الفصل 114 | من 129 فصل

رواية جعفر البلطجي الفصل 114 - بقلم بيسو وليد

المشاهدات
22
كلمة
8,480
وقت القراءة
43 د
التقدم في الرواية 88%
حجم الخط: 18

رأيت القناعة رأس الغنى فصرت بأذيالها متمسك فلا ذا يراني على بابه ولا ذا يراني بمنهمك فصرت غنيًا بلا درهم أمر على الناس شبه الملك. _الإمام الشافعي.

نقطة الصفر، النقطة السوداء، أو الندبة الغائرة.. صراعات نفسية، وتشوش عقلي، أصوات عالية وصرخات دامية، روح معذبة بداخل قفص حديدي ملغم بالأسلاك الشائكة، حرب طاحنة دامت طويلًا سرقت عمرًا كبيرًا، قاسمًا ظهر البعير، ضحية لأبيه، كان مجرد أداة مؤقتة وسيحين ميعادها وينتهي أمرها. ولم يعلم هذا الفتى بأن ما ينتظره في المستقبل البعيد أبواب الجحيم تنتظر قدومه حتى ترحب به بأبوابها المفتوحة على مصرعيها تنتظر فقط معانقته.

"خشيت أن يسرقني الزمان ويمضي وكان عائقي به ماض أسود يأبى تركي."

كان مصدومًا، أبعد تلك السنوات التي مضت فيها شهد على صراعاته ومعاناته كي يتخلص من أيادي الماضي ويعانق المستقبل حرًا دون أن تفرض عليه قيود تعيقه، ولكنه كان وسيظل عائقه الأول والأخير، الندبة السوداء الغائرة بروحه، كلما حاول التخطي منعته أيادي الماضي السوداء، كلما حاول المضي قدمًا يجد عائقه الأول والأوحد يقف في طريقه كالشوكة الحادة العالقة في الحلق، الآن عاد الماضي وعاد هو لنقطة الصفر من جديد، تاركًا أنياب الماضي تغرز بجسده بكل وحشية دون أن يقاومها.

أحتدت نظرته واكتست الحمرة عينيه وظهرت شياطينه أمام عينيه تتراقص، ومعها اشتدت أعصابه واضطربت وتيرة أنفاسه بشكل ملحوظ، مطبقًا على أسنانه بقوة، هامسًا إليه بنبرة حادة قائلًا: "إيه اللي جابك؟ وعرفت مكاني منين؟ وعايز إيه؟ حل عن نفوخي بدل يمين بالله المريض النفسي اللي شاورت عليه قدام كل الناس وقولت عليه مجنون عنده استعداد يوريك أصول الجنون على حق لايف كمان، مش هحرمك من حاجة كنت أنت سبب رئيسي فيها."

تم إلغاء القلب وجميع مشاعر العطف، اتخذ العقل إشارته وأرسل إنذاره لجميع أجهزة جسده الحيوية، خاض تجربة بمشاعره من قبل ولم تنصفه أمام الجميع، فلا داع من أن يلجأ له مجددًا في تواجد العقل الذي كان دومًا ضد القلب، ترقب وانتظر الرد القاتل، الرد المنتظر الذي بناءً عليه سيتخذ قراراته، وصدقًا لم ير سوى بسمة باردة تزينت ثغره، مطالعة إياه بنظرات ناجمة عن شدة الكراهية من الأب إلى الابن، رأى نظرة قاسية خالية من المشاعر والندم، مازال كما هو لم يتغير على مر تلك السنون.

ماذا سينتظر منه غير ذلك!! إن لم يندم على الماضي هل سيندم على الحاضر؟ انتصب واقفًا وعينيه لم تفارق عينين الإبن الذي اتخذ أبيه العدو الحقيقي إليه. دام هذا الصمت بينهما هنيهة من الوقت قبل أن يكسر صوته حدة هذا الصمت القاتل القائم بينهما بقوله اللاذع: _لو على عرفت مكانك فين فأنا مش هغلب كتير. عارف أزاي هجيبك. فاكر مدير المستشفى اللي أخوك الفضيل راح دفعله ١٠ بواكي عشان يخرجك من هناك؟

أنا روحت دفعلته الضعف وبكام ورقة للرجالة عرفت عنك كل حاجة. أنا مبغلبش يا "حليم". أنا أعرف أجيب العفريت الأزرق من تحت الأرض كمان. وبخصوص جاي ليه وعايز إيه فالسؤالين إجابتهم واحدة وصريحة أوي. _واللي هي إيه بقى يا معلم "عبدالمعز"؟ هكذا سأله "حليم" ساخرًا وهو يرشقه بنظرات مشمئزة منتظرًا تلقي الإجابة منه، والتي جاءت إليه في الحال حينما همس الآخر بفحيح أفعى سامة تبخ سمومها في أذنيه قائلًا:

_مهمة صغيرة خالص مش هتاخد منك وقت... هتاخد شنطة المخدرات اللي هديهالك دي تحطها بمعرفتك فشقة المحروسة بنت عمتك، فأوضة زفت الطين "جعفر" ولا من شاف ولا من دري وهتاخد ٥٠ باكو تبدأ بيهم حياتك.

لا ينكر المرء أنه ما زال يتلقى الصدمات القوية من البشر. لا يعلم ممن منهما الآن مريضًا. صدقًا لا يعلم كيف يمكن أن يطلب منه شيئًا كهذا مستعينًا بالمال الذي أصبح نقطة ضعف قوية لدى بعض البشر منهم. قبل أن يتهور ويفعل شيئًا قد يندم عليه فيما بعد، تحلى بالصبر والهدوء وتملك أعصابه قبل أن تفلت وقال بنبرة هادئة زائفة: _ويا ترى إيه نوع المخدر اللي هيخلي جناب معاليك تدفعلي ٥٠ باكو بقدرة قادر كدا. _نيكووتين.

جاوبه في الحال بنبرة باردة فولاذية منتظرًا تلقي الموافقة منه حتى يبدأ تنفيذ عمليته تلك والتي كانت سرية تمامًا. أول العالمين بها كان هو. هذا الذي تلقت مدينته المضيئة اللامعة الدمار الشامل من قبل العدو ومعها تدمرت أحلام الفتى الصغير. رشقه بنظراته الكارهة الحادة إليه، مطبقًا على أسنانه هامسًا بنبرة خشنة محذرة: _وعهد الله فظرف ٥ دقايق لو ما اختفيت من وشي وحياتي خالص هكون عامل تصرف مش هيعجبك وهيندُمك العمر كله.

أنهى تحذيره الصريح إلى أبيه مشهرًا سبابته بحركة عنيفة في وجهه بعد أن عاودت تلك الحالة السيطرة عليه من جديد مثلما فعل هو معه من قبل. ألمعت عينيه لمعة لم تندرج تحت مسمى السعادة هذه المرة، بل كانت تندرج تحت مسمى الانتقام. فقد طفح به الكيل. وحينما أوشك على التعافي ولو قليلًا، عاد هو من جديد ضاربًا بآماله عرض الحائط، جابرًا إياه على العودة من جديد إلى نقطة الصفر كما كان في السابق.

