الفصل 129 | من 129 فصل

رواية جعفر البلطجي الفصل 129 - بقلم بيسو وليد

المشاهدات
18
كلمة
8,326
وقت القراءة
42 د
التقدم في الرواية 100%
حجم الخط: 18

كل الطرق تؤدي إليك… لكنك لست في أي منها. أخفي حزني بين ضلوعي، وأقول: سيعود الغائب، سيعود… لكن الوقت لا يرحم، والشوق لا يطفئه رجاء. وكل مساء، أفتش في قلبي عنك، فأجد طيفك، وألمك، وغيابك. أخشى أن تكوني نسيتني، أو أن تكون الحياة خذلتك عن الرجوع. وأخشى أكثر… أن أعتاد الغياب، فأنسى كيف كان حضورك يحييني. ليست كل البدايات تولد من النور، أحيانًا تأتي من رحم العتمة.

حين يظن القلب أنه لن ينبض مجددًا، تبدأ الحياة من جديد حين نقرر أن نترك ما كسرنا دون أن نحمله معنا. لا لأن النسيان سهل، بل لأن البقاء في الظل أصعب. هكذا تولد البدايات الحقيقية… من وجع قرر صاحبه أن يتجاوزه، لا أن ينتصر عليه. "لم يكن الخلاص سهلًا على المرء." أتعلم حينما يراودك شعور بالخطر؟ وكأن العالم من حولك أصبح هو الخطر. كانت أولى الأفكار تتجسد في الهروب، وأول صرخة كانت تخرج للاستغاثة.

كانت لمن نراه الأمان في هذا الفساد. اليوم هذا الأمان لم يكن سوى فسادًا. بئر الأمان وأذرع الحنان، أصبحت مسمومة. ثقلت الأنفاس، وكأن حملًا ثقيلًا فوق صدره يأبى الإنسحاب. كصخرة صلبة صعب تحريكها من مكانها. جف حلقه، وكأن الماء إنسحب من أرض كانت تملؤها خيرات الرب. تراخٍ مرعب شعر به في أطرافه، وكأن جسده مخلّيًا. وكأن الغشاوة نزعت عن عيناه ليرى الشيطان مجسدًا أمامه.

يراوده سواء في أحلامه أو يقظته، يأبى تركه يعيش كبقية المخلوقات. تلك كانت نبع الحنان، الصدر الدافئ، المدرسة التي إن أعدتها أعدت شعبًا طيب الأعراق. تمنى لو كانت كابوسته الذي ظهر في يقظته بدلًا من نومه. فإن كانت قد عادت لاستكمال سجل مؤامراتها، فلن يكون الضحية مجددًا هذه المرة. أخرج نفسه سريعًا من حالة الصدمة والضعف اللذان تملكا منه. وعاد لشخصه الذي عهده، هذا الذي تم دفنه تحت التراب ودُهست فوقه الأقدام كالحشرة.

كان يحتاج إلى يد المعونة، وكان الفضل لصاحب الفضل في ذلك. مد يده ممسكًا بذراعها، لم تكن قبضة لينة بقدر ما كانت قاسية. دفعها بعنف بعيدًا عن باب سيارته الثمينة. وعيناه ترميها بنظرات مشمئزة، وكأنها جرثومة لوّثت سيارته الحبيبة. أخرج محرمة معقمة من جيب بنطاله وقام بمسح البقعة التي كانت فوقها كفها. خرج صوته حينها قاسيًا، مجردًا من العطف كما اعتادت عليه:

"أنا مبحبش حد خاين يلمس حاجة تخصني. حلي عني بدل يمين بالله لهتشوفي وش مّني يزعلك الباقي مّن عمرك. ومتستغليش نقطة إنّي مقدرش أرفع إيدي على واحدة لصالحك عشان لو أنا مبعرفش أرفع إيدي فعلًا، فهعرف أرفع لساني وهيسمعك كلام يخليكي تتمني الأرض تتشّق وتبلعك. روحي مطرح ما جيتي أحسن ليكي عشان مش عايز يومي يضرب بسببك." وبمثابة أنهى حديثه، فتح باب السيارة مّن جديد والغضب هو المتحكم به في تلك اللحظة.

لقد عهد على أن تلك الشخصية كانت شخصيته الأصلية، هويته المجهولة التي كانت غائبة عنه لسنوات طويلة. منذ أن استعاد ذاته وبدأ كل ليلة يشعر بالنفور كلما تذكرها وتذكر كيف كانت تعلن استسلامها. وكيف كانت طوال الوقت تقف أمامه بالمرصاد، ترفض إعطاءه حقوقه الشرعية كأي رجل عادي غيره. لا يعلم كيف كان يصمت أمامها ويجعلها تفعل ما كانت تريده. ولكنه الآن عاد إلى سابق عهده، وهذه المرة هو المسيطر ولا غيره. "محمود" أنا أمك.. اسكتي..!!

