والله ما طلعت شمس ولا غربت إلا وحبك مقرون بأنفاسي ولا جلست إلى قوم أحدثهم إلا وكنت حديثي بين جلاسي. _ياسين التهامي. حين يغيب الإنسان عقله
يصبح أسيرًا لنفسه الأمارة بالسوء، فتزيّن له المعاصي، وتبرّر له الخطايا، حتى يرى الباطل حقًا والحق باطلًا، ويظن أن ما يشتهيه هو الصواب ولو كان في حقيقته هلاكًا. فالعقل هو السراج الذي ينير درب الإنسان، فإذا انطفأ، ضل في ظلمات الهوى والشهوات، يتخبط بين قراراته، ويتبع نزواته دون إدراك إلى أين يقوده الطريق. وما أكثر من أضاعوا أنفسهم حين أسلموا زمام أمرهم إلى أهوائهم، فسقطوا في غياهب الندم بعدما فات الأوان.
"لا يسعى سوى في طرقات الخير كفاعله." الوقت يمضي ومع كل دقيقة تمضي تكون الخطر نفسه. وصلوا إلى محافظة المنيا وبالتحديد أمام منزل عائلة "آل وهدان". ترجل "رمزي" من السيارة ومعه رفيقاه وهو ينظر إلى واجهة المنزل نظرة هادئة. تقدم بخطى هادئة نحو المنزل وهو يردد بنبرة هادئة: _يا الله، أنت الحكم العدل، لا ترضى بالظلم، فانصر من لا ناصر له، وأرنا عجائب قدرتك في رد الحق إلى أهله.
فتح الباب الحديدي المطل على الواجهة الخارجية للشارع وسار في الممر المؤدي إلى باب المنزل الذي كان مفتوحًا. عقد حاجبيه وهو ينظر إلى الباب ليشعر بالقلق بدأ يتسلل إلى قلبه ولذلك شد خطوته نحوه وهو يقول بنبرة تملؤها القلق: _يا خفي الألطاف، يا خفي الألطاف. ولج إلى الداخل بخطى حذرة وهو يختلس النظر حوله بقوله: _يا أهل الدار، يا ناس يا هنا، سلام عليكم.
لم يتلق الرد وكل ما كان مسيطرًا هو الصمت. كان متعجبًا مما يحدث حوله فقد كان يظن أنه سيجد أحدًا منهما ولكن كان المنزل فارغًا. أكمل سيره بخطى هادئة حذرة وهو ينظر حوله بترقب شديد فكان قلبه هو القائد في هذه اللحظة وهو من يحرّكه. اتجه إلى المطبخ وهو ينظر حوله مترقبًا حتى رأى "سمير" مطروحًا فوق الأرضية فاقد الوعي. اقترب منه "رمزي" فورًا وجلس بجواره وهو يتفحصه ويحاول إفاقته قائلًا:
_"سمير"، "سمير" فوق إيه اللي جرالك، يا ابني أنت. أمسك برسغه وهو يتفحص نبضه في نفس اللحظة التي ولج فيها رفيقيه ينظران له بترقب شديد. حاول مجددًا إفاقته حينما شعر بنبضه المنتظم قائلًا: _"سمير"، قوم أنت زي الفل ومفيكش حاجة، قوم يا "سمير"، لا حول ولا قوة إلا بالله. _هو ماله مش عايز يفوق ليه؟
سأله "يوسف" جاهلًا ما حدث ينتظر الرد من رفيقه. سؤال عجزوا عن جوابه. جاءت الرؤية حاضرة له. رأى هجوم "فتوح" على "سمير" ومشاهدتهما سويًا، وهروب "نورهان" من الباب الخلفي لغرفتها خوفًا. ورأى سقوط "سمير" فجأة دون أن يفعل له "فتوح" شيئًا. نظر مجددًا إلى "سمير" بعدما علم ما حدث ليقول بنبرة هادئة: _لا إله إلا الله، حسبي الله ونعم الوكيل. نظر له "يعقوب" مترقبًا ثم قال بنبرة هادئة: _في إيه، هو مات؟ رفع "رمزي" رأسه ينظر لهما،
ثم جاوبهما بقوله الهادئ: _الموضوع طلع كبير، البيت دا فيه حاجة. عقد "يوسف" حاجبيه متعجبًا ثم قال بنبرة هادئة: _حاجة إيه، أنا مش فاهم أي حاجة. أخرج "رمزي" زفرة هادئة تعكس عجزه بوصف ما حوله ثم أمسك بطرف وشاحه ووضع يده على رأس "سمير" وبدأ يقرأ عليه: _بسم الله أرقيك، من كل عين نظرت إليك، ومن كل نفس لم تذكر الله فحسدتك، ومن كل روح خبيثة اقتربت منك..
بدأ يتلو آيات التحصين بصوت هادئ وعيناه تتابعان "سمير" الذي كان ساكنًا لا يتحرك. نظر "يعقوب" إلى "يوسف" وقال بنبرة خافتة: _"فتوح" شكل بلاويه كتير أوي. بادله "يوسف" نظرته بأخرى هادئة ثم سأله قائلًا: _هو "فتوح" له فالسحر كمان؟ جاوبه "يعقوب" ينكر معرفته بهذا الفعل قائلًا: _مش عارف بصراحة أنا آه أعرف عنه حاجات كتير أوي، بس إنه له فالسحر لا، معرفش.
صمت "يوسف" يفكر مع نفسه قليلًا في هذا الأمر بشكل أكثر تعمقًا فحالة "سمير" تلك غريبة وليست مبشرة بالنسبة له. عقله صوّر له العديد من الأشياء المريبة التي لا تخطر على عقل بشري مثله ولذلك غرّق هو في بحور أفكاره. بينما أنهى "رمزي" تلاوته بقوله الهادئ:
_بسم الله أرقيك يا "سمير"، من كل عين نظرت إليك ومن كل نفس لم تذكر الله فحسدتك، ومن كل روح خبيثة اقتربت منك، بسم الله أرقيك، من سحر ساحر، ومن كيد حاقد، ومن همس شيطان مارق، الله أكبر عليه، الله أكبر عليه، الله أكبر عليه.. "وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقًا." رآه يعود إلى وعيه من جديد ليبدأ بحمد الله وشكره مربتًا فوق كتف "سمير" قائلًا بنبرة هادئة:
_قوم يا "سمير"، قوم ربنا يحفظك من شرور الأنفس وشياطينها، حسبي الله ونعم الوكيل. رفع "سمير" نصفه العلوي وهو يشعر بدوار خفيف يقتحم رأسه ليسمع "رمزي" الذي سأله قائلًا بنبرة هادئة: _أنت كويس يا "سمير"، حاسس بأي تعب؟ نفى "سمير" قوله بهزة صغيرة من رأسه ليشكره الآخر ربه ثم سأله قائلًا: _أنت إيه اللي حصلك، فاكر أي حاجة؟ _"نورهان"، هيقتل أختي. نطق بها "سمير" وهو ينظر حوله بتيهة ليأتي سؤال "رمزي" الذي قال بنبرة هادئة
يسأله بعدما جذبه قوله: _إيه اللي حصل، هو "فتوح" وصلكم؟ _وصل، وصل وأتهجم عليا وأنا وقفت قدامه وأتحديته إنه مش هيقدر يلمسها، أنا قولتلها لو سمعتي صوته اهربي على طول، أكيد هربت. هكذا جاوبه "سمير" بنبرة تائهة وهو ينظر له. بينما شعر "رمزي" بالأمر يزداد تعقيدًا عليه فالآن يجب أن يبحث عنها ويجدها قبل وصول الآخر لها فبالتأكيد سوف يقتلها. رفع رأسه ينظر إلى "يعقوب" فجأة نظرة ذات معنى ثم قال:
_"يعقوب"، هسألك سؤال بس مش عايزك تفهمني غلط. عقد "يعقوب" حاجبيه ولكنه وافق بقوله: _أسأل هفهمك غلط ليه يعني، أنت أخويا. دام الصمت بينهم هنيهة كان "رمزي" يحاول انتقاء الكلمات المناسبة لخلق هذا السؤال الذي سيسبب الخجل له قبل أن يكون للآخر الذي بدأ يشعر بالقلق من صمته المريب هذا. نظر له "رمزي" وقال بنبرة هادئة: _هو أنت ليه مخلفتش لحد دلوقتي؟
كان السؤال مفاجئًا بشدة لكليهما، فحتى "يوسف" لم يتوقع هذا السؤال من رفيقه الذي انتظر تلقي الجواب مترقبًا. أختلس "يوسف" النظر إلى "يعقوب" الذي كان مازال مذهولًا ثم أعاد النظر إلى "رمزي" وسأله هو هذه المرة بقوله: _وأشمعنى بتسأله السؤال دا؟ السؤال مفاجئ ومحرج يا "رمزي" مينفعش تسأله. جاوبه "رمزي" بعد أن نظر له نظرة ذات معنى قائلًا: _مقصدش حاجة، مجرد سؤال عابر لو مش حابب يجاوب أنا مش هغصب عليه.