_صدقني أنت محتاجلي دلوقتي وضعيف من غيري كمان. بص على نفسك فالمرايا وأنت مش هتعرف نفسك. هكذا قال "عبدالمعز" ساخرًا وهو يطالعه من عليته ليرى بسمة "حليم" أترسمت على ثغره متهكمًا، ثم جاوبه بنبرة حادة مفعلة بالغضب المكبوث قائلًا:

_كداب وبتضحك على نفسك بكلمتين خايبانين. أنا مش محتاجلك ولا هحتاجلك ولا كإن كنت محتاجلك ومش ضعيف من غيرك كمان. بالعكس أنا أقوى بكتير منك. بص أنت لنفسك فالمرايا هتشوف واحد أنت متعرفهوش أساسًا. أنا بسببك بقيت مريض نفسي. حياتي اتدمرت على إيدك يا قدوة يا اللي يوم ما اتقال على الأب السند والكتف والدعم كإن كنت أنت بعيد كل البعد عن الدايرة دي. أنت إزاي أب؟ يعني أعرف عن الأب إنه بيخاف على ولاده؟ يقبل على نفسه الأذى؟

وعليهم لا. وأنت مش بس أذيتني دا أنت طعنتني فضهري... السكينة اللي كنت بتخاف عليا منها لتعورني وأنا صغير هي نفسها اللي طعنتني بيها دلوقتي. وبعد ما دمرتلي حياتي وعملتني لعبة فإيديك تتحكم فيها زي ما تحب وتمشيها على كيفك وتخليها مجرد وسيلة تمشي بيها مصالحك وعقليتك المريضة، خليتني أأذي "بيلا". أكتر واحدة حبيتها فحياتي. خليتني زي المجنون قدامها. كإن كنت هقتلها مرة وسقطتها بسببك. وكإن كنت هقتل "يوسف" كمان. أنت إيه بجد؟

معدوم كل حاجة. قلبك دا حجر! أنهى حديثه المنفعل به صارخًا بعد أن فقد السيطرة على نفسه وأعلن رفع رايات الحرب على جميع أعدائه. يلهث وكأنه يركض في سباق المائة متر. أفللت أعصابه المشدودة وخرج الوحش المخبوء من الجحر يزأر عاليًا مكشرًا عن أنيابه الحادة. فبعد أن كان يخطو أولى جلسات العلاج والتقدم خطوة للأمام، فبظهوره الآن عاد مائة خطوة إلى الخلف وسقط في البئر الذي حارب للخروج منه.

وهذا بالطبع لم يتأثر أو يهتز شيء ما وإن كان يدل على إنسانيته بداخله. بلى. فقد سخر للتو، وأبتسم بسمة متهكمة بزاوية ثغره. أنجذب البعض إليهما بعدما فقد "حليم" السيطرة على نفسه أمام هذا الغريب. قام بفرقعة السبابة والابهام معًا أمام وجه عدوه ثم أشار إليه تجاه الباب بسبابته وهو يطالعه بنظرة كارهة قائلًا بنبرة حادة:

_زي ما قلبك جابك وجيت ودخلت من الباب دا. عايزك برضوا قلبك ياخدك وتخرج ومتورنيش وشك دا تاني لحد ما ربنا يأذن وياخدك. وأعلم حسابك عشان أكون برأت نفسي وذمتي. لا هزعل عليك يوم موتك ولا هتنزلي دمعة واحدة. ولا همشي فجنازتك ولا هشيلك نعشك وأدخلك القبر. كل دا متطمعش إني أديهولك. عشان مش هيحصل. زي ما مفرقش معاك عياطي وخوفي وتعبى وضعفى. أنا كمان مبقاش فيه حاجة جوايا تخليني أحنلك أو أزعل عليك. أنت ميت بالنسبة لي.

أنهى حديثه القاسي إلى هذا الغريب معلنًا له عن ما يكمن داخل جعبته. وعن نظراته فكانت تؤكد له كل كلمة يقولها. فلم يعد بداخله إلا الكراهية له. تحرك "حليم" تاركًا إياه وحيدًا بعد أن رأى العناد والعداوة والبغض. ولج إلى مكتبه كالإعصار الذي يأتي مرة واحدة بدون سابق إنذار يقتل ما أمامه. أغلق الباب خلفه بحركة عنيفة والغضب باديًا على تقاسيم وجهه.

انتصب "ريم" واقفة بعد أن رأته بهذه الحالة للمرة الأولى لها. ألزمت الصمت وقررت أن تتابعه بعينيها لعله يهدأ قليلًا. وعن هذا الفتى المسكين لم يكن حاله أفضل شيء في تلك اللحظة. عادت ذكريات الماضي تهاجمه بكل وحشية تبتلعه بداخلها تفرض عليه ما لم يكن يريده هو. عادت الهواجس تفرض سيطرتها عليه وعادت الأصوات العالية ترن في أذنيه كالطبل. اضطربت أنفاسه بشكل ملحوظ وتمكنت منه لتفرض هيمنتها عليه وتجعله في أسوأ نسخة منه.

أرادت أن تقدم يد المعونة إليه. أرادت مساعدته بعد أن رأته هكذا. ولكن خوفها كان أكبر عائق لها. القلب يصرخ والعقل يردع فعل صاحبه وهي بين الشاتين لا تعلم ماذا عليها أن تفعل. رأته يستقر فوق الأريكة واضعًا يديه على رأسه محاولًا الهروب من كل ذلك. فتلك الأصوات والصرخات والآلام تتسبب في أذيته وتجعله يريد الصراخ عاليًا وتدمير ما حوله حتى يستطيع أن يحجب عن سمعه كل هذه الصرخات.

صدح رنين هاتفه في هذه اللحظة يعلو في أرجاء المكان. ولكنه لم يعلو عن تلك الأصوات الصارخة في أذنيه. كانت هي بجواره لترى أخيه هو المتصل. عادت تنظر إلى "حليم" لربما يجيب هو. ولكنها رأت التجاهل قائمًا. أعاد الآخر مهاتفته من جديد لتكون النتيجة كسابقتها وهي في شتات من أمرها لا تعلم ماذا عليها أن تفعل الآن. وفي الثالثة كان الرد منها بعد أن رأت إصرار الآخر لتشعر بأن ثمة شيء ما يريد أن يخبره به.

أجابته بعد صراع عنيف بداخلها لتستمع إلى صوته الرجولي الذي تعجب من المجيب أولًا ثم هذا الصمت الذي تلقاه بعدها. جاء صوت "صلاح" الجاد يكسر حدة هذا الصمت بقوله المتسائل: _هو "حليم" فين يا آنسة وأزاي سايب موبايله كدا ومين أنتِ؟ شعرت بالحرج بعد تلقيها تلك الأسئلة العديدة منه. لم تعلم بماذا تجيب وهي ترى حالة "حليم" تسوء أمامها. ولذلك قررت إخباره لعله يعلم ما أصاب أخيه ويفعل شيئًا:

_أنا "ريم" زميلة "حليم" فالشغل. بصراحة "حليم" شكله مش كويس. في حد جه قابله من شوية وهو قعد يزعق معاه. كان صوته عالي. تعجب "صلاح" وجعلت تقاسيم وجهه ليسألها مرة أخرى بنبرة أكثر هدوءًا عن سابقتها بعد أن علم هويتها قائلًا: _طب متعرفيش هيئة الشخص دا عاملة إزاي أو مسمعتيش "حليم" بيقوله حاجة يعني أي حاجة تعرفني على الشخص دا. جاءه جوابها الصادم الذي قام بلجمه بسوءط حينما أجابته على سؤاله بقولها الهادئ:

_هو كان لابس جلابية وكبير وسمعت طشاش كلام من "حليم" ليه بيقوله إنه مش هيزعل عليه لم يموت ولا يمشي فجنازته و... بتـ ـر حديثها بشهقة خفيفة منها حينما شعرت بالهاتف يـ ـجذب مـ ـنها بحركة عنـ ـيفة لتلتفت إلى "حليم" الذي كان يقف خلفها ويـ ـطـ ـالعـ ـها بنظراته الغاـ ـضبة التي لا تـ ـنذر بالخير ليأتي صوته الغاـ ـضب يصرـ ـخ بها دون أن يشعر: _أنتِ إيه اللي مسـ ـكك تليفوني!! وأزاي تردي على المكالمات اللي بتجيلي من أي حد؟

أنتِ متعرفيش حاجة عن الإحترام خالص!

صدمت من هجومه الغير ممهد عليها وعدوانيته التي ظهرت فجأة تجاهها لتشعر بالذهول الشديد ولسانها الذي تم لجمه بسوءط أمامه حتى لم تستطع الدفاع عن نفسها أو قول شيء تبرئ به نفسها فهو من طلب منها البقاء هنا وحينما وردته الاتصالات من أخيه بشكل متكرر اضطرت إلى الرد كي لا يقلق الآخر عليها، فعلت هذا فقط من أجله وهو لم يفكر في شيء كهذا وأصبح يتخذ وضع الهجوم ضدها، حاولت أن تبرئ نفسها ليمنعها صوته الصارخ بها وهو يأمرها بالمغادرة:

"بره!