صرخ بها بإنفعال واضح. انتفخت أوداجه وهو يطالعها بعين مجحظة قليلًا محاولًا تماسك نفسه حتى لا يتم فضحه أمام المارة. كان صدره يعلو ويهبط بعنف واضح وهي تقف أمامه مهزوزة لأول مرة. لم تكن في هذه اللحظة "زينات" المرأة القوية المتسلطة. كانت أقل مّن ذلك بكثير. أصبحت كـ "محمود" في ضعفها وقلة حيلتها. أصبحت الطرف الضعيف وهو أمامها الوحش المكسور. هذا الوحش الذي دفنته تحت سطوتها وفرضت سيطرتها عليه.

ما تم زرعه يتم حصاده، تلك هي الحقيقة. هي الآن تحصد ما قامت بزرعه في قديم الأزل. زرعتها كانت صالحة في البداية، ولكن مع هبات العواصف والليالي القاسية وعدم العناية تحولت تلك النبتة إلى أخرى ميتة، لا حياة لها. اكتست الحمرة عيناه وهو ينظر في عيناها وكأنها سهام ترشق في صدرها. نظرات إتهام وكراهية لم تكن تتوقع أن تصوب نحوها يومًا. ولكنها فعلت ذلك بنفسها الآن، ووجب عليها تحمل ما ستلقاه على يديه. "أنت عمرك ما كنتي أم.."

نظرت مباشرة في عيناه الدامعة والمليئة بالكراهية لها. لا تصدق ما تسمعه، وما تراه من شر لم تعهده يومًا. طعنة غير مرئية صبت تجاه قلبها وكأنها تتعمد أن تذيقها مرارة الشعور ذاته. أما عنه، فكان أكثرهم وجعًا، وكسرة، وتخاذلًا. أشهر سبابته في وجهها، وكأنه يوجه جميع الاتهامات لها. ونبرته كانت كافية لتبوح وتبوح للجميع كيف يمكن للرجل الذي لا يكسر ولا يهان، أن يكون يومًا مجردًا من الهيبة، والكرامة، وعزة النفس.

"أنا كرهتك أكتر ما حبيتك. أقسملك بالله العلي العظيم إنّي محبتكيش قد ما كرهتك دلوقتي. كل ما أبص فوشك بشوف نفسي وأنا مكسور، ومذلول، وراجل ملهوش كلمة وأمّه اللي ممشياه. مفيش مرة نصفتيني فيها ورفعتي راسي قدام نفسي حتى. على طول بشوف نفسي واحد تافه، مش راجل عشان واحدة ست تمشيه. كسرتيني بدري أوي. من صغري بتحاولي تكسري شخصيتي. كنت عنيد، اللي بعوزه باخده من عين التخين وكلمتي كانت سيف على رقاب الكل. معجبكيش الوضع وحبيتي تفرضي نفسك وسلطتك عليا، فعرفتي تكسري عيني صح. لم.."

متكملش. أوقفته وهي تنظر إليه وعينها تغلفها طبقة شفافة من دموعها. وكأنها تخشى سماع ما تهرب منه طيلة حياتها. ولكن أمام هذا الغول، القطار لا يتوقف، والنزيف يأبى التوقف. أكمل بنبرة جامدة، وكأنه يعاندها ويستعيد شيئًا بسيطًا من تمرده عليها: "مكملش ليه؟ خايفة تواجهي الحقيقة اللي سعيتي عمرك كله عشان تهربي منها؟

بس أنا قررت مسكوتش بعد النهاردة. أنا هتكلم وهعلي صوتي كمان عشان انتِ واللي زيك يعرفوا حقيقتهم بجد. عرفتي تكسريني صح أوي يا مدام. لم كسرتي عيني قدام الناس وقولتيلي انتِ مش راجل لمجرد انتِ ابن فاشل وعاق. كسرتيني وقـ.ـطمتي ضهري وخليتي عيني فالأرض. لا ومش بس كدا، جوزتيني لواحدة مكانتش شيفاني أساسًا ووقفتي فصفها ضدي، ضد ابنك. طب تعرفي كام مرة طعنت رجولتي؟

كام مرة قالتلي أنا مش شيفاك راجل، انتِ فنظري نص راجل. أنا مّن وقتها وأنا مداس على أهلي سواء منك أو منها، ومحدش كان حاسس بالنار اللي قايدة جوايا ومش راضية تطفي. أنا اتخدعت فأكبر مغفلة فالدنيا. الأم عيني مش الأمان ولا وجودها هيأثر عليا عشان منصفتنيش قدام نفسي مرة. إنما اللي وقف جنبي ودعمني بجد وخد صفي كان أبويا. الراجل اللي داق نفس الكاس اللي دوقته أنا منه." سقطت عبراته كشلالات منهمرة لا تتوقف.

تسارعت وتيرة أنفاسه وبدأ صدره يعلو ويهبط بوضوح أمام عينيها. أرغمته على تذكر أشياء سعى لنسيانها ولو لوقت قصير. كانت ضربته قوية ولم يتحملها خصوصًا منها هي. بئر الأمان، لم يستطع أن يكمل حديثه بالرغم مّن أن الكلمات مازالت بداخله وتريد أن تنال حريتها. ولكنه لم يستطع أن تظل أمامه لوقت أطول مّن ذلك. ولذلك ترجل سيارته وأغلق الباب بحركة عنيفة دون النظر إليها أو منحها فرصة أخرى تبرر أفعالها.

