الفصل 113 | من 129 فصل

رواية جعفر البلطجي الفصل 113 - بقلم بيسو وليد

المشاهدات
20
كلمة
9,202
وقت القراءة
47 د
التقدم في الرواية 88%
حجم الخط: 18

أجمل أيام الفتى زمن الصبا، خير الصبا ما كان في الحب، نام ياربي أيامي التي قد أضعتها، فكأني قد أضعت فؤادي. _إيليا ابو ماضي. لحظة الثأر أفضل لحظات المرء وأكثرها سعادة..

فلذة تلك اللحظة لم تكن من السهل أن ينالها هكذا فلأجلها دفع الكثير من عمره وتحمل الكثير من الأذى والشر والحقد الذي كان يتوارث بين بني البشر على مر العصور حتى أصبح داءً ملعوناً ليس من السهل أن يتخلص المرء منه حتى وإن دفع عمره ثمناً باهظاً فلن يكون شيئاً بجوار آخر أراد أن يثأر لنفسه كي يمضي قدماً ورؤية الحياة التي حرم من لذتها.. "لحظات مجنونة وأنفاس محبوسة، فاليوم يزف عدو الملك بين ساكني المملكة."

لحظات مجنونة ضربت الجميع في مقتل وأصابتهم بالذهول التام، أنفاس محبوسة وأعين مجحظة وأفواه تكاد تلامس الأرض، فاليوم جاء كالرياح الموسمية يضرب الحارة وأرجاءها بهذا الحدث المشهود، فاليوم كان يزف عدو الملك بطريقة مختلفة وفريدة من نوعها أمام ساكني المملكة، ترقب لما سيحدث وحماس طغى على الوجوه والنفوس.

بدأ يزف العدو على الطريقة المصرية التقليدية المتناولة في شوارعها العتيقة وحواريها الجميلة، اليوم تشهد حارة درويش وساكنيها عن حدث هذا اليوم العظيم، الذي فيه يزف "فتوح الجزار" كما قالوا أبناء الحارة وهم يتهامسون فيما بينهم، كانت "بيلا" تجذبه بعنف وهي تشدد على قبضة يديها الممسكة بخصرته وهو يصرخ ألماً محاولاً إبعادها عنه في محاولة فاشلة منه، تعالت أصوات الصغار بمختلف الأعمار يهـللون ويشجعون "بيلا" على ما تفعله أسفل نظرات الذهول النابعة من هذا الثلاثي.

جذبته بعنف وعلى حين غرة أوقعته على ظهره أرضاً ليعلو معها تأوه العال والقوي مغمض العينين ومنكمش الوجه بعدما انتشر الألم بجميع أنحاء جسده، في هذه اللحظة اقتربت "نورهان" رفقة أخيها الأكبر يقتحما تلك الدائرة لرؤية ما يحدث لتصيبهم الصدمة بلا شك مثل الجميع، وضعت "نورهان" كفها على فمها مجحظة العينين وهي تراه يتسطح على الأرض لا يقدر على النهوض، تبادلت هي وأخيها النظرات فيما بينهم ثم نظرا إليه، فقد كانا ينتويان المجيء وخصوصاً أخيها كي يلقنه درساً قاسياً على ما فعله مع شقيقته ولكن يبدو أن أحدهم يثأر الآن.

جاءت "فاطمة" وظهرت في الصورة أمام الجميع وبيدها العصا الخشبية التي كانت مع هذا الحقير الذي هاجم "يوسف" بها في المقابر، تقف على الجهة المقابلة إلى "بيلا" التي مازالت لم تشعر بالرضا بعد لتأخذها منها وهي تنظر إلى "فتوح" الذي عندما حاول النهوض كانت تردعه فعله ذاك وهي تسقط العصا على قدمه مثلما فعل هذا الحقير الذي أرسله إلى زوجها ليقضي عليه، الجميع يشاهد سواء في الأسفل أو الأعلى منهم "هناء" و"شاهي" اللتان أصابتهما الصدمة جلياً بلا شك.

أسقطتها من جديد ومعها تعلو صرخاته ألماً تشق الجدران بسبب قوتها، وقبل أن تضرب الثالثة توقفت والتفتت إلى زوجها الذي كان ينظر إليها مصدوماً لا يصدق ما يراه وكأن عقله توقف عن استيعاب ما يحدث حوله ليسمعها تسأله بنبرة حادة قائلة: "ضربك كام واحدة؟ لا يسمعها كل ما يسمعه طنين أذنيه، يشعر أن عقله مغيباً عن العالم بأكمله ليخرجه من حالته تلك زجرة "سراج" له، والذي قال بنبرة خائفة: "رد يا عم أنت فقدت النطق ولا إيه؟

أنا عارف الصدمة وحشة بس لدرجة إنها تخرصك يعني!! نظر له "يوسف" كالمغيب يسأله عن هوية الماثلة أمامه قائلاً: "مين دي؟ "أيه، طلع فقدان ذاكرة مش نطق؟ يوسف متخوفنيش عليك يا صاحبي الصدمة وحشة بس مش للدرجة دي." هكذا جاوبه "سراج" مصدوماً ومتحسراً على وصل له صديقه ليأتي صوت "فاطمة" هذه المرة والتي صاحت بهما بنافذ صبر ليجاوبها "سراج" سريعاً خوفاً منها قائلاً: "5 يا ريسة بعون الله." "حلو وهو واخد كام ضربة دلوقتي يا بيلا؟

هكذا سألتها "فاطمة" بجدية وهي تنظر لها لتشير إليها "بيلا" بالسبابة والوسطى وهي ترقب "فتوح" بشر عظيم ثم أسقطت الثالثة تليها الرابعة فوراً تليهما صوتها الغاضب تشفي غليلها منه قائلة: "قرّفتنا عيشنا بقى يا أخي حرام على أهلك ارحمنا!! أنهت حديثها صارخة به لتسقط الخامسة ومعها السادسة التي ختمت بها بقولها: "والـ 6 دي هدية مني ليك يا ابن الجزار، عشان تفكر تيجي على أسيادك يا راجل يا صُرم." أقتربت "فاطمة" وهي تثني ساعديها

كي تتسلم دورها قائلة: "بيلا ضربت أنا أشفي الخروف بقى." أنهت حديثها وهي تنزع خفها وتبدأ بضرب "فتوح" به دون توقف قائلة بتشفي:

"فاكر الشبشب دا يا فتوح يوم ما جريتك زي النسوان من عباس العطار لغاية هنا وتحاميت فالمحل بتاعك زي الفار المبلول فجحره وجبتك ساعتها فتحتلك قرنك بيه، المرة دي على راسك وجسمك وكل حتة عشان تحرم تيجي على رجالتنا تاني يا عديم الرجولة والنخوة لمّا اديت مراتك الحامل علقة موت يا جرّبوع عشان فضحت ***** طب قولي أنت طينتك دي إيه؟

تعالت الضحكات ترج أرجاء الحارة وهم يشاهدون ويستمعون إلى ما يحدث ويقال لتنقلب الأجواء في لمح البصر بقدوم "فتحي" و"عصفورة" و"حديدة" وبقية الرجال الذين ينتمون للعصابات بأسلحتهم المختلفة يحاوطونهما مغلقين عليهم دائرة الهروب، جاورت "فاطمة" "بيلا" وهي تنظر حولها ترى أن لا مكان للهروب منه، نظرت من جديد إلى "فتحي" لتقول بنبرة ساخرة:

"وقال يقولك رجالة بشنبـات وهما ميعرفوش عنها غير يلموا شوية عيال ماسكة سلاح ويحاصروا اتنين ولايا." مصمصت شفتيها مشفقة وهي تكمل حديثها قائلة: "يا عيني بجد، من رجولتك يا فتحي حاسة نفسي غمة عليا من شكارة الشهامة اللي واقفة قدامي... يلا أنت وهو من هنا بدل ما تهب فدماغي أجيب لكم أجل النطع دا اللي عاملين فيها رجالة وجايين تاخدوا حقه من اتنين ولايا فاكرينا هنخاف ولا إيه؟

خرج "حسن" في هذه اللحظة إلى شرفة منزله حاملاً إناء كبير الحجم مليء بالمياه الباردة والثلوج المجمدة ينظر إليهم يروا عدم اهتزازهم ليقول بنبرة حادة وعالية: "يلا ياض يا خايب منك ليه من هنا بدل ما أعمل معاكم الغلط." توجهت الأنظار جميعها إليه وهم ينظرون له ليأتي قول "فتحي" الذي أشار إليه بالسلاح الأبيض قائلاً بنبرة حادة وغاضبة: "فكك مني عشان مش ناقصاك أنت كمان على المسا."