شعرت بكرامتها تدهس أمامه لمرتها الأولى وهو لا يعبأ بذلك ويتهمها فوق ذلك بالتسلط عليها، ترقرق الدمع في المقل لتشعر بالإهانة منه بشكل فاجئها بكل تأكيد لتتركه وتغادر مسرعة بقلب نازف ومتألم وهي تؤنب نفسها على ما فعلته فهكذا هي دومًا، طيبتها تزج بها إلى الهلاك والألم، وحينما رحلت هي بقلب نازف كان المتسبب به هو نظر إلى هاتفه ليرى أن المكالمة مازالت مستمرة وبالطبع استمع أخيه إلى كل شيء، أطلق زفرة قوية ثم وضع الهاتف على أذنه

وقال بنبرة لا تقبل النقاش: "صلاح، أنا عندي شغل دلوقتي هخلص وأكلمك." أنهى حديثه وأنهى المكالمة معه دون أن ينتظر الإجابة من الطرف الآخر، ترك هاتفه على سطح المكتب وألقى بجسده على المقعد، ماسحًا بكفيه على وجهه عدة مرات محاولًا تهدأة نفسه قليلًا فالمكان من حوله يمنعه من التهور كذلك، عاد إلى القاع المظلم من جديد كان المتسبب به أعز الأشخاص إلى قلبه. *** في كل ليلة تولد جنية صغيرة وتولد معها حياة جديدة.

بداية جديدة تبدأ بالتقدم خطوة واحدة إلى الأمام تجعل المرء يبدأ في العيش سعيدًا بها، حياة تمنتها تلك الجميلة أن تنالها حتى أصبحت هي لها الآن، لم يكن الحلم مستحيلًا، بل كان ممكنًا إن تأمل المرء به خيرًا.

كانت تنتظر أن تتلقى النتيجة المرادة التي تتمنى الحصول عليها، تدعو والخوف يعانق قلبها يأبى تركها حرة، تنتظر وتنتظر منذ وقت قليل وتأخذ الغرفة ذهابًا وإيابًا وهي تضغط على كفيها تتأمل وتدعو دون توقف، سقط بصرها على زوجها الذي عاد من الخارج مرهقًا يغط في ثبات عميق تاركًا إياها تعيش تلك اللحظات المتوترة وحيدة لا تجد من يطمئنها فلم ترد أن تعتمد على نتيجة واحدة فقط ولذلك ها هي تنتظر تلقي النتيجة التأكيدية بفراغ الصبر.

لحظات وصدحت طرقات هادئة على باب الشقة لتتوقف هي ناظرة له وقلبها ينتفض من مكانه خوفًا من القادم المنتظر، حاولت تهدأة نفسها والتوتر يكاد يلتهمها حية لتتقدم بخطى منتظمة تجاه الباب تدعو إلى ربها أن تنال ما كانت تريده، فتحت الباب بهدوء تنظر إلى الممر، ابتسم لها وقال بنبرة هادئة: "مساء الخير يا فندم." ابتسمت له بسمة هادئة متوترة وهي ترد عليه قائلة: "مساء النور، النتيجة طلعت؟

حرك رأسه برفق وهو يمد يده بها لها، نظرت هي إلى النتيجة التي كانت تنتظرها منذ زمن، نظرت له بترقب بعد أن تفحصتها لتقول بنبرة متوترة: "طب النتيجة طلعت إيه؟ لأن أنا مبفهمش فيها بصراحة." "إيجابي يا فندم."

هكذا جاوبها مبتسم الوجه وهو ينظر لها، وعنها قد أصابتها الصدمة بلا شك وجعلتها لا تقدر على التحدث أو التفوه بكلمة واحدة فما تمنته ها هي تناله الآن، تراخت أعصابها وأصابتها التيهة والصدمة بكل تأكيد، شكرته ليرحل هو تاركًا إياها في بحور صدمتها وتيهتها، عادت إلى الداخل من جديد لتستقر على الأريكة وهي تنظر إلى التحاليل بعد أن ترقرق الدمع في مقلتيها لا تصدق ما تراه أمامها فبكل تأكيد هي تحلم.

اضطربت وتيرة أنفاسها وتسارعت بعد هنيهة من الوقت لتتساقط عبراتها على صفحة وجهها وترتسم البسمة الواسعة على ثغرها وهي تطالعها بعدم تصديق، تركتها ووضعت كفيها على وجهها وهي تبكي فرحة، هذا الشعور الذي يداهم المرء فجأة وبدون سابق إنذار يجعله في صدمة من أمره، ظلت تبكي بدون توقف وهي مازالت لا تصدق ما رأته.

دقائق مرت عليها وهي بهذه الحالة حتى خرج هو من الغرفة بعدما استيقظ من غفلته ليراها تجلس وهي بهذه الحالة ليتعجب وتتجعد تقسيم وجهه وهو يتساءل بداخله عن سبب جلوسها هكذا، اقترب منها بخطى هادئة متسائلًا عن سبب جلوسها هكذا ليجلس بجوارها بهدوء وهو ينظر لها والنعاس مازال يحتل تقسيم وجهه وعينيه ومازال عقله لم يستفق بعد من غفوته.

وعنها فقد شعرت بتواجده بجوارها ولذلك أبعدت كفيها عن وجهها وهي تنظر إليه بوجه باكٍ وعبراتها على صفحة وجهها دون أن تتحدث، وعنه حينما رآها عقد ما بين حاجبيه وأصابه القلق من أن يكون حدث شيئًا ما هو لا يعلم عنه شيء وهي لا تريد الإفصاح عنه أمامه، ترقب ردها على سؤاله حينما قال بنبرة هادئة مترقبة: "فيه إيه يا مها؟ بتعيطي كدا ليه وقعدة لوحدك؟ في حاجة حصلت وأنا نايم وأنتي مش عايزة تقوليلي؟ أحكي أنا سامعك."

أنهى حديثه بعد أن بدأ قلبه ينجرف إلى بحور القلق الشديد، أو ربما قد أصابها شيء ما هي لا تريد الإفصاح عنه وتخشى من صدور ردة فعله الغير متوقعة، وعند هذه النقطة ترقب ردها لينظر هو إليها من جديد ماددًا كفه الدافئ يعيد خصلاها الكثيفة إلى الخلف قائلًا بنبرة هادئة: "فيه إيه طيب قوليلي وأنا سامعك، قولي إيه اللي مخليكي تعيطي بالشكل دا حد كلمك وضايفك؟

اعتدلت في جلستها وهي تنظر له بعينين باكيتين وهي تشعر أنها يجب أن تخبره في الحال فلا تستطيع أن تنتظر أكثر من ذلك وتعلم أنه ينتظر تلك اللحظة بفراغ الصبر مثلها، عانقته دون أن تتحدث، تلتف ذراعيها حول عنقه أسفل تعجبه الشديد برد فعلها ذاك، سقط بصره على ملف التحاليل الماكث بجوارها ليعقد ما بين حاجبيه متسائلًا فحتى هي تلتزم الصمت وتبكي وهو ما بين هذا كله لا يعلم ماذا يفعل وماذا يقول.

خرجت كلماتها البسيطة تكسر حدة هذا الصمت القائم بينهما بكلمات كانت كجمـرة النيران الملتهبة التي أذابت صقيع الثلوج المتجمدة في فصل الشتاء، كلمات أعادت روحه إلى الحياة من جديد: "أنا حامل يا سراج."