حاوط وجهه بكفيه وسمح لنفسه بالبكاء كيفما يشاء. بدأ يبكي بصوت عالٍ وصوته تهدج بعد أن فقد السيطرة على نفسه. فالماضي كوّحش بمخالب قاتلة يسعى خلفه كي ينال منه بأي طريقة. وهي كانت بالنسبة إليه هذا الوحش. لحظات ورفع وجهه وهو ينظر حوله بوجه باكي وعيناه تكسوها الحمرة. سقطت عيناه عليها ليراها مازالت تقف وتنظر إلى زجاج السيارة الأسود على أمل أن يعود لسماعها.

ظل ينظر في عيناها وكأنها يبحث عن الندم، وكأنها تأبى الاعتراف له بخطأها وبندمها على ما فعلته في الماضي. مازالت تكابر وهو لم يعد ينتظر مّنها شيئًا. فهي في منظوره أصبحت ميتة، لا وجود لها. بلحظة حاسمة، انقطع الوصال بين الطرفين. وتعهد على أن تكون تلك المرة هي الأخيرة التي ستجمع بينهما. أدار سيارته وسحب حزام الأمان. وفي هذه اللحظة تبدلت تعبيرات وجهه مائة وثمانون درجة لتصبح أخرى أكثر قسوة وجمودًا.

تحرك بسرعة مّن المكان تاركًا إياها خلفه. رحل وألقى الماضي خلفه بكل أحزانه وأوجاعه. رحل كي يبحث عن ذاته، عن نفسه الضائعة، عن حياة جديدة يعيشها كما كان يحلم دومًا. "لحظة غير محسوبة ترمم قلوبًا مدمرة." في منزل عائلة آل حمدي.. قبيل المغرب، ولج "عماد" بخطى هادئة داخل المنزل. ليس وحيدًا هذه المرة، بل يجاوره رفيق يخطو لأول مرة داخل هذا المنزل. هذه المرة كان وجهه هادئًا ومبتسمًا.

عيناه تسرد على الحاضرين عن تلك الراحة التي يلذ بها لأول مرة. كان في هذه اللحظة أخيه "رابح" يجلس فوق الأريكة وفوق قدميه يستقر حاسوبه ومنصبًا بكامل تركيزه عليه. خرجت "وجيدة" في تلك اللحظة لتراه فجأة ومعه "هناء" التي كانت تشعر بالتوتر. "يا أهلًا وسهلًا بالغاليين. خلّيها تدخل يا عماد، البيت بيتها." رحبت بها "وجيدة" بوجه مبتسم بعد أن رأتها مّن جديد بعد مدة طويلة مّن الغياب.

انتبه لهم "رابح" الذي حوّل عيناه لتستقر فوقهم ليرى امرأة غريبة تقف في عقر داره. أبعد الحاسوب عنه وانتصب واقفًا دون أن يتحدث، يرى اقتراب أخيه منه. أمسك بكفه وسحبه خلفه دون أن يتحدث، تاركًا "هناء" برفقة "وجيدة" التي رحبت بها بحرارة. توقفا كلاهما بعيدًا عن أنظار الجميع. وقف "رابح" قبالة "عماد" ينظر إليه وهو مازال يجهل ما يحدث حوله. نظر إليه "عماد" وبدأ يسرد عليه حقيقة الأمر بقوله:

"أنا عارف إنك مش فاهم حاجة عشان كنت بعيد عن الصورة. بص يمكن تشوفه قرار سريع أو ده جنان مّني، بس أنا قررت أتجوز "هناء"." جمدت معالم وجهه مستنكرًا ما يسمعه مّن أخيه الذي قرر إخباره بما سيحدث بعد أيام قليلة. ردد "رابح" بنبرة خافتة، وكأنه يؤكد لنفسه أن ما سمعه صحيحًا: "تتجوز؟ غريبة، ده لسه مطلق مبقالكش شهر يا عماد. حصل إمتى كل دا؟ وولادك رأيهم إيه فالموضوع دا؟

جاوبه "عماد" بنبرة هادئة، جاعلًا الصورة أوضح أمام أخيه الذي حتى تلك اللحظة مازال لا يفهم ما يحدث حوله:

"بص هو كل حاجة حصلت فجأة، بس أنا لقيت نفسي مع "هناء". هي لوحدها وأنا لوحدي. وأنا بدأت أحس ناحيتها بحاجة، فبعد فترة الموضوع بدأ يزيد، وأنا بصراحة صارحتها ولسه مستني وقت مناسب عشان أتقدملها. ولو على ولادي، هما معندهمش أي مشكلة، بالعكس مرحبين بالفكرة أوي، وطالما فيها راحتي، فهما تمام. أنا قولت أعرفك عشان تكون معانا فالصورة." رفع "رابح" كفه ومسح برفق فوق خصلاته السوداء، وجاوبه بنبرة هادئة يظهر مّن خلالها قلة حيلته:

"اللي يريحك يا خويا أعمله. هو أنا مّن إمتى بيتاخد برأيي يعني؟ ولا بتفاتحني فحاجة تخصك؟ أكمن الـ ٨ سنين فرق اللي بينا يعني مخلّيني حاططني عالرف." رماه "عماد" نظرة تحمل عتابًا خفيًا بعد أن استمع إلى حديث أخيه الذي كان يبدو عليه الحزن رفيقًا له. مد "عماد" كفه ووضعه فوق كتف أخيه قائلًا بنبرة هادئة: "إيه اللي بتقوله دا يا رابح؟

