الفصل 123 | من 129 فصل

رواية جعفر البلطجي الفصل 123 - بقلم بيسو وليد

المشاهدات
16
كلمة
7,282
وقت القراءة
37 د
التقدم في الرواية 95%
حجم الخط: 18

يا من بيده مفاتيح الفرج يا سامع كل نجوى يا من يكشف الضر عن المضطرين يا من خزائنه بين الكاف والنون فرج كروبنا وأزل همومنا وارزقنا من واسع جودك. _نصر الدين طوبار. _الخيانة…

تلك طعنة تأتي من عدو، بل من يد ظننتها الأمان، وصوت حسبته الصدق، وعين كنت ترى فيها انعكاس نفسك. الغدر ليس مجرد فعل، بل خنجر مسموم ينغرس في القلب بلا إنذار يبدد الثقة، ويهدم جدران الطمأنينة التي بنيت بسنوات من العشرة والوفاء. كم من قلوب صدقت الوعد، فسقطت تحت وطأة الخداع، وكم من أرواح راهنت على النقاء، فوجدت نفسها غارقة في ظلمات الخيانة. لكن الغدر، رغم قسوته، يبقى درسًا لا ينسى… يفتح أعيننا على حقيقة البشر، ويعلمنا أن ليس كل من ابتسم لنا، حمل في قلبه الخير.

عاد إلى شقته بعد أن قام بزيارة شقيقته واطمئن عليها منهكًا. شعر بالخمول ولذلك تكاسل عن فتح الباب، ولذلك ضغط على زر المقبس ليصدح صوت الجرس عاليًا في الداخل. ثم أبعد إصبعه وانتظر أحدًا يفتح له. هنيهة من الصمت التام بلا رد حتى الآن. أطلق زفرة حانقة، ثم أعاد الكرة ليفتح الباب بهدوء شديد لم يعهده من قبل. ترقب وانتظر رؤية الماكت خلف الباب، وهو يلقي نظرة خاطفة نحو الداخل بعد أن لم يلمح طيف صغيرته أو ظل زوجته. بل كان ظلًا لرجل آخر.

ثانية، اثنتين، ثلاثة وظهر نسخته أمام ناظريه وهو يبتسم بوجهه قائلًا: _أهلًا يا "چو". جحظت عيناه حينما رآه أمامه نسخة مصغرة منه، يرتدي مثلما يرتدي هو تمامًا، بنطال زيت اللون وكنزة بيضاء يعلوها سترة شتوية سوداء وحذاء أبيض. نفس درجة بشرته ولون عيناه وخصلاته، بالإضافة إلى لحيته. _أحيه، دا إزاي ما أنا بره طول اليوم؟ ولا دا تأثير الإجهاد وأنا شايف غلط؟ أنت مين يا عم؟

حادث نفسه مصدومًا بعد أن رأى نفسه وكأنه يقف أمام مرآة تعكس صورته وليس على عتبة شقته. وأنهى قوله متسائلًا وهو ينظر له مترقبًا ليأتِ الجواب من الآخر الذي قال بدهاء: _أنا اسمي "يوسف عدنان المهدي" يا "چو". رفع "يوسف" حاجبيه وهو يطالعه مندهشًا. فهذا ما كان ينقصه الآن. جاوبه بنبرة ساخرة بقوله: _ولم جنابك أنا؟ أنا أبقى مين إن شاء الله؟ _"جعفر البلطجي".

جوابًا صريحًا لم يتوقعه "يوسف" الذي رفع كفيه يمسح وجهه محاولًا تمالك نفسه كي لا يصرخ به ويبرحه ضربًا. نظر له، ثم أخرج زفرة عميقة وقال بنبرة حاول جعلها هادئة رغم حدتها: _يمين بالله إن ما خفيت من وشك لهوريك وش البلـ.ـطجة على حق. جاوبه الآخر بآلية يزيد من استفزازه بقوله:

_البلـ.ـطجة مش حل، ريلاكس يا "چو". العصبية مش حلوة عشانك وليها أسباب وأضرار كتير أوي وبتخلي الواحد محتاج يشرب سجاير كتير والسجاير غلط على أعضاء الجسم وعلى راسهم الرئة اللي بتكون.. _ما خلاص يا عم أنت هتديني درس في الطب..!!

ظل ممسكًا بخيوط هدوئه المهترئة، لكنه لم يتحمل أكثر، فانفجر قاطعًا حديثه بحدة، وكأن الكلمات خرجت رغمًا عنه كبركان تأجل انفجاره طويلًا. صمت الآخر ولم ينبث بحرف آخر بعد صراخ "يوسف" به. بينما حاول "يوسف" أن يهدأ قليلًا ماسحًا بكفه على وجهه. هكذا كانت حركته المعتادة بعد أن ينفعل ويصرخ بمن أمامه. خرج "سراج" من خلفه وظهر في الصورة لتصطدم عيناه بعينان رفيق دربه الذي صدم بوجوده في شقته. تمتم "يوسف" مذهولًا

بعد أن رآه أمامه بقوله: _"سراج"، أنت بتعمل إيه هنا؟ تبسم "سراج" ضاحكًا ليتقدم منه مجاورًا نسخته، وما زال "يوسف" مصدومًا ويحاول معرفة السبب الذي جعل رفيقه في شقته دون علمه. وكأنه كتاب مفتوح أمام رفيقه الذي جاوبه بنبرة هادئة: _جيت عشان أفاجئك، وأصدمك شوية. مقولتليش بقى عجبتك الصدمة؟ _مفاجأة إيه دي؟ أنا مش فاهم أي حاجة. حك "سراج" لحيته المنمقة برفق مجيبًا إياه بنبرة هادئة:

_لمؤاخذة يعني يا صاحبـ.ـي، بس أنا شايف إن الغباء راكبك النهاردة بطريقة مقلقة. طب أنا هقولك، دا يا عم أول روبوت يتقفل ويتجرب من مشروع اللـ.ـي كلمتكم فيه في الشركة. خلـ.ـيته نسخة منك، بس دا النسخة المتربية. الباقـ.ـي بيتقفل عشان خلاص فاضل أيام ويتقدم في المعرض. وبصراحة المشروع نجح ومن فرحتـ.ـه جبته وجيتلك. "ليان" قالتلـ.ـي إن "بيلا" نايمة، فقعدت تلعب معاه شوية لحد ما أنت جيت عشان أفاجئك بيه. إيه رأيك حلو مش كدا؟

شوف نفسك وأنت روبوت عسول إزاي. كان مبتسمًا وهو يتحدث طيلة الوقت والشغف ظاهرًا في عيناه السوداء التي كانت تغلفها لمعة يحفظها الآخر عن ظهر قلب. حماسه دفعه لسرد كل شيء إلى رفيق الدرب الذي كان يستمع له مبتسمًا بعد أن رأى سعادة رفيقه وسؤاله عن رأيه بهذا الإنجاز الذي سعى فيه لشهور كثيرة حتى يكون أمامه في هذه اللحظة. _ها يا "يوسف" قول رأيك إيه حلو مش كدا؟

_فخور بيك يا صاحب عمري، ومبسوط إنك قدرت تحقق حلمك وتحارب برغم اللـ.ـي كنت فيه. كلمات مش هتكفي عظمتك يا عظمة.