كلمتين كانتا كفيلتين بقلب الموازين، كلمتين طال سماعهما، كلمتين ستجعل الحياة أفضل، كلمتين أعادت المرء إلى الحياة من جديد، كلمتين كانتا طوق النجاة من موج البحر العال. أبعدها عنه وهو ينظر لها مجحـظ العينين لا يصدق ما سمعه قبل لحظات هو بالطبع يحلم، ترقب قولها، انتظر الإجابة التأكيدية على ما قالته، ليراها تأخذ هذا الملف وهي تنظر إلى عينيه مبتسمة الوجه لتقول بنبرة هادئة باكية:

"عملت التحاليل فالمعمل عشان أتأكد أكتر ومحبتش أقولك غير لم أتأكد عشان معشمكش على الفاضي وأنا عارفة إن أنت مستني اللحظة دي زيي، التحاليل وصلت من شوية وأكدوا عليا إنها إيجابي، أتحقق اللي نفسنا فيه يا سراج أنا مش مصدقة نفسي." أنهت حديثها بنبرة حماسية سعيدة وبسمتها مرتسمة على ثغرها باتساع، توهجت لمعة عينيها بشكل ملحوظ، اتسعت بسمته على ثغره وهو ينظر إليها مذهولًا لا يصدق ما سمعه قبل لحظات، فيما قالت هي بنبرة باكية:

"حصل بجد صدقني، أنا اتصد مت زيك كدا بالظبط فالأول وحسيت إني بحلم وكـل دا هيطلع حلم حلمنا بيه من فترة طويلة، بس التحاليل أهي بتأكد كل حاجة." ترقرق الدمع في المقل ولذلك ضمها هو هذه المرة إلى دفء أحضانه والسعادة تغمر قلبه بعد أن علم بهذا الخبر السار الذي أسعده بشدة، شدد من ضمته إليها وعبراته تتساقط على صفحة وجهه والبسمة ترتسم باتساع على ثغره، ثم ثـم رأسه بقـ ـبلة حنونة وقال بنبرة بها بـ ـهجة الفرحة:

"مصدقك والفرحة مش سيعاني دلوقتي، حياتنا هتتغير للأحسن بمجيته أيـ ـا كان إيه هو، بس هيغير كتير أوي فينا، وهيخلينا نخا ـف عليه أكتر مـ ـن نفسنا ونهتم بيه أكتر ما هنهتم بنفسنا، التأخير دا كان لـ ـيه هدف ورسالة لينا فهمناها دلوقتي، أول مرة أصحى مـ ـن النوم على خبرية زي دي أنا قولت فـ ـتوح ربنا خـ ـده وأرـ ـتحنا."

أنهى حديثه ممازحًا إياها بوجه مبتسم لتضحك هي في المقابل ثم نظرت له بوجه مبتسم ليقول هو بنبرة هادئة وهو ينظر إلى عينيها الزرقاء التي تشبه صفاء البحر في فصل الصيف: "ياه لو طلع ولد واخد جمال العيون دي، أو واخد حلاوة أمـ ـه كلها، يبقى واخد هيئتك الخا ـرجية وكشخصية أنا، هيبقى وـ ـلـد مفيش مـ ـنـ ـه اتنين مـ ـن الآخر."

اتسعت بسمتها على ثـ ـغرها وهي تطالعه بنظرة مـ ـحبـ ـة وهي تتخيل هيئة هذا الصغير مثلما يقول "سراج" لتعود واضعة رأسها على كتفه معانقة إياه تحظى بهذا الدفء الذي تشعر به بقربه، فيما حاوطها هو بذراعيه ماسحًا على خصلاها الكثيفة الناعمة برفق وهو يشعر بنبـ ـضات قلبه تعلو بشـ ـدة داخل صدره وسعادته تكاد تأخذه وتحـ ـلق به عاليـ ـا، دقائق قليلة مرت عليهما فكر خلالها برد فعل الجميع حينما يعلموا خبر كهذا لتعلو بسمته ليقرر الانتظار قليلًا حتى يهدأ رفيقه قليلًا وبعدها يخبر الجميع بهذا الخبر السار.

*** منذ أن عاد وهي لا تـ ـفارقه، تهتم به وكأنه طفل صغير طيلة الوقت، وفي بعض الوقت تتعالى الضحكات على شجارهما سويًا طيلة الوقت بسبب إصرار هذه وتذ ـمر ذاك، خرجت وهي تحمل الصحن السا ـخن الذي كان بداخله الشوربة لتضعه على سطح الطاولة وهي تقول بنبرة هادئة: "يوسف، اتصل بـ سراج وقوله يجيب مها وييجوا عشان يتغدو معانا يا حبيبي." نظر إليها نظرة ذات معنى ليقول بنبرة ساخرة:

"دلوقتي بقيت حبيبك وعايزاني أتصل كمان يا عيني على المصالح، عايزينك فمصلحة تبقى فشتـ ـهم وكلـ ـيتهم ولو طولت تبقى شـ ـريان مـ ـن شـ ـرايين قلبهم مش هيضـ ـر، غير كدا تبقى ابن *** عادي والإبن العا ـصي، عجب عليك يا زمن صحيح فالمصالح حبايب وفالشـ ـدة ضرا ـير." خرجت "شـاهي" من جديد وهي تحمل صحنـ ـا آخر لترشقه نظرة حادة قائلة بنبرة صارمة: "أخلص يالا مـ ـن غير لـ ـك كتير فالحـ ـقـ ـل أدـ ـبك ولـ ـسانك يطـ ـول على أي حد."

اتسعت بسمة "جـاد" حتى ظهرت أسنانه وهو ينظر إلى ابن عمه الذي ابتسم متهكمـ ـا وأخذ هاتفه متمتمـ ـا بعدة كلمات غير مفهومة، عاد ينظر بعد ذلك إلى زوجة عمه قائلًا بنبرة ماـ ـكرة: "عمتو أهـ ـم حاجة طبق الفاصوليا الخضـ ـرا دي قلبي."

سمعته "كايلا" في الداخل لتبتسم رغمـ ـا عنها وقد شعرت بالحرـ ـج حينما فهمت مقصده، نظرت إليها شقيقتها بطرف عينها نظرة ذات معنى مبتسمة الوجه ليأتي قول "هـناء" التي تذكرت أمر هذا الفـ ـتى الذي حتى هذه اللحظة لم يصل بعد لتقول: "يوه نسيت أكلم بشـ ـير أتـ ـصل عليه قالي هيتأخر شوية معرفش راح فين مرضاش يقولي، هروح أكلمه وأرجعلكم كملوا أنتوا." أنهت حديثها وتركتهما سويـ ـا وخرجت لتتقابل مع "شـاهي" التي سألتها قائلة:

"رايحة على فين كدا يا هـناء؟ "نسيت أتـ ـمن على بشـ ـير هكلمه وبالمرة أكلم نادر أخليه يطلع ليكون نسي ولا حاجة." هكذا جاوبتها "هـناء" بوجه مبتسم ثم تركتها وخرجت، فيما ولجت لهما "شـاهي" لتقف بجوار "كايلا" وهي تقول بنبرة هادئة ماـ ـكرة: "طبق فاصوليا خضـ ـرا لـ جـاد مخصوص عشان دي لازم تبقى موجودة، أول مرة أشوفه ملهوف عليه أوي كدا."

تبدلت تقسيم وجه "كايلا" التي شعرت بالخجل حينما فهمت مغزى حديثها لتقرر الالتزام بالصمت، ربتت "شـاهي" على ظهرها برفق وقالت بوجه مبتسم:

"جـاد دا تربيتي على فكرة، أفهمه مـ ـن نظرة عنيه بس، وعشان أنا صريحة على طول هقولك اللي فيها، جـاد بيحبك على فكرة وشكله بيحبك أوي كمان آه هو إحـ ـراج ليكي عشان مش متعودة وكان في تجربة فا ـشلة بس دي مختلفة وتستحـ ـق إنك تديها قـ ـلبك طالما الشخص أما ـن ويستحـ ـق، أنا عارفة إنك أكيد جواكي حاجة لـ ـيه وهتـ ـطلع فالوقت المناسب بس نصيحة مـ ـني ليكي يعني أتقـ ـلي عليه أوي الحاجة مبتجيش بالساهل كدا أسألي أختك لففت يوسف حوالين نفسه زي المجـ ـنون."