كدا هتزعلني مّنك بجد. مفيش بينا كدا وأنت عارف كدا كويس أوي. أنا بس مبحبش أتكلم مش أكتر، مش الهبل اللي فدماغك دا. إياك تقول كدا تاني. وبعدين لو هاخد رأي حد هنا، فأول واحد هيكون أنت. أنت أينعم سنك مقارب لسن "يوسف"، بس فاهم الدنيا، وأكيد يعني هترضى الخير لأخوك. ولا تكونش بتحقد عليا دلوقتي ولا إيه نظامك." وأمامه لم يستطع أن يظل ملتزم الصمت كثيرًا.

ولذلك بسمة خفيفة ارتسمت فوق شفتيه بعد أن استطاع "عماد" استغلال أخيه كما يفعل دومًا. هز "رابح" رأسه برفق وجاوبه بنبرة هادئة: "عندك حق. بتعرف تدخل مّن ثغراتي يا عماد. مّن صغرك وأنت مش سهل برضوا. عمومًا يا سيدي، أنا مش هتمنالك غير كل خير، ومّن حقك تشوف نفسك برضوا، محدش هيقول حاجة. المهم تكون مبسوط. بس أنا فرد أساسي وأنت رايح تتقدم، أنا مش هتنازل على فكرة." قهقه "عماد" بخفة بعد أن استمع إلى شرط أخيه ليوافقه القول بقوله:

"ماشي يا عم رابح، أنت فرد أساسي فالقعدة إن شاء الله. عامر يخطب بس بكرة على خير، وبعدين بقى نشوف الحوار دا. المهم عندي هو دلوقتي." طمأنه "رابح" بقوله الهادئ بعد أن رأى توتر أخيه حين تم ذكر ولده: "متخافش على عامر، كلّها سنة ويتجوز. و"محمود" ربنا يكرمه بـ بنت الحلال اللي تصونه وتعوضه عن اللي شافه. عيالك رجالة يا عماد، ميتخافش عليهم صدقني." تنهيدة عميقة خرجت مّن "عماد" الذي تمنى أن يحدث ذلك ويرى ولديه في أفضل حال.

أخذه وخرج مّن جديد إلى "هناء" التي كانت تجالس "وجيدة" وتتحدث معها ضاحكة. نظر إليها "عماد" وبسمة هادئة ارتسمت فوق شفتيه حينما رآها مندمجة في الحديث مع زوجة أخيه وتقص عليها بعض المواقف التي حدثت معها. شعر بالطمأنينة وقبل أن يتحدث، ولج "محمود" مّن الخارج يحمل الحلّتان خلف ظهره بكف، والآخر يحمل بعض الحقائب الكرتونية التي تحمل شعارات مختلفة لمنتجات شهيرة. كان متجهم الوجه، وكأنه ارتكب جريمة وعاد مجددًا.

اتجهت الأعين عليه، وعلى رأسهم "عماد" الذي شعر بأن شيئًا ما حدث مع ولده جعله بتلك الحالة. ومعه "هناء" التي أنذرها قلبها بشيء غير عادي سيحدث في تلك اللحظة. تحرك "عماد" يقترب مّن ولده، يقطع عنه طريقه وهو يقف في مواجهته مباشرة، وعيناه تتابع تقاسيم وجهه التي لا تنذر بالخير. "إيه فيه؟ مالك راجع مش طايق نفسك ووشك مقلوب بالمنظر دا كدا ليه؟ إيه اللي حصل؟

نزل "عامر" مّن الطابق الثاني واقترب مّنهم وهو لا يفهم ماذا حدث ولِمَ أخيه عابس الوجه بتلك الطريقة التي أصابته بالريبة. وقف بجانب أبيه وهو ينظر إلى أخيه مترقبًا قوله. بينما لم يتحدث "محمود" أو يفعل شيئًا سوى التهرب مّن حصار أبيه بالنظر بعيدًا عن مرماه. بينما كان "عماد" ينظر إليه وبدأ يتذكر متى رأى تلك النظرة مّن قبل. فنظرة "محمود" ليست غريبة عليه: "أنت شوفتها تاني مش كدا؟

فهم الجميع سبب تلك الحالة التي عليها هذا المسكين الذي لا يعلم كيف يتعافى ويتناسى ما حدث معه. رأى "عامر" ارتعاشة يده الممسكة بالحقائب، ولذلك تقدم مّنه وأخذ الحقائب والحلّتان قبل أن تنتابه الحالة مّن جديد ويُفسد كل شيء. أبتعد عنه تزامنًا مع قوله الصارم: "قولتلك قبل كدا متتأثرش بوجودها ولا بأفعالها. أنت اللي مش راضي تسمع الكلام ومعاند ومصعبها على نفسك." "شايفني باقي عليها؟!!