كلمات برغم بساطتها، ولكنها كانت مبطنة بمشاعر عديدة رآها "سراج" في عينان صديقه. كان سعيدًا لأجله وفخورًا به، وكأنه اخترع ما عجز المخترعين عن تحقيقه. كان صادقًا ولم يخطئ حينما وضع ثقته بهم جميعًا. فجميعهم فاجئوه حينما حققوا أحلامه قبل أن تكون أحلامهم هم. فصل "يوسف" المسافة بينهما ضاممًا إياه إلى أحضانه مربتًا فوق ظهره برفق.

وقد بادله "سراج" عناقه مبتسم الوجه والسعادة تغمر قلبه، وكأنه اخترع ما عجز الجميع عن اختراعه وسيُكافئ عليه قريبًا. لحظات وأبتعد عنه ثم نظر إلى أختراع صديقه ومازحه بقوله الهادئ: _عملتها إزاي دي يا "سراج"؟ دا أنا حاسس إنـ.ـي واقف قدام مرايا وشايف انعكاس صورتي فيها. لا بصراحة عالمي. وجاء الجواب له على بساط أحمدي لم يكن يتوقع سماعه حينما خرج صوت "سراج" هادئًا:

_دا هدية مني ليك، تقديرًا على كل حاجة عملتها عشاني ومعرفتش أرد لك بالطريقة اللـ.ـي تليق بيك. أنت شيلتني كتير أوي يا "يوسف" وأستحملت مشاكل وسمعتني فأكتر لحظات ضعف ومزهقتش ولا مليت، حتى لو عيدت الكلام كذا مرة مملتش وكأنك بتسمعه لأول مرة. وقفت في وش اللـ.ـي يعاديني كتير وعدوي كان عدوك، وأنا معرفتش أرد لك ولو بجزء بسيط اللـ.ـي عملته ليا. بس اللحظة دي جت أخيرًا وهعرف أرد لنفسي زي ما كنت عايز. دا بتاعك من النهاردة وهينفعك جامد أوي في الشغل بتاعك زي ما قولت قبل كدا، ولو حصل أي حاجة كلمني وأنا هتصرف ساعتها.

التفاجؤ دومًا هو العنوان الأول حينما يحدث شيئًا لم نكن نتوقع حدوثه يومًا. كان "يوسف" مندهشًا لا يصدق ما تسمعه أذنيه حتى هذه اللحظة، وكأن أحدهم ضرب رأسه بعصا خشبية ثقيلة أفقدته عقله. كان قلبه يطرق كالطبل بجنون داخل صدره وهو لا يصدق ما يسمعه ويراه. _"سراج" أنت! أنت إزاي تعمل كدا؟ أنت بجد بتفكر بالأسلوب دا ناحيتي؟ فاكر إنـ.ـي مستني منك مقابل بعد كل دا؟

ياض دا أنت أخويا اللـ.ـي مخلفتهوش أمي يعني مينفعش نفكر بالأسلوب دا. أنا كل اللـ.ـي كنت عاوزه إنك تكون معايا طول العمر. أنا أول مرة شوفتك فيها صوت جوايا قال ده هيكون أخوك من النهاردة. إزاي كدا بجد. يُعاتبه ويُلقي اللوم عليه بعد ما فعله قبل قليل بعد أن اضطربت مشاعره، واستطاع "سراج" ضرب نقطة ضعفه الرئيسية باحترافية. تبسم ضاحكًا له وجاوبه بنبرة هادئة وصادقة في نفس الوقت:

_دي أقل حاجة ممكن أقدمها لأخويا. أنا معملتش حاجة. تقدر تعتبرها هدية لشغلك الجديد ولحياتك الجديدة اللـ.ـي مستنياك. نظر "يوسف" إلى الروبوت الذي كان يجاور صديقه مبتسم الوجه، وعبراته تغلف مقلتيه بسائل شفاف، ثم قال بنبرة هادئة ممازحًا إياه: _تسلم إيدك يا هندسة. بس أنا أحلى منك. _مفيش حد هييجي بعدك يا ملك طبعًا.

لم تكن مزحة هذه المرة، بل كانت جملة صادقة نابعة من قلب صديق رأى الحياة والسعادة والأمان مع رفيق الدرب الذي عاهده ولم يخُن عهده حتى هذه اللحظة. وهذا كان سر علاقتهما التي كانت تحرق قلوب أعدائهم ويتمنون تدميرها. وبعد مرور الوقت،

رحل "سراج" تاركًا الروبوت مع صديقه الذي اقترب منه بعد وداع رفيقه يتفحصه تحت نظرات صغيرته التي كانت تتابع دون أن تتحدث. جلس "يوسف" فوق المقعد المجاور لها، ثم نظر إليها ومد كفه ممسكًا بكفها جاذبًا إياها برفق إلى أحضانه بعد أن رأى النعاس بدأ يفرض سيطرته على جفنيها، مطبقًا بذراعيه عليها، يُلثم جبهتها بحنو. ثم شرد في أمر هذا الروبوت الذي أهداه إليه رفيق الدرب، وكيف سيستعين به في عمله الذي ينتظره بعد أيام.

_مر يومان، وفي باكورة صباح اليوم الثالث، كان "رمزي" قد خرج من المسجد للتو وأغلقه بعد أن رفع صلاة العصر وصلى بأهل حارته، ثم قرر الذهاب إلى "يوسف" في مكانهما السري بعد أن هاتفه وأخبره بضرورة قدومه بعجالة، جاهلًا ما يحدث، ولكن كان القلق يساور قلبه ويشعر بأن ثمة شيئًا يحدث خلف ظهره هو ليس على دراية به. في نفس هذا التوقيت،

كان "يعقوب" يقف أمام "يوسف" في نفس المكان، والذي كان يترقب ما سيقوله بفراغ الصبر. وكان "يعقوب" بصمته ماهرًا في التلاعب بأعصاب الآخر الذي كان فضوله يأكله حيًا لمعرفة من الذي كان السبب في اعتقال رفيقه وإلقائه كل تلك المدة في المعتقل، كل ما يتلقاه هو التعذيب القاسي لتقديم اعترافًا لم يقترفه. _في إيه يا "يعقوب"؟ ما تتكلم يا عم وبرد ناري. مين اللـ.ـي بلـ.ـغ عن "رمزي" أمن الدولة؟ خايف تتكلم ليه لو فيها أذى ليك؟

أنا جنبك بس حرام عليك تبقى عارف مين هو وساكت كل دا عن حق الغلبان دا. أنت قولتلـ.ـي إنك عايز تتغير صح؟ ودي فرصتك عشان ضميرك يرتاح ومعذبكش أكتر من كدا. مين اللـ.ـي بلـ.ـغ عن أخويا يا "يعقوب" مش هسألك تاني.