ابتسمت "بيلا" لتجاوب على حديثها بنبرة هادئة: "والله ما حد لفف يوسف وخلاه بالمنظر دا غير التـ ـقل، كـ ـنت ماشية معاه شوـ ـق ولا تدوـ ـق، دلوقتي لو قولتيله كدا هينـ ـكر ويقولك محصلش أنا اللي جايبها بمعاـ ـكسة دي الـ ـجـ ـملة اللي بيقولها كـ ـل شوية حاـ ـكم كان سا ـفل ومازال على فكرة مفيش حاجة أتغيـ ـرت غير كنيته بس." تعالت الضحكات بينهن ليأتي قول "شـاهي" التي قالت بنبرة ضاحكة:

"على رأيك والله، الواحد مبيسلـ ـكش قدامه ترـ ـدي تلاقي مليون رد على كـ ـل حاجة." "طا ـلعين عالسلم يا شوشو !! هكذا صدح صوت "يوسف" عاليـ ـا مـ ـن الخارج يـ ـخبرها بقدوم شقيقته وزوجها، أخذت "شـاهي" صحنـ ـا آخر وخرجت إليهم وهي تـ ـنادي على "عـماد" لتنظر "بيلا" إلى شقيقتها التي كانت تجاورها وتقوم بوضع الطعام في الصحون قائلة بنبرة هادئة: "طـ ـلعي طبق الفاصوليا دا، على الأقل يصـ ـبر نفسه بيه شوية."

نظرت إليها "كايلا" نظرة ذات معنى لتسمع شقيقتها تـ ـبـ ـرر لها قولها حينما أدعت البراءة: "إيه مغـ ـلطش المثل يقولك شوـ ـق ولا تدوـ ـق على الأكل يفهم إن في قبوـ ـل، وبعدين كدا أو كدا "أكرم" هيكلمه ويقوله إنك وافقتي وشوية بييجوا يتقدم ويتفقوا على كـ ـل حاجة والموضوع يمشي وتتخطبوا... طيب والله وبيحبك زي ما ماما "شـاهي" قالتلك مـ ـن شوية، فـ ـكيها شوية."

أطلـ ـقت "كايلا" زـ ـفرة قوية ثم تركت الملعقة التي كانت تضع بها الطعام في الصحون ثمـ ـت أعتدلت في وقفتها ونظرت إلى شقيقتها وقالت بنبرة هادئة: "خاـ ـيفة أوي يا بيلا، خاـ ـيفة أخوـ ـض التجربة تاني، أعمل إيه أنا مش عارفة بجد أنا بحبه بس خاـ ـيفة مـ ـن إني أخوـ ـض التجربة دي تاني، قـ ـلبي عايزـ ـه وعقـ ـلي راـ ـفض وبيفكرني بشكل مباشر باللي عدى، مش عارفة أمشي فين وأروح منين والمفروض عليا أعمل إيه."

تفهمت "بيلا" ما تشعر به شقيقتها وما تـ ـعـ ـانيه وحدها كـ ـل ليلة وكلما توـ ـصلت إلى الحل الأمثل الذي يـ ـرضي كلا الطرفين يعود عـ ـقلها يـ ـفرض هـ ـيمنته عليها ويرـ ـدع قرـ ـارها ذاك، اقتربت منها بخطى هادئة لتقف أمامها مباشرة، تنظر إليها لتـ ـمد كفها تـ ـمسك بكف شقيقتها تزامنـ ـا مع قولها الهادئ:

"أعملي اللي قـ ـلبك يقولك عليه يا كايلا، أسمعي لقلبك هو صح، أختاري قلبك عشان لو طاـ ـوعتي عـ ـقلك هتندـ ـمي بعدين، جـاد شاـ ـب كويس ومضمون مش بقول كدا عشان أضـ ـغط عليكي بالعكس أنا عايزاكي تاخدي قرـ ـارك وأنتـ ـي راـ ـضية، لمـ ـا أديتي لـ أكرم رأيك ووافقتي كان قلبك هو اللي واخد القرـ ـار دا عشان شاف نفسه معاه وحبـ ـه، جرـ ـبي في فترة خطوبة عاـ ـشريه وأفهميه عن قـ ـرب أكتر وأنا واثقة إنه بيحبك أوي ويتمنالك بس الرضا ترضي، كفاية لمـ ـا عرف موضوع العريس اللي جه أتقدملك كان عامل أزاي وبعد ما عرف إنك رـ ـفضتيه كان طاـ ـير مـ ـن الفرحة لدرجة إنه دـ ـمع، عايزة إيه أكتر مـ ـن كدا."

هكذا أخـ ـتتمت "بيلا" حديثها الهادئ وهي تنظر إلى شقيقتها التي اضطـ ـربت مشاعرها وعادت تستعيد ذاكرتها مـ ـن جديد وخصيصـ ـا إلى هذا اليوم، حينما تلقى هذا الخبر السار الذي غيـ ـر مجرـ ـى الحياة بالنسبة له إلى الأفضل، ولجت "هـناء" في هذه اللحظة لهما بوجه مبتسم قائلة: "نادر طاـ ـلع ومعاه بشـ ـير، راجع بعد شهرين غربة وحشني أوي." سعدت "بيلا" بتلقي هذا الخبر السار كثيرًا لتعاود أخذ صحون زائدة لتبدأ بوضع الطعام إليهما قائلة:

"حلو أوي الخبر دا خليني أغرـ ـفلهم هما كمان أكيد بشـ ـير جاي جعان أوي." "دا أكيد زوديله هو و نادر وأنا هروح أفتـ ـح الباب اللي بيخـ ـبط دا لتكون أم عبـ ـير محتاجة حاجة."

هكذا ردت "هـناء" بوجه مبتسم والسعادة تغمر قلبها لعودة هذا الحبيب مـ ـن جديد إليهم ثمـ ـت خرجت سريعـ ـا أسـ ـفل نظرات "بيلا" المبتسمة التي عاودت وضع الطعام مـ ـن جديد، فيما فتحت "هـناء" الباب لترى "سراج" ومعه "مها" أمامها لتـ ـرحب بهما بوجه مبتسم بشـ ـوش وهي تـ ـفسـ ـح لهما الطريق ليولجا سويـ ـا مرحبين بها ليروا هذا التجمـ ـع العائلي اللطيف بالداخل قائمـ ـا بحضور الجميع، وقبل أن تـ ـغلق الباب شعرت بمـ ـن يمنـ ـع عنها ذلك لتنظر إلى الفاعل لتراه أمامها ينظر لها بوجه مبتسم قائلًا:

"طب مش عيـ ـب تقفـ ـلي الباب فوشي كدا برضوا يعني الشوـ ـق دا كـ ـله كان فيـ ـك يعني؟

هكذا أنهى "بشير" حديثه ممازحـ ـا إياها كعادته ليرى العبرات تلمع في مـ ـقلتيها بشكل واضح حينما رأته أمامها عاد إليها مـ ـن جديد آـ ـبيـ ـا مفارقة الحبيب وإن كان الطريق هو المـ ـراد منذ زمن بعيد، ترك أغراضه وأرـ ـتمى داخل أحضانها معانقـ ـا إياها بقوة وشوق بـ ـلـ ـغ أشـ ـده، لم يرـ ـتمى بأحضان غريب، بل أرـ ـتمى بأحضان حبيب ومسكـ ـن آـ ـمن وجد نفسه وغايته به، عناق أنساه الجميع، حتى والدته قد نساها، وأصبحت تلك الغريبة أمـ ـه له، وونيسته والحبيبة والرفيقة، أصبحت عالمه بأكمله.