صرخ به "محمود" بإنفعال واضح بعد أن استفزه حديث أخيه كثيرًا. بينما جاوبه "عامر" بنبرة حادة قائلًا: "لا، بس شايفك لسه تحت تأثيرها، ودي أكبر مصيبة." تقدم "محمود" خطوة مّنه وصرخ به بإنفعال أشد بعد أن تملك الغضب مّنه هذه المرة وفرض سيطرته عليه بالكامل: "أنا مش فارق معايا هي أو غيرها، هي بالنسبة لي ميتة. أنا يتيم أم خلاص خلصت. متستفزونيش أكتر مّن كدا. أنا مش تحت تأثير حد، وزي ما رميت "تماسي" رميتها هي كمان. أفهم بقى..!!

رحل كالإعصار بعد أن أنهى صراخه عليهم وأخرج غضبه المكبو.ت. كانت حالته صدمة للجميع، فلم يكن أحدهم يتوقع أن يصل به الأمر إلى تلك المرحلة. إنسحب "عامر" بهدوء وذهب مجددًا إلى غرفته، فلن يستطيع أن يترك أخيه في تلك اللحظة الصعبة، فبالتأكيد هو الآن يريد مّن يواسيه. اقتربت "هناء" بخطى هادئة مّن "عماد" الذي شعر بثقل في صدره بعد أن استمع إلى حديث ولده ورأى عدوانيته تجاه أخيه وكيف وصل به الأمر إلى تلك المرحلة.

جاورته في وقفته وحاولت مواساته بكلمات بسيطة: "متخافش عليه، هو هيكون كويس صدقني. المسألة مسألة وقت مش أكتر. هو متأثر ومصدوم فيها، محتاج شوية وقت وهينسى بعدها صدقني." "يا رب يا هناء. نفسي ينسى ويعيش حياته قبل ما الوقت يعدي ويسرق. ختم حديثه بنبرة خافتة وهو ينظر نحو الدرج، وكأن ما يتمناه سرّ لا يجب على أحد أن يستمع إليه. وفي كل لحظة يزداد كرهه لها اكثر، وسؤال واحد يدور في عقله دون أن يجد له الجواب.

"أنا التائه في أرض الله، أنا هو الغائب المنتظر." رمزي… إذا نطق الهدى خجل الهوى، وتهاوت الأهواء، وارتفع الدنا. وإذا سار في الأرض، أضاء المكان، كأن النور يمشي في درب الأمان. كلامه بلسم، ووجهه سكينة قلب، وفي سكوته تروى ملاحم الإيمان. في أمسية اليوم، وبينما الأصوات تملأ أرجاء الحارة الشعبية. كان "رمزي" يرقد فوق الفراش، يسبح في بحور نومه منذ ما يقارب ساعة ونصف.

الغرفة ساكنة، والدفء يحاوطها، ألا من صوت أنفاسه الهادئة مسموعة. كانت معالمه ساكنة، وكأنه يتذوق لذة الراحة التي كانت مسلوبة مّنه منذ أشهر. وبين هذا الظلام الذي كان يحيط به، شق النور في الأفق بعيدًا. بدأ يتسع رويدًا رويدًا حتى رأى نفسه فجأة في مكان يشبه الجنة على الأرض. رائحة المسك تفوح في الأرجاء، وزقزقة العصافير تغرد في الأفق حوله وكأنها ترحب به على طريقتها الخاصة.

ممشى طويل مزين بورود جورية حمراء وبيضاء، وكأنها تستقبل ملكًا جديدًا على أراضيها. وبدون أن يشعر، بدأ يسير خلف هذا القط الذي ظهر في طريقه فجأة، وبدأ يرشده إلى وجهته. كان "رمزي" كالذي تم تخديره، لا يعي لم يحدث حوله، إلا فضوله الذي كان يدفعه لمعرفة ما يحدث في المكان وكيف جاء. استغرق خمس دقائق حتى رأى مسجدًا يتسع المكان أمامه. بني من الرخام، كان يلمع تحت الأضواء ليلًا، ويتوهج في الظهيرة تحت أشعة الشمس الذهبية.

وقف أمام المسجد مندهشًا، طاف بعيناه عليه بشمولية وهو يصرح لنفسه أن هذا مّن أفضل وأروع المساجد التي رآها حتى هذه اللحظة. إضاءات ذهبية في الواجهة، وقطعة ذهبية مستطيلة الشكل تعلو بابه الضخم. مدون فوقها "مسجد النور"، وكأنها رسالة غير معلومة. "عجبك المكان مش كدا؟ ألتفت "رمزي" خلفه ينظر إلى المتحدث، والذي لم يكن سوى نسخته المصغرة، وكأنه ضميره اليقظ الذي دومًا يتحكم فيه. كان يشبهه بشدة، ولكن معالمه كانت حادة بعض الشيء.