جاوبه "يعقوب" حينما قرر إجابته بنبرة هادئة تخفي خلفها بركانًا على وشك الانفجار: _مش عارف، يمكن ربنا مش رايدلنا دلوقتي، ويمكن يكون عندي مشكلة، أو عندها... مش عارف. سأله "رمزي" بنبرة هادئة باهتمام ظهر على محياه حينما دقق النظر إليه: _محاولتش تطمن على نفسك أو عليها؟ صمت "يعقوب" للحظة قبل أن يجاوبه يفكر في الأمر بشكل أكثر جدية ثم قال بنبرة هادئة:
_هي نفسها تخلف، والموضوع مأثر على نفسيتها عشان أختها على طول بتعايرها وبتبعد ولادها عنها. كلمتني من يومين فالموضوع وطلبت مني إنها تكشف عشان تطمن إنها كويسة وأنا معارضتش بس لسه موديتهاش. تفهّم "رمزي" حديثه ولذلك حرّك رأسه برفق دون أن يتحدث لبضع دقائق كانت كالجحيم على "يعقوب" الذي حتى تلك اللحظة لا يعلم ما هو السبب الرئيسي الذي جعل صديقه يسأله هذا السؤال تحديدًا. لحظات ونظر "رمزي" له ثم قال بنبرة هادئة:
_متوديهاش للدكتورة يا "يعقوب"، مراتك زي الفل مفهاش حاجة. عقد "يعقوب" حاجبيه متعجبًا ثم سأله قائلًا: _وأنت عرفت منين؟ أخذ "رمزي" نفسًا عميقًا ثم جاوبه بنبرة أكثر هدوءًا عن سابقتها: _هقولك على حاجة بس مش عايز أي رد متهور منك مهما حصل. بدأ القلق يدب في قلب "يعقوب" الذي أنذره عقله بالخطر مما هو قادم. ولذلك نظر إليه نظرة ذات معنى ثم قال مترقبًا:
_في إيه يا "رمزي" قلقّتني، لم هي كويسة وزي الفل أومال إيه اللي مانعها تحمل لحد دلوقتي؟ استقام "رمزي" في وقفته ووقف أمامه مباشرة ينظر إلى وجهه الذي كان يحمل تعبيرات متناقضة. كان خوفه هو الشعور البارز والمسيطر عليه أمام رفيقه الذي قال: _أنت مأذي، ومراتك مأذية. استنكر "يعقوب" قوله ولذلك عقد حاجبيه وظهر التخبط على تعبيرات وجهه تزامنًا مع قوله جاهلًا: _مأذيين أزاي يعني، مش فاهم وضح أكتر. ابتسم "رمزي" غصته بتروٍ ثم
صارحه بالحقيقة حينما قال: _في حد أذيكم أنتوا الاتنين، هي معمولها سحر عشان متخلفش واللّي عامله أختها دي، وأنت معمولك، واللّي عامله "فتوح" اللّي كان قريب منك ومعاك ٢٤ ساعة وسرقه فعبك. تخيّل يا "يعقوب" لم تبقى مأمن لواحد عامل قدامك الصاحب الجدع اللّي معاك فكل مشاكلك وهو أول واحد غدر بيك. شعورك إيه يا "يعقوب"؟
ظهرت الصدمة على محياه حينما تلقى هذا القول ووقف مكانه لا يتحدث. كان ينظر له مجحظ العينين لا يصدق ما يسمعه ويقوله صديقه الذي كان يتابعه ملتزمًا الصمت. بينما كان "يوسف" مذهولًا وقد ظن أن رفيقه يمزح ولذلك قال بنبرة برغم أن طابع الصدمة يحومها ولكن كانت ممزوجة بالصدمة: _أنت إيه اللي بتقوله دا يا "رمزي"؟ أكيد أنت بتهزر و "فتوح" معملش كدا، مستحيل بجد أنا مش قادر أصدق. نظر له "رمزي" نظرة ذات معنى بطرف عينه ثم لاحت بسمة هادئة
على ثغره وقال بنبرة هادئة: _لا صدق، فالزمن اللّي إحنا فيه دا لازم تصدق. محدش بيحب الخير لحد أنت أبسط مثال عندك أخت مراته، أخوات ومبتتمنلهاش الخير وفوق كل دا عملت سحر لأختها عشان متخلفش وهو صاحبه اللّي معاه من سنين غدر بيه وأذاه وكمل معاه عادي. عايز إيه بعد كدا يا "يوسف".
أخرج "يوسف" زفرة عميقة ثم نظر إلى "يعقوب" الذي كان شارد الذهن بعدما استمع إلى قول رفيقه وعقله لا يتوقف عن التفكير ولا يعلم كيف يأخذ خطواته وكيف سيخبر زوجته بحقيقة شقيقتها. شعر وكأن العالم اتحد ضده في لحظة وأصبح لا يعلم من الصديق من العدو ومن الحبيب من الغريب. ثقلت أنفاسه وتاه عقله عن الجميع.
جاءت رؤية أخرى إلى "رمزي" الذي غفل هنيهة عنهم يرى "نورهان" تركض بخطى مثقلة والإرهاق باديًا فوق صفحة وجهها ويلحق بها "فتوح" الذي كان بحوزته سلاحه الأبيض منتويًا على الشر. كانت تركض في الأزقة وكلما حاول الإمساك بها فلّت هي هربًا منه. استفاق فجأة وألتفت ينظر إلى "سمير" وقد سأله قائلًا: _بقولك إيه يا "سمير"، أنت تعرف حواري صغيرة وشوارع جانبية فالقرية هنا بتودي على بحر فنزلته سلالم. عقد "سمير" حاجبيه متعجبًا
وقد أجابه بقوله الهادئ: _آه فيه فعلًا حواري وشوارع جانبية بتطل عالبحر، بس المكان دا يعني الرجل فيه كتير ومليان ناس. المكان دا تقريبًا أهل القرية فيه. تعجب "رمزي" الذي سأله قائلًا بترقب: _أشمعنى، في إيه المكان دا عشان تكون الرجل فيه كتير. جاوبه "سمير" وهو ينظر له قائلًا بنبرة هادئة:
_مفيش، بيقولوا فيه بركة معرفش أزاي. من ٥ سنين فيه شيخ كان مبروك مات غرقان فالبحر دا ومحدش عرف يطلع جثته ومن ساعتها الناس اللّي إيمانها ضعيف بيروحوا مخصوص ياخدوا بركته، مع إن الراجل قال قبل كدا البركة بتاعت ربنا بس هما تقريبًا عقلهم مغيّب. أخرج "رمزي" زفرة عميقة وهو يتمتم بقلة حيلة:
_لا حول ولا قوة إلا بالله، لله الأمر من قبل ومن بعد. طب أنا محتاج أروح المكان دا، عشان نلحق "نورهان" أولًا، وعشان نشوف الحوار دا، مينفعش الموضوع دا يتسكت عليه الناس دي لازم تفوق من الغفلة اللّي هما فيها دي بأي طريقة. وافقه "سمير" القول ثم أضاف على حديثه وهو يدقق النظر إليه قائلًا: _بس تصدق يا شيخ "رمزي"، أنت فيك شبه منه أوي، كأنك توأمه. نظر له "رمزي" نظرة ذات معنى هنيهة ثم ابتسم بسمة ساخرة وقال:
_يبقى ضمنت عدم خروجي من هناك. المهم دلوقتي نتحرك ونشوف بعدها حوار الشيخ دا. _آه طبعًا، يلا يا شيخ أنا عارف الطريق. رد عليه "سمير" متلهفًا يوافقه القول ثم تحرك إلى الخارج ولكن أوقفه صوت "رمزي" الذي قال: _عايز أخرج من باب أوضتها اللّي بيطلع على الجنينة اللّي ورا، عايزين نمشي زي ما هي مشيت بالظبط.