"لا يا حيلة أمك أنا هخليها تبقى نقصاني عشان فيها نفر ناقص." أنهى "حسن" حديثه الساخر وهو يرفع الإناء ويقوم بسكب ما فيه عليهم جميعاً لتشوى حالة من الهرج والمرج في لمح البصر، خرج "لؤي" في هذه اللحظة إلى شرفته وهو يحمل نفس الإناء ليقوم بسكب ما فيه عليهم كذلك وهو يقول بنبرة عالية: "حسن دلّق عليكم مية نضيفة ينضف ****** ومش هقول إني هدلق مية **** عشان هو ده أصلكم يا عيلة الجزار."

رفعت "فاطمة" رأسها في هذه اللحظة تطالع زوجها بسعادة طاغية وبسمة واسعة على ثغرها لترسل إليه قبلة هوائية وهي تقول بنبرة سعيدة: "حبيبي ده، إصمالله عليه يطلعلك من تحت الأرض زي العفريت يعمل اللي شوفتيه ده."

ابتسمت "بيلا" بزاوية فمها وهي تراهم يعودون من جديد وعلى رأسهم "فتحي" الذي كان يلقي على مسامعهم السباب البذيء كعادته الوقحة بعد أن تبـلت ملابسه بالكامل هو ومن معه، في هذه اللحظة تحرك "سراج" متوجهاً إليهما وقد لحق به "يوسف" الذي تحمل على نفسه وتحرك بخطى شبه واسعة حتى يتخذ دور الحامي الأول لزوجته التي أصابت ضربتها له بـفعلتها المباغتة تلك ليلازمه "جاد" كما المتوقع منه.

اقتحم تلك الدائرة يفرض هيمنته وشخصيته على الجميع كما المتوقع واقفاً أمام زوجته مواجهاً "فتحي"، جذبت "بيلا" "فاطمة" خلفها وترقبت ما سيحدث بين "فتحي" وزوجها، نظر "فتحي" إلى "يوسف" وقال بنبرة حادة مفعمة بالغضب: "أظن العيب معروف على مين، يعني مفيهاش زعلة من الرد." ابتسم "يوسف" بسمة ساخرة بزاوية فمه وقال: "وهو النطع ناوي ياخد حقه من 2 ولايا ولا إيه؟ طب دي عيبة كبيرة أوي فحـقك يا دكر."

أنهى حديثه ساخراً وهو يرميه بنظرات مشمئزة لتجاوبه "فاطمة" مغتاظة وهو تركل "فتوح" بقدمها في معدته ليعلو صراخه المتألم تزامنـاً مع قولها بنبرة مغتاظة: "هما كدا يا يوسف يا أخويا، بيشوفوا نفسهم رجالة لمّا يجيبوا حبة عيال بسلاح وفاكرين كدا رجولة وشَهامة، أنا شايفة إنك تفتح مشروع أنت والرجالة وتدوهم كورسات على الأقل تستنفعوا منهم بحاجة."

تحرك واحد من رجال "فتحي" حينما ضربت "فاطمة" "فتوح" رافعاً سلاحه الأبيض متوّنيا على الثأر ليوقفه قول "يوسف" الصارم الذي تجـلّـبـسته شخصية "جعفر" الحبيبة التي كانت هذه لحظاتها المفضلة:

"وعـهد الله اللي هيعمل فيها ذكر ويرفع إيده على واحدة فيهم لاكون مخليه عبرة قدام الناس دي كلها وأظن الكل عارف أنا هعمل إيه لا يهمني حد ولا هعمل اعتبار لأي واحد اللي يتعـدى على حرمة بيتي يبقى حفر قبره بإيده ولو على الحكومة يا فتحي فمتقلقش يابا، واخد تصريح ومعايا واسطة تقيلة، الذكر بقى فيكم يقرب لهم." جاء صوت "ثريا" التي نصفته أمام الجميع وجعلته علامة مميزة حينما قالت بنبرة عالية:

"تسلم فمك يا يوسف، عداك العيب وأزح يا حبيبي الدور والباقي على كتاكيت عيلة الجزار اللي كان قدامها شؤم علينا جتهم داهية فيهم جيرة تعر صحيح." التفت إليها "فتحي" وأشار إليها بالسلاح خاصته وهو يقول بنبرة خشنة: "أتلـمي يا ولية يا خرفانة أنتِ، بدل ما أعملها معاكي وأحصرك على دكانتك الكحيانة دي."

جن جنون "حسن" حينما تواقح معها "فتحي" ولذلك اشتدت أعصابه وقبل أن يهجم عليهـ منعته يد والدته التي تخصرت يدها الأخرى خصرها وشهقت بأسلوب سوقي وقالت بنبرة عالية سوقية: "حوشي يا حارة درويش جه اليوم اللي أخاف فيه من تهديد ابن المبقعة الكبير...

ذكر رجلك تجيبك يالا وأنا هوريك الخرفانة هتعمل فيك إيه يا *** الرجالة، دكانتي دي أنضف من دكانتك الـ**** اللي مليان مخدرات بالكو، يا شمام، متخلينيش أفضح تاريخكم الـ*** بقى قدام الناس أنا محترمة وماسكة نفسي بالعافية اسكت يا لساني بقى."

اتسعت البسمة على ثغر "يوسف" الذي كان ينظر إليها ويستمع لها متفاخراً بها لينظر إلى "حسن" يومض جفنه الأيسر له بخفة، والذي نظر إليه في هذه اللحظة وكأنه يخبره لا تقلق عليها تعلم كيف تجلب حقها دون مساعدة. ألتفت إلى زوجته التي كانت تقف خلفه تأخذه حامياً إليها ليقول بنبرة هادئة مادداً كفه إليها: "الشوكة يا عسولة بعد إذنك." أعطته إياها دون أن تتحدث ليأخذها هو قائلاً بنبرة هادئة:

"تسلم الأيادي يا حياتي، جواكي روح جعفر أبهرتني." ابتسمت هي بسعادة حينما نجحت خطتها لتعانق ذراعه بذراعيها تلثم كتفه واضعة رأسها عليه، بعدها ليأتيها سؤاله حينما نظر إلى القابع بجواره على أرضية الحارة قائلاً: "اتكيفتي ولا لسه؟ رفعت رأسها تنظر له لتحرك رأسها تنفي سؤاله ثم أعاد سؤاله على "فاطمة" التي أعطته نفس الإجابة ليـعطيهما الإشارة الخضراء وهو يتلمس العصا بأنامله قائلاً:

"طب يلا سمي الله أنت وهي وبالشبشب وعلى دماغ اللي خلفوه وتوصوا اعملوا الحاجة بضمير عشان بييجي يأنب بليل." نظرت كلتاهما إلى بعضهما البعض واتسعت بسمتهما لتقتربا من "فتوح" الذي كان يسعى للنهوض بعدما تعرض لوصلة ضرب عنيف لم يتلقاه قط ليرآهما يعودان من جديد تطالعانه بشر، ترقب هو فعلهما ليرى "فاطمة" عادت تنزع خفها من جديد وهي تقول ببسمة واسعة ونبرة متشـفية: "جالك الموت يا تارك الصلاة، بسم الله حلال الله أكبر."

أنهت حديثها واسقطته عليه وشاركتها "بيلا" التي كانت تنتقم لزوجها أسفل نظرات الجميع لتتشكل دائرة أخرى كانت كالحصن المنيع إليهما بعد أن جمع "لؤي" أصدقائه أجمع وبأياديهم أسلحتهم الحبيبة يفرضون حمايتهم على هاتين السيدتين اللتان أبرحت هذا الحقير درساً قاسياً، اقتحمت "ثريا" تلك الدائرة ترى هذا الحقير ينال جزءاً صغيراً من عقابه لتـهلل عالياً بسعادة كبيرة تقوم بتلحينها قائلة: "يا فتوح يا عبيط جابتك الحريم."