يرتدي جلبابه الأسود، ويعلوها عباءته الكحيلة الناعمة المطرزة بخيوط ذهبية. يرتدي قبعة بيضاء تشبه تلك القبعات التي يرتدونها شيوخ الأزهر. وبين أنامله تتحرك حبات مسبحته البنية بانتظام. نظر إليه "رمزي" بشمولية، وكأنه يحاول معرفة ما يحدث مّن حوله. "أنت مين؟ سأله "رمزي" بنبرة هادئة مترقبًا تلقي الجواب وهو ينظر إليه بطرف عينه. بينما ابتسم الآخر بسمة هادئة وقال:

"أنا تقدر تقول عليًّا ضميرك، ضميرك اللي عمره ما قبل بالظلم، ولا إن مكسبه المادي يكون مّن مصدر حرام، ولا إنّه يسيبك تنام مثلًا مّن غير ما تقيم الليل، حتى فأشد لحظات مرضك. بفضل أأنبك لحد ما تقوم وتصلي. أنا ضميرك الحي، اللي لولاه مكنتش وصلت للمرحلة دي يا شيخ رمزي." وقف "رمزي" في مواجهته مباشرة، وعيناه تصطدم بعينان الآخر. ضم كفيه خلف ظهره ورفع رأسه بشموخ وقال بنبرة هادئة: "برضوا مش فاهم أنا هنا ليه؟ محتاج أعرف السبب."

أبتسم الآخر بزاوية فمه، وكأنه كان ينتظر تلقي هذا السؤال. تنهد بعمق وقال بنبرة هادئة:

"أنت هنا عشان تعرف أنت لأي مرتبة وصلت يا رمزي. أنت وصلت لمكانة كبيرة أوي عند ربنا. مكانة صعب تتخيلها. المسجد اللي وراك دا اسمه مسجد النور. مسجد النور دا يا شيخ رمزي ليه معنى. المسجد يعبر عن مكانتك، يعني الشيء اللي بيخليك جنب ربنا على طول. أول ما عينك تشوفه يفكرك بربك، فبتلاقي نفسك بتروح المسجد عشان تصلي حتى لو ركعتين. النور فهو طريقك فالدنيا، يعني طريق النور. المسجد دا ملاذك، والنور هو طريقك. أنت أتولدت زاهد، ومكتوب عند ربنا إنك تكون مّن عباده المقربين. دا جزء بسيط مّن اللي هتحصده، لأن زرعك كان صالح ومشيت عالصراط المستقيم. فالنهاية هتكون جنة الفردوس الأعلى إن شاء الله."

كان "رمزي" ينظر إليه وهو يشعر بمشاعر مضطربة بداخله. صراعات قوية نشبت بداخله جعلته لا يستطيع الفوه بكلمة واحدة. مد الآخر كفه واستقر فوق موضع قلبه النابض، يشعر بنبضه السريع تحت راحة كفه. نظر في عيناه مباشرة وقال: "دا اللي هيقربك مّن ربك أكتر." تاه "رمزي" وشعر بالتردد، وكأنه بين عالم لا يعلم عنه شيئًا سوى هذا المسجد الكبير الذي كان يلمع تحت الأضواء الذهبية. نظر في عيناه وهمس له وكأنه يترقب الجواب بحذر شديد: "أنت مين؟

أبتسم له بخفة، وتوهجت لمعة عيناه بوميض يعلن عن طريق جديد لا يعلمه سواه وقال: "أنا أنت يا رمزي." وهنا سكتت الأصوات وبدأت الأضواء تتخافت مّن حوله، وكّل ما كان يسمع ويتردد في عقله عبارة لن ينساها بسهولة. عبارة ستظل عالقة في ذهنه سواء في أحلامه أو يقظته، وكأنها حُفِرت في قلبه. "فقلت له مّن أنت؟ قال أنا أنت." بدأ يتقلب على جانبيه، وكأنه يعود تدريجيًا إلى أرض الواقع. لحظات وأستيقظ فجأة مّن غفلته.

فتح عيناه لتظهر الرؤية مشوشة أمامه لثوان معدودة، ثم بدأت تتضح. ليرى نفسه فوق فراشه والغرفة ساكنة ومظلمة بعض الشيء. لم يكن ذلك سوى حلمًا إليه، لا يعلم أين يشير، ولكنه كان يعلم أنه خيرًا إليه. فرب الخير لا يأتي إلا بالخير. أخرج تنهيدة عميقة وحاوط وجهه بكفيه، يمسح فوقه عدة مرات، وكأنه يزيح أعتاق الماضي. رفع نصفه العلوي بتمهل، ثم انتصب واقفًا. تمطأ قليلًا، ثم تحرك خارج الغرفة بعد أن تقدم مّن الباب وفتحه بهدوء.

سكون غير عادي في المكان لم يعتاد عليه، وكأن ساكني المنزل يتآمرون ضده. وجهته كانت معلومة، المطبخ. كانت "تسنيم" تقف أمام الرخامية تعد لنفسها كوب قهوة بعد أن بدأ ألم رأسها ينتشر رويدًا رويدًا كاللص الهارب. ولج بخطى هادئة ووقف على عتبة المطبخ يشاهدها دون أن يشتت انتباهها. تسللت رائحة المسك في الأرجاء، كهمسة دافئة، تتراقص في الهواء حتى عانقتها برفق. كأنها خلقت لتصل إليها وحدها.