تفهّم "سمير" قوله ولذلك غيّر مسار سيره وأتجه إلى غرفة شقيقته بعدما دعاهما. دعم "يوسف" رفيقه الذي كان هادئًا بطريقة مريبة أثرت حفيظته. بينما تابعهم "رمزي" بنظراته الحزينة لأجل رفيقه. رفع رأسه قليلًا ينظر إلى سقف المكان وقال: _مدد يا الله، مدد يا الله.
لحق بهم بخطى هادئة مستعينًا بالله لبدء هذه الرحلة الشاقة من منظوره والتي ستتطلب منه بذل أقصى مجهود حتى يحقق ما جاء له وإلحاق الضرر قبل حدوثه. كان يسير طيلة الوقت من الطرق التي سارت هي بها وهو ينظر حوله يبحث عنها بعيناه علّه يراها أو يلمح طيفها. يسير بأروقة القرية يخرج من واحدة ويولج لأخرى حتى وصل إلى المكان المراد _البحر المبارك _مثلما يسمونه أهل القرية.
بينما هي كانت تركض بخطى مثقلة ويدها أسفل بطنها المنتفخة وخصلاتها مبعثرة وتلهث بتعب ظاهر على صفحة وجهها. كانت لا تعبأ لنظرات من حولها. كل ما تسعى له الآن الفرار من هذا المختل الذي يركض خلفها بلا توقف. وقفت تستند على جدار المنزل وهي تلهث بألم بعدما شعرت بألم حاد يسكن أسفل بطنها المنتفخة. _يا رب، يا رب أنا تعبت ومبقتش قادرة أتحمل، نجيني منه يا رب.
ناجت وتدرعت إلى ربها وهي ترفع رأسها إلى السماء تنظر لها بعينين باكيتان وصوت مرهق. ورغم عنها بكت وهي تخفض رأسها إلى الأسفل وتقبض على فستانها بقوة بعد أن أشتد الألم عليها. وبرغم ذلك تحاملت على نفسها وسارت بخطى مثقلة تحت نظرات الجميع الذين كانوا يشاهدون بصمت تام. ولكن جاءها صوته الحاقد يضربها غدرًا حينما صرخ من خلفها بقوله: _فاكرة نفسك هتهربي مني كتير يا "نورهان"، وعهد الله ما هسيبك وهوريك هعمل فيك إيه ..!!
تيبّستها الصدمة وشلّت أطرافها حينما وصلها صوته الذي أصبح كابوسًا أسود لها. اضطرب نبض. ارتعش قلبها وفرض الخوف سطوته عليها من جديد، لم تلتفت ولم تنتظر وركضت دون تفكير هاربة، لم تنتظر، لم تتهاون وقررت أن تنجو بحياتها وحياة صغيرها، وعنه فلم يعلم للاستسلام غاية وركض خلفها متوعدًا إليها بشدة. وصلت إلى البحر وبدأت تغوص بين الناس حتى يصعب عليه الإمساك بها وهي تلتفت حولها بخوف شديد خشية من أن يقوم بالإمساك بها.
بينما وقف هو في الخارج ينظر حوله وهو يبحث عنها ومعالم وجهه لا توحي إلا بالشر، صدره يعلو ويهبط بعنف، وقبضته اشتدت على سلاحه الأبيض. بينما وقفت هي بينهم تحاول أخذ أنفاسها الهاربة والإرهاق قد تملك منها تمامًا وأصبحت لا تقدر على الهرب أكثر من ذلك. كانت عيناها تجول في المكان حتى لمحت طيف "يوسف" ومعه أخيها الذي كان ينظر حوله ويبحث عنها، وفي هذه اللحظة، كانت وكأن الشمس أشرقت لها بنورها الذهبي بعد دوام عتمة الليل طويلًا.
"يوسف" !! "سمير" أنا هنا.. صرخت ورفعت يدها عاليًا تلوحها في الهواء حتى يرونها أو حتى يسمعون صوتها المستغيث بهم. رأت التفات "يوسف" نحوها لتتسع بسمتها ويترقرق الدمع في المقل حينما شعرت أنها ستكون في أمان مع أخيها، ولكن تبددت أحلامها وتلاشت بسمتها سريعًا حينما رأت "فتوح" أمامها يحجب الرؤية عن "يوسف" الذي طاف بعيناه يبحث عنها. جحظت عينيها بهلع حينما رأته أمامها وبيده سلاحه الأبيض.
أنزلت يدها ببطء وابتلعت غصتها التي كانت عالقة بحلقها. بدأت تعود بخطواتها إلى الخلف ونظراتها عالقة به، تراه بدأ يقترب منها وهو يرفع يده بسلاحه لها وكأنه يخبرها أن نهايتها قد اقتربت ولم يعد هناك طريقًا للنجاة منه. لم تنتظر وألتفتت تركض هربًا منه ليسبقها هو فورًا محاولًا الإمساك بها.
المسافة تقترب، والنهاية اقتربت من نقش آخر سطورها. ونفوس تملكت منها الشياطين واستطاعت السيطرة عليها، خرجت من تلك الدائرة السوداء التي كانت تختنقها رويدًا رويدًا إلى الحرية. ولكن لم تستطع أن تنولها وتسعد بلذتها حتى طالتها دائرة الحصار مجددًا حينما شعرت بقبضته الفولاذية على خصلاتها الحريرية الطويلة. خرجت منها صرخات عالية هستيرية وهي تحاول إبعاده عنها والفرار منه وطلب المساعدة ممن حولها:
"ساعدوني، ساعدوني هيقتلني، إبعد عني يا مختل أنت." شدد من قبضته بعنف أكبر على خصلاتها جعلت صرخاتها تعلو أكثر تزامنًا مع صراخه الحاقد بها: "فاكرة نفسك هتفلت مني يا روح أمك؟ هروبك مني دا عامل زي عشم إبليس فالجنة. مش هناولك اللي بتحلمي بيه يا "نورهان" مهما حصل، بعدك عني هيبقى بموتك."
اجتمعوا جميعهم يشاهدون ما يحدث دون أن يجرؤ أحدهم ويتدخل لإنقاذ هذه المسكينة. وبينهم تسللوا هم بخطى واسعة وهم يبعدونهم عن طريقهم حتى أصبحوا في المقدمة يرونها سقطت في حفرته أخيرًا بعد صراع طال أمده. نظرت هي إليهم ورأت أخيها أمامها ولذلك أستغاثت به قائلة بنبرة أصابتها الهلع: "سمير، إلحقني منه يا سمير أبوس إيدك."
نظر إليهم "فتوح" في هذه اللحظة بنظرة لا توحي لهم بالخير ولذلك استعان بخطته البديلة. وبلحظة كان يكبلها بذراع، والآخر رفعه بسلاحه الذي وضعه على نحرها مهددًا إياهم بقوله الحاد: "اللي هيقربلها، يمين بالله لأصفيها وقتي وما هسمي على حد." "سيب أختي يا فتوح أحسنلك، يمين بالله ما هتفكيني فيك روحك لو أختي جرالها حاجة."
هكذا رد عليه "سمير" بنبرة حادة وهو ينظر له نظرة غاضبة لا تنذر بالخير. ولكن ردع فعله "رمزي" الذي أشار له بيده ثم نظر إلى "فتوح" نظرة ذات معنى ثم قال بنبرة حادة:
"اسمعني يا فتوح بقى كويس أوي عشان اللي هقوله دا مش هعيده تاني. لو أنت مبتخافش على أهل بيتك فأنا بخاف على النساء بشكل عمومي سواء كانوا من محارمي أو لا. افتكر حتى أي حاجة حلوة بينكم. افتكر إن الست دي استحملتك كتير واستحملت قرفك وبلاويك السوداء وبرغم كل دا متخلتش عنك. الرسول ﷺ قالك رفقًا بالقوارير. لم تبهدلها وتجريها فالشارع بسبب خوفها منك، وتجيبها من شعرها قدام الناس وهي ست حامل مستحملة فوق طاقتها. طب يا أخي خلي عندك دم شوية، خلي عندك إنسانية ورحمة. في حديث للرسول ﷺ أعتقد إنك متعرفهوش.