أجاد هذا الماكر التلاعب بأعصابه والضغط عليه للتحدث وقول الحقيقة، فهذه هي الطريقة الوحيدة لإجباره، فلن يتهاون عن حق هذا المسكين مهما حدث. أنفاسه كانت مثقلة وكان مترقبًا تلقي الجواب الذي إما سيريح قلبه أو سيزيد الأمر سوءًا ويرتكب خطأ فادحًا. بينما كان "يعقوب" يقف أمامه بمشاعر مختلفة هذه المرة عن السابق. كان جامدًا لا يهاب إن تحدث وقال الحقيقة، فهو من طلب في بادئ الأمر أن يتحدث ويخبرهم من المتسبب في ذلك.

اصطدمت عيناه التي حملت القسوة والشر بعينان هذا الذي كان يترقب سماع اسم الفاعل والذي بعدها سيحرق المكان بمن فيه مثلما اعتادوا منه حينما يتم إيذاء أحبابه:

_"فتوح الجزّار" هو اللـ.ـي بلـ.ـغ عن "رمزي" أمن الدولة، وهو اللـ.ـي كان ماسك خيوط اللعبة. عنده واسطة تقـ.ـيلة جوه، فكان بيعرف يعذبه زي ما هو عايز وهو قاعد في المحل وحاطط رجل على رجل. ولمـ.ـا رجع برغم إنه أضايق من رجوعه بس كان مبسوط لما شافه مكسور ومش قادر يعمل حاجة لوحده. وقتها قلت أنا اللـ.ـي بلـ.ـغت عنه يا "عصفورة" ومش ندمان. مش هنسى اللحظة دي مهما حصل ووقتها استحقـ.ـرته أوي. أذى واحد كان بيخاف يأذي نملة. أنا فضلت متعذب بعدها برغم إنـ.ـي مليش علاقة بالموضوع بس ضميري كان بيوجعني أوي يا "يوسف" كل ما افتكر إنـ.ـي عارف وساكت. لحد ما الموضوع بينا أتحل ووصلت المركب بيا لحد هنا قولت مبدهاش خراب بخراب، أنا مش قادر أسكت أكتر من كدا.

كانت الصدمة حاضرة على وجه "يوسف" الذي جحظت عيناه مصدومًا حينما استمع إلى حديث صديقه الذي أصاب ضربته باحترافية وستكون العامل الأكبر في تحريك الوحش الكامن بداخله. كان الشك بداخله، يريد إثباتًا كي يصدق هذا الشك ويكون الحق معه حينما يقرر التحرك. الغضب تمكن منه وأظلم المكان من حوله بعد أن تمكن شيطانه منه في هذه اللحظة، وحضر العزيز الذي يعلم كيف يأتي بحقه حتى ولو كان داخل فم الأسد.

وقبل أن يصرخ ويتهور ويدمر ما حوله، أوقفه تواجد الآخر الذي حضر، وسمع، وعلم من تسبب في تدميره. نظر له مصدومًا مجح الظينين، حيث كان هو يقف خلف "يعقوب" على عتبة الغرفة مصدومًا وجسده متصلب من هول الصدمة. تعجب "يعقوب" من تحوله المفاجئ ثم ألتفت بنصف جسده ينظر خلفه ليراه حاضرًا والصدمة هي المتحكمة به.

حضر "رمزي" وتلقى ضربة جديدة جعلته أضعف مما كان عليه في هذه الليلة. خيّم الحزن عيناه وغلفها عبراته التي أوضحت كسـ.ـرته. تثاقلت أنفاسه وشعر بثقل في رأسه وضباب أسود يحوم أمام عيناه. حالة تلبسته ليكون أول من يمد يده له هو نفسه هذا الحبيب الذي كان وفيًا لأحبابه. _"رمزي" أنت كويس..!!

نطق بها "يوسف" مرعوبًا حينما رأى حالته التي فاجئته، داعمًا ثقل جسده وقلبه ينبض بجنون داخل صدره خوفًا عليه. اقترب "يعقوب" منه واضعًا المقعد بالقرب منه، ثم ساعد "يوسف" بإجل _"رمزي" أنت سامعني؟ إيه اللـ.ـي حصلك فجأة؟ مترعبنيش عليك. جاوره "يعقوب" الذي انحنى بنصفه العلوي نحوه ينظر له متفحصًا إياه، ليأتيه صوت "يوسف" الذي كان يعبث في هاتفه: _أنا هطلب له دكتور. _وأنا كيس جوافة قدامك يعني؟

نظر له ليراه يرفع بصره من على شاشة هاتفه وهو يطالعه بنظرة تملؤها الذهول والصدمة في آن واحد، يُنكر ما سمعه قبل قليل. بينما عاد "يعقوب" ينظر إلى "رمزي" متفحصًا إياه قائلًا: _أنا دكتور يا "يوسف". في حاجات كتير أنت لسه متعرفهاش عنـ.ـي. أمسك برسغه يقيس نبضه لمدة دقيقة، ثم بدأ بإفاقته حينما شعر بنبضه المنتظم قائلًا بنبرة هادئة: _دي حالة إغماء، متحمـ.ـلش وعقله مقدرش يستوعب الحقيقة.

اقترب "يوسف" منه مجاوره وهو ما زال ينظر له مصدومًا يحاول استيعاب ما قيل له، ولكن لا يستطيع. فكيف هذا كان هو نفس الشخص الذي كان مع عدوه؟ شخصيتين متناقضتين. لوهلة رآه يشبهه. كلاهما كانا شخصين في الماضي واليوم هما شخصين آخرين في الحاضر، ولكن كان الفارق الوحيد بينهما أن "يعقوب" يعلم شخصه القديم، ولكن هو كان لا يعلم وظن أن هذه الشخصية هي شخصيته منذ الصغر. بعد مرور القليل من الوقت،

عاد الوعي إلى "رمزي" الذي كان هادئًا على غير عادته، شارد الذهن، ملتزم الصمت. صمته المرعب هذا جعل القلق يغزو قلب رفيقه الذي كان يقف بالقرب منه ينظر له بشفقة. كان "يعقوب" يراقب الوضع بصمت تام منذ خمسة عشر دقيقة. كان في هذه اللحظة يفكر، حتى أطرأت بطلتها عليهم بعد أن أخبرها "يوسف" بما حدث.

انعكس ظلها على "رمزي" الذي كان شاردًا يحاول أن يتذكر إن كان قد قام بإيذاء "فتوح" من قبل دون أن يشعر هو أم لا. فلا يجد المبرر حتى هذه اللحظة لفعلته، فعلى يديه رأى الجحيم وبرغم ذلك ظل صامدًا كالجبـ.ـل لم يعلن انكساره. نظرت إلى "يوسف" الذي أشار لها نحو رفيقه دون أن يتحدث، لتقطع المسافة بخطواتها نحوه حتى وقفت أمامه.