وبلحظة شعرت بذراعين دافئين يحاوطان خصرها، وقبلة دافئة تركت أثرها فوق صفحة وجهها. في لجة السكون، خفتت الأصوات، و نثر الدفء في كل مكان. والشاهد على تلك اللحظة كان القمر الفضي الذي توسط السماء الكحلية. لحظات ورفعت رأسها كي تتيح إليها رؤيته بشكل أوضح. اصطدمت الأعين وتناغمت دقات القلوب، تعزف أجمل الألحان. ذابت نظراته في عينيها، كأن الزمن توقف عند هذا المشهد. وأمام حضرة تلك اللحظة، لم يجرؤ شيئًا على فصلها.

لحظات أخرى وتسلل صوته إلى قلبها، كنسمة دافئة تكسر حدة الصقيع في فصل الشتاء:

"فيوم عقد القرآن ومع أول حضن، قولتلك إنك هتكوني كل الخير اللي هيجيلي بعدين. وقتها انتِ استغربتي ومفهمتيش قصدي. بس وقتها أنا تفائلت بيكي وحسيت إنك مكافأة ربنا ليا. النهاردة أنا بأكدلك على كلامي دا للمرة السابعة. كل ما عينك تيجي فعيني، بحس إنّي بقع فحُبك للمرة الأولى. أنا شوفت منام حلو أوي. هو غريب حبتين آه وأثر فيّا، بس حلو أوي وبسطني. أعمليلي كوباية قهوة مّن إيديكي الحلوين دول معاكي وتعالي نقعد فالبلكونة وهحكيلك اللي شوفته."

بسمة حنونة ارتسمت فوق شفتيها، ولمعة الحب عادت تفرض نفسها وتعلن إليه عن شغف صاحبتها به. بأبسط كلماته يأثر قلبها، وبنظرة حبيب تذيب روحها. وبعد انتهاء يوم وبداية يوم آخر، تتأكد أنه العوض الذي كان ينتظر اللحظة المناسبة كي يأخذ مكانه. بدأت تُعد القهوة بكل حب إليه، وابتسامة خفيفة ترسم فوق شفتيها. وهو ألتزم مكانه، عيناه تتابعها بشغف دون أن يتحدث. وقفت أمام مشعل الغاز وبدأت بتقليب القهوة بهدوء.

وبلحظة أخذتها الذكريات، وعادت بها ليوم زفافها. مازالت تتذكر كيف كان حالها بعد أن أصبحت زوجته بشكل رسمي. كانت يومها أميرة مّن عالم الأميرات. فستانها الأبيض، يزينه خيوط فضية تلمع تحت الأضواء المعاكسة. كان بسيطًا للغاية، وزينة وجهها كانت تكاد لا تُرى لبساطتها. ولمسة حجابها الأبيض أعطت لها رونقًا مختلفًا عن غيرها. كانت تراه بعين الحبيب، حين اقترب مّنها لأول مرة دون أن يكون هناك عائقًا بينهما يمنع ذلك.

بحلته السوداء وقميصه الأبيض، وربطة عنقه التي كانت بلون الحلة. ولكن هيئته كانت كفيلة بأن تؤثر قلبها لسنوات طويلة. تتذكر كيف تم الإمساك به بالجرم المشهود، حين كاد يلمس وجنتها. وكيف أصابه التوتر وجعله ينسى أنها أصبحت زوجته. وفي لحظة صفاء بينها وبين نفسها، ضحكت بخفة. نظر إليها بعد أن جذبه صوت ضحكتها، ليرفع حاجبه تزامنًا مع قوله: "مالك بتضحكي ليه؟ ضحكيني معاكي طيب."

رفعت عيناها لتقابل عيناه المترقبة، وبوجه مبتسم قالت بنبرة ضاحكة ممزوجة ببعض الخجل: "افتكرت يوم كتب الكتاب، لم جيت تبوس خدي، وأخويا "بهاء" قفشك بالجرم المشهود. وقتها لونك اتخطف، ومعرفتش ترد. كل ما أفتكر منظرك بقعد أضحك ومقدرش أمسك نفسي." وحين شعر أن هيبته سوف تُدهس أرضًا، شَد نفسه ووقف بشموخ لا يليق به في تلك اللحظة. شبك كفيه ببعضهما خلف ظهره، ورفع رأسه بكبرياء وقال:

"على فكرة أنا كنت عادي، مجرد بوسة عالخد، أخوكي هو اللي طلعلي فجأة وكأنه بيخطط يقفش حرامي غسيل. أينعم خضني، وكنت هقطع الخلف بسببه، بس أنا مكنتش بعمل حاجة غلط، يعني دا كان الشيخ لسه بيلم فالورق." عادت تضحك مّن جديد بعد أن تذكرت كيف كان يحاول التماسك بحبال ذا.ئة حتى لا يضع نفسه في ذلك الموقف المحرج أمام شقيقها. بينما كان هو ينظر لها نظرة ذات معنى، يعلم على ماذا تضحك، ولكن لم يحبذ أن يقطعها، ولذلك تركها تضحك كيفما تشاء.

وهو ترك عيناه تتأملها، وكأنه يرى الجنة فوق الأرض. لحظات واقتربت مّنه، سكبت إليه كوب قهوته، وعادت تعد أخرى لنفسها دون أن تتحدث. فقط الابتسامة اللطيفة كانت تزين شفتيها. بعد مرور دقائق قلائل.. كانا يجلسان في الشرفة، بجانب بعضهما، فوق مقعدين مّن الخشب البني. رائحة القهوة منتشرة في الأجواء، وصوت موسيقى هادئة مّن الزمن الأصلي الجميل للمطربة الشهيرة "كوكب الشرق" يصدح مّن مذياع أحد الجيران المرافقين لهم.