قال النبي ﷺ: "لا تكرهوا إماء الله فإنهن عوان عندكم، أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله."
"خلي بالك يا فتوح دي مش رجولة منك خالص، ولا أسلوب ولا طريقة تعامل مع مراتك. استوصوا بالنساء خيرًا، وأنت معملتش كدا خالص. أنت ما شاء الله عليك فالح تستعرض عضلاتك على واحدة ضعيفة. سيبها يا فتوح، سيبها الله يهديك وأخزي الشيطان ووحد الله. اللي بتعمله دا أكبر غلط ممكن تعمله. سيبها عشان خاطر العيل اللي فبطنها دا ملهوش أي ذنب فاللي بيحصل، ولا ذنبها إنها خدت واحد مريض نفسي زيك."
أنهى حديثه وهو ينظر له نظرة ذات معنى مبتسم الوجه. يعلم أن حديثه سوف يجني بثماره، فهو يعلم كيف يستغل ثغرات من يمكث أمامه جيدًا. رأى تراخي يده عنها ولذلك اتسعت بسمته والتفت ينظر إلى "سمير" الذي تفهم نظرته واقترب منه يأخذ شقيقته منه ضاممًا إياها إلى دفء أحضانه بعدما تركها "فتوح" الذي كان ينظر إلى "رمزي" نظرة ذات معنى. نظر "سمير" إلى شقيقته متفحصًا إياها بتلهف وهو يقول بنبرة غمرتها الخوف والقلق الشديد:
"نورهان، أنت كويسة يا حبيبتي؟ حاسة بوجع أو أي حاجة يا نور عيني." حرّكت رأسها تنفي قوله وهي تنظر له بعينيها الباكية ووجهها المزهق الذي كان يكسوه الألم. أطمئن هو عليها ولذلك ضمها مجددًا إلى أحضانه بحنو ماسحًا بكفه على ظهرها. أطمئن "يوسف" عليها ولذلك نظر إلى "فتوح" نظرة متوعدة لا توحي بالخير ليسمع صديقه الذي قال بنبرة جادة:
"أقترب يوم الحساب يا فتوح، مستنيك فالحارة يا ابن الجزار عشان محتاجك فموضوع مهم أوي، مش هعرف أحله مع حد غيرك." حديثه كان لغزًا بالنسبة إلى "فتوح" الذي نظر له متعجبًا لا يفهم كلمة مما قالها "رمزي" الذي تحولت نظرته له في هذه الساعة إلى أخرى متوعدة لا تنذر بالخير البتة. ألتفت متحركًا من المكان وهو يوجه حديثه إليهم قائلاً: "يلا عشان نمشي، كلامنا فالحارة مش هنا."
وبالفعل تحركوا خلفه تاركين "فتوح" غارقًا في بحور الجهل تائهًا بعدما أصاب قول "رمزي" قلبه بالخوف وأثار حفيظته. تلك المرة كان هو من يتحكم في زمام تلك اللعبة، وهو القائد الذي يوجه ضرباته وتعليماته. وصدقًا، قد أقسم "رمزي" على الشر معه، فلن يتوانى في حقه بعدما علم كوارثه السوداء ومخططاته الشيطانية التي كانت ستزج رفيقه إلى السجن وتنهي حياة البعض. قرر القائد، وحسم الأمر. ***
كانت تجلس برفقته في غرفة المعيشة تحت أعين والدتها التي كانت تجلس بالقرب منهما تتابعهما بوجه مبتسم ترى اندماجهما معًا وتخطيطهما لحياتهما القادمة بشغف غير عادي. وبنفس الوقت كان يطرأ على رأسها بين الفينة والأخرى يذكرها بأمر كانت تحاول الهروب منه دومًا وتخشى خوضه أو إخبار أولادها به حتى لا تصبح في صورة ليست لها ولا هي تناسبها.
بينما كان "جاد" يجاور "كايلا" وهو ينظر إلى شاشة حاسوبه يتنقل بين الصور المعروضة أمامه والتي تحتوي على العديد من ألوان الحوائط وديكوراتها المختلفة يأخذ رأيها بهم جميعًا: "إيه رأيك؟ في حاجة عجبتك منهم ولا أنت راسمة شكل تاني." أخذت هي نفسًا عميقًا ثم زفرته بهدوء شديد وقالت بنبرة هادئة: "بصراحة هما كلهم حلوين، وأنا أحترت بينهم وكل ما أستقر على لون معين أرجع فكلامي لما ألاقي الأحلى منه. مبقتش عارفة أعمل إيه بجد يا جاد."
أبتسم هو حينما تفهم ما تشعر به، ولذلك جاوبها بنبرة هادئة وهو ينظر لها قائلاً: "طب أنا عجبني واحد أوي ومفيش حاجة عجبتني غيره هتوافقي عليه ولا نعمل إيه." نظرت له نظرة هادئة وجاوبته قائلة متسائلة: "إيه اللي عجبك." نظر إلى شاشة حاسوبه مجددًا للحظات وهو يجول بين الصور حتى توقف عند الصورة المرادة وقال مبتسم الوجه:
"اللون دا، الفانيلا لاتيه شايفه تحفة وهيمشي مع لون السيراميك والديكور اللي رسمناه. إيه رأيك أنا عن نفسي اللون دا عاجبني مع ديكور البيت ومفيش حاجة هتليق غيره." نظرت إلى شاشة الحاسوب هنيهة وهي تفكر بينها وبين نفسها في حديثه في الآن في حيرة من أمرها بعد أن نال إعجابها لونين كادا يصيباها بالجنون. نظرت إليه مرة أخرى بعد أن قررت اللون قائلة: "أنا اخترت يا جاد خلاص، هختار اللون اللي قولت عليه لقيته أحلى وأشيك."
أبتسم بسمة واسعة وهو ينظر لها ثم قال بنبرة هادئة: "كدا تمت، السيراميك خلاص وأدينا حددنا لون الشقة فاضل العفش وكلله يكون تمام ويا ست لم نيجي نجيب الأجهزة الكهربائية هتكوني معايا عشان اللي يعجبك هيكون عندك. أنا مستعد أعمل أي حاجة عشان خاطر تكوني معايا. أنا ملقيتش نفسي غير فيك والدنيا ملهاش طعم من غيرك. من ساعة ما دخلتي حياتي بجد وحاجات كتير أوي فيا اتغيرت."
ومضت عيناها ببريق لامع بعد أن استمعت إلى حديثه الذي لم يفعل شيئًا سوى أنه أسعد قلبها وجعل حبها يكبر بداخلها له. فهي لأول مرة تشعر بمثل تلك المشاعر نحوه برغم أن لها تجربة سابقة لم تنجح ولم تنصف هي بها وكل ما تلقته منها هو العذاب. ولكن هذه المرة شعرت بأنها مرغوبة وبشدة. تشعر لأول مرة وترى أن هذا الرجل يسعى جاهدًا حتى ينالها.
تلك المرة كانت ذات لذة ومذاق خاص وفريد من نوعه. كانت تتابعه طيلة الوقت وتنظر إلى عيناه التي كانت تنطق بالشغف والسعادة. ترى حبه وحماسه حينما يتحدث عن منزلهما الذي يبذل لأجل إنهاءه مجهودًا كبيرًا. فإن استطاع أن يأخذها الآن فلن يتردد وسيأخذها ويهرب فورًا. شعر بنظرتها التي طالت هذه المرة عن المرات السابقة لينظر لها وتصطدم الأعين في هذه اللحظة. لحظة رأى كلاهما حبهما لبعضهما. حبًا صادقًا لا يعرف الخبث أو المكر. حبًا نقيًا تمنته وها هي تناله. كانت نظرته حنونة ودافئة. وكأنها تقطع عهدًا لها ببقائها مدى الحياة. نظرة كانت مليئة بالعواطف والحب. فقد خضع القلب أمام هذه الفتنة التي كانت أولى أسباب سقوطه أمامها.