لم يرفع عيناه لها ولم يرمش له جفن، وكأنه مغيبًا عن العالم. نظرت بقلق إليهما، ثم عادت تنظر له. مدت كفها تضعه أعلى كتفه مشددة عليه برفق، تكسر حدة هذا الصمت بقولها الهادئ: _"رمزي" أنت كويس؟

استطاعت وبكل سهولة اختراقه وتشتيت عقله الذي كان لا يتوقف عن التفكير بالأمر، يأمل أن يتذكر شيئًا فعله له دون أن ينتبه. دفع الآخر للثأر منه. ولكن حتى وإن كان الأمر هكذا، ليس مبررًا أن يجعل الآخر ينتقم منه بهذه الطريقة. رفع رأسه نحوها لتصطدم عيناه التي كانت نظرتها مكسورة بعينيها التي كانت تحمل الشفقة له، وكأنها تضم عيناه في عناق حنون تؤازرها وتعتذر على شيء لم تقترفه هي.

_"فتوح" أذاني يا "تسنيم". "فتوح" دخلني المعتقل عشان أتعذب في الدنيا قبل الآخرة. "فتوح" طعني برغم إنـ.ـي مديتله إيدي عشان أساعده. قولت يمكن يقبل مساعدته ويتغير بجد للأحسن. فكرت إنه عايز يتغير للأحسن، بس مش لاقي اللـ.ـي يمدله إيده وياخده للطريق الصح. أنا عمري ما أذيته ولا فكرت أأذيه بالعكس. بس هو داس عليا أوي وطعـ.ـنـ.ـي فضهري غدر. ليه يعمل معايا كدا يا "تسنيم"؟

أنا عمري ما أتمنيت غير كل الخير لكل اللـ.ـي حواليا. أنا شوفت عذاب حياتي كلها في شهر وكان على إيده. ليه يعمل فيا كدا؟ أنا مستاهلش اللـ.ـي جراله.

يشكو وكأنه طفل صغير قست عليه الحياة ولم يجد سوى أحضان والدته تحتويه وتؤازره. نبرته كانت مرتجفة، مكسورة، متألمة. تلبسته ثلاث حالات في حالة واحدة في نفس الوقت، زادت من حدة الألم في قلبها وجعلت عبراتها تسقط على صفحة وجهها بعد أن رأت زوجها يعلن عن سقوطه ونجاح الأعداء عليه بعد أن طالت حرب ليست بحربه، ودفع فيها الثمن غاليًا ومجبورًا.

انهار باكيًا في أحضانها بعد أن رأى الوجه الآخر لهذا الوحش الذي كان مستعدًا لأن يثأر ممن حوله مهما كان لمصالح شخصية وتلذذه برؤية جميع من حوله معذبين. وكانت هي الأمن والأمان له. الحائط الذي لا يميل إن قرر هو الميل. الأيدي التي ستظل تنتشله من بقاعه السوداء كلما آن به الأوان للسقوط. الحامي الوحيد له إن تكاثرت حوله الذئاب الجائعة. _أنا عمري ما فكرت أأذي حد حتى لو أذاني ١٠٠٠ مرة. بس ليه يوم ما أتأذى يكون الأذى جاحد كدا؟

دا الكافر كان هيكون عنده رحمة شوية ومش هيفكر فيها. الحرب وسعت أوي وأنا مبقتش قادر أكمل فيها وأنا بتأذى. حديثه موجع وقاس بشدة. آلم قلوبهم وسكنت الغصة في صدورهم. وكان هو أول من تجرع الألم على يديه بهذه القسوة. ربتت على ظهره بحنو وبقولها ربتت على قلبه الدامي الذي كان لا يتوقف نزيفه: _معقولة يا "رمزي" نسيت كل حاجة قولتهالك؟ نسيت الرسول ﷺ قال إيه للسيدة "فاطمة" ولسيدنا "عمر"؟ طب هفكرك تاني يمكن الشيطان أستغلك ونسـ.ـاك؟

الرسول ﷺ قال للسيدة "فاطمة"، يا "فاطمة" اصبري على مرارة الدنيا لنعيم الآخرة. ومرة قال لسيدنا "عمر"، يا "عمر" إنما هي أيام تمضي لا تحزن. يعني الدنيا دي فانية مش دايمة ولا تستاهل إننا نحرق نفسنا فيها وإحنا مستنينا حياة أبدية تانية أحلى بكتير. فيها الراحة والحب والسكينة. فيها اللـ.ـي كان نفسنا نعيشه هنا. نسيت لما مريت بأصعب من كدا وعديت وأنت واقف على رجليك موقـ.ـعتش؟ فين تحليك بصبر "أيوب"؟

شعـ.ـر وكأنها تُعاتبه، أو ربما تلومه. فكان هو من يقول لها ذلك في الأمس ويشجعها على التحلي بالصبر كما كان صبر "أيوب" ويقينه بالله كبيرًا. بدأ يعود إلى شخصه الذي يعهده هو بعد أن استغله الشيطان في لحظة ضعفه. ولأنها جزءًا منه، تعلم جيدًا كيف يعود إلى رشده. أضافت آية قرآنية تطمئن قلبه وتداوي جروحه وتشفي بحديث المولى عز وجل:

_أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ * وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ * الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ * وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ * فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ.

محظوظًا من يملك زوجة كـ "تسنيم". تعلم كيف تداوي جروح القلب وآلام الروح. هذه المرة كانت هي المداوية لجروحه بكلمات الله عز وجل. تذكره إن تعسرت تيسرت. فقد تعسرت كثيرًا وتيسرت بعدها ورضى بما أعطاه الله له، حامدًا وشاكرًا. تأثر "يعقوب" كثيرًا بحديثها وأسلوبها لاحتواء زوجها ومؤازرته. فلم تستعن بكلمات تزيد من حدة الألم، بل اختارت كلمات تداوي روحه وتشفي جروحه وتربت على قلبه الموجوع.

_يا أخي دا أنت ربنا مديك نعمة تفضل تشكره عليها لحد ما تروح له. شوفت الطيبات للطيبين وأنت ربنا رزقك بزوجة تتشال في العين والله. أنا نفسي دمعت وكلامها لمس قلبي، دي هونت عليك لـ ٣ أسابيع قدام.

ما ألطفك يا "يعقوب"، وما أحنكك. فقد أراد أن يكون جزءًا من احتواء صديقه في مصيبته حتى يرضى عن نفسه وينعم بالراحة بعدها. أبتعد "رمزي" عنها يمسح وجهه بكفيه بعد أن شعر بالسكينة تسكن قلبه من جديد، والراحة عادت إلى روحه تعيدها مجددًا إلى الحياة. لم يخجل حينما قرر أن يشكرها على إيقاظها له من هاوية الظلام التي كادت تبتلعه وأعادته مجددًا إلى سابق عهده قويًا. اقترب منها يُلثم جبينها بامتنان، ثم ضمها.

الدِفء والطمأنينة كانا يسكنان هذا العناق الحنون. علمت أن هذا هو زوجها. عاد مجددًا يقف على قدميه بعد أن تلقى ضربة قوية فوق رأسه كادت أن تسقطه إلى الأبد، فما رآه لم يكن هينًا عليه حتى وإن أثبت العكس. أبتعد عنها ينظر إلى عينيها مباشرة، نظرة تغلفها الحب والعاطفة والامتنان. فكلاهما يكملان بعضهما، فلا يعيش المرء بنصف قلب..!! _"يعقوب" كلامه صح. أنا كـ "يوسف" اللـ.ـي مبيتأثرش بسرعة أتأثر.

