع أن يتخـ ـيل حياته بدونها، فقد أحبها وبشدة، لن يستطيع مفارقتها، سيموت.
أخذ "أكرم" نفسًا عمـ ـيقًا ثم زفره بترو وقال بنبرة هادئة يقوم بإيضاح الأمر إليه حتى يترك الاختيار له في نهاية المطاف، إما بالقبول أو الرفض: "مبدئيًا وعلى بياض كدا "كايلا" مـ ـطلقة." صـ ـدم "جاد" بشدة حينما استمع فقط إلى هذه الجملة البسيطة التي كانت كفيلة بتدمير كل شيء دون الإكمال. ماذا يعني حديثه ذاك؟ أهي كانت ملكًا لآخر قبله؟ كيف ومتى ولمـ ـا؟
العديد مـ ـن الأسئلة ضربت رأـ ـسه، جعلته لا يقدر على استيعاب أي شيء. ألمه قلبه وشعر وكأن وتـ ـدًا قد اخترقه وتركه ينزف دون أن يخرجه صاحبه. أكمل "أكرم" حديثه وقال:
"قصة معـ ـقدة كدا. كلنا اتخدعنا فيها زي ما هي اتخدعت فيه. زي ما بنقول على الشخص اللي بيدخل حياتنا فترة صغيرة ويمشي على طول. تجربة. هو كان يبان كويس وكان مخليها مبسوطة والدنيا بينهم كانت حلوة. بس هو غـ ـشنا كلنا وهي قبلنا. عارف إنك مش مستوعب اللي بقوله، بس هو دا اللي حصل. طالما جيت وطلبتها يبقى تعرف قبل ما تاخدها، عشان لو الأمور تمت وأنت وافقت لمـ ـا تكتب على بكر غير لمـ ـا تكتب على مطلقة. جت فترة هو اتغيـ ـر فيها
وكلنا لاحظنا دا، وبقى يتخانق معاها على أتفه حاجة وينـ ـكد عليها كل شوية، وكانت بتغضب وتسيبه البيت عادي وهو ميسألش كأن دا على هواه. سبب فصلاـ ـنها عنه إن قامت بينه وبين "يوسف" خناقة كبيرة. "يوسف" وقتها حاول يصلـ ـح ما بينهم، وعرف مـ ـن برا، وهو افتكر إن "كايلا" اللي اشتـ ـكت لـ "يوسف"."
"شد وجذب الموضوع اتطـ ـوـ ـر بينهم، قام ضارب "يوسف" بـ ـحديد على دماغه فتـ ـحاله. المنظر كان صعب، وهي فضلت تصرخ وكلنا اتجمعنا. كان "يوسف" ساـ ـيح فدمه مش شايف قدامه. هي خافت تكمل معاه، يعني اللي خلاه كان هيقتل "يوسف" مش هيقتـ ـلها هي. سابت البيت وراحت عند والدتي وطلبت الطلاـ ـق، ولو مرضاش يطلق هترفع قضـ ـية خـ ـلع. طبعًا هو اتقبـ ـض عليه واتجبر يطلق بعد فترة الحـ ـكم. اختفى خالص كأنه مكانش ليه وجود، ومـ ـن ساعتها "كايلا" محبتش تجرب تاني وخاـ ـفت. دي الحكاية، بس لو أنت فعلًا جاي وفنيتك تطلبها وعايزها بجد، أنا برضه هقولك على حاجة عشان هيبقى حرام عليا وحاجة زي دي ممكن تغيـ ـر مسار الحوار كله، مع إني مينفعش أقولهالك."
برغم صدـ ـمته وعدم استيعابه له، لم يـ ـقل، ولكن دفعه فضوله لمعرفة هذا الشيء الخـ ـطير الذي لربما يـ ـغير كل شيء كما قال "أكرم"، ليسمعه يقول بنبرة هادئة: "كايلا لسه بـ ـكر. كان جواز على ورق بناءً على كلامها. الإسم بس مـ ـطلقة. مجرد اسم عادي أو لقب، مش حاجة. ولـ ـكن القرار ليك فالآخر برضه، يا توافق يا ترفض. دي حاجة ترجعلك طبعًا. أنا خلصت كل اللي عندي ووضحتلك الصورة، وبرضه قرار والدك ووالدتك مهم، هما برضه رأيهم يحترم."