"عارف أنت بتفكري فإيه؟ وعارف إنك مستنية إجابة متخيبش ظنك زي ما حصل قبل كدا. بس أنا مبعتمدش الكلام، الفعل أحلى بكتير. قريت صدفة إن الأعين نواطق واستغربت ساعتها وقولت أزاي؟ أزاي عيني هتقدر تقول اللي جوايا؟ لحد ما شوفتك دلوقتي وشوفت نظرتك ليا، قالت كل اللي مقدرتش تقوليه. وأنا حبي ليك هيبان فأفعالي، ونظراتي ليك. ومش هزعلك هبقى أقولك كلمتين حلوين عشان أنا عارف إن النفس بتهف عليها ساعات تسمع كلام حلو والعبد لله خبرة."
ضحكت حينما مازحها بكلماته الأخيرة وتابعها مبتسم الوجه يرى ما لم تراه عينه من قبل. فكان يرى أن جمالها هذا مميزًا عن غيرها. بها شيء يجذبه نحوها هو مازال لا يعلم ماذا يكون. بها ما لم يراه في أنثى من قبل وكأنها تتمتع بجمالها الخاص بعيدًا عن أعين الجميع. نظرت له مبتسمة الوجه ترى نظرته لها والتي كانت تخبرها بمدى حبه لها كما أخبرها قبل قليل. نظر إلى الجهة الأخرى حينما رأى نظرتها له ليقول بمرح:
"مينفعش أكلم أكرم ونقدم الفرح ونخليه الشهر الجاي؟ مش هقدر أكمل الـ ٤ شهور بالمنظر دا أنا كدا هتجنن رسمي بسببك." تعجبت هي من قوله ولذلك نظرت إليه نظرة ذات معنى وقالت بنبرة متسائلة: "ليه بس كدا هو أنا عملتلك حاجة؟ أنا ببصلك عادي متكلمتش، ولا تكونش بتتحجج بقى عشان تقوم تمشي." نظر لها حينما سمع كلماتـها الأخيرة تلك ولذلك استنكر قولها بقوله: "أنا بتحجج عشان أمشي؟
دا أنا لو طولت ألفك فعلبة هدايا واخدك معايا هعملها دا أنا مستني حماتي تيجي تطر'دني هي بنفسها وتقولي كفاية عليك لحد كدا عايزين نرتاح شوية. قهقهت بخفة، هذه المرة وجاوبته بوجه مبتسم وهي تنظر له قائلة: _لا ماما طيبة مش هتقد'ر تعملها بلاش تظـ.ـلمها... تسمحلي أقولك على حاجة. _قولي على طول متستأذنيش مِني عشان تقولي يا “كايلا” عادي.
هكذا جاوبها وهو يستنكر قولها فحتى الآن هو يشعر أنها مازالت لم تعتاد عليه أو أنها مازالت تا'ئهة وتحتاج إلى القليل مِن الوقت كي تعتاد على الأمر بشكلٍ أفضل. بينما نظرت هي له نظرة ذات معنى ثم قالت بوجه مبتسم: _الطقم دا حلو أوي وعجبني، ستايلك فاللبس بصفة عامة عاجبني بصراحة، نفس ستايل “يوسـف” واخواتي أنا بحب اللبس دا أوي.
نظر إلى ثيابه التي كانت عبارة عن بنطال قماشي أسو'د ويعلوه سترة بيضا'ء وكنزة جلـ.ـدية سو'د'اء. نظر لها مجددًا وقال: _دا يُعتبر جزء مجزأ مِن حياتي الطقم دا، في واحد تاني بقى بحبه أوي برضوا هبقى أجي بيه مرَّة وأوريهولك. صدح رنين هاتفه الذي كان يعلو سطح الطاولة بمكالمة هاتفية مِن “سـراج”. تعجب حينما رآه يُهاتفه لمرته الأولى تقريبًا ولذلك استأذن مِنها وجاوبه بنبرة هادئة: _مسا مسا على الناس اللِ مز'علاني ومش كويسة.
أتاه صوت “سـراج” الذي قال بنبرة ساخرة: _يا بجا'حتك لمَ تبقى بجـ.ـح وز'علان كمان، أنتَ معندكش د'م يالا. تفاجئ “جـاد” الذي رفع حاجبيه قليلًا وجاوبه بنبرة مستنكرة: _أنا اللِ طلعت بجـ.ـح بعد دا كُلّه يا “سـراج”، وليه إن شاء الله شـ.ـتمتك بأبوك ولا أكونش شتـ.ـمتك بأبوك. جاوبه “سـراج” الذي قال بنبرة حا'دة يُعـ.ـنفه:
_أنتَ يالا مفيش مرَّة تفتكرنا وتيجي زي ما بتيجي لـ “يـوسف” مخصوص ولا تكونش “مـها” مش قد المقام مش بنـ.ـت عمك دي برضوا. صمت “جـاد” قليلًا بعد أن شعر أنه قد حُصِّـ.ـر ولذلك قال محاولًا الفر'ار مِن هذا المأ'زق الذي أسـ.ـقطه به هذا الما'كر: _أنتَ بتعجـ.ـزني يعني عشان معرفش أرد عليك، وعلى فكرة بقى أنا كُنت ناوي أعدي عليها قبل ما أمشي بس أنتَ سبقتني وظلـ.ـمتني. سَخِرَ مِنْه “سـراج” الذي قال متهكمًا:
_يا بريء يا حنين يا ابو كف رقيق وصغير، تصدق ياض صعبت عليا وأنا ظلـ.ـمتك فعلًا، إخص عليا. أكمل “جـاد” تمثيله لدور الضحـ.ـية المظلو'مة بقوله: _شوفت يا خويا بقى، إنما الأعمال بالنيَّات والله، وأنا نيِّتي كانت خير والله، بس هنقول إيه بقى، دايمًا مظا'ليم. _حوّر كمان حوّر، دا أنا هنفـ.ـخ أهلك بس لمَ تجيلي يا منفو'خ.
توّ'عد له بعد أن أستفـ.ـزه “جـاد” الذي ضحك أخيرًا حينما أستمع إلى نبرة صوته. جاء قول “سـراج” مجددًا حينما توّ'عد له بقوله: _أسمع ياض عشان مش بعيد كلامي مرتين، في حضور في مرواح، مفيش حضور مفيش مرواح وعربيتك هكلـ.ـبشها ووريني هتروّح أزاي يا ابن “راضـي” أمين. ضحك “جـاد” مجددًا حينما أنهى الآخر قوله منتظرًا تلقي الجواب المُراد مِنْه. أتاه الجواب المُراد مِنْه حينما رأى أن لا مفـ.ـر مِن الأمر قائلًا:
_حاضر يا “سـراج”، مش هكسفك، ٥ كدا وهجيلك. _أما نشوف، أنا قاعدلك على باب عُمارة حماتك. ضحك “جـاد” مجددًا ولذلك أضطـ.ـر أن يوافق على حديثه وأنهى المكالمة. نظر إلى “كايلا” وأبتسم لها قائلًا: _شكلِ بايت فالحارة هنا، “سـراج” مستحلفلي لو مروحتش زورتهم وشوية و “يوسـف” هيعرف بوجودي ولو مروحتلهوش هيقلب عليا وأنا مش قد قلباته.
ترك هاتفه كما كان وعاد ينظر إلى شاشة الحاسوب معها يعرض عليها العديد مِن الأشكال والألوان لأثاث المنزل. يتناقش معها ويأخذ برأيها بين الفينة والأخرى ويسمع أقتراحاتها ووجهات نظرها. فهي مَن ستكون سيدة هذا المنزل والأحقية في أختيار أثاثها يعود لها. وهو أمامها لا يستطيع أن يرفض لها مطلبًا. ***
كان في حيرة مِن أمره منذ باكورة الصباح. يجوب في الغرفة جيئة وذهابًا. عقلُه لا يتوقف عن التفكير وقلبه ينبـ.ـض بتسارع طيلة الوقت خو'فًا مِن أن لا تنجح “شاهـي” في الأمر. أخرج زفيرة عميقة وهو يشعر أنَّهُ سوف يجـ.ـن جنو'نه إن لم يتحدث. ولذلك قرر الذهاب إلى ولديه للجلوس معهما ومحاولة إلهاء نفسُه معهما حتى يتوقف قليلًا عن التفكير بها.