"وحشتيني أوي يا هـنون، وحشتيني الغـ ـربة وـ ـحشة، حلوة فشـ ـغلها بس مش حلوة فتفرـ ـقتها عن الحبايب دا أنا مصدقت أنزل بجد عشان أشوفكم كلكم." هكذا أنهى "بشير" حديثه مشدـ ـدًا مـ ـن عناقه إلى تلك الحبيبة ليسمعها تقول بنبرة لوـ ـعة وهي لا تـ ـصدق بأنه قد عاد لها مرة أخرى وأصبح بداخل ذاك الحصـ ـن الدافئ المنيـ ـع الذي لن يخذـ ـله مهما كلفه الأمر يومـ ـا، مسـ ـحت بكفها على ظهره وترقرق الدمع في المـ ـقل

لتقول بنبرة سعيدة وباكية: "حمدلله على سلامتك يا حبيبي، حمدلله على سلامتك كـ ـنت مستنياك ترجع وحشتني يا حبيب هـنون." خرجت "بيلا" في هذه اللحظة لترى أخيها أمامها بعد هذه الغـ ـربة التي طال عليهـ ـا أمدها، اتسعت بسمتها على ثـ ـغرها لتقول بنبرة سعيدة: "بشير! ابتعد "بشير" عن "هناء" لينظر إلى شقيقته بوجه مبتسم ليضمها إلى دفء أحضانه والسعادة تغمر قلبه لتضمه هي بقوة وهي تقول بنبرة سعيدة:

"وحشتني أوي يا حبيبي أنا بجد مش مصدقة إنك رجعت تاني البيت كان وـ ـحش مـ ـن غيرك والله." اتسعت بسمة "بشير" على ثـ ـغره ليقول بنبرة تملؤـ ـها السعادة: "حبيبة بشير، وحشتيني أوي يا حياتي." مسـ ـح بكفه على ظهرها برفق ثمـ ـت لثم رأسها بقـ ـبلة حنونة ثمـ ـت نظر إلى شقيقته الأخرى ليضمها إلى أحضانه قائلًا بوجه مبتسم: "وحشتيني يا كايلا والله كلكم وحشتوني أوي." ضمته "كايلا" بوجه مبتسم وجاوبته بنبرة هادئة:

"وأنتـ ـ كمان وحشتني أوي يا حبيبي، حمدلله على سلامتك." ولج "أكرم" في هذه اللحظة ومعه زوجته ليبدأو جميعـ ـا بالترحيب بهذا الفتـ ـى الذي حظى بـ ـحب هذه العائلة بسرعة كبرى، أجتمعوا جميعهم على طاولة الطعام لتجاور "كايلا" شقيقتها التوأم ويجاورها أخاها الحبيب "بشير" وأمامها مباشرة "جـاد" الذي كان بجاوره عمه وعلى يساره "هناء" التي كانت تـ ـتابع "بشير" و "نادر" بين الفينة والأخرى وتضع لهما الطعام بين الحين والآخر.

كانت تـ ـختلس النظر إليه بين الحين والآخر تراه يتناول مـ ـن الفاصوليا الخضـ ـراء طيلة الوقت وبين الحين والآخر يتناول صـ ـنفـ ـا آخر ولعدة مرات تتقابل أعينهما ببعضهما البعض تـ ـفصح عن ما يعجز الفم عن قوله وحينها تشعر بقلبها يزدـ ـاد خـ ـفقانه أكثر حينما ينظر هو إليها ليـ ـصيبها التخـ ـبط الشـ ـديد في حضرته وتبدأ بالتفكير في حديث شقيقتها مرة أخرى بشكل أكثر جـ ـدية. وبعد مرور القليل مـ ـن الوقت.

اقترب "سراج" يقف أمامهم بمحاذاة زوجته التي نظرت إلى شقيقها وقالت بنبرة هادئة: "يوسف." نظر إليها بعد أن جذـ ـب أنتباهه صوتها الهادئ الناـ ـعم ليجاوبها بنبرة هادئة مبتسم الوجه: "قلب يوسف." ابتسمت "مها" ثمـ ـت قالت بنبرة هادئة متسائلة وهي تنظر له: "أختارلي اسم وـ ـلـد على ذوقك ممكن؟ "بذـ ـمة أبوكي بعد الرـ ـقة دي والجمال دا أرـ ـفض؟

هكذا رد عليها بسؤال آخر مبتسم الوجه لتتسـ ـع بسمتها على ثـ ـغرها ليـ ـفكر هو قليلـ ـا بينه وبين نفسه ثمـ ـت قال: "ممكن تسميه على اسمي عادي مش هقول لا، بس هقول لا عارفة ليه؟ عشان أبقى أنا الوحيد فحياتك محدش يشاـ ـركني فالحـ ـتة دي عشان مفيش غير يوسف واحد بس." "حتى غروـ ـرك طاـ ـفح هنا، يا عمـ ـي أسكوت بقى زـ ـهقتنا." هكذا جاوبه "سراج" مطصنعـ ـا الضيق تجاهه ليأتيه الرد حاضرـ ـا مـ ـن "يوسف" الذي قال بنبرة حاـ ـدة:

"وأنتـ ـ مال أـ ـهلك حد وجهلك كلام هي بتسأل وأنا بجاوب إيش حـ ـشـ ـرك يالا." تواـ ـقح مـ ـن جديد ولم يعبأ لأحدهم كالمعتاد ليرد "سراج" عليه في المقابل بنبرة مماثلة: "هتعرف، هتعرف يا محترـ ـم يا معدوـ ـم الرـ ـباية." "خلاص خلاص متتخاـ ـنقوش، قولي إسم يا چـو حلو زيك كدا."

هكذا أجابته "مها" مبتسمة الوجه تقم باسـ ـتـ ـقـ ـطـ ـافه بنبرتها الرـ ـقيقة الناـ ـعمة تنتظر جوابه، فيما فكر هو قليلـ ـا بينه وبين نفسه هنيهة مـ ـن الوقت ثمـ ـت نظر لها نظرة ذات معنى وقال بنبرة هادئة: "رسلان حلو، بحب الإسم دا أوي ممكن تسميه.." بـ ـتـ ـرـ ـ حديثه فجأة بعد أن جاوبها وهو متعجبـ ـا مـ ـن سؤال شقيقته لينظر إليها وهو يعقد حاجبيه قائلًا بنبرة متسائلة: "ثواني، بس أنتـ ـي بتسألي ليه السؤال دا؟ مش غريبة دي."

"ما الغريب إلا الشيطاـ ـن يا عنيا." هكذا جاوبه "سراج" بنبرة ساخرة وهو يرـ ـشقه بنظرات اسـ ـتـ ـفـ ـزازية، نظر "يوسف" بترـ ـقب إلى شقيقته التي كانت تـ ـحاول كـ ـبح ضحكاتها بشتى الطرق بعد أن رأت تعجـ ـبه ونظرته لها، نظر إلى رفيقه وهو يـ ـحاول التوصل إلى سبب هذا السؤال لينظر إلى شقيقته نظرة ذات معنى ليأتي قوله حاضرـ ـا حينما قال مترـ ـقبـ ـا: "أنتوا عملتوها ولا إيه؟

أخرج "سراج" الملف الخاص بزوجته ثمـ ـت نظر إليهم مبتسم الوجه وقال بنبرة تغمـ ـرها السعادة: "كـ ـله يستعد، في اللي هيبقى خالو وفي اللي هيبقى تيتا فاضل ٦ شهور."

ظهرت تعابير مختلفة على معالم وجوههم حينما تلقوا هذه الخبرية السـ ـارة التي بالطبع فاجئتهم جميعـ ـا وكانت بعيدة كـ ـل البـ ـعد عن فكرهم في هذه الأيام، ولـ ـكنـ ـ فاجئهم "سراج" وأفصـ ـح عنها بوجه مبتسم والسعادة تغمـ ـر قلبه، نهضت "شـاهي" وهي تنظر لها لا تـ ـصدق ما سمعته أذـ ـنيها قبل ثوان، لتقترب مـ ـنها بخطى هادئة وهي تنظر لها بذهول تام لتقف أمامها وهي لم تـ ـحـ ـجب رؤيتها عنها لتقول بنبرة سعيدة:

"مها أنتـ ـي بجد حاـ ـمل؟ يا الله بجد أنا مش قادرة أصدق والله فرحتوني أوي بالخبرية دي. مبارك إن شاء الله يمشي الحال وتكمل على خير وتيجي بنوتة حلوة. أنهت حديثها وضمتها إلى أحضانها بسعادة طاغية لتستقبلها "مها" مبتسمة الوجه وهي تقول بنبرة هادئة وسعيدة: _حبيبتي أنا كنت عارفة إنك هتفرحي كدا ولو عايزاها بنوتة حلوة فمفيش أحلى منك هتطلع شبهك. ضحكت "شـاهي" لتربت على ظهرها برفق قائلة:

_حبيبتي تقومي بالسلامة ونفرح بيها إن شاء الله. أقترب "يوسف" من رفيقه وهو مازال مذهولاً لا يصدق ما سمعه ليقف أمامه مباشرة يحاول استيعاب ما سمعه قبل لحظات ليراه ينظر إليه بوجه ضاحك والدمع يترقرق في المقل ليقم بعدها "يوسف" بمعانقته مشدداً من ضمته له وهو يضحك قائلاً: _عملتها يا فقري! عملتها أخيرًا وهتبقى أب! فرحت قلبي يالا أخيرًا هتتربى.