أنهى حديثه وترك الكرة بملعبه له، مـ ـطلق الحرية في ركلها كيفما يشاء هو. أنهى أقاويله وانتظر الجواب مـ ـن الطرف الآخر، الذي برغم صدـ ـمته، إلا أن ما أخبره به "أكرم" في الأخير أسعد قلبه. ولكن تم إلغاء العـ ـقل في هذه اللحظة، ليـ ـسيطر القلب على صاحبه، ويـ ـجبره على القبول، فهي مـ ـن انتظرها وتمناها بعد ما مر به، يتلاشى كل ذلك في لمح البصر.
تذكر حزنها وتذكر بسمتها ونظرتها. تذكر أدق تفاـ ـصيلها. جميلة وأسـ ـرته بجمالها. صرخ قلبه عاليًا معلنًا عن موافقته مهما كان الأمر، هو مازال يريدها بكل تأكيد. استأذنه لإجراء مكالمة ضرورية، ليسـ ـمح له "أكرم" بكل هدوء، متذكرًا أقاويل "يوسف" حينما أخبره أن ابن عمه يحب شقيقته ويريد أن يتزوجها، ليخبره حينها بأن يجعله يأتي إليه للتحدث قليلًا، ويتم التعارف بينهما بشكل ودي أكثر. تمنى أن تحظى شقيقته بالسعادة وأن يكون هذا الشاـ ـب عوضًا لها عما رأته مع هذا الحـ ـقير المتخاذل الذي خدعهم جميعًا وفر هاربًا بعدما انفصلا سويًا.
دقائق كثيرة مرـ ـت وهو ينتظر حتى رآه يقترب مـ ـنه أخيرًا، يجاوره في جلسته مـ ـجددًا، أسـ ـفل نظرات "أكرم" الذي كان يـ ـتابعه، ليتحدث "جاد" بنبرة هادئة وهو ينظر إليه: "زي ما جيتلي سـ ـكة ودوغري، أنا كمان هجيلك سـ ـكة ودوغري، وهقولك كل شيء قسمة ونصـ ـيب." توقـ ـع "أكرم" هذا الرد، فماذا يظن غير ذلك؟
هكذا كانت صورة المرأة المطلقة في مجتمعنا، أنها منبوـ ـذة بين الجميع. حينما يعلمون أنها مطلقة، تنطـ ـلق عليها الأقاويل التي تكون أكثرها جرحًا للمرأة. هي ليست منبوـ ـذة، ولا يعـ ـيبها شيء. كل الأمر أنها كانت قليلة الحظ، فلم ينصـ ـفها الجميع. أرادت العـ ـيش كما كانت تريد، ولم يـ ـساعدها المجتمع على ذلك، وهذا كـ ـله لأنه تم إطلاق لقب سخـ ـيف عليها، لقب "المـ ـطلقة".
نظر إليه "جاد" دون أن يتحدث، ليرى الحزن باديًا على تقاسيم وجهه، فكان يتأمل أن تنصـ ـلح حياة شقيقته وتحظى بالسعادة كأي فتاة غيرها. وعندها آلمه قلبه بشـ ـدة، فماذا سيقول لها حينما تعلم أنه تخـ ـلى عنها؟ بالتأكيد ستنصدـ ـم بشـ ـدة، فمن حديث صديقه أنها تحبه بشـ ـدة. نظر إليه "أكرم" وقال بنبرة هادئة: "حصل خير، دا حـ ـقك برضه. أكيد مش هنجـ ـبرك على حاجة أنت مش قابلها. ربنا يرزقك ببنـ ـت الحلال."