خرج مِن غرفته وأتجه إلى غرفة ولديه بخطى هادئة وعقله مازال مُسيطـ.ـرًا عليه يأبى تركه مهما كلَّفه الأمر. طرق فوق الباب بهدوء ليأتي صوت ولده “محمـود” يسمح له بالولوج. وَلَج “عمـاد” بالفعل ليراهما يجاوران بعضهما على الفراش كُل واحد مِنهما منشغلًا في هاتفه. أغلق الباب خلفه بهدوء ثم أقترب مِنهما وجلس أعلى الفراش أمامهما قائلًا بنبرة هادئة بعد أن نظر لهما:
_لقيت نفسي زهقان ود'ماغي مش سيباني تفكير مِن الصبح قولت أجي أقعد معاكم شوية. نظرا له سويًا نظرة ذات معنى ليترك “محمـود” هاتفه ويعتدل في جلسته قائلًا: _شكلك يا “عُمـدة” مش مر'يحني وحاسس إن فيك حاجة. أبتسم “عمـاد” بسمة هادئة تعكس الصر'اع النا'شب بداخله. ثم جاوبه بنبرة هادئة وقال: _أنا مش مر'تاح مِن الصبح ود'ماغي مبطلتش تفكير. قولت أجيلكم يمكن تدوني حل فاصل وتريحوني مِن العذ'اب اللِ أنا فيه دا.
أنتبه له “عامـر” الذي جذ'به حديث والده أكثر مِمَّ جعله يترك هاتفه ويعتدل بجلسته قائلًا بنبرة هادئة وهو ينظر إلى أبيه نظرة ذات معنى: _مالك يا بابا؟ شكلك مش عاجبني وتا'يه بقالك فترة. قولت فالأول يمكن بسبب الشغل والضغو'ط. بس أنا شايف إن في حاجة تانية شاغلة تفكيرك زيادة عن اللزوم. أحكي إحنا سامعينك ولو هنقد'ر نساعد فأكيد مش هنتأخر. وافقه “محمـود” قوله وأكمل قائلًا:
_“عامـر” بيتكلم صح. مالك يا بابا إيه اللِ شاغل تفكيرك وملـ.ـغبطك أوي كدا. أعتدل “عمـاد” في جلسته ونظر لهما نظرة هادئة للحظة. فهو يعلم أن ولديه سيتفهمان الأمر بشكل جيد ولن يرفضا أن يحظى بسعادته التي أفتقـ.ـدها. أخرج زفيرة هادئة حتى يهدأ قليلًا ثم قال وهو ينظر لهما متسائلًا: _محتاج أخُد رأيكم فحاجة تخصني. هو أنا لو جه عليا يوم مِن الأيام وقررت أتجوز، هتما'نعوا.
ألقى بسؤاله ونظر لهما مترقبًا ينتظر ردهما. يخشى تلقي ردًا هو لا يتمناه فهذه المرة تحديدًا هو يُريد أخذ تلك الخطوة وبشـ.ـدة فهو يرى سعادته معها ويرى بها ما أفتقـ.ـره مع غيرها سيكون الأمر كنصـ.ـل السـ.ـكين على النحـ.ـر إن ر'فضا هذا الأمر بكُل تأكيد. بينما كانا الشقيقين ينظران له ونظرتهما له تحمل الكثير والكثير. التساؤل، التعجب، الحيرة. ابْتَلَـ.ـع “عامـر” غُصَّته وسأله قائلًا: _هو حضرتك ناوي تتجوز يعني؟
في واحدة مُعيَّنة ولا دا مجرد سؤال. أخرج “عمـاد” زفيرة عميقة وجاوبه بنبرة هادئة: _آه، بس محتاج رأيكم عشان يهمني أكتر مِن رأيي. رأيكم إيه. نظر “عامـر” إلى أخيه الذي نظر له كذلك دون أن يتحدث. نظرا له وجاء رد “محمـود” هذه المرة حينما قال بنبرة هادئة:
_بابا دي حياتك وأنتَ حُر فيها. مِن حقك تقرر إذا كُنت محتاج تتجوز تاني أو لا. أنا عارف إن اللِ شوفته مكانش قليل عليك وعارف إننا واحد عشان دوقنا مع بعض نفس الإحساس. وعشان كدا أنا مش معا'رض خالص. حابب تتجوز أتجوز يا بابا دي حاجة تفرحني عشان هتفرحك أكيد مقد'رش أر'فض وأحر'مك مِن حاجة عمال تدوّر عليها ومش لاقيها. أتجوز أنا معنديش مشـ.ـكلة بالعكس هكون مبسوطلك على فكرة. أتجوز طالما هتلاقي سعادتك.
أنهى حديثه وهو ينظر له مبتسم الوجه بعد أن وافق على قرار أبيه بالزواج مرَّة ثانية. فهو أكثرهم معرفة بمشاعر أبيه الآن ويعلم أنَّهُ لم يكُن هينًا عليه ما رآه مع والدته ولذلك منحه هو هذه الفرصة بترحاب بموافقته. أبتسم “عمـاد” وشَعَر بالقليل مِن الراحة حينما وافق ولده الصغير. ولكن يبقى البكري الذي نظر له منتظرًا الرد الحاسـ.ـم مِنْه. داعيًا المولى بداخله أن ينصفه ويُعطيه موافقته على هذا القرار المصيري بالنسبة له.
أخرج “عامـر” زفيرة قوية بعد أن عَلِمَ أن الدور عليه ويجب أن يُبدي برأيه في هذه اللحظة ويعلم أن أبيه ينتظر الرد الحاسم مِنْه. الذي إما أن ينصفه، أو يضر'به في مقتـ.ـل. ابْتَلَـ.ـع “عامـر” غُصَّته وقال بنبرة هادئة بعد أن قرر كسـ.ـر حِدَّ'ة هذا الصمت: _طبعًا أنتَ متوقع مِني أنِ أر'فض صح؟ بس أنا مش هعمل كدا ولا هفكر أعملها مجرد تفكير. لو السـ.ـت دي كويسة وأنتَ مرتاحلها يا بابا وعايزها خلاص ليه لا؟
أنا مش هكـ.ـرهلك الخير بالعكس. أتجوزها يا “عُمـدة” وأتطمن. إحنا مش هنقف قدام سعادتك ولا هنحر'مك مِن حاجة غيرها حر'متك مِنها. يمكن تكون هي عوضك بجد وسعادتك تكون معاها. دا حقك.
بكلماته الصادقة، انتشـ.ـل والده مِن دوا'مة الحيرة. ومنحه الطمأنينة التي كان يبحث عنها. فكان التوتر الزائد هو الذي مَزّ'قه إر'بًا وجعله في حيرة مِن أمره. فهذه هي الإجابة التي كان ينتظرها مِنهما وهما لم يبخلا'ن بها عليه. أتسعت الابتسامة على ثَغْره والتمعت عيناه ببريق نطـ.ـق بالحياة والأمل مِن جديد. بَسَط ذراعيه على اتساعهما، متلهفًا لعناق يحتضنه مِنهما. وصدقًا لم ينتظرا كثيرًا واقتربا مِنْه يُعانقانه معًا. كان عناق حنون ود'افئ يُشعره بمدى قربهما مِنْه وسعادتهما لأجله وسعيهما لأجل راحته.
_أنا مبقاش ليا غيركم. عبارة صادقة خرجت مِن قلب صادق لم يعلم الخدا'ع يومًا أو الكذ'ب. حينما رأى أنهما مَن سيُكملان معه دربه. لم يُخـ.ـطئ القلب يومًا. ولم يخذُ'له يومًا. جاء الجواب مِن “عامـر” الذي أبتسم وقال بنبرة حنونة: _إحنا كمان ملناش غيرك. أنتَ دُنيتنا كُلّها يا حبيبِ. زي ما بتسعى عشان راحتِ أنا كمان هسعى عشان خاطر راحتك لأن راحتك وفرحتك يهموني.