رددوا صغار الحارة خلفها وهم يصفقون عالياً بسعادة كبيرة وحماس طغى على وجوههم الصغيرة، ابتسم "يوسف" ونظر إلى "فتحي" الذي كان يقف في مواجهته ينظر إليه بغضب جم ونظرات مشتعلة تكاد تحرقه ليـطاـلعه "يوسف" مبتسم الوجه ليقول بنبرة متشـفية:

"دا حاجة صغيرة كدا، تدل على الجحيم اللي هيشوفه أخوك على إيدي إن شاء الله، سبق وبدأ اللعب معايا وأنت عارف اللي بيلعب معايا النار بتحرقه، اللي حصل لأخوك دا ردّاً على اللي عمله معايا فـتـرب ولسه اللي جاي تقيل أوي... وأنت والـ 2 اللي معاك دول تقفوا تتفرجوا بدل ما تاخدوا من الـحـب جانب، اللهم بلغت اللهم فأشهد."

أنهى حديثه محذراً إياه بصراحة تامة ومعهودة كما أعتاد ليلتفت بعدها إلى زوجته موجهاً حديثه إليها وهي و "فاطمة" قائلاً: "كفاية يا أم ليان أنتِ وأم نورسين تسلم إيديكم ما يجيبها إلا حريمها." توقفت كلتاهما وهما تنظران إليه بتشـفٍ لتطلق "فاطمة" زفرة قوية ثم نظرت إليه وابتسمت قائلة: "كله عشان خاطر أخويا برضوا يا يوسف، المهم اتراضيت؟ أنهت حديثها متسائلة ليجاوبها هو متصنعاً عدم الرضا قائلاً:

"يعني، عارفة ليه عشان مشاركتوش فالليلة دي لو كنت معاكم كنت هتلاقيني متكيف، بس تسلم الأيادي طفيتوا ناري شوية." ابتسمت "فاطمة" ونظرت إلى "بيلا" التي كانت لا تقل عنها شيئاً والتي اقتربت من زوجها ترمي داخل أحضانه محاوطة خصره بذراعيها واضعة رأسها على صدره لتشعر به يضمها في غضون ثوانٍ تزامنـاً مع قوله متفاخراً بها: "مأثرتيش يا روح قلبي، هي دي بيلا الجبارة اللي مدفونة جواكي ومخرجتش غير لمّا يوسف أتأذى."

"وأنت عايزني أبقى عارفة اللي أذى جوزي حبيبي وأسكوتله؟ أنت شايفني كدا؟ هكذا ردت وهكذا سألت وهي ترفع رأسها حتى تتـسنى لها رؤيته، لينظر هو إليها في هذه اللحظة مبتسم الوجه ثم نفى حديثها الأخير بإمـاءة خفيفة من رأسه ثم لثم جبينها بقبلة حنونة وعاد يضمها من جديد قائلاً بوجه مبتسم: "لا يا روحي طبعاً أنتِ طلعتي بـ 100 راجل وتسدي فأي حاجة كمان، مش هخاف عليكي بعد كدا خلاص أنا أطمنت عليكي."

اقترب "لؤي" من "فاطمة" التي هندمت حجاب رأسها ونظرت إليه ليضمها هو إلى أحضانه قائلاً بوجه مبتسم: "أنا قولتلهم يا جدعان فطومتي متخافش عليها محدش صدقني، تسلم الأيادي يا حياتي توصيتي بيه أوي النهاردة." ابتسمت "فاطمة" بعد أن وضعت رأسها على صدره وقالت: "أنتِ عارفني يا لؤي ما بصدق فالحاجات دي، وهو يستاهل بأمانة يعني." ربت على ظهرها برفق بوجه مبتسم لترفع هي رأسها تنظر إليه قائلة بنبرة متسائلة: "بس إيه رأيك فيا، عجبتك مش كدا؟

نظر هو إليها وأبتسم لها مجيباً إياها بنبرة صادقة قائلاً: "عجبتيني أوي يعني، كيفـتـيلي دماغي يا فطومي." غمرتها السعادة وشدت من ضمتها إليه دون أن تتحدث لينظر هو إلى صديقه الذي ابتسم إليه وومض له بجفنه الأيسر بعـبث، ليبتسم إليه دون أن يتحدث، اقترب "سراج" منه ليقف أمامه قائلاً: "يلا يا صاحبي عشان نروح المستشفى، أمشي." نظر إليه "يوسف" وأعطاه إيماءة صغيرة من رأسه ثم حاوط كتفي زوجته مستنداً عليها لتحاوطه هي بذراعها تسانده

تجاه السيارة وهي تقول: "عجبتك مش كدا؟ نظر إليها بطرف عينه وأبتسم لها ثم وقال بنبرة هادئة: "بقولك جعفر أتكيف باللي عملتيه تقولي عجبتك؟ أوقفهم صوت "فتحي" الغاضب الذي صاح بعلو صوته موجهاً حديثه إلى "يوسف" قائلاً بتوعد: "مش هـتـعدي يا يوسف، الرد هيوجعك أوي خلي بالك." توقف "يوسف" ثم ألتفت إليه لتـمنعه "بيلا" من أن يذهب خوفاً عليه وهو مصاب بتلك الطريقة ليجاوبه بنبرة باردة قائلاً:

"اللي عندك أعمله يا هـفـأ أنت والمهزأ اللي مرمي زي الخروف المشوي عالأرض دا، عالجوه عشان هكمل عليه لسه عايز عظمه ناشف عشان يستحمل اللي هيجراله بعد كدا."

أنهى حديثه ثم تركه وذهب بمساعدة زوجته وابن عمّه له أسفل نظرات الجميع وأكثرهم "فتحي" الذي كان يستشيط غضباً بلا شك بعد أن نجح "يوسف" للمرة التي لا يعلمها في الثأر منهم وجعلهم يخسرون كرامتهم أمام الجميع بأقل مجهود منه كالمعتاد، ألتفت هو وذهب إلى أخيه يساعده على النهوض هو والرجال والذي كان يتألم بشدة بسبب الألم الذي اقتحم جسده بدون سابق إنذار.

أدار "سراج" سيارته ورحل أسفل نظرات الجميع إلى المشفى، ولجت "شاهي" تبحث عن هاتفها وخلفها "هناء" التي قالت: "أهدي بس يا شاهي حاجة بسيطة إن شاء الله." أخذت "شاهي" هاتفها وبدأت تعبث به بأيدي مرتعشة بعد أن رأت حالة ولدها تلك ترد عليها بنبرة تملؤها الخوف الشديد: "أهدى إيه بس يا هناء مراته و جاد ساندينه وهو مش قادر يتحرك وتقوليلي أهدى أنا لازم أعرف في إيه ومكلمنيش ليه وحكالي حاجة."

أنهت حديثها وهي تضع الهاتف على أذنها تنتظر تلقي الإجابة التي لم تأتِ بكل تأكيد لتقول بنبرة متوترة: "مبتردش عليا ليه يا يوسف، طبعاً ليك حق متردش عشان مش هتلاقي حاجة تقولها." أعادت مهاتفته من جديد أسفل نظرات "هناء" التي أخذت هاتفها وقالت: "أنا هتصل بـ بيلا جايز ترد وأعرف منها اللي حصل."

زفرت "شاهي" بتوتر شديد حينما لم تتلقى الرد لتبدأ بمهاتفة "جاد" لربما يأتي جوابه ويطمئن قلبها ولو قليلاً، وكما توقعت لم يجيبها لتفهم أن ولدها قد منعه فماذا تنتظر منه غير ذلك، جاءها جواب "هناء" التي قالت بنبرة يائسة: "وهي كمان مش بترد عليا." ألتفتت "شاهي" إليها تنظر لها لتقول بنبرة متوعدة: "حلو أوي، يبقى هو اللي قالهم ميردوش عليا، ماشي يا يوسف حسابي معاك بعدين على الرعب اللي معيشهولي دلوقتي دا ولا حاسس بيا."