أنهى حديثه وهو يتلاشى النظر إليه بعد أن أنهى حديثه، ليشعر بكف الآخر يوضع على كتفه قائلًا بنبرة متسائلة: "طب أجي أتقدم لبنـ ـت الحلال أمتى؟ لحظات وألتفت "أكرم" برأسه ينظر إليه متعجبًا ومستنكرًا قوله، ليرى ابتسامة "جاد" تـ ـزين ثغره، تزامنًا مع قوله المماـ ـزح: "أنا قولت كل شيء قسمة ونصـ ـيب، ولأجل الأمانة يعني، هي نصـ ـيبي وأنا مقدرش أسيبه كدا وأمشي، يعني ولا أنت رأيك إيه؟
تفاجئ "أكرم" كثيرًا حينما استمع إلى حديث "جاد"، وأصبح يـ ـطاـ ـلعه مستنكرًا، ليضحك "جاد" ويقول بنبرة هادئة: "طب بذـ ـمتك أنا أجي أرفضها عشان لقب عبيـ ـط زي دا، بعد ما كنت بدعي كل يوم العريس اللي متقدملها دا يطـ ـفش؟ أعـ ـقل الكلام يابا، "كايلا" تلزـ ـمني، هي وطبق الفاصوليا الخضـ ـرا اللي بتعمله، أما عليها طبق فاصوليا يا بوي على حلاوته."
لانت معالم وجهه، ليزفر بعـ ـمق بعدما زارته الراحة حينما تلقى حديث "جاد" الذي مازحه، ليقول بنبرة هادئة قليلة الحـ ـيلة: "يا أخي حرام عليك، أقسم بالله وـ ـقعتلي قلبي وبقيت قاعد بفكر هقولها إزاي إنه رفض." ضحك "جاد" عاليًا على حديثه، ثم جاوبه مبتسم الوجه قائلًا بنبرة هادئة:
"كايلا مـ ـن نصـ ـيبي، وأيـ ـًا كان اللي حصل قبل ظهوري ميلزـ ـمنيش. أنا بحبها وعايزها، واللي يلزـ ـمني مـ ـن أول ما نبدأ سوى، غير كدا معرفش. ولو على والدي ووالدتي، فمتقلقش، معندهمش أي مشـ ـكلة، المهم إني أبقى راضي، دا عندهم أهم مـ ـن أي حاجة. الخميس الجاي هجيب والدي ووالدتي ونتقدم بشكل رسمي، تكون أنت أديتها خبر، وأنا كدا كدا عارف ردها مـ ـن غير حاجة يعني." "يا واثق أنت."
مازحه "أكرم" مبتسم الوجه وهو يومض بجـ ـفنه الأيمن، ليـ ـبادله "جاد" ضحكاته، وهو يتحدث معه طيلة الوقت، بعد أن قرر أن يـ ـرافقه قليلًا. فقد أحب صحبته ومجالسته بعد أن أخذ خطوته، وسـ ـرعت له الـ ـخطى لتكون أولى خطواته خضـ ـراء ومـ ـيسرة، تخـ ـبره أن البداية خير بكل تأكيد. "أمل وحيد يتمسك به المرء مع آخر شعاع مـ ـن النور." أمل أخير في الحياة يعطي لصاحبه أحقية العـ ـيش حرًا.
شعاع نور أخير مـ ـن خيوط الشمس الذهبية، تـ ـعطي أملًا في السعي قبل أن يفوت الأوان. حياة أفضل، لحظة أجمل، شعور جديد يولد محـ ـملًا بالسعادة والطمأـ ـنينة.