ترقرق الدمع في المُقل بعد أن وضعت الكلمات وصمتها على قلبه. فقد تأ'ثر كثيرًا بكلماته وعَلِمَ أنَّ ربه قد رزقه بهما عوضًا عن مَن غد'رت ور'حلت. جاء السؤال مِن “محمـود” الذي قال بنبرة هادئة: _مقولتليش يا حج، مين اللِ قدرت تجيبك كدا على طول؟ دا أنتَ حتى لسه معملتش موڤ أون لحقت.
أبتسم “عمـاد” وأبتعدا عنه ينظران إليه منتظران معرفة هوية تلك السيدة التي جعلت أبيه يسـ.ـقط في شبا'كها بأقل مجهو'د مِنها. رآنه يبتسم وهو ينظر لهما تزامنًا مع قوله الهادئ: _خمنوا مين. سأله “محمـود” هذه المرة حينما قال بنبرة هادئة: _مين؟ حد نعرفه يعني. _آه. تعجبا ونظرا إلى بعضهما وهما يُفكران في هوية تلك السيدة التي جعلت أبيهم هكذا ليُنكرا معرفتهما حينما قال “محمـود” جا'هلًا:
_لا مش عارفين بصراحة. مين اللِ جابتك الأ'رض يا “عُمـدة” قول بسرعة. أنهى حديثه بنبرة خـ.ـبيثة بعد أن أغلق عيناه قليلًا وأرتسمت البسمة الهادئة على شفتيه. ضحك “عمـاد” حينما رأى ولده عاد يُمازحه ليجاوبه بنبرة ضاحكة: _هقولك يا لئيـ.ـم مين؟ “هنـاء” أم “بيلا”.
أصا'بتهما الصدمة هذه المرة بحق. حينما تلقيا معًا الجواب الذي جعل الذهول هو عنوانهما. كانت مفاجأة ليست في الحُسبان وكانت الضر'بة قا'تلة لهما. فقد ظنّا في بادئ الأمر أنها مِن عائلتهم. ولكن كان لأبيهم رأيًا آخر في ذلك. تحدث “عمـاد” مترقبًا بعد أن رأى ردة فعلهما بعدها بقوله الهادئ: _مالكم في إيه؟ مش مبسوطين ولا إيه. _لا طبعًا. إحنا أتفاجئنا بس مش أكتر. كانت بعيدة خالص إحنا فكرناها مِن عيلتنا.
جاوبه “محمـود” ينفي قوله ثم شرح له الأمر مِن منظورهما حتى تتضح الأمور ويتـ.ـملك اليأ'س مِن أبيه الذي يبدو أنَّهُ بدأ يعود إلى حياته الطبيعية مجددًا. سأله “عامـر” هذه المرة حينما قال بنبرة هادئة: _طب هي رأيها إيه؟ يعني صارحتها ولا لسه مخدتش القرار. تذكّر “عمـاد” كيف كان مظهرها حينما صارحها بمشاعره نحوها. أبتسم بسمة واسعة ثم تحوّلت إلى ضحكة خفيفة تزامنًا مع قوله:
_صارحتها. مقدرتش بصراحة أستنى كتير. بس هي أتفاجئت. أو أتصدمت لدرجة إنها سابتني وجريت عالأوضة. مازحه هذه المرة “محمـود” الذي غمز بعينُه اليُسرى بعبث وهو يقول:
_أيوه يا عمّ داخلها حا'مي أنتَ. طبيعي تسيبك وتجري براحة عليها يا حج شوية بلاش تديها الضر'بة جامدة كدا على طول. واحدة واحدة عليها السـ.ـت برضوا هتلاقيها متـ.ـلغبطة دلوقتي كانت عايشة لوحدها مع ولادها وقفلت على نفسها لمَ تلاقي ر'اجل جاي بيخبط على باب شقتها ضيف ويقعد ويصارح بمشاعره ليها لا صـ.ـعبة حبتين برضوا هما مش زينا. خُدها واحدة واحدة هتيجي معاك إنما لو أستمريت كدا مش هتعرف تمشي.
جاء الرد مِن أخيه “عامـر” الذي نظر له بطرف عينه وقال بنبرة ما'كرة: _يا حبيبِ. خُدوا الحكمة مِن أفواه الحكماء يا حج الو'اد دا عنده خبرة فالستا'ت ما شاء الله كان معاشر ستهم. _يا دي السيرة المنـ.ـيلة دي يا عمّ الله يرضى عنك متفكرنيش أنا بحاول أنسى بالله عليك. هكذا جاوبه “محمـود” بنبرة تملؤها الضـ.ـيق بعد أن تذكّر تلك الأيام العـ.ـصيبة التي مرّ بها معها. تحدث “عمـاد” هذه المرة حينما قال بنبرة هادئة:
_اللِ فات خلاص ماضي وراح. عايزين نشوف الحاضر ونخطط للمستقبل. أنتَ هتخطب بعد بُكرة وكُلّها كام شهر وتتجوز وهو ربنا هيعوضه ببـ.ـنت الحلا'ل اللِ تقدره بجد وتشيله جوّه عنيها. الحياة مبتوقفش عند حد. المهم إنك تدي نفسك الفرصة ومتحر'مش نفسك مِن إنك تعيش. متقفلش على نفسك يا “محمـود” نصيحة مِن أبوك. أخرج “محمـود” زفيرة عميقة ومسح بكفه فوق صفحة وجهه دون أن يتحدث وكأن الحديث أصبح عـ.ـبئًا مثقـ.ـلًا على صدره. بينما وافقه
ولده البكري القول بقوله: _أبوك بيتكلم صح. متقفلش على نفسك يا “محمـود”. أنتَ لسه صغير وعوضك هييجي يعني هييجي أول ما ربك يريد. كان جواب “محمـود” على حديثهما هو إماءة صغيرة مِن رأسه دون أن يتحدث وهو يتلاشى النظر إليهما. بينما نظر “عامـر” إلى والده الذي أشار إليه بتركه دون أن يتحدث بحرف آخر وهو ينظر إلى ولده الصغير الذي كان وكأنه بدأ يُفكر في الأمر بشكل أكثر جدية. *** قُبَيل المغرب.
كانت “فاطمة” تجلس أمام شاشة التلفاز تُتابع مسلسلها التُركي المفضل وعَبراتها تسـ.ـقط على صفحة وجهها وتُمسك بيَدها الملعقة وتتناول الطعام. تركتها ومدّت يَدها تسحب المحرمة مِن على سطح الطاولة تمسح عَبراتها ثم عادت تتناول الطعام.
وَلَج “لؤي” إلى الشقة مغلقًا الباب خلفه مُلقيًا عليها السلام لتجاوبه هي بنبرة باكية دون أن تحيد بصرها عن شاشة التلفاز. بينما نز'ع هو حذائه وولج إلى المرحاض يغسل يَديه ووجهه. لحظات وخرج مقتربًا مِنها بخطى هادئة ليجاورها متأ'وهًا بعد أن جلس بشكل أكثر أر'يحية ثم نظر لها بطرف عينه ورفع حاجبه عا'ليًا تزامنًا مع قوله: _والله، إيه العياط والشحتفة دي كُلّها. سـ.ـقطت عَبراتها مجددًا وهي تجاوبه بنبرة باكية قائلة:
_“فاطمة” مش عارفة تاخد حـ.ـقها لحد دلوقتي. صعبا'نة عليا أوي كانوا المجرمين المفروض يتحا'كموا بس متحا'كموش وخرجوا مِنها. أنهت حديثها وأزداد بُكاءها بعد أن سـ.ـقطت عيناها على شاشة التلفاز مِن جديد. بينما أخرج “لؤي” زفيرة قوية وهو يتمتم بقلة حيلة: _وعهد الله أنا متجوز مجنو'نة بنـ.ـت مجا'نين. نظر لها مجددًا هُنَ>ة ثم قال بنبرة هادئة بعد أن قرر كسـ.ـر وصلة بُكاءها ذاك:
_أهو أنا كُنت عامل حساب إن هرجع عالمنظر دا. فاكرة المرة اللِ فاتت لمَ> دخلت لقيتك مفحو'تة عياط. و'قعت قلب ساعتها وأفتكرت حد مِن العيال جراله حاجة وطلعت بتسمعي نفس المسلسل. هو المسلسل دا مفيهوش حاجة تفرّح. أنهى حديثه متسائلًا وهو ينظر لها بعد أن تذكّر كيف مضت المرة الماضية كاد حينها يفقـ.ـد عقله حينما رآها تبكِ>. بينما جاوبته هي بنبرة باكية قائلة:
_“فاطمة” أتظـ.ـلمت أوي وحياتها أتد'مرت يا “لؤي”. قـ.ـطعت قلبِ> عليها بجد مِ>نهم لله. تصدق، دا حتى مرات أخوها حر’>باية وقو’>ية ربنا ياخدها العقر’>بة دي. وضع كفيه على وجهه وهو يقول بقلة حيلة: _يا ربّ صبرني على بنـ.ـت المجنو’>نة دي. هييجي عليا فيوم وأتهوّ’>ر وأر’>مي عليك يمين الطلا’>ق يا “فاطمة” بسبب اللِ> بتعمليه فيا دا يا شيخة حرام عليكِ>.