ربتت "هناء" على كتفها برفق وقالت بنبرة هادئة: "جايز مش عايزك تعرفي عشان عارف إنك هتخافي عليه أوي ومش هتتحملي تشوفيه تعبان قدامك، هو بيتصرف بناءً على مشاعر اللي قدامه تجاهه يعني لو حد بيخاف عليه أوي مبـيحبش يزود خوفه أكتر يمكن الطريقة مش صح بس عامل حسابك، أستني شوية وهو هيكلمك ويطمنك عليه بنفسه." جاوبتها "شاهي" والخوف يحتضن قلبها على ولدها وهي تقول بنبرة لوعة:

"حتى ولو يا هناء أنا أمّه هخاف عليه طول الوقت حتى من نفسه، ابني همجي ومبيفكرش فأي حاجة بيعملها بيتهور ومبيعملش بنتايج تهوره دا فالآخر ولا حتى بيفكر فيا كلمته مرة وقالي أنا كدا من زمان ومتعود بس أنا مش متعودة ومش هعرف أتعود غصب عني أنا بخاف عليه هو وأخته دول غابوا عني العمر كله يا هناء افتكرتهم راحوا لـ عدنان وسابوني لوحدي أو اتعرضوا لأي حاجة لقدر الله أنا كنت مش عـايشة من قبلهم صدقيني، أنا كل يوم قلبي كان بيتقطع

وروحي بتتجلد والخـنقة موتاني عليهم، مكنتش عارفة أنا عـايشة ليه، إيه الحاجة اللي عـايشة عشانها ما هي راحت خلاص، ولمّا رجعولي، لمّا رجعولي ودخلوا عليا هما الـ 2 حسيت إني بحلم، حسيت إني موت واتحاسبت ودخلت الجنة معاهم، محسيتش بيهم غير لمّا جري هو عليا واترمى فحـضني وقتها حسيت إني بحلم مستحيل يكون ابني وبنتي لسه عايشين."

"فـوقت وهو بيعيط جوه حـضني ومش مصدق نفسه ولا أنا مصدقة اللي بيحصل، مصدقت بقوا فحـضني يا هناء معنديش استعداد أخسر واحد فيهم، حتى عليا اعتبرتها بنتي، هي ملهاش ذنب فاللي حصل كانت ضحية زي ما ولادي كانوا ضحية، لولاها مكانوش فضلوا عايشين هي اللي هربتهم من أمها... وبعد دا كله بتقوليلي أهدى وأستنى يا هناء؟ أنا أرضى الأذى لنفسي بس مرضاهوش لواحد فيهم صدقيني."

أنهت حديثها وأنخرطت في البكاء المرير، بينما كانت "هناء" تستمع إلى حديثها الذي آلم قلبها بلا شك ولمس روحها فهي تشعر بها وكانت في إحدى الأيام محلها وتعلم كيف يكون هذا الشعور قاسٍ على الأم، ضمتها إلى أحضانها ممسدة على ظهرها بحنو تواسيها دون أن تتحدث فلا بكلمات العالم أجمع أن تربت على قلبها المرتعد الدامي بكل تأكيد. وبعد مرور ساعة.

تعالت الطرقات على باب المنزل لتخرج "هناء" من الغرفة المجاورة إلى باب الشقة تفتحه لترى "عماد" أمامها في أول لقاء بينهما، جحظت عينيها بعدم استيعاب ليصيبها الهلع فور رؤيته لتقول بنبرة متعبة: "سلام قولوا من رب رحيم، هما الأموات بيرجعوا إزاي تاني." تعجب "عماد" كثيراً من حديثها ولذلك عقد ما بين حاجبيه متعجباً وهو ينظر لها ليراها تبتعد عن مرماه تعود إلى الخلف وهي تصيح بها قائلة بنبرة مرعدة:

"يا شاهي ألحقيني، جوزك طلع من التراب وجاي يزورك." أصابه الصدمة بلا شك حينما استمع إلى حديثها ذاك لتجحظ عينيه قليلاً غير مصدق لما يسمعه ليحاول إيضاح الأمر لها بقوله الهادئ: "لا أنتِ فاهمة غلط أنا مش.." قامت ببتر حديثه دون أن يكمل قوله حينما قالت برعب: "وكمان بتتكلم وتبـرر، لا لا لا أنا أكيد موت وبتحاسب دلوقتي." أغلقت الباب سريعاً بوجهه برعب تزامنـاً مع قولها السريع: "أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، انصرف."

لجمته الصدمة وجعلته كالأحجار الصلبة بسبب ما حدث منذ لحظات، شعر بأن عقله توقف عن التفكير ولسانه لجم بسوءط حينما رأى خوفها وصدمتها منه. فيما ولجت هي سريعاً إلى الداخل لتراها تجلس في الشرفة شاردة الذهن، اقتربت منها بخطى سريعة لتقف أمامها قائلة بنبرة لاهثة ومرعدة: "ألحقيني يا شاهي طلع من التراب وجه يشوفك." استفاقت "شاهي" من شردها لتنظر إليها متعجبة من قولها وخوفها ذاك لتسألها جاهلة الأمر قائلة:

"مين دا اللي طلع من التراب وجه يشوفني؟ "جوزك يا اختي، واقف على الباب بره وبكل تلقائية قال إيه عايز شاهي." هكذا جاوبتها "هناء" مندّفعة وهي تلهث بعنف وتنظر إليها لتستغرق "شاهي" ثوانٍ تفكر في حديثها لتشعر بالتعجب ولذلك نهضت ونظرت إلى الأسفل لترى سيارة "عماد" مصفوفة أسفل البناية لتصيبها الصدمة في الحال لتبدأ بربط حديثها بما تراه لثوانٍ معدودة لتنظر إليها مجحظة العينين قائلة بنبرة متسائلة: "أنتِ قفـلتـي الباب فوقـه؟

"أيوه مستنياني أضيف ميت أنتِ مجنونة؟ هكذا صاحت "هناء" بوجهها وهي مازالت مصدومة من حديثها ولذلك قبل أن تجاوبها "شاهي" منعها صوت جرس المنزل الذي رن عالياً لتـقرر "شاهي" الولوج لـتـمنعها يد "هناء" التي أوقفتها قائلة بترقب وتساؤل: "أنتِ هتعملي إيه؟ أجابتها "شاهي" وهي تـبعد كف "هناء" القابض على رسغها قائلة بنبرة مذّهولة: "هفتح الباب دا عماد أخو عدنان التوأم."

أصابت الصدمة "هناء" بلا شك وجحظت عينيها على وسعهما وهي تشعر أنها لا تستطيع استيعاب ما يقال لها وما يحدث حولها وكأنها لا تنتمي إليهم ولا تعلم ماهية البشر من حولها، جلست على المقعد بجسد مترـاخٍ تنظر حولها بتيهة لا تصدق ما سمعته لـتـوقن أنها أرتكبت خطأ فادحـاً بلا شك، وضعت كفيها على رأسها التي أنكستها إلى الأسفل تفكر كيف ستقوم بإصلاح ما قامت بإفساده منذ قليل.

خرجت "شاهي" وأتجهت بخطى هادئة إلى الباب وهي لا تعلم كيف ستصلح ما قامت "هناء" بإفساده الآن، فـتـحت الباب وأبتسمت إليه حينما رأته أمامها لتـرحب به فوراً حينما قالت: "أهلاً أهلاً يا عماد خطوة عزيزة أدخل." ابتسم "عماد" حينما رآها أمامه ليولج بخطى هادئة ووقف بجوار الباب الذي أغلقته هي ودعته إلى الداخل قائلة بترحاب: "أتفضل يا عماد أنت مش غريب."

سار "عماد" خلفها لتشير إليه تجاه المقعد دون أن يتحدث ليجلس هو بهدوء وهو ينظر إلى أرجاء المنزل التي كانت هادئة وجميلة تريح العين والروح وتـسكن العقل. نظر إليها بعدما جذبه صوتها الهادئ قائلة بنبرة متسائلة: "تحب تشرب حاجة؟ ابتسم هو وقال بنبرة هادئة ممازحاً إياها: "ينفع تسأليني سؤال زي دا برضوا معقولة محفظتنيش كل دا؟ ابتسمت هي وجاوبته بنبرة هادئة قائلة: "تصدق عندك حق، هعملك كوباية الشاي اللي بتحبها."