كان في أفضل الأماكن وأحبها إلى قلبه. يفعل ما يـ ـحبه بصدـ ـر رحب مبتسم الوجه. قام بوضع المقاعد البلاـ ـستيكية في الصف الأول لكباـ ـر السن الذين يأتون لأداء الفرائض، برغم أن جروـ ـح جسـ ـده لم تـ ـشـ ـفى حتى هذه اللحظة، ولكن صموده كان له رأي آخر في ذلك. طاف بعينيه في أرجاء المسجد يتأكد أن كل شيء على ما يـ ـرام، لتعـ ـلو البسمة الهادئة ثغره وهو يشعر بالرضا. دقائق معدودة، وبدأ بتوافد المصلين إلى المسجد، ليقف هو أمام مكبر الصوت يـ ـراقب عقارب الساعة بعينيه، والتي كانت تتحرك بانتظام، منتظرًا أن تدق الدقيقة الثانية ليبدأ برفع أذان العصر بصوته العذب الذي رن في أركان الحارة، ناشرًا الراحة والطمأـ ـنينة في أركان الحارة، سواء كبيرة أو صغيرة.
ولجت مجموعة مـ ـن الأطفال الصغار يتسابقون على اللحاق بالصف الثاني بحماـ ـس طفولي، في رؤية مـ ـن سيلحق الصف الثاني، والذي يكون بالنسبة لهم الصف الأول. ولج "نادر" في هذه اللحظة، مستمعًا إلى صوته الذي حرك بداخله الكثير ونشر راحته في ثنايا قـ ـلبه، يـ ـرافقه "لؤي" الذي شعر بالسعادة حينما رأى رفيقه يعود إلى سابق عهـ ـده ومثلما اعتاد رؤيته. نظرا كليهما إلى بعضهما نظرة تبتسم قبل الفم بلا شك، فـ "لؤي" يعلم أن صديقه لا ييأس ولا يستسلم إلى أي شيء يكون سـ ـببًا رئيسيًا في تراجعه إلى الخلف.
أنهى "رمزي" رفع الأذان، ليقوم بغـ ـلق مكبر الصوت، ثم الالتفات ليرى صديقه يقف على بعد سنتيمترات مـ ـنه، يـ ـشير إليه بوجه مبتسم دون أن يتحدث، لتعـ ـلو الإبتسامة ثغره، ولذلك اقترب مـ ـنه بخطى هادئة حتى وقف أمامه وعانقه برفق، قائلًا بنبرة هادئة: "واحشني والله العظيم الكام يوم اللي فاتوا دول، ومشوفتكش فيهم." بادله "لؤي" عناقه مبتسم الوجه وهو يـ ـمسد على ظهره برفق، قائلًا بنبرة مماثلة:
"وأنت واحشني أوي أقسم بالله، عودة حميدة يا حبيبي." ثوانٍ قليلة، وجاء حديثه الهادئ متسائلًا حينما داعبت رائحته أنفه، ليبتعد عنه قائلًا: "أنت حاطط برفان ولا إيه يا شيخنا؟ اتسـ ـعت بسمة "رمزي" وهو ينظر إليه، لينظر "لؤي" إلى "نادر" قائلًا: "برفان دا ولا مش برفان؟ شـ ـمه كدا." أقترب "نادر" يشم رائحة "رمزي" الطيبة، ليقول نافيًا: "لا دا مش برفان، دي ريحة مسك." جاوبه "رمزي" بنبرة هادئة وهو ينظر إليه مبتسم الوجه قائلًا:
"أنا بحب المسك دا أوي. مش بحط برفان فأغلب الأوقات. بصراحة أنا بشرب العبوة أساسًا مـ ـن حبي فيه، فلوسي كلها رايحة عليه." "أنا حبيته أوي، هاتلي واحدة معاك لو جبت المرة الجاية." هكذا جاوبه "نادر" مبتسم الوجه وهو ينظر إليه، ليجاوبه "رمزي" حينما قال بنبرة هادئة: "مـ ـن عيوني يا غالي." بعد مرور الوقت.