ضحك "سراج" حينما علم أن تلك الكلمات بالنسبة إلى رفيقه مباركته له، ربت على ظهره برفق وقال بوجه ضاحك ونبرة سعيدة: _حبيبي يا خويا الله يبارك فيك مش عارف كنت هعمل إيه لو مسمعتش الكلمتين دول منك. ضحك "يوسف" ثم ربت على ظهره برفق وأبتعد عنه ثم اقترب من شقيقته التي كانت تطالعه بوجه مبتسم لتتسع بسمته على ثغره ويترقرق الدمع في المقل ليضمها إلى دفء أحضانه مشدداً من ضمته إليها وهو يقول بنبرة مضطربة:

_أقسم بالله ما مصدق إنك ضحكتي عليا وقولتيلي بطريقة غير مباشرة، بعد دا كله تضحكي عليا وتناكشيني يا "مها". ضحكت هي وحاوطته بذراعيها ترد عليه بقولها الهادئ السعيد: _رديتلك جزء صغير من اللي كنت بتعمله فيا، بس متنكرش إنك فرحتلي وهتبقى أحلى خالو فالدنيا. شدد من ضمته إليها ومسح بكفه على خصلاّتها قائلاً بنبرة سعيدة بها بحتة البكاء:

_مبسوط أوي ليكي يا نور عيني، مبارك يا حبيبة أخوكي ربنا يتمملك على خير يارب الشهور الباقية وتقومي بالسلامة وتبقي أحلى وأحن وأطيب أم فالدنيا كلها. تأثر كثيرًا حينما تلقى هذا الخبر الذي كان مفاجئًا بالنسبة إليه، ليشدد من ضمته لها، هذه هي حبيبته، تلك التي ترتبت معه وقضت حياتها بالكامل معه، تلك التي ترتبت على يديه وأعتنى بها، تلك هي صغيرته وتلك حياته بأكملها. ربت "سراج" على كتف رفيقه وأحب إثارة غيظه ولذلك قال:

_خلاص يا عم، خلاص يابا، خلاص يا حبيبي كفاية أنا بغير وسع كدا بعد إذنك ومتقربش تاني، ممنوع الاقتراب أو اللمس يا حبيبي دي بتاعتي أنا. نظر له "يوسف" نظرة حادة مفعمة بالغيرة فهو يطالبه بالابتعاد عن شقيقته الحبيبة وعدم الاقتراب منها مرة أخرى. يبدو أنه يمزح معه. شدد "يوسف" من ضمته إلى شقيقته وحاوطها بذراعيه يفرض حمايته عليها قائلاً بنبرة حادة متواقة: _نعم يا روح أمك؟

متخلنيش أقل أدبي وأقول ألفاظ خارجة بقى، قال مقربش قال، دي أختي يالا أصحى لنفسك دي كانت بتنام فحـ ـضني وهي صغيرة عندها ٣ سنين يعني أعقل وأوزن الكلام أنا اللي مجوزهالك يا حيلتها، وأبعد كدا بقى ومتحلمش كتير.

أنهى حديثه وهو يدفعـ ـه بعيدًا عنه حتى لا يقترب من شقيقته التي تابعت تلك المشاجرة التي بدأت بحديث أخيها مبتسمة الوجه ترى دفاع شقيقها عن حق ملكيته بها أمام زوجها الذي كان يدافع كذلك عن حقه بها ففي النهاية هي زوجته كذلك لتصبح كما قطعة الحلوى الشهية التي يتنازع من أجلها الصغار. تحدث "يوسف" مجددًا وهو يقم بتحذيره قائلاً: _وعلى فكرة بنت أختي أو ابنها أيًا كان اللي هييجي هيتربى على إيدي وقد أعذر من أنذر.

_أحيه بقى يا جدعان ٥ ثواني وهيقولي معندناش عيل باسمك أنت مخـ ـلفتش أصلًا. هكذا كان رد "سراج" على حديثه غير راضٍ عما قاله من هذا الخبيث الذي دومًا يقف أمامه الند بالند يعانده غير سامحًا إليه بأن يحظى بالقليل من السعادة. جاء الرد من رفيقه الذي رماه بنظرات خبيثة وقال بنبرة ماكرة: _عارف لو كنت أطول أكتبه على اسمي كمان كنت عملتها.

_لا بقى يا جدعان اقسم بالله لو مسكته ما هـ ـسيبه سليم المستفز دا، ما تلم نفسك يا عم شوية وهتمـ ـحيني من حياتها. هكذا أنهى "سراج" حديثه وهو ينظر إلى رفيقه بنظرات غاضبة غير مصدقة ليراه يضحك على ردة فعله سعيدًا بأنه استطاع إثارة غضبه. جاء قول "عماد" ضاحكًا: _والله يا "يوسف" ما شوفت حد مستفز قدك بجد، سيبه يفرح يالا شوية وسيبله "مها". _وماله عشان يحـ ـضن فيها قدامي كل شوية عـ ـبيط أنا بقى.

هكذا رد "يوسف" متوافقًا بعد أن علم نوايا صديقه الذي لم يعد يتحمل ولذلك أقترب منه وأمسك بذراع زوجته وهو ينظر إلى رفيقه قائلاً: _سيبها يالا متبقاش غـ ـتت وقطـ ـاع أرزاق. تمـ ـسك بها "يوسف" وأبى تركها وهو ينظر إليه نظرة حادة ليقول: _مش هسيبها وأنا قطـ ـاع أرزاق، ما أنتوا قطـ ـعتوا عليا كتير ومتكلمتش. _هيفضحوا بعض دلوقتي، قول حاجة يا "عماد".

هكذا قالت "شـاهي" وهي تنظر إلى شقيق زوجها عله يفعل شيئًا، ولكـ ـن تدـ ـخل أطيبهم وأحنهم يفض هذه المشاجرة بقوله المتعقل: _سيبها يا "يوسف" هو برضوا عايز يفرح معاها زي أي واحد، ولو عايز تقعد معاها هو شاطر وهيسيبها وقت شغله ممكن تكلمها وتقعد معاها لحد ما هو يرجع أو تروحلها عادي يعني، حبوا بعض يا حبيبي أنت أخوها وهو جوزها وانتوا الاتنين صحاب فالاخر. جاء جواب "يوسف" المتوافق كذلك دون أن يعبأ لشيء قائلاً:

_أنت مالك أنت كمان، وبعدين أنت بتهادي عيال صغيرة. نظر له "بشير" مذهولاً غير مصدق لما سمعه لينظر إلى "سراج" قائلاً: _ليك حـ ـق، موته يا عم. أبتعد عن مرماهما لينظر "سراج" إلى رفيقه ليقترب مجددًا منهما ممسكًا بذراع زوجته وبالأخرى دفع "يوسف" بها قائلاً بنبرة حادة: _أبعد يا عمي بدل ما أديك كشـ ـاف على وشك اللي شبه البطاطس دا.

صـ ـدم "يوسف" من توافق رفيقه معه ولذلك تراخت ذراعيه من على شقيقته ولذلك أخذها "سراج" وضمها إلى دفء أحضانه وهو ينظر إلى رفيقه الذي كان مصدومًا من تواقحه معه ولذلك رأى والدته تتولى الدفاع عنه وهي تجاوره قائلة: _وماله وشه يا "سراج" ما هو زي القمر أهو أصمالله عليه وشه بدر منور هو في زي جمال أبني "يوسف".