أنهت حديثها ثم تركته وذهبت إلى المطبخ تاركة إياه يطوف بعينيه في أرجاء المكان يـثني على رـقـته وبساطته، لأول مرة يجلس في بيت كـتـلك بعد أن قضى حياته بأكملها في منزل العائلة الكبير، لأول مرة يشعر بهذا الدفء، لأول مرة يشعر بالراحة في بيت غريب عنه، والآن علم لم ابن أخيه متعلق بهذه الحارة ويرفض تركها، سقطت عيناه على تلك الصورة التي كانت موضوعة على سطح الطاولة التي تجاوره ليعتدل في جلسته متأملاً إياها ليرى "بيلا" من ضمن هؤلاء الذين يتواجدون بها، رأى "أكرم" وعلى يساره "بيلا" التي كانت تحتضنه وعلى يمـينه "كايلا" التي كانت نسخة مصغرة منها تضمه كذلك وثلاثتهم يضحكون بأتساع إلى الكاميرا.

ابتسم حينما رأى هذا الدفء والحب نابع من تلك الصورة ثم نظر بعدها إلى الصورة التي تجاورها ليراها تعود إلى نفس الشاب ومعه هذه المرة "هناء" التي كانت تحاوط خصره بذراعيها واضعة رأسها على صدره ضاحكة وهو يضمها بذراعه الأيسر ويضحك إلى الكاميرا. اتسعت بسمته وأخذ تلك الصورة ينظر إليها بتمعن يرى لمعة عينيها وروـنـقها وكأنها فتاة العشرين المكان لا يتسع لأجنحتها حتى ترفرف عالياً.

ترك عينيه تتفرس في معالم وجهها التي حينما رآها ازدادت نبـضات قلبه عالياً تلقائياً وثمة شيء ما اهتز بعنف بداخله مثل الزلزال الذي يضرب البلاد بدون سابق إنذار. هذا الشعور هو يعلمه جيداً، سبق وخاض تجربته معه ولم ينصفه الحظ حينها، فقد خدعه بمظهره وكشف عن حقيقته بعد فوات الأوان. لا يعلم لم عاد هذا الشعور يلازمه من جديد وماذا يريد منه. أيـعـقل أن يعيد تلك التجربة من جديد مع سيدة أخرى لربما تكون هي التي كان يبحث عنها ولم يجدها.

خرجت "شاهي" وهي تحمل كوب الشاي إليه لتراه يمسك بالصورة وينظر إليها بشرود. اقتربت منه بخطى هادئة للغاية لتراها تعود إلى "هناء" وولدها البكري. نظرت من جديد إلى "عماد" نظرة ذات معنى ثم اقتربت الخطى المتبقية لتضع الكوب على سطح الطاولة وتعود للجلوس على المقعد المقابل إليه. دـقـقت النظر معه لترى شروده بالصورة بطريقة فاضحة تراها عليه لمرتها الأولى فلم يكن هكذا مع "زينات" وهذا بدأ ينذرها بشيء ما ستتأكد منه عمـا قريب.

أنـتشـلته من شروده ذاك حينما قالت بنبرة هادئة: "مالك سرحان كدا ليه فالصورة، عجبك شكل أكرم أوي كدا؟ أنهت حديثها بسؤال خبيث وهي تنظر إليه نظرة ذات معنى، وعنه فقد استاق من شروده ذاك على صوتها الهادئ ونظر إليها ليصـيبه التوتر الشديد واضعاً الصورة مكانها بأيدي مرتعشة ليجيبها قائلاً بنبرة حاول جعلها هادئة قدر المستطاع: "مفيش، الصورة شدتني بس." حركت رأسها برفق حتى لا تسبب إحراجاً له وقالت بنبرة هادئة:

"دا اسمه أكرم أخو بيلا الكبير، والـبـنت دي اسمها كايلا توأم بيلا." ابتسم "عماد" حينما نظر إلى الصورة التي تجمع ثلاثتهم سويـاً ليقول بنبرة هادئة بعد أن نظر إليها: "أول ما شفتها افتكرت صورتي مع عدنان الله يرحمه، حلوين أوي ما شاء الله عليهم." ابتسمت "شاهي" وهي تنظر إلى الصورة لثوانٍ معدودة ثم عادت تنظر إليه لتقول بنبرة هادئة للغاية تترقب ردود أفعاله حينما قامت بإفصاح هوية "هناء": "ودي بقى هناء، أمّهم."

رآه ينظر إلى الصورة تلقائياً ويبتسم لتـكمل هي مبتسمة الوجه حينما رأت نظراته إليها قائلة: "هناء بقت أخت مش بس صديقة، طيبة أوي وحنينة لمّا كنت بـضعف وأقعد أعيط تيجي تواسيني وتحضني، أنا بشكر الظروف اللي عرفتني عليها والله." "مش دي اللي قفـلت الباب فوقـه من شوية وافتكرتني عدنان؟ سألها مبتسم الوجه بعدما تذكر ردة فعلها وقهقه بخفة لتقهقه هي كذلك حينما تذكرت كذلك ردة فعلها لتجاوبه بوجه ضاحك قائلة:

"أيوه هي، معلش أعذرها أصل أنا كنت مـفرجاها على صور عدنان ونسيت أقولها إن عنده أخ توأم فلما شافتـك قدامها خافت." ضحك بخفة حينما تذكر ردة فعلها من جديد ليقول بنبرة ضاحكة: "لا عادي بتحصل كتير مع غيرها مكانتش أول واحدة يعني أنا حاسس بصدمتها." "أستنى هقوم أجيبها وأجي عشان مـحرجة تخرج بعد الموقف دا." هكذا جاوبته "شاهي" وهي تنهض ثم تركته وأتجهت إلى الشرفة بخطى هادئة لتجدها تجلس على المقعد والتوتر مسيطراً عليها لتطلق زفرة

قوية ثم قالت بنبرة هادئة: "قومي معايا يا هناء عشان أعرفك على عماد." جحظت عينين "هناء" على وسعهما حينما استمعت إلى حديثها لتنهض تقف أمامها تطالعها بتوتر وقلق شديد لتقول بنبرة تكتسيها الخجل: "لا يا شاهي مش هقدر أطلع، أنا هنا وهموت من كسوفي أومال لو شوفته بقى، وبعدين هقوله إيه بعد ما قفـلت الباب فوقـه، لا لا خلاص روحي قوليله أي حاجة، قوليله نايمة." رمتها "شاهي" نظرة ذات معنى لتقول بنبرة هادئة:

"لا طبعاً عايزاني أكذب عليه مش هيحصل، وبعدين أنا فهمته وهو مقالش حاجة بالعكس عماد دا لذيذ ومش قفوش وبشوش تعالي بس ومتخافيش أنا جنبك ما مسيركم تتقابلوا."

أنهت حديثها ثم أمسكت بكفها وجذبتها خلفها دون أن تتحدث وهي تشدد من قبضتها على كفها بعدما شعرت بها تحاول الهروب من هذه المواجهة لتعود إلى "عماد" من جديد وهي معها بعد أن استسلمت للأمر الواقع وتركت نفسها لأمواج البحر تحركها كيفما تشاء، نظر إليها "عماد" ثم نهض بهدوء وبصره معلق عليه يراها أجمل بكثير عن الصورة ليعلم من أين أتت الفتاتين بهذا الجمال. "عماد أعرفك، هناء أطيب وأجدع صاحبة وأخت...

ودا عماد يا هناء توأم عدنان جوزي بعتبره برضوا أخ جدع وطيب جداً على فكرة." أنهت "شاهي" حديثها مبتسمة الوجه وهي تنظر إلى كليهما ترى خجل "هناء" وتهربها من نظرات الآخر، وعلى الجهة المقابلة ترى بسمة "عماد" الهادئة ونظرته المصوبة تجاه الأخرى، مد كفه إليها وهو يقول بنبرة هادئة: "أهلاً بيكي يا هناء أتشرفت بمعرفتك حقيقي."

نظرت هي إلى كفه الممدود ليزداد توترها وخجلها ولكـن في الأخير يجب أن ترحب به فهذا ضيف الآن في منزلها، مدت كفها تـصافحه لتشعر بقشعريرة تسري في أنحاء جسدها حينما لامس كفها الناعم الدافئ كفه البارد، جاوبته بنبرة هادئة للغاية وهي تنظر له قائلة بخجل طغى على وجهها: "الشـرف ليا."