_قصدك كـ "جعفر" الجبلة معدوم المشاعر اللـ.ـي شبه الثور الهائج في الميدان. رد "يعقوب" مصححًا قول صديقه الذي نظر له نظرة قاتلة دون أن يتحدث. جاء قول "رمزي" الذي نظر لهما وتبسم ضاحكًا: _عنده حق بصراحة متبصلهوش كدا. أنت محتاج مراية عشان تشوف نفسك لما "جعفر" بيحضر بتبقى صعبة أوي يا صاحبي. أتسعت بسمة "يعقوب" التي أظهرت أسنانه البيضاء المتراصة، ونظر إلى "يوسف" الذي قال بنبرة ساخرة ردًا على قول "يعقوب":

_أصمالله يا روح أمك عليك ملاك بجناحات. دا أنت بتبقى شبه المختل لو حد بس داسلك على طرف. آخر مرة أتخانقت فيها كان شبه الضبع الصعرانة اللـ.ـي بتاكل في بعضها. سدد له لكمة خفيفة على ذراعه وهو يضحك، لينظر له "يوسف" متشفيًا بعد أن راضى نفسه وشخصه الآخر. اقترب "يعقوب" من "رمزي" معانقًا إياه مبتسمًا ليُبادله "رمزي" عناقه وهو يسمعه يقول بنبرة هادئة:

_عارف إنك أُوجعت وحقك أنت عمرك ما أذيت حد، بس صدقني يا "رمزي" هتبقى بترتكب أكبر غلط لو سكتله. لازم تاخد موقف على الأقل قوي. مينفعش يغلط ويتماادى وإحنا نسكتله. أخرج "رمزي" زفرة عميقة ثم قال بنبرة هادئة: _أعمل إيه طيب يا "يعقوب". أبتعد الآخر عنه ينظر له في هذه اللحظة مجيبًا إياه مبتسمًا بسمة سوداء لا تنم على الخير: _هنعمل، هنعمل كتير أوي. إن ما قال حق برقبتك مبقاش "يعقوب".

كان هو البداية والنهاية. كان العمود الفقري لتلك المعركة. إن غفل قليلًا وأغواه الضلال، فسيأتي الغوث يكسر حدة ظلامه بنوره الوهج يعيده إلى حيث عهد هو نفسه. _كانت بعيدة، بعيدة عن عمد، وكأنها تتلذذ بتعذيبه.

كان كلما حاول الاقتراب منها والتحدث معها تختلق أعذارًا كاذبة وتتهرب منه، وكأن وحشًا يطاردها ويسعى للنيل منها. واليوم كانت تجلس وحيدة في الكافيه الخاص بالشركة بعد أن شعرت بالاختناق يكاد يقتلها وقررت ترك كل شيء والجلوس وحدها تنعم بالهدوء الذي باتت تفتقده.

كان يراقبها طيلة الوقت، عيناه لم تغفل عنها، وكأنه إذا فعل ذلك ستختفي، وكأن لم يكن لوجودها أثر. حاول هذه المرة التقرب منها والتحدث، فقد شعر بحاجة للتحدث وإخراج ما في جعبته حتى يشعر بالحرية التي كانت مسلوبة منه ويبحث عنها بلا فائدة. فلن يستمر في دائرة العزلة هذه لوقت طويل. وبعد التردد والخوف الذي كان يلازمه، قرر تحدي نفسه وكسر هذا الشعور الذي يأبى تركه.

تقدم منها بخطى هادئة برغم توتره البائن على وجهه وحركات جسده وخطواته. لن يخوض حربًا ويخسرها هذه المرة، يريد أن ينعم بلذة الانتصار وإن كان لمرة واحدة فقط. جذب المقعد الذي يقابلها وجلس فوقه بهدوء ظاهري دون أن ينبث بحرف واحد. اصطدمت عيناها بعينه التي كانت متوترة بعض الشيء وتخشى الرفض منها هي هذه المرة. ولأنها ماهرة في لغة الأعين، لم ترفض وجوده هذه المرة، بل تركته حتى يقول ما يريد بدون أي تدخلات منها.

تثاقلت أنفاسه وتندى جبينه وتهربت عيناه من الملتقى، فلا يعلم كيف يبدأ. فلا يغرنك مظهرها المرتب خارجيًا، لأنه مبعثر من الداخل ولا يعلم كيف يعيد ترتيب نفسه من جديد. أخرج زفرة قوية لعل هذا الثقل الذي بقلبه يقل ولو قليلًا:

_"ريم" بصراحة أنا، أنا مش عارف ماله. معرفش ليه جيت أقعد معاكي. بس حسيت يعني إنك مضايقة من الصبح ومش على عوايدك. قولت يعني بما إنـ.ـي قاعد لوحدي ودماغي مش رحماني أجي أقعد معاكي. يمكن نشغل بعض ومديش فرصة لدماغي توديني وتجبني أكتر من كدا… لو حابة تتكلمي أنا سامعك.

حاول جذبها إليه وخلق أحاديث لا تناسب ما كان ينوي عليه. يريد أن يبدأ الطريق صحيحًا هذه المرة حتى تتيح إليه الفرصة للعيش مجددًا مثلما تمنى. فكرت قليلًا بينها وبين نفسها في الأمر لترى أنها بالفعل تريد أن تتحدث، فإن ظلت صامتة أكثر من ذلك ستفقد عقلها. أعتدلت في جلستها واسندت بذراعيها على سطح الطاولة ونظرت له، هنيهة ترى تركيزه أنصب عليها منتظرًا سماعها. تركت نفسها هذه المرة للأمواج تحركها كيفما تشاء بدون أن ترتب الكلمات ككل مرة.

فقد أرهقها الكتمان:

_من صغري وأنا دلوعة بابا، اللـ.ـي أقوله بيتنفذ على طول سواء طلبت حاجة أو رفضت حاجة. كنت الحب كله. ماما كانت ساعات بتضايق وبتغير بس بابا كان بيعرف يراضيها. لما كبرت ودخلت الجامعة ومصاريفي زادت اشتغل بدل الشغـ.ـلـ.ـانة اتنين. كان بيقضي الليل في الشغل وييجي 6 الصبح ينام 5 ساعات ويصحى تاني عشان يروح الشغل التاني. محـ.ـرمنييش من حاجة خالص ولا فرض رأيه عليا خالص. بعد ما اتخرجت ابن عمي اتقدملي. أنا مكنتش بحبه فرفضته وقولت لبابا أنا مبحبهوش. بابا قاله كل شيء قسمة ونصيب مش هيقوله بنت بتكرهك. اشتغلت في شركة وابن صاحب الشركة أعجب بيا واتقدم لي. وقتها حسيت بحاجة ليه فوافقت. مكنتش أعرف إنه ساذجة بالطريقة دي..