أنهت حديثها وهي تلثم وجنته بقـ ـبلة حنونة ثم مسـ ـحت على صدـ ـره بحنو وهي تنظر له مبتسمة الوجه لينظر هو إليها في نفس الوقت نظرة متفاخرة ليـ ـباغتها ويلثم وجنتها بقـ ـبلة خـ ـاطفة أمام الجميع دون أن يعبأ لأحدهم ثم ضمها إلى دفء أحضانه وهو يقول مبتسم الوجه: _وعهد الله ما حد نـ ـصفني غير الست الحلوة دي، وتقولولي بحب الستات ليه؟

أنهى حديثه وهو ينظر لها مبتسم الوجه لتضمه هي دون أن تتحدث. وعن ثنائي آخر فنحن أمام حضرة قصة حب أخرى ترتدي قبعة التخـ ـفي. كان "عماد" ينظر بوجه مبتسم وعينين لامعتين إلى "هناء" التي كانت تضحك طيلة الوقت على هذا الثنائي وعن قلب عاشق مفتون بحبيبه فلا تحدثني عزيزي فهو في هذه اللحظة شعر أنه وجد الحبيب. خـ ـفق قلبه بعـ ـنف حينما رأى ضحكتها التي خطـ ـفته ولمـ ـعة عينها التي سحـ ـرته.

كانوا في عالم، وهو في عالم آخر وحيدًا أمام تلك الجميلة مثلما أخبره قلـ ـبه. لمحـ ـه "بشير" بطرف عينه ليراه منسجمًا في شيء آخر ولذلك دفع فضوله لمعرفة ما ينظر له ليرى زوجة أبيه هي المراد لقلـ ـب يتمنى قرب حبيبه منه. تفاجئ، بل صـ ـدم وظهر ذلك على تعبيرات وجهه ونظرته وهو لا يصدق ما يراه أمامه. جذـ ـب أخيه الأصغر من ذراعه بحركة مـ ـباغتة ليتفاجئ الآخر الذي أرتد جسـ ـده إلى الخلف بحركة مـ ـباغتة ينظر إلى أخيه

الذي همس له بنبرة هادئة: _شكلنا هنفرح بـ "هـنون" قريب يا باشا. عقد "نادر" ما بين حاجبيه وهو ينظر له لا يعلم أيلام يرمي أخيه له، ولذلك نظر له وقال متعجبًا: _هنفرح بيها أزاي يعني مش فاهم !! أشار "بشير" تجاه "عماد" الذي كان ينظر لها قائلاً بنبرة ماكرة مبتسم الوجه: _في عـ ـاشق صامت معانا هنا محدش واخد باله منـ ـه. أبتسم "نادر" حينما رأى نظرته إلى زوجة أبيه التي كانت لا تنـ ـتبه لنظرات "عماد" لها. نظر إلى أخيه مبتسم

الوجه وقال بنبرة هادئة: _طب والله عسل، يستـ ـاهلوا بعض والله. أنهى حديثه ونظر إليه من جديد يرى تعبيرات وجهه تتبدل بين الحين والآخر معها، فحينما تضحك يبتسم هو، وحينما تتأثر بحديثهم تظهر لمـ ـعة عينيه وتعـ ـلو معها بسمته. ومرة أخرى يضع كفه على موضع قلـ ـبه الذي كان يخـ ـفق بعـ ـنف داخل صدـ ـره. جلسا بجوار بعضهما بعيدًا عن أعيـ ـن الجميع يتابعانه بوجه مبتسم وتأثر له طيلة هذا المجلس. ***

منذ آخر شجـ ـار بينهما وكليهما كما الغريبين، هي تتجنبه ولا تريد التعامل معه، وهو يشعر بخناجر حادة تخترق صدـ ـره. لا يعلم ماذا عليه أن يفعل وكيف سيعتذر وهل ستعفـ ـو عنه أم لا. العديد من الأسئلة تدور داخل رأسه لا يجد لها الجواب المراد.

كانت تجلس في غرفة صغيرها على طرف الفراش تلاعبه وتلثم وجنته الصغيرة بين الفينة والأخرى لتعلـ ـو ضحكاته هو كلما حظي بقـ ـبلة من والدته التي كانت تبتسم طيلة الوقت حينما ترى ضحكته ولمـ ـعة عينيه التي تتوهـ ـج طيلة الوقت. وقف على عـ ـتبة باب غرفة صغيره وهو ينظر لها بهدوء دون أن يتحدث. حينما جلس وحيدًا وأعاد التفكير من جديد فيما حدث بينهما في الآونة الأخيرة ليجد أن المخـ ـطئ في هذه الأشياء هو، ومن غيره فهي بالفعل تحملته بما يكفي وهذا يحتسب إليها بلا شك.

أخذ نفسًا عميقًا ثم زفره بترو وقبل أن يخطو خطوة واحدة إلى الداخل أتاه صرخات والدته تستغيث به من الأسفل. تيبـ ـس جسـ ـده مكانه وهو يستمع إليها ومعه "نورا" التي شعرت بالزعر عليها لترى "حسن" أمامها وكأنه كان يخطط لتتحدث معها. ثوانٍ معدودة استغرقها عقـ ـله ليتخذ رده السريع وهو يركض إلى خارج شقته وقد لحقت به "نورا" التي حملت صغيرها على ذراعها وركضت خلفه وهي تدعو أن تكون بخير.

ولج "حسن" إلى متجر والدته ليجد نساء أهل الحارة حولها وهي ملقاه أرضًا ليسقط قلـ ـبه أرضًا وهو يراها بهذه الحالة التي أصابت قلـ ـبه بالزعر ليـ ـبعدهن عن مرماه ويجلس على قدميه بجوارها يضمها إلى أحضانه وهو يرى تدهور حالتها ليقول بنبرة مزعورة وهو يتفحصها: _مالك يا "ثريا"؟ فيكي إيه إيه اللي حصل؟ وقفت "نورا" خلفه تنظر إلى حماتها لتشعر بالقلق عليها حينما رأتها هكذا لتقول بنبرة مرتعبة عليها:

_وديها المستشفى يا "حسن" حاـ ـلتها صـ ـعبة أوي. شعر بالتيـ ـهة في هذه اللحظة حينما رآها بهذه الحالة الصـ ـعبة التي يراها بها لمرته الأولى. نهض وحـ ـملها على ذراعيه وخرج ليجد "لؤي" أمامه والذي جاء مهرولاً حينما علم من أهل الحارة ما حل بها. تحدث "لؤي" بنبرة صارمة يؤازر رفيقه قائلاً:

_متشـ ـيلش هم حاجة. أنا كلمت "سراج" راح يجيب العربية من الجراج وجايلك على طول ومتقـ ـلقش أنا هقفل المحل والمفتاح معايا أتطمـ ـن عليها وطمـ ـنا معاك وإن شاء الله خير متخـ ـافش.

أقتربت منهم في هذه الأثناء سيارة "سراج" الذي توقف أمامهم ليفـ ـتح "لؤي" الباب الخلفي يضعها بحذر ويجاورها بعد ذلك وفي الأمام جلس "منصف" الذي جاء راكضًا حينما تلقى الخبر ليتحرك "سراج" سريعًا دون أن ينتظر دقيقة أخرى أسفل نظرات الجميع الذين شعروا بالحزن الشديد على ما أصابها ودعو جميعهم لها بالشفاء العاجل. خرج "يوسف" من بهو البناية واقترب من صديقه مهرولاً برغم آلام قدمه ليقف أمامه مباشرة وخلفه "أكرم" وبقية

الشباب ليقول بنبرة مزعورة: _في إيه يا "لؤي"؟ "ثريا" حصلها إيه ما هي كانت زي الفل الصبح وجت وقفت معايا وأتطمـ ـنت عليا. حرك "لؤي" رأسه برفق وقلة حيلة وهو يقول: _مش عارف إيه اللي حصلها مرة واحدة. سمعتها بتصرخ وتنادي على "حسن" بعدين حريم الحارة أتجمعوا عليها لقوها واقعة على الأرض معرفش بصراحة إيه اللي أصابها مرة واحدة.

شعر "يوسف" بالقلق على "ثريا" التي كانت بالنسبة إليه كل شيء. فلم ينسى مواقفها معه وكيف داـ ـفعت عنه واستقبلته في بيتها وآوـ ـته. لها أفضال كثيرة عليه وهو يحبها بشدة يخـ ـشى عليها كثيرًا ولذلك هو في هذه اللحظة وحتى أن يطمئن عليها سيظل مرتعدًا عليها. جلس على الرصيف واضعًا كفيه على رأسه مهمومًا، فكانت وستظل أقربهن حتى وإن لم تكن من أقربائه بالدم.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...