جلسوا ثلاثتهم من جديد وقـصـت عليه "شاهي" ما حدث وهو كان في هذه اللحظة الطرف الأكثر إنصاتاً، وحينما أنهت دام الصمت بينهم هنيهة من الوقت يفكر فيما حدث وما الذي تعرض إليه ابن أخيه ولا يريد الإفصاح عنه حتى هذه اللحظة ويتهرب منه، طال الصمت بينهم قليلاً خلاله كان يفكر "عماد" فيما حدث ليقول بنبرة هادئة يقطع هذا الصمت القاتل: "كدا في حد متربص له، ومفيش غيره الـواد اللي قولتي عليه كل علقة الموت دي، طب ليه يعمل كدا؟

ليه توصل بيه يمـوته مش فاهم أكيد في بينـهم حاجة." جاءه جواب "شاهي" على حديثه قائلة بنبرة هادئة جاهلة الأمر: "مش عارفة يا عماد صدقني، لحد دلوقتي متكلمش معايا فحاجة ولا قالي إيه علاقته بالناس دي، مش عارفة بجد وهموت من خوفي عليه وهو مبيردش عليا ولا مخليهم يردوا عليا وأنا هتجنن هنا قولت أكلمك جايز تعرف تاخد منه حاجة أو على الأقل يطمـني عليه." أطلق "عماد" زفرة قوية ليقول بنبرة هادئة وهو يخرج هاتفه من جيب سترته:

"أنا هكلمه دلوقتي هشوفه فين متقلقيش بس بدل ما هكلمه هو مباشرة، هكلم جاد عشان مبيعرفش يخبي عني حاجة وهيضطر يقولي ونفهم إيه اللي حصل." وافقته "شاهي" الرأي فوراً خصيصاً أنه مضى ساعة ونصف تقريباً على آخر مكالمة منها حتى تكون بعيدة عن دائرة الشك، دام الصمت بينهم قليلاً ثم جاء قول "عماد" يقطع هذا الصمت جاذباً انتباههما حينما جاوبه ابن أخيه ليقول بعد الترحاب بينهما:

"فينك يا جاد مستنيك تيجي الشركة من الصبح عشان الشغل اللي فوق دماغنا دا مجيتش ليه؟ جاوبه "جاد" في هذه اللحظة حينما قال بنبرة هادئة معتذرة: "معلش يا عمّي حـقـك عليا والله، بس أنا مشغول دلوقتي مش فاضي." نظر حينها هو إلى "شاهي" نظرة ذات معنى ليعتدل في جلسته مستنداً بمرفقه على قدمه قائلاً بنبرة مترقبة: "وإيه اللي شاغـلك عنّي يا بيه وكمان بتقولها فوقـشي كدا." جاءه الرد سريعاً ينفي ذلك حينما قال بنبرة متلهفة:

"لا لا والله ما أقصد خالص أنت حبيبي يا عمّي مقدرش على زعلك...

كل الحكاية إن يوسف تعـبان أوي وأنا معاه فالمستشفى عمل أشعة على كتفه ورجله الشمال وكان في خلع أصلاً فالكتف بس الدكتور ردّه تاني يعني الحمد لله، أينعم يوسف كان بيموت من الوجع حرفياً بس الحمد لله كـتـفه تمام دلوقتي إنما الرجل بقى الدكتور بيقول تمزق فالأربطة واخد ضرب شديد أوي عليها كتبله على علاج يمشي عليه وشوية وهنتحرك أنا وسراج دلوقتي بنجيبله العلاج أهو وهنرجع الحارة بس أوعى تقول حاجة لـعمتي يوسف منـبـه ومش عايزها تعرف حاجة."

لا ينكر أن الصدمة قد أصابته بلا شك حينما استمع إلى حديث ابن أخيه وبات هذا واضحاً على تقاسيم وجه "عماد" التي تبـدلت في لمح البصر حينما جاءه حديث ابن أخيه الصادم يخبره ما تعرض له "يوسف" على أيدي هؤلاء الوحوش. شعرت "شاهي" في هذه اللحظة بالخوف الشديد الذي عاد يعانق قلبها حينما رأت تبدل تقاسيم وجه "عماد" التي لم تنذر بالخير البتة ولذلك نظرت إليها "هناء" تهدأها وتطمئنها لتنظر إليها وكأنها تخبرها _أرأيت ما حدث؟

_أنهى "عماد" المكالمة بعد دقائق معدودة ليترك هاتفه على سطح الطاولة أسفل نظراتهما له ليأتي صوت "شاهي" التي قالت بنبرة هادئة مترقبة تسأله عن ولدها: "في إيه يا عماد؟ قالك حاجة مش كدا؟ أبني جراله إيه قولي عشان خاطري حتى لو هو اللي قايل محدش يقولها قولي وطـمن قلـبي وبرد الناـر اللي جوايا." صعوبة الموقف كان أكبر من أي شيء.

في هذه اللحظة كان بين شاتين من أمره لا يعلم إلى من يجب عليه أن ينحاز. أيـخـبرها بما علـمه ويتجاهل تحذيرات ابن أخيه إليه بعدم معرفتها للأمر، أم يخبرها ويترك الساحة إليهم في النهاية وكل واحد يلقى مصيره. شعر بالحيرة الشديدة بلا شك حينما رأى خوفها الشديد على ولدها ليعلم أن الأمر لن يكون هـيناً عليها البتة حينما تتلقى ما حدث إليه.

أطلق "عماد" زفرة قوية يخرج معها توتره الشديد لينظر لها لثوانٍ معدودة يراها تتأهب لسماعه والقـلق يكاد يأكلها حية ليأتي قول "هناء" هذه المرة حينما وجهت حديثها إليه قائلة: "قولها وطـمن قلـبها، دي هتتـجنن عليه من الصبح."

قص عليها "عماد" ما حدث واخبره به ابن أخيه وكانتا الطرف المستمع في هذه اللحظة، وحينما أنهى حديثه رآها تنخرط في البكاء بعدما علـمت ما حدث مع ولدها الحبيب ليشعر بالحزن لأجلها في هذه اللحظة. نظرت إليها "هناء" وشعرت بالحزن لأجلها ولذلك حاوطتها بذراعيها تواسيها وتطمئنها أنه سيكون بخير، فيما كان "عماد" يلتزم الصمت يفكر فيما حدث ليـقرر مجالسة ابن أخيه حينما يعود ويفهم ما حدث معه بالتفصيل فهذا لن يمر مرور الكرام بكل تأكيد.

"قسوة الحياة تكشـف صلاـبة المرء، وكان هو يحظى بـقدرة تحمل لا وصف لها." كانت قسوة الحياة ودروسها قوية على عبد ضعيف مثله. كان كالطير الحر أراد أن يرفرف ولم يجد سبيلاً يدـفـعه لفعل ذلك، وحوش مفترسة ظنوه عدوّاً إليهم وما كان هو سوى بطير صغير يتجول ويزقزق عالياً بصوته الجميل.

كان يجول في الغرفة ذهاباً وإياباً يحمل صغيره على ذراعه يهـدهده برفق وصوت الراديو يعلو قليلاً بصوت الشيخ "مشاري" بصوته العذب الهادئ يتلو ما تـيـسر من سورة "يوسف" التي كانت أحب السور إلى قلبه. رأى صغيره قد غرق في بحور أحلامه الوردية بعد مرور القليل من الوقت لتـعلو بسمة هادئة ثغره حينما رآه نائماً بهذا الهدوء والسلام ليـلثم جبينه الصغيرة بقبلة حنونة ثم وضعه على فراشه بهدوء شديد حتى لا يستيقظ.