أخرج زفيرة قوية ثم أبعد كفيه ونظر لها وإلى الصحن الذي كان يمكث بيَ>دها. أعتدل في جلسته ومدّ يَ>ده يأخذه جهاز التحكم ليُغيِّ>ر القناة بأخرى خاصة بالرياضة حيث فريقه المفضل يلعب. مدّ يَ>ده مجددًا نحوها يأخذ الصحن مِ>نها والملعقة ليبدأ بتناول الطعام بدلً>ا عنها وهو يُشاهد المباراة. صدح رنين هاتفه يُعلنه عن أتصال هاتفي مِ>ن صديقه لذلك أخذه مجيبً>ا إياه قائلً>ا:
_أيوه يا حبيبي. لسه طالع حالً>ا أهو. بدأ آه أهو. لا تشكيلة الأهلي عسل إلحق أنتَ> بس أطلع عشان تلحقه هو لسه يا دوبك بادئ. ماشي يا حبيبي.
أنهى حديثه معه وأغلق المكالمة وترك هاتفه بجواره وعاد ينظر إلى شاشة التلفاز وهو يتناول الطعام دون أن يُعيرها أيا أهمية. بينما كانت هي تجلس بجواره تنظر له بصمت تام دون أن تتحدث وكأن عقلها مازال لم يستوعب حتى هذه اللحظة ما فعله. عادت تبكِ> مجددً>ا ليترك هو الملعقة في الصحن ويَمُدّ يَ>ده نحوها يجذ'بها مِ>ن ذراعها نحوه يحاوطها بذراعه مربتً>ا فوق ذراعها وهو يتمتم بقلة حيلة:
_يا ربّ> صبرني عالمجنو’>نة دي. أنا مش حِ>مل جنا'ن عايز أكمل بعـ.ـقلي. في منزل “يعقـوب”.
كانت “زُبيدة” تجلس في غرفة المعيشة تقوم بطوي ملابس “يعقـوب” والهدوء كان هو المسيطـ.ـر على المكان. برغم أنها كانت تشعُر بالمـ.ـلل لبقاءها سويعات طويلة وحدها. أنهت طويهم لتسمع صوت المفتاح داخل مز'لاج الباب ولذلك نظرت نحوه تلقائيً>ا لتراه عاد والإر'هاق باديً>ا على تعبيرات وجهه. نهضت واقفة وهي تنظر له لتكسـ.ـر حِ>دَّ’>ة هذا الصمت بقولها الهادئ:
_حمدلله على سلامتك يا حبيبِ>. أخيرً>ا دا أنا همو’>ت مِ>ن الملل مِ>ن الصبح لوحدي.
ترك أغراضه على سطح الطاولة واقترب مِ>نها بخطى مثقـ.ـلة تحت نظراتها التي كانت تُتابعه. كانت متعجبة مِ>ن صمته وحالته التي أصا'بت ر’>يبتها بلا شـ.ـك. أر'تمى في أحضانها واضعً>ا رأسه فوق كتفها دون أن يتحدث مِمَّ> جعل القلـ.ـق يد'ب في قلبها. حاوطته بذراعيها مربتً>ا على ظهره برفق قائلة بنبرة غمرتها القلـ.ـق: _في إيه يا “يعقـوب” مالك؟ راجع قالب وشك كدا ليه هو أنتم أتخا'نقتوا مع بعض ولا إيه.
حاوطها بذراعيه مشد'دً>ا مِ>ن ضمته لها دون أن يتحدث وكأنه يواسيها خفية. يُداو'ي رو'ح لا تعلم أنها ستنزُ'ف بعد لحظات. عناقه فعل ما لم يستطع فمه البوح به. وكعادتها أحتو'ته تمسح فوق ظهره بحنو دون أن تتحدث بعد أن قررت تركه حتى يهدأ ويُخبرها هو بما يشعُ>ر به. وبعد مرور القليل مِ>ن الوقت.
كان الخو'ف هو المسيطـ.ـر الو'حيد عليها حتى هذه اللحظة فهو لا يتحدث مطلقً>ا وهذا ما جعلها تقلـ.ـق بشدة. نظرت لهُ بعد أن أبتعد عنها لتسأله بنبرة هادئة قائلة: _مالك يا حبيبِ>. فيك إيه؟ جاي ساكت ليه يا حبيبِ>. أتكلم. أنا بدأت أخا'ف عليك أوي.
نظر لها في هذه اللحظة دون أن يتحدث والحز'ن واضحً>ا على تعبيرات وجهه ونظرته لها مِ>مَّ> جعل القـ.ـلق يزداد أكثر بداخلها. ابْتَ>لَـ.ـع غُ>صَّتها بتروٍ> وقالت: _طب أنتَ> تـ.ـعبان؟ أتكلم يا “يعقـوب”. متو’>جعش قلبِ> عليك. وبعد صمت دام لعشرون دقيقة جاوبها بنبرة هادئة وهو ينظر لها بعينين تلمعان قائلً>ا: _أنا مش هوديكِ> للدكتورة يا “زُبيدة”.
عقدت هي حاجبيها متعجبة. وبدأ القـ.ـلق يساور قلبها لتجاوبه بنبرة متوترة قائلة: _ليه يا “يعقـوب”؟ رجعت فكلامك ليه أنتَ> قولتلِ> إنك هتوديني. _عشان أنتِ> كويسة وزي الفُ>ل يا “زُبيدة”. مش محتاجة للدكتورة. هكذا جاوبها بنبرة هادئة مر'هقة محاولً>ا تما'لُك نفسُ>ه أمامها. بينما أزداد قلـ.ـقها هي وسألته بنبرة هادئة بعد أن تسارعت نبـ.ـضات قلبها: _ليه؟ وعرفت منين إنِ> كويسة؟
أتكلم يا “يعقـوب”. متخو’>فنيش. أخذ هو نفسً>ا عميقً>ا ثم زفره بهدوء. نظر لها وقال بنبرة جا'مدة مُ>لـ.ـقيً>ا بكلماته على مسامعها لتُصيـ.ـب رو'حها النقيـ.ـة تقـ.ـتلها:
_أنا وأنتِ> كويسين مفيناش أي حاجة. بس في اللِ> مش عايزنا نخلف يا “زُبيدة”. أختك عملتلك سحـ.ـر عشان متخلفيش يا “زُبيدة”. وأنا “فتـوح” عامل نفس السحـ.ـر عشان ميشوفنيش مبسوط ولا أنول ضـ.ـفر العيل اللِ> كُ>نت بتمناه كُ>ل لمَ> أقعد معاه وأحكيله عليه. شوفتِ> بقى الو'جع اللِ> بجد صعـ.ـب أزاي ..!!
أنهى وهو ينظر لها محاولً>ا السيطـ.ـرة على نفسُ>ه بعد أن خا'نته عَ>براته وسقـ.ـطت على صفحة وجهه. فقد كان يحبس هذا الأ'لم بداخله طيلة الوقت حتى يقف أمامها ويواجهها بحقيقة الأمر. تثا'قلت أنفاسه وكأن الهواء أصبح عبـ.ـئً>ا على صدره. بينما كانت هي تنظر له مجحظة العينين لا تُصدق ما سمعته منذ لحظات فيبدو وكأنه كابو'س أسو'د وستستيقظ مِ>نْ>ه في أيا لحظة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!