صف "سراج" سيارته أسـ ـفل بناية "يوسف"، ثم ترجل مـ ـنها دون أن يتحدث، ملتفتًا إلى الجهة الأخرى أسـ ـفل نظرات صديقه، ليقوم بفتح الباب إليه، يـ ـساعده على الخروج. في هذا الوقت، كان "فتوح" جالسًا أمام محله على المقعد الخـ ـشبي، وبجواره "حديد" الذي كان يـ ـدخن سيجارته، ينظران إليهما نظرات باـ ـردة مـ ـن قبل "حديد"، وأخرى مترقبة مـ ـن قبل "فتوح" الذي كان ينتظر رؤية ما يحدث.
وفي نفس الوقت، خرج "جاد" مـ ـن بناية "أكرم" متوجهًا إلى سيارته بخطى هادئة لجلب شيء مـ ـنها، والتي كانت تقف أمام سيارة "سراج"، الذي ساعد صديقه على الخروج، وقام بـ ـلف ذراعه حول عنـ ـقه مساندًا إياه، يرى رفيقه يتأـ ـلم ويخبره بأن ينتظر قليلًا حتى يهدأ الألم قليلًا. نظر "يوسف" حوله بمعالم وجه متأـ ـلمة، ليرى "ثريا" تقترب مـ ـنهما بعدما رأت مساندة "سراج" له، لينتابها الخوف عليه بلا شك. نظر "يوسف" إلى "سراج" وقال:
"بقولك إيه، اتصل بـ مها أسألها عن شـ ـاهي، عشان لو عندي فوق مش هطلع بالمنظر دا، مش هتسيبني النهاردة ولا هتسكت." تفهم "سراج" حديث صديقه، ولذلك أخرج هاتفه مـ ـن جيب سترته، كي يهاتف زوجته ويفعل مثلما قال له رفيقه. فيما وقفت "ثريا" أمامه وهي تتفحصه بصدـ ـمة واضحة، قائلة: "يا لهوي، إيه اللي حصلك يا ابني؟ مين ابن الحراـ ـم اللي عمل فيك كدا؟ أجابها "يوسف" بنبرة هادئة بها بحة الألم قائلًا:
"متخـ ـافيش يا أم حسن، محـ ـصلش حاجة. واحد ابن حراـ ـم اتهـ ـجم عليا فـ ـترب وأنا بزور أبويا، كان ناـ ـوي على موتي، لولا سراج لحـ ـقني." ضـ ـربت بكفها على صدرها في حركة شعبية شهيرة، وهي تقول بزـ ـعر: "يا مصيبتي!! طب عمل فيك حاجة يا حبيبي طمني عليك. أبتسم يوسف وأشار على نفسه وهو يقول بنبرة ساخرة: _زي ما أنت شايفة كدا، كسحني ابن ال****. مدت كفها تربت على ذراعه برفق وهي تقول بحزن بائن لأجله:
_معلش يا حبيبي بركة إنك لسه كويس، الحمد لله إنه ضربكش ضربة تموتك يا ابني ولاد الحرام كتير حسبي الله ونعم الوكيل، طب أنت مش عايز أي حاجة يا ابني قولي والله لو طلبت عيوني ما أعزها عليك. نظر إليها يوسف مبتسم الوجه ليقول بنبرة هادئة مطمئنا إياها: _أنا هبقى زي الفل متقلقيش تربيتك يا أم حسن بقى دا اسمه كلام برضوا عيبة فحقي. نظرت إليه ثريا بحنو وقالت بنبرة صادقة:
_ربنا يعلم أنا بعزك ازاي وبعتبرك أبني اللي مخلفتهوش والله يا يوسف، لو أحتاجت أي حاجة أنا موجودة برضوا مش هتأخر عليك. _تسلمي يا ست الكل متحرمنيش من سؤالك عليا. هكذا جاوبها يوسف مبتسم الوجه لتودعه هي وتعود إلى محلها أسفل نظراته لها، فيما أنهى سراج مكالمته مع زوجته ونظر إلى يوسف قائلاً بنبرة هادئة: _بتقولي عند خالتي هناء من الصبح قاعدة معاها. حرك يوسف رأسه برفق ثم قال بنبرة هادئة:
_حلو أوي طلعني على فوق بقى عشان مش قادر أطلع لوحدي. وضع سراج هاتفه في جيب سترته وأعتدل في وقفته ليرمي رفيقه ثقل جسده عليه حتى لا يضغط على قدمه المصابة أكثر من ذلك، في هذه اللحظة أقترب جاد الذي حينما رآه بهذه الحالة صدم بلا شك ليسرع في خطوته تجاهه والخوف يتآكل قلبه ليقف أمامه متفحصاً إياه قائلاً بنبرة متلهفة ومزعورة: _إيه اللي حصالك في إيه؟ مين عمل فيك كدا يا يوسف أتكلم متفضلش ساكت كدا إيه البهدلة دي؟
تحدث يوسف بنبرة مرهقة وهو ينظر له قائلاً: _أسندني معاه بس طلعوني عشان مش قادر أقف وهقولك اللي حصل. لم يتردد وقام بمساعدته وهو يلف ذراع ابن عمه حول عنقه مسانداً ثقل جسده ليتحركا سوياً إلى ردهة البناية ليأتي قول يوسف محذراً جاد: _مش عايزك تجيب سيرة لـ شاهي خالص باللي حصل هتخاف ومش هتسيبني النهاردة. _أفهم بس إيه اللي حصالك وبعدين نشوف الموضوع دا، أنت جاي متخرم فكر فمراتك الأول وبعدين نشوف حوار شاهي.
صعدا به إلى الطابق المنشود ليقوم جاد بضرب الجرس قائلاً: _الطرحة على راسك يا أم ليان قبل ما تفتحي. نظر سراج إلى صديقه الذي كان يحاول تحمل الألم ليقول بنبرة متسائلة وقلقة لأجله: _في حاجة تاعباك يا يوسف ولا عشان السلم؟ _النص الشمال ده حاسس إنه مشلول، مش حاسس بيه حرفياً يا صاحبي.
جاوبه بمصداقية تامة يخبره عن شعوره في هذه اللحظة ليشعرا كليهما بالحزن على رفيقهما الحبيب الذي تعرض للغدر بدون سابق إنذار على أيدي عديمي الرحمة والإنسانية ليقوما بمواساته سوياً، ثوانٍ وفُتح الباب من قبل بيلا التي حينما رأت زوجها بهذه الحالة جحظت عينيها على وسعهما وهي تنظر له بصدمة لا تصدق ما تراه لتقول بنبرة مزعورة: _يا لهوي إيه اللي حصل؟
أبتعدت عن مرماهم ليولجا سوياً وهما يساعدانه أسفل نظراتها المصدومة والغير مصدقة لتلحق بهما تراهما يساعدانه على الجلوس، جلس يوسف متألم بصوت حاد منكش الوجه لتقترب هي منه بخطى واسعة تجاوره وهي تتفحصه قائلة بنبرة قلقة: _في إيه أتكلم ... حصل إيه يا يوسف.
_واحد ابن حرام اتهجم عليه فتربص وهو رايح للعربية ضربه بالشوكة على كتفه بعد ما يوسف حاول يدافع عن نفسه قام زقه موقعة على الأرض ونزل ضرب فيه على رجله الشمال لولا إنه استنجد بيا خرجتله جري كان الحيوان هرب زي الحريم.
أختصر سراج إليها الواقعة وهي كانت تستمع إليه مصدومة وبشدة ومعها جاد الذي كان يشعر بالذهول لم تلقطه أذنيه لتنظر هي إلى زوجها وقد أغرقت مقلتيها بالعبرات لتجلس على ركبتيها أمامه وهي تنظر إليه ثم نظرت إلى قدمه المصابة لتمد كفها تلامسها برفق وهي تنظر إليه تترقب تقسيم وجهه لترى أنه بدأ يتألم لتقوم بالسير بكفها على قدمه وهي تضغط برفق بأناملها على أماكن معينة لتسمعه يتأوه بصوت حاد منكش الوجه.