دثره جيداً ثم أطمئن عليه وعلى حبيبة الفؤاد ليـلثم وجنتها الصغيرة بقبلة حنونة ثم خرج من الغرفة واتجه إلى غرفته ليرى "تسنيم" تستعد لأخذ قيلولة صغيرة كذلك ليراها تجلس وتستعد للاستلقاء على الفراش لـيـمنعها هو ويجعلها تنهض من جديد أسفل نظرات التعجب التي تطالعه بها لتراه ينظر إليها قائلاً بنبرة هادئة:

"شكلي هفضل أفكرك كل شوية يا تسنيم، قولتلك قبل كدا يا حبيبتي قبل ما تيجي تنامي بالذات تنفضي المكان اللي هتنامي عليه براحة وتسمي الله 3 مرات عشان الحاجات اللي بتكون موجودة، ثانيـاً في حديث للرسول الكريم ﷺ مهم جداً برضوا.." قال رسول الله ﷺ حين يأوي إلى فراشه.. • لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير. • لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

• سبحان الله والحمد لله ولا اله إلا الله والله أكبر. غـفـرت له كل ذنوبه وخطاياه وإن كانت مثل زبد البحر. هفكرك بيها كل يوم قبل ما تنامي عشان متنسيش حاكم أنا عارف دـماغك فـوتت خلاص من كل حاجة. أنهى حديثه ممازحـاً إياها بوجه مبتسم ليراها تبتسم كذلك وجاوبته مصرحة عن ذلك حينما قالت: "بصراحة عندك حق، أنا دـماغي فـوتت فعلاً والله."

قهقه هو على ردها عليه ليضمها إلى دفء أحضانه محاوطـاً إياها بذراعيه ماسحـاً بكفه على خصلاتها السوداء كـدـكونة الفحم مطـلقـاً زفرة قوية من جوفه، فيما وضعت هي رأسها على صدره وحاوطت خصره بذراعيها تنعم بهذا الدفء الذي أصبح إدماناً لها لا شك في ذلك هنيهة من الوقت قبل أن تقطعه هي بقولها الهادئ: "أنا مش عارفة من غيرك مين كان هينصحني وينـبهني كل شوية يا رمزي، ربنا يباركلي فيك وتفضل جنبي على طول تفكرني بكل حاجة."

ابتسم هو ثم جاوبها بنبرة هادئة للغاية قائلاً:

"دا واجبي يا حبيبة قلبي، أنا حقيقي بحاول أجتهد أكتر والطريق لسه طويل عايز أفضل مكمل فيه آه في عوائق كتير أوي هتواجهني بس لازم أكون قدها وموقفش عند حاجة مـعيـنة، وبحاول آخدك معايا على الطريق واحدة واحدة مينفعش أشـدك مرة واحدة كدا، مش هتكوني حابة الطريقة دي ومش هتنفذي حاجة طالما أنا فـارض عليكي أسلوب يخليكي تهرـبي فعشان كدا بحاول من الوقت للتاني أشـدك أكتر معايا لحد ما تتعودي واحدة واحدة وتلاقي نفسك حابة تقربي أكتر وتعرفي أكتر وأكتر، كل حاجة بتيجي بالـهـداوة والمـساـيسة عمر ما حاجة جـت بالإجبار."

تتفهم ما يحاول إيصاله إليها فهي تفهمه من نظرة عين وحركة وفعل، هو بالنسبة إليها كتاب مفتوح تستطيع قراءة محتواه دون أن يفصح هو عن ذلك، ولذلك جاءه جوابها المتفهم حينما قالت بنبرة هادئة: "فهماك وفاهمة قصدك إيه، وأنا معاك واحدة واحدة هتلاقيني باجي أسألك بنفسي كمان ووقتها هتزهق مني." "مقدرش أزهق منك يا تسنيم دا أنا أزهق من أي حد إلا أنتِ."

هكذا جاوبها مصرّحـاً إليها ما يكمـن في جعبته ليراها ترفع رأسها عالياً حتى تـتيـح لها رؤيته بشكل أوضح لتـطـالعه قليلاً بعينيها اللتان لم تفشل في أسره كلما طالعته، تلك البندقتين المسـكـرتين اللتان كانتا فـتـنة سـقـط هو في بحورها كالـغـريق دون أن يجد مرسى. كان زاهـد في الأمس، واليوم أصبح مفتوناً وعـاشـقـاً لفـتـنتها. اقترب منها بهدوء لـيـلثم وجنتها بقبلة حنونة وهادئة مستغـلاً هذا الهدوء المحيط بهما فيبدو أن منذ باكورة هذا اليوم والإزعاج يأتيه طارقـاً بابه من كل جانب.

ابتسمت هي وأغـلقت جفنيها تحظى بهدوء تلك اللحظة قبل أن يأتي ما يـعـكر صفوها كالمعتاد من أصدقائه تحديداً وكأنهم اتفقوا جميعهم على إفساد لحظاتهما السعيدة تلك التي يتمنى أن ينالها هو ولو قليلاً فقط. وحينما ابتعد عنها فرّقت جـفـنيها لتنظر له قليلاً قبل أن تقوم بمغازلته بتخـاـبث حينما قالت بنبرة ماكرة: "بس قولي بقى إيه الحلاوة دي كلها، شبه صنية البسبوسة اللي بالمكسرات الطازة اللي لسه طالعة من الـفـرن."

ضحك هو عالياً على حديثها غير مصدق لما رآه وسمعه أسفل نظراتها التي كانت تتابعه مبتسمة الوجه لينظر إليها بوجه ضاحك وعينين ملـتـمـعـتـين قائلاً بنبرة ضاحكة: "دا أنا بتعاكس عيني عينك كدا بدون حياء ولا خجل خلاص راحوا لحال سبيلهم؟ وبعدين ولمّا أنا أبقى طبق البسبوسة أنتِ تبقى إيه يا غزال."

أنهى حديثه الذي اتخذ منهـجية التخـاـبث معها لتبدأ ضحكاتها تعلو حينما شعرت بأنامله تسير على خصرها تحاول مقاومته والهروب من هذا الحصار الذي فرضه هو عليها، فيما هو أحب استغلال تلك الفرصة وأبى تركها. كانت ترجوه بتركها كي تـلـتـقط أنفاسها الهاربة ليتركها هو بالفعل بعد دقائق قليلة ليراها تجلس على طرف الفراش تحاول ألتقاط أنفاسها الهاربة وهي تـزيل عبراتها بكف يدها ليجاورها هو كذلك دون أن يتحدث. لحظات قليلة مرت لتعود هي النظر إليه بعدما عادت نظرات التخـاـبث تحاوط مـلـتـقـيها لتضـربه برفق بكتفها على

كتفه قائلة بنبرة ماكرة: "مش هتقولي برضوا الحلاوة دي جاية منين دا أنا كدا هرجع أغير تاني خلي بالك يعني." نظر إليها مجدداً وأبتسم ليجاوبها بنبرة هادئة: "هنجيبه منين يعني يا غزال ما تخلي الليلة دي تعدي على خير بقى." ضحكت هي بخفة ثم عانقت ذراعه وشبكت أناملها الرفيعة بأنامله كذلك ووضعت رأسها على كتفه قائلة بنبرة هادئة مستنـكـرة: "وهو أنا عملت حاجة يعني أنا بعاكـس بس، خليك كدا على طول ظاـلمـني وجاي عليا أكمني غـلبانة بقى."

أستنـكر حديثها بالكامل ليعقد ما بين حاجبيه ليقول بنبرة ساخرة: "أنا جاي عليكي وبظـلمك يا غـلبانة؟ أقسم بالله ما هتكلم ولا هرد عليكي لحد ما نشوف آـخرة جـبـروتـك عليا دا هيوصلنا لفين." كانت كلماته الأخيرة بمثابة الضغط على زر الإنذار لها. رفعت رأسها بحركة سريعة تنظر إليه نظرات حارقة لترى أخرى تؤكد لها قوله لتـطبق على أسنانها وهي تسأله بنبرة حادة قائلة: "أنتِ شايف كدا؟ أنا جـبـروت يا رمزي بعد دا كله؟

"آه جـبـارة هجيب حاجة من عندي يعني وهـتـبل عليكي كـدـب!! جاوبها بمصداقية شديدة لا يعلم أنها سترميه معها في الهلاك. رأها تبتعد عنه وهي تنظر حولها وتـتوـعد له أسفل نظراته التي كانت تـراـقـبـها جـاـهـلاً ما تريده. نيرانها عادت تشتعل داخل قفـصـها الصدري لتأخذ الوسادة وتعود له من جديد وتقاسيم وجهها تدل على الشـر ليترقب هو ما ستـفعله ليقول بنبرة هادئة مترقبة: "هتعملي إيه يا مجـنونة؟

لا هتشتغلي فالجـنان فأنا أجـن مـنك خلي بالك."