_ابن عمي مسكتش وكان متضايق ومغلول وقعد يتوعدلـ.ـي وأنا كنت بروح أقول لبابا. لدرجة إن بابا اتخانق مع أخوه بسببه وقطعوا بعض. عمي دا أصلًا بتاع مصلحته. ليكِ عنده مصلحة تبقي حبيبته، تخلص المصلحة شكرًا. مكملتش الخطوبة وفركشت عشان كان غيور بطريقة أوفر وبيتعصب على أقل حاجة. ابن عمي كان فرحان أوي وحاول معايا تاني بس أنا كنت بصده. هو كان معجب بس بشكل الخارجـ.ـي. حلوة وجاية على مزاجه. أنا كنت عايزة يحبني من جوايا. يقبل "ريم" كروح مش كجسم. بدأ يضايقني في الرايحة والجاية ويحاول يقرب مني. كنت بخاف منه وبهرب من المكان اللـ.ـي هو فيه وبرفض أروح مكان هو فيه..

قاـ.ـطعها صوته الذي تدخل معبرًا عن غيظه منه بقوله الحاد: _أنا عارف الفصيلة دي كويس. بتسعى لإرضاء نفسها حتى لو على حساب غيرها. بس أقولك على حاجة؟ أنا راجل زيي زيه، بس هو راجل بيشوف الأنثى على إنها فريسة وهو الصياد بيعرف يلف عليها، ولو صدته مييأسش غير لما ياخدها. أبتسمت ساخرة بزاوية فمها بعد أن أفصح عن ما كانت ستقوله بعدها. نظرت له ونطقت بنبرة تهكمية: _شكلكم حافظين بعض كلكم.

أخرج "حليم" زفرة هادئة ثم تراجع إلى الخلف وأسند ظهره إلى مسند المقعد ونظر إليها باهتمام أشد وجاوبها بنبرة سلسة: _دي حاجة مفروغ منها. زي ما أنتم كستات بتفهموا بعض برضوا، ولا هو حلو ليكم ووحش لينا يعني؟ ردت عليه تتجاهل قوله حينما شعرت أنه سيخلق جدلًا لا آخر له بقولها:

_تمام مش هنختلف كتير. المهم، حاولت أهرب منه كتير بس للأسف جت لحظة أنا لسه لحد دلوقتي بعتبرها أسوأ لحظة في حياتي وهتفضل كدا لحد ما أموت. حادثة بشعة دمرتني، خلتني أخاف من العلاقات والرجالة بشكل عام. كنت في البيت لوحدي، كلهم وقتها سابوني وراحوا يزوروا عمي التاني عشان كان تعبان وأنا مقدرتش أروح معاهم في اليوم دا. عارف يا "حليم" لما تبقي فاكر إنك قاعد في بيتك يعني الأمان كله ومش بتفكر في الأذى وأنت جواه لأن دا سكينتك. هو

مكان كدا بالنسبة لي بعدها. معرفش دخل إزاي وجه أوضتي من غير ما أحس بيه إزاي مش عارفة. فجأة لقيت اللـ.ـي بيهاجـ.ـم عليا وأنا عقلي وقتها خد رد فعل سريع وبقيت بدافع عن نفسي وبحاول أبعده عنـ.ـي. كان نفسي أهرب بس معرفتش. حصل اللـ.ـي حصل وهرّب بعد ما الجيران أتـ.ـلمـ.ـت. كانت لحظة صعبة أوي وأنا ضعيفة ومرتمية عالسرير بتمنى الموت في اللحظة دي..

_أنا كنت هدافع عن نفسي وههرب بس الفرصة مكانتش عندي للأسف. حب يندمني ساعتها ويا ريتني مت قبلها على الأقل هموت شريفة. الجيران خدوني المستشفى وأهلي عرفوا واتفتح محضر وهو هرب زي الكلب الجبان. جاتلي حالة هلـ.ـع بعدها بقيت أخاف من حد يقرب مني خصوصًا لو راجل. صوت أتنبـ.ـح يوم الحادثة من صريخ اللـ.ـي موقفش وبدع ربنا وأناجيه وأقوله يا رب نجيني، يا رب أتوسل إليك نجيني. قعدت فترة زي المجنونة حرفيًا. مرة كنت هقتل بابا عشان قرب

مني وكان عايز يحط البطانية على جسمي عشان الجو كان ساقع. هاجمته كأنه هو اللـ.ـي قدامي وشالوني بالعافية. روحت بقى لدكتورة نفسية عشان أبدأ أتعالج بس كنت بنهار كتير أوي وأقعد أعيط كل ما افتكر. لحد دلوقتي بروحلها بس بجد أنا صعبانة عليا نفسي أوي. أُـ.ـكـ.ـسـ.ـرت من جوايا ولحد دلوقتي محدش قابل بيا مع إني كنت ممكن أغشهم وأروح لدكتورة وكأن محصلش حاجة بس مردتش. وبصراحة أنا مش حابة خلاص. خوفت أوي.

كلماتها الأخيرة لامست فؤاده. كانت نبرتها تضعف تدريجيًا، تعلن عن فشلها، وعن خوف سكنها منذ هذا اليوم. لم يكن مجرد حادث عابر، بل كان حادث ذو وصمة في روحها. تلك الروح النقية طُعنت وسكن الألم تدريجيًا في قلبها، كالمرض الملعون الذي يتسلل ببطء داخل الجسد. حاولت أن تكون قوية، أن تتحلى بشجاعة زائفة أمامه، ولكن كان الضعف رفيقًا لها.

صمت يخنق المكان، لكن بداخلها صرخات تعصف بها. بينما كان هو حاضرًا، يعذب مثلها بعد أن صور له العقل هذا المشهد المؤلم. شعر بأن صدره يضيق، وتتثاقل أنفاسه. صدره يعلو ويهبط، وكأن الهواء أصبح ثقيلًا يستحيل استنشاقه. قبضة يده ترتجف برغم ثباتها الظاهري. نبضه يتسارع وكأنما يخوض حربًا بين الغضب والألم. عيناه برغم ثباتهما، ولكن كانت الكسرة في أعماقها.

بكت هي بعد فشلها في التماسك بحبال الأمل الذابلة. هي أضعف من ذلك. ليست بهذه الشجاعة التي تظنها هي. حاولت وكانت محاولاته تبوء بالفشل في كل مرة، وكأنها تعاندها. وما عرقل سير الأمور إفصاح حقيقتها أمام هذا الغريب. ولكن برغم ذلك، كانت تريد البوح بما في جعبتها بأي طريقة كانت، وحتى لا يضع أملًا ميؤوسًا منه بها. كان الصمت بينهما قائمًا، وكلاهما في صراعات داخلية مختلفة.