خففت من ضغطتها على موضع الألم لتقول بنبرة مائلة للبـكاء وهي تنظر إلى موضع ألمه بعينين لامعتين: _واتر. عادت تسير من جديد بكفها لتضغط بأناملها على مكان آخر بالقرب من ركبته ليعلو تأوهه من جديد، قلبها يصرخ ألماً معه بلا شك لتقول من جديد بنبرة باكية: _برضوا واتر. نظر جاد إلى سراج وهو لا يعلم ماذا تفعل، فيما نظرت هي إلى يوسف بعد أن تساقطت العبرات على صفحة وجهها وقالت متسائلة: _إيه اللي بيوجعك تاني؟
نظر هو إليها متألماً ممسكاً بكتفه الأيسر وكأنه يخبره وهذا أيضاً ومعه قلبي ينزف، نهضت هي وأقتربت منه وهي تنظر إلى كتفه لتمد يدها تبعد يده عنه لتتلمس بعدها كتفه برفق وحذر شديد تسير بكفها عليه محاولة إزالة الألم ليقول هو هذه المرة بنبرة يكتسيها الألم: _مش حاسس بكتفي يا بيلا، حاسس إن فيه حاجة بس مش عارف إيه هي، بس الوجع بجد لا يطاق دلوقتي ده أنا عندي الموت أهو.
سقطت عبراتها أكثر على صفحة وجهها بعد أن استمعت إلى حديثه ومعها تأثر هما كذلك بحديثه وأكثرهما سراج الذي رأى كل شيء مر به رفيق الطفولة، ألتفتت بيلا في هذه اللحظة تنظر إليهما لتقول بنبرة باكية: _لازم ناخده على المستشفى، مش هعرف أعمله حاجة أنا خايفة أوي، لازم ناخده ويتعمل أشعة على رجله وكتفه عشان أتطمن عليه حالته دي قلقاني أوي. جاوبها سراج بنبرة هادئة قائلاً:
_صدقيني قولتله أخدك على الدكتور رفض وقالي هبقى كويس ولو خدته هتبقى فيها زعلة. أزالت عبراتها بكفيها وقالت بنبرة صارمة لا تقبل النقاش: _وأنا اللي بقولك دلوقتي يا سراج هناخده على المستشفى، متسمعش كلامه. ألتفتت بعدها إلى يوسف تنظر إليه لتقترب منه تحاوط شطري وجهه بكفيها قائلة: _لازم تروح للدكتور يا يوسف، دا مش اختياري دا اجباري عشان لو فيه حاجة لقدّر الله نلحقها فالأول وعشان خاطري متكاـبرش ... عشان خاطري.
أنهت حديثها وهي تتوسله تتأمل أن تأخذ الإجابة المرادة، فيما استسلم إليها ووافق على حديثها بعد أن شعر بأن الألم لا يتركه لتعتدل هي سريعاً في وقفتها تنظر إليهما قائلة: _هروح أغير هدومي على طول وأجيلكم. أنهت حديثها وتوجهت بخطى سريعة إلى غرفتهما مغلقة الباب خلفها، فيما أقترب سراج من صديقه وجاوره في جلسته ممدداً على ذراعه الأيمن برفق ومعه جاد الذي جاور ابن عمه يواسيه وهو يتمنى أن يرى من فعل به ذلك حتى يلقنه درساً قاسياً.
بينما بداخل الغرفة.. أقتربت بيلا من النافذة لتغلقها لتتوقف فجأة وهي تمسك بالنافذة تنظر إلى نقطة محددة مجحظة العينين ترى فتوح يقف في مكان منزوي عن أعين الجميع ويعطي نقوداً كثيرة إلى شخصاً يرتدي ملابس سوداء وبيده عصا خشبية كبيرة، حاولت سماع ما يقولانه بترقب شديد: _أهم حاجة ميكونش شاف وشك. _لا يا معلم متخافش ولا هيعرفني أنا عملت زي ما قولتلي ضربة على الكتف و ٢ على الرجل أضمنلك إنه مش هيعرف يمشي عليها تاني.