حاول تهديدها وإخـاـفتها ليرى بسمتها الـخـبيثة قد أرتسمت على ثغرها لترد عليه بفـعل بدلـاً من قول حينما هاـجمته وبدأت بتسديد الضربات المتتالية له دون توقف تـفـرض عليه سيـطـرتها وحصارها وهو كان كما الـمـحـارب الذي استسلم في ساحة حـربـه بعد أن تم محاصرته من الجميع منتظراً تلقي مصـيره الأبدي. وعنها فقد استغلتها فرصة ذهبية لها كي تنتـقم منه على هذا الحديث الذي قاله حتى لا يـعيد تكراره على مسامعها مرة أخرى. وعنه فقد تركها تفعل ما تريد دون أن يـردع أفعالها فهذا ما كان يريده أن تفعله منذ بادئ الأمر وها هو نائل مراده.

"أبى الاستسلام ورفع سـيـفـه يحارب، حتى أخترق سـيـف الحبيب ظـهره غـدراً." محارب نبيل، أبى الاستسلام في ساحة الحرب. رفع سـيـفـه عالياً يصرخ بعلو صوته بعد أن استيقظت روح الانتقام بداخله يعلن عن عودة الروح من بعد النزيف. حارب وقاتل وقاوم حتى يظل واقفاً على قدميه شاـمـخـاً كالليث لا يموت ولـكـن يظل مقاتلاً لآخر دقيقة حتى كانت ضربته القاضية التي تلقاها في ظـهره من الحبيب الذي أعطاه ضربته الغادرة.

كان يجلس على مكتبه الذي حظي به كي يبدأ من جديد حياته الجديدة الخاصة به. يعمل بعد أن ساعده أخيه الأكبر وأتى له بعمل كي ينشغل به ويبدأ حياته بشكل أفضل. مرتديـاً حـلـته الـكـحـيلة الأنيقة وقميصاً أبيض اللـون ورـبطة عنـق كـحـيلة. عاد تدريجيـاً إلى هـيـئـتـه القديمة التي كانوا يعتادون عليها. عاد وزنه الطبيعي ونـمت لـحـيته الـخـفيفة تـعـطيه مظهره الوسيم ويـصـفف خـصلاته الـبـنـية بشكل أنيق يـتابع الأرقام والاحصائيات الموجودة على شاشة الحاسوب الذكي أمامه.

صدح رنين هاتفه الموضوع على سطح المكتب يعلو لينظر له يرى اسم أخيه ينير الشاشة ليترك ما يفعله ويأخذ الهاتف مجيباً إياه قائلاً بوجه مبتسم: "يا هلا يا هلا، شوف مين بيتصل دلوقتي كل شوية." مازحه كما أعتاد ليأتيه الجواب من أخيه الذي قال ضاحكاً: "تصدق وتؤمن بالله أنا عـيـل واطي عشان بسأل على عـيـل ندل زيك." ضحك "حليم" بعد أن تلقى الرد المتوقع ليقول بنبرة ضاحكة: "حبيبي منتـحرـمش من سؤالك يا غـالي والله."

"طـمني الشغل ماشي تمام ولا في حاجة واـقفـة قصادك؟ هكذا سأله "صلاح" بعد أن أراد الاطـمـئـنان عليه لـيـأتـيه الجواب الذي أراح قلـبه من أخيه حينما قال: "متقلقش الشغل عسل والله، ومرتاح على الآخر، حـاسـس إني ببدأ من أول وجديد لحياة تانية مختلفة أنا اللي بـحـدد فيها عايز إيه بدون قيود من حد." ابتسم "صلاح" وأجابه بنبرة هادئة بعدما نال مراده قائلاً: "الحمد لله هو دا اللي كنت محتاج أسمعه منك عشان أرتاح وأتـطمـن إنك تخـطـيت...

شـد حـيـلك بقى عايزك تجيبلي عروسة عايزين نفرح بيك." ابتسم "حليم" وجاوبه بنبرة هادئة يرد عليه قائلاً: "أدعـيلي أنت بس يا صلاح، هتيجي بس واحدة واحدة، محتاج أحس إني عـايش وليا أهمية ورأيي مهم فأي حاجة، واحدة واحدة كل حاجة هتيجي متقـلقش." أطلق "صلاح" زفرة قوية وقال بنبرة هادئة يوافقه الرأي:

"عندك حق، أعمل اللي يـريـحـك ويبسطك يا حليم مش اللي يبسط غيرك، أنت صاحب القرار فحياتك سواء الشخصية أو العملية وأنا فـضـهرك متقـلقش أدخـلها بـقلـب جـاـمد وميهمـكش." "يعني لو وسعت عادي يعني أصل متتعـشمش على الهدوء دا كتير." مازحه "حليم" بوجه مبتسم ليتلقى الرد من أخيه الذي قال: "يابا لو هتدمر الدنيا دمر وأنا وراك ميهمـكش."

وبعد القليل من الحديث بينهما أنـهـت المكالمة ليترك "حليم" هاتفه كما كان ويعاود العمل من جديد ليوقفه الطرقات الهادئة على الباب. سمح للطارق بالولوج لتولج "ريم" له قائلة: "في حد جه محتاج يقابلك يا حليم." عقد "حليم" ما بين حاجبيه وقال متسائلاً وهو ينظر لها: "مقالش مين يا ريم؟ حركت رأسها تنفي ذلك قائلة بنبرة هادئة: "لا مرداش يقول اسمه، مستنيك بره." حرك رأسه برفق ثم نهض تاركاً أغراضه ومكتبه موجهاً حديثه إليها قائلاً:

"خلي بالك لحد ما أرجع." حركت رأسها برفق توافق على حديثه لتولج إلى مكتبه مغـلقة الباب خلفها بهدوء تنظر إلى أرجائه بكل هدوء، برغم أنها تعلم كل صغيرة به ولكن أغراضه أضافت لمسة خاصة بلا شك، جلست على مقعده تنظر إلى أغراضه وتلك الصورة الجميلة التي كانت موضوعة على سطح المكتب تعود إلى "حليم" وأخويه ووالدته. اتسعت بسمتها وهي ترى هذا الدفء المحاوط بالصورة وهذا الحب الكبير الذي لامس قلبها.

صدح رنين هاتفه عالياً يعلنه عن وصول رسالة عبر التطبيق الشهير "واتساب" لتنظر له من بعيد لتلمح صورته مع أخيه الأكبر وهما متعانقين لتعلم أن عائلته تحظى بمكانة كبيرة لغاية بقلبه. لا تـنـكر أنها انـجـذـبت له في تلك المدة التي جاء فيها يعمل معهم ولكـن كما قررت أن تخفي ذلك بداخلها وتتعامل معه كزميل حتى ترى إلى أين سيوصلها هذا الشعور.

فيما خرج "حليم" وتوجه إلى صالة الانتظار ليرى ظل كبير بعض الشيء يعود إلى شخص ما جالس على الأريكة ينتظر قدومه، ولذلك ازدادت فضوله أكثر لمعرفة هذا الشخص ليقترب الخطى الفاصلة بينهما حتى وقف أمامه وقال بنبرة هادئة حينما لم يرى وجه الآخر: "قالولي إنك طلبت تشوفني."

لحظات ورفع الآخر رأسه ينظر له في نفس اللحظة التي جحظت فيها عيني "حليم" بعدم استيعاب وهو يراه عاد ليـعيد إليه الذكريات السوداء مجدداً وكأنه يأبى تركه يعيش حراً كما تعيش بقية العصافير الحرة التي ترفرف في السماء الواسعة بلا قيود محكمة تقيد حركتها. تسارعت نبـضات قلبه وعادت ذكريات الماضي تـهاـجم الحاضر والمستقبل تزامنـاً مع قوله الغير مصدق: "أنت! أنت تاني يا عديم الإنسانية؟

نطق بها "حليم" بعدما احتـدت وتيرة أنفاسه وتضاـربت مشاعره السلبية من جديد وكأنه أيقن بأن الماضي لن يتركه يحظى بحياة وردية مثلما رسم، أيقن بأن الماضي يغيب ولا يموت.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...