تحرك بنصفه العلوي إلى الأمام مسندًا بمرفقيه إلى سطح الطاولة وهو ينظر لها. لم تكن نظرة نفور، أو نظرة غاضبة. كانت لينة في التحديق بها، ودافئة في احتوائها لها، وكأنها قطعة ألماس ثمينة يخشى سقوطها. أشرقت الشمس ونشرت وميضها بين ظلام الماضي، تخبرهم أن الحياة ما زالت تنتظرهما. لا يجب أن نقف عند المحطة السوداء ونعلن استسلامنا. فبإمكاننا أن نتخطى ونمضي قدمًا. بسمة حنونة ارتسمت على ثغره، ودفئًا في نبرة صوته لم

تشعر بها من قبل عندما قال: _الحياة مليانة دروس وعبر. مش كلها حلوة وبتضحكلنا، ولا كلها وحشة ومبوظة. في كفتين عايزين يتطابقوا ودي مش سهلة لأي إنسان. زي المعادلة تقدري تكافئي بين إنك تشتغلـ.ـي في الشركة وتروحـ.ـي البيت تكملـ.ـي شغل هناك؟

أكيد لا. في استراحة، في محطة نقف ناخد نفسنا فيها عشان نرجع نكمل بشغف تاني. وأنتِ مينفعش تكملـ.ـي في النكسة دي كتير. دا اسمه انتقاـ.ـم النفس للنفسها. حاولي تعيشي. حاولي تحبي الحياة وتعيشي تاني. هو فرح لما قدر يكسـ.ـر عينك. بس أنتِ قادرة دلوقتي تكسـ.ـريه هو شخصيًا. ترجعـ.ـي لحياتك تتقبلـ.ـي الواقع اللـ.ـي بقيتـ.ـي فيه، ولو في قضايا بينكم كملـ.ـي فيها، خلـ.ـيه يتسجن وخدي حقك. دي أكبر مكافأة تقدري تكافئي بيها نفسك يا "ريم". أنتِ قدها، أنا واثق فيكي.

تحفيز قوي، عزيمة لا آخر لها، قوة وتشجيع لا مثيل له. حاول إعادتها للحياة من جديد. حاول أن يبث فيها روحها المفقودة. فلن يقبل استسلامها ذاك اليوم، بل يريدها أقوى. وبين ظلامها الحالك ذاك، وميض قوي كسره وانتشر حولها. يخبرهـ.ـا أن الحياة لا تقف في محطة واحدة. بل قطارها يظل مستمرًا في السير ولا يقبل التوقف مهما كانت الظروف عصيبة من حوله.

مسحت على صفحة وجهها بكفيها، تخفي أثر البكاء بعد أن حفزتها كلماته وغرزت بداخلها العزيمة والإصرار. كانت محطة سوداء وأخذت ما يكفيها من الوقت. الآن حان وقت الاستمرارية. نظرت له لتصطدم عيناها بعينيه بمشاعر مختلفة. هذه المرة كان الفضل له، لأنه وحده من استطاع اختراق ظلامها وانتشالها نحو الطريق الصحيح: _أنت إزاي كدا؟ بتتكلم عن القوة وعدم اليأس والاستمرارية وأنت متقلش حاجة عنـ.ـي؟

زيك زيي، بتتعالج نفسيًا بسبب والدك وحياتك شبه مدمرة. واللـ.ـي يشوفك بتنصحني دلوقتي يقول إنك أخصائي في الطب النفسي. أتسعت البسمة على ثغره حتى برزت أسنانه البيضاء المتراصة. أخرج زفرة عميقة وقال بنبرة هادئة:

_متعلمتش ببلاش يا "ريم". صدقني، الدرس كان قاسي أوي عليا و ٤ سنين من حياتي ضاعوا وأنا في المصحة بتدمر فيها كل يوم. منكرش إن الدمار جوايا كبير. بس لسه عايش وبحاول ألحق الحياة وأعيش معاها اللحظات الحلوة. فالطب النفسي بالذات الموضوع فيه صعب ومحتاج وقت. التعافي مش مستحيل. بس إيه اللـ.ـي مستنينا بعد التعافي؟

سؤال مهم محتاج إجابة صريحة. وعشان كدا قررت أكسـ.ـر عين اللـ.ـي كسرني وأخلـ.ـيه يندم طول حياته لحد ما الندم يـ.ـقتله مكانه. هو نجح يوقعـ.ـني، بس مقدرش يكسـ.ـرني. وأنا مش حابب أستسـ.ـلم. عشان أنا عارف إنـ.ـي قد التحدي وقادر إنـ.ـي أخلـ.ـيه يعيط بدل الدموع دم. هي دي العزيمة. ودا الإصرار. نظرت إليه نظرة مطولة قبل أن تسأله قائلة: _للدرجة دي أنت كاره باباك.

أصبحت نظرته في هذه اللحظة باردة، ونبرته قد خلت من المشاعر حينما جاوبها قائلًا: _أبويا مات من زمان. أنا معنديش أب. برغم بساطة الكلمات، ولكنها موجعة بشدة. خرجت منه بصدق تام. هكذا هو بالنسبة له، وهكذا أنهى الموضوع متعهدًا لنفسه عدم التحدث في هذا الأمر مجددًا. نظرت له نظرة تكسوها الحزن الدفين وقالت: _خلاص انسى. خلـ.ـينا نغير الموضوع دا خالص ونتكلم في حاجة تانية. أنا مش أقل منك في حاجة يعني. أتسعت البسمة على ثغره ثم

أصبحت ضحكات خفيفة وجاوبها: _على رأيك. أتلم المتعوس على خايب الرجا. ضحكت أخيرًا على كلماته وأسلوبه في التحدث. تدريجيًا بدأت تعتاد على تواجده معها في الشركة. حاولت أن تعطي لنفسها فرصة جديدة للعيش. حاولت أن تلحق بالجميع وتعود إلى سابق عهدها حتى وإن تطلب الأمر منها الوقت، فلا بأس. فأن تأتِ متأخرًا خيرًا من أن لا تأتِ. _كانوا جميعهم يجتمعون مع بعضهم كعادتهم.

اليأس لم يغلب "يعقوب" ولم يستسلم من محاولاته مع "سراج" الذي ما زال يتجنبه ويرفض التعامل معه. وبين تلك الأحاديث شرد عقله قليلًا بعيدًا عنهم. جاءته الرؤية. ولكن هذه المرة كانت لـ "نورهان". حينما هاجمها "فتوح" وحاول قتلها. هربت بعيدًا وركضت لمسافات بعيدة، ولكن وصل لها من جديد عازمًا على قتلها. نظر إلى أصدقائه بعد أن قرر بينه وبين نفسه أن يتحرك لإغاثتها، قاطعًا أحاديثهم بقوله المتوتر: _عايز أروح المنيا دلوقتي حالًا.