صعقت حينما استمعت إلى حديثهما سوياً لتزداد وتيرة أنفاسها بشكل ملحوظ لا تصدق سمعته منذ لحظات، رمقته وهو يذهب مسرعاً أسفل نظرات فتوح الذي نظر حوله يتأكد من أن لا أحد يراه ثم ذهب أسفل نظراتها، وعنها فقد كانت تشعر أن غضبها تملك منها حينما علمت وسمعت بأذنيها أن من قام بإيذاء زوجها هو نفسه هذا الحقير المتخاذل الذي لا ينوي على خير ألبتة لتتوعد إليه قائلة:
_وكالعادة الحركات الـ**** دي مبتطلعش غير منك يا فتوح، ماشي هتشوف المرة دي إيه اللي هيحصل فيك قدام أهل الحارة كلهم وذكر اللي ينجدك مني النهاردة. أنهت حديثها إلى نفسها وهي توعد إليه بشدة لتقوم بإغلاق النافذة وهي مازالت تحدث نفسها قائلة:
_بس فتوح ميعرفش إن المكان ده بيؤدي على شباكنا، جبان وخسيس خايف يفضح نفسه قدام الناس عشان يوم ما يوسف يصفي حساباته معاه ينكر ويعمل فيها الملاك البريء أبو جناحات بيضا، ماشي يا فتوح هتشوف بيلا عوض هتعمل فيك إيه كمان شوية.
أنهت حديثها وبحثت عن هاتفها لتراه موضوع على الفراش لتقترب منه تأخذه وهي تعبث به منوية على فعل ما خططت إليه للثأر لزوجها، لحظات وجاءها جواب الطرف الآخر لتبدأ تتحدث وتخبره عن ما حدث وما تريد أن تفعله بالتفصيل. وبعد مرور الوقت..
خرجوا من بهو البناية وهما يساندان يوسف متجهين به إلى السيارة وخلفهم بيلا التي توقفت مكانها تنظر حولها تبحث عنه لتراه يقف أمام المحل الخاص به يتحدث في ظهره مولياً إياهم لتنظر حولها من جديد تبحث عن الطرف الآخر لتراه ظهر معطياً إياها إشارته لتحرك رأسها له ثم تنظر إلى جاد وسراج اللذان كانا يتوجهون نحو السيارة لتتركهم وتتوجه نحو فتوح بخطى هادئة تنوي على تنفيذ ما برأسها.
وكلما أقتربت يزداد غضبها أكثر نحوه وترى زوجها وهو يتألم بشدة أمام أعينها وكان هو أكبر دافع إليها في هذه اللحظة كي تكمل ما بدأت عليه، وقفت خلف فتوح مباشرة تنظر إلى ظهره للحظات حتى رأته ينهي مكالمته دون أن ينتبه إليها أو يشعر بها حتى وكأنه في هذه اللحظة أصبح في غفلة من أمره، ومن جديد عادت أصوات زوجها تعلو في أذنيها بلا توقف كالموسيقى الصاخبة، ثوانٍ معدودة وكانت تهجم عليه تجذبه بعنف شديد من خصـلته بعد أن هاجمته من الخلف لتعلو صرخاته فزعاً جذبت أنتباه الجميع وعلى رؤوسهم يوسف الذي جحظت عيناه بصدمة حقيقية وهو ينظر إلى زوجته ومعه ابن عمه ورفيقه الذي أصابته الصدمة كذلك.
_أنت لسه شوفت حاجة، مش هرحمك يا ابن الجزار ووريني مين الذكر اللي هيحوشك مني النهاردة. هكذا قالت متوعدة إليه وهي تشدد قبضتيها على خصلاته أكثر وتجذبه بعنف أكبر وهو كان ضعيفاً بشدة أمامها في هذه اللحظة ليكون تجبر المرأة مسيطراً.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!