أنتبهوا له جميعهم والتعجب باديًا على صفحات وجوههم جميعًا. ولكن كان هو بينهم يعلم جيدًا لما طلب رفيقه هذا الطلب تحديدًا، ولذلك تحدث بنبرة هادئة وقال: _عايز تروح ليه؟ شوفت حاجة؟ نظر له "رمزي" وجاوبه بنبرة هادئة قائلًا: _آه. "فتوح" مش هيعديها بالساهل كدا. لا، دا مش هيسكت غير وهو عامل مصيبة سودة. هيقتل مراته ابن المجنونة. نظر له "يعقوب" وقد تذكر رؤيته له في باكورة الصباح يستعد للرحيل، ولذلك قال بنبرة جادة:

_أنا شوفته الصبح وهو بيستعد عشان يمشي. هو لسه ماشي من شوية بس هيروحها مواصلات يعني عقبال ما يوصل هياخد وقت. رد عليه "يوسف" بنبرة هادئة بعد أن اتخذ قراره قائلًا: _طب تعالى نتحرك مع بعض يلا. _وأنا هاجي معاكم. أنا عارف "فتوح" بيفكر فيه وهيعمل إيه. نظر له سويًا ليأتِ القول هذه المرة من "منصف" الذي قال بنبرة جادة: _طب أتحركوا يلا مستنيين إيه؟ ألحـ.ـقوها بسرعة. نظر "رمزي" إلى رفيقه وقال بنبرة هادئة له: _خلـ.ـينا نتحرك طيب.

تحركوا ثلاثتهم إلى السيارة تحت نظرات البقية لهم، وحتى تحرك "يوسف" بالسيارة راحلًا. تركهم "منصف" واقترب من زوجته التي كانت تزور "فاطمة" يأخذ صغيرته منه. قـ.ـربها منه يُلثم خدها الصغير بحنو، ثم حاوطها بذراعيه وهو ينظر لها مبتسم الوجه. تحدثت "شيرين" بنبرة هادئة وهي تنظر له: _هتطلع ولا هتفضل معاهم شوية. _لا أنا هفضل قاعد أطلع أنت.

كان مندمجًا مع صغيرته التي كانت تضع كفها الصغير الناعم على لحيته الخفيفة تجذبها برفق بقبضة يدها الصغيرة. اقتربت منه وهي تمد كفيها نحو الصغيرة استعدادًا لأخذها ليوقفها هو بقوله: _سيبيها معايا. خلـ.ـيها تشوف الشارع بدل ما هي في البيت على طول وأطلع أنت.

زفرت هي بهدوء ثم ابتسمت له ورحلت إلى شقتها تاركة الصغيرة معه. بينما عاد هو إلى أصدقائه ومعه صغيرته التي رنت ضحكتها وتوهجت لمعة عينيها حينما رأت "لؤي" أمامها. اقترب هو وأخذها من صديقه وهو يُلثم خدها الصغير قائلًا بنبرة ضاحكة: _حبيبة قلبي. وحشتيني يا سكر أبوك قافل عليك ما صدق.

ألتفتت الصغيرة برأسها تنظر إلى أبيها الذي كان يبتسم وهو يتابعها بعينيه لتتسع ضحكتها وتعود إلى "لؤي" تضع كفها على لحيته التي أصبحت دمية بالنسبة لها. تحدث "حسن" مبتسمًا بنبرة هادئة: _ربنا يبارك لك فيها زي القمر.

قبل أن يجيبه صدح رنين هاتفه عاليًا يُعلنه عن اتصال هاتفي من والدته ولذلك استأذن منهم وأبتعد مجيبًا على هاتفه. جلس "لؤي" فوق المقعد الخشبي وهو يلاعب الصغيرة بينما استأذن "سراج" منهم ورحل حينما أخبرته زوجته بعودته عندما شعرت بالإرهاق. جاور "حسن" رفيقه يشاركه ملاعبة الصغيرة حتى يعود رفيقهم ويجالسهم. في منزل بعيد كل البعد عنهم. في محافظة المنيا. وبعد مرور ٤ ساعات.

كانت تجلس فوق مقعد الطاولة المستديرة المتواجدة في المطبخ شاردة الذهن تفكر في حياتها المقبلة وما سيلحق بها. ومن جهة أخرى كانت تخشى وصوله لها في أي لحظة ومحاولته لإيذائها ولذلك كانت تستعد في كل لحظة للهروب إن هاجمها. ولكن ما كان يجعلها مطمئنة وجود أخيها معها في المنزل.

كانت لحظات من الهدوء والسكينة التي تسبق العاصفة. كانت تجلس فوق فراشها بغرفتها تشاهد التلفاز. وكان أخوها يجلس في غرفة المعيشة يراجع أوراق العمل الخاص به. لحظة كسر حدة الصمت هذا طرقات فوق باب الشقة. نهض واقفًا يتمطأ ثم اقترب من الباب بخطى ثابتة يفتحه ليتفاجئ بالذي يهجم عليه يُسدد له لكمة قوية في وجهه. _فاكرني هخاف وأجيب ورا؟ مش "فتوح الجزّار" اللي يتهـ.ـدد. أنا بعمل اللـ.ـي عايزه. هي فين؟!!

وصلها صراخه في الخارج لتنتفض واقفة برعب، تسارع نبضها وأصابها الخوف بشدة. نظرت حولها تبحث عن مخرج للهروب قبل أن يمسك بها لتتجه بخطى واسعة إلى باب غرفتها الخلفي. وهو باب يؤدي إلى الحديقة الخلفية للمنزل. خرجت هاربة كما أمرها أخوها إن هاجمهم في أي وقت. ركضت في شوارع قريتها وهي لا تعلم أين هي ذاهبة. ولكن كل ما تعرفه الآن أنها يجب أن تهرب وتنجو بحياتها وحياة صغيرتها.

في المنزل. نهض أخوها يراه يبحث عنها في أرجاء المنزل متوعدًا لها ليبتسم ساخرًا بزاوية فمه دون أن يتحدث. بينما كان "فتوح" يبحث عنها كالثور الهائج حتى باءت محاولاته بالفشل. كان يتنفس بعنف وصدره يعلو ويهبط. شيطانه هو المتحكم به كالمعتاد وهذا ما يجعله يأخذ قرارات متهورة تفسد كل شيء له. عاد إليه مجددًا بخطى واسعة وهو يصرخ به بإنفعال شديد: _هربتي مش كدا؟

بس عايزك تعرف كويس أوي إنـ.ـي هجيبها. هجيبها حتى لو كانت تحت الأرض وساعتها مفيش حاجة هتنجـ.ـدها مني. لا أنت ولا حتى العفريت الأزرق..!! وقف الآخر أمامه شامخًا. لم يهاب حالته ولم يهتز حتى بداخله. أرتسمت بسمة صفراء على ثغره ونظر له نظرة باردة وقال بنبرة هادئة للغاية:

_أعلى ما في خيلك أركبه ودلدل رجليك يا "فتوح". الرجالة مبتقولش، بتعمل يا حبيبـ.ـي. ولو هتعرف تجيبها جيبها ولو جيبتها مش هتقدر تعملها حاجة. وأنا اللـ.ـي قولتلها تهرب. دكر هاتـ.ـها. تحدّاه ولم يهابه. فكان قويًا بما يكفى في هذه اللحظة للوقوف أمامه. فهذه ليست شقيقة، بل ابنته التي تربت على يديه ولن يسمح لأحد منهم أن يمسها بسوء مهما كان. فبرغم أن الخيول حرة كانت تعلم كيف تروض خيالها.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...