بسمة هادئة ارتسمت فوق شفتيها، ولمعة توهجت في عينها تحت ضوء القمر الفضي. نظر إليها "رمزي" بعد أن شعر بهدوئها الذي لم يعتد عليه. يراها في حالة صفاء لم يرها مّن قبل، وكأنها ليلة مميزة لها. "الغزالة مش بس رايقة النهاردة." كسر هذا الصمت القائم بينهما بنبرته الهادئة، وكأن هذا كان يترتب على أحد مّنهما. ولذلك بادر هو هذه المرة وكسر حدة هذا الصمت بسؤاله الخفي. ارتفع صدرها بعلو واضح ثم هبط ببطء في تنهيدة عميقة.

ثم تلاقت الأعين وتم الوصال بين حبيبين. ابتسمت له وجاوبته بنبرة هادئة منعمة: "بصراحة آه. مش بس حالة روقان، راحة، راحة نفسية عمري ما حسيت بيها قبل كدا. كأن في حاجة مـميزة بتميز اليوم دا، بس أنا مش عارفة إيه هي. بس عشان أكون صادقة معاك، القعدة دي زادت مّن سعادتي. كأننا أول مرة نقعدها بجد." أبتسم "رمزي" ونظر إليها نظرة عاشق ولهان لم يعد يحتمل السير على منوال موحد وأصبح يطالب بالتنوع.

أخرج زفرة عميقة وبدأ إبهامه يسير بحركة متناغمة فوق الكوب. نظر في نقطة محددة وقال بنبرة هادئة:

"أنا كمان حاسس زيك بالظبط. ولأول مرة يحصل معايا موقف غريب زي اللي حصلي مّن شوية كدا. شوفت منام غريب، بس حاسس إنّه حلو. مكان واسع، ريحته كلّها مسك، كلّه خضار، وعصافير رايحة جايه تصوصو كأنها بترحب بيا. وممشى طويل قدامي يا تسنيم، مفروش على جوانبه ورد جوري أحمر وأبيض. كأن الجنة قدام عيني. فجأة ظهر فوشي قط أبيض. كنت متفاجئ شوية، بس جوايا حاجة قالتلي أمشي وراه. وفعلًا أنا مشيت وراه. لحد ما وصلت ولقيت نفسي قدام مسجد كبير أوي."

إلى هنا انجذب انتباه "تسنيم" أكثر إليه، مما جعلها تعتدل في جلستها وتصب كامل تركيزها فوقه تنتظر سماع المزيد بشغف وفضول. وقد جاء المنتظر حينما قال:

"مسجد واخد مساحة كبيرة أوي مّن الأرض. فيه ساحة واسعة مّن الرخام. هو أصل المسجد رخام مش طوب. رخام رمادي لامع. كان بيلمع بطريقة غريبة تحت النور. ونوره كان دهبي. فوق الباب بتاعه لوح عريض مّن الدهب ومكتوب بخط عربي مسجد النور. أنا كنت منبهر أوي بالمسجد. أول مرة أشوف مسجد بالجمال دا كلّه صدقيني. فجأة جه صوت مّن ورايا بيقولي عجبك المكان مش كدا؟

أول ما لفيت لقيت واحد نسخة مّني يا تسنيم. لابس جلابية سوّدة وفوقيها عباية كحلي مطرزة بخيوط دهبي، ولابس طقية بيضا شبه بتوع الأزهر كدا، وماسك سبحة بني بيحرك حباتها. الفرق الوحيد اللي بينا إن عيونه كانت حادة شوية عني." بسمة ارتسمت فوق شفتيها بتلقائية، وعقلها يصوّر لها الحلم وكأنها تعيش به في تلك اللحظة. وبرغم ذلك لم تتحدث، بل انتظرت سماع المزيد مّنه. بينما أكمل هو حديثه وقال:

"حصل بينا حوار. سألته عن هويته، قالي أنا ضميرك الحي يا رمزي، اللي بيأنبك كل شوية على أقل حاجة. أنا اللي وصلتك للمرحلة دي. وشرحلي عن المسجد، كإنه رسالة مخفية مش سهل أعرفها ولا إنّي أفسرها. بس كان المعنى إن المسجد دا هو طريقي لربنا فالدنيا، والنور هو طريق الخير اللي اخترته لنفسي. بعدين حط إيده فوق قلبي، وقالي دا اللي هيوصلك. أتكلم معايا كتير، بس أنا فالآخر سألته وقولتله أنت مين؟ خوفت مّنه شوية." "ورد عليك قالك إيه؟

سألته "تسنيم" بنبرة هادئة وهي تنظر إليه وابتسامة جميلة تزين شفتيها. لتأتيها الإجابة مّن "رمزي" الذي نظر في عينها وقال بنبرة هادئة: "قالي أنا أنت يا رمزي. بس أول ما صحيت حسيت إني لسه عايش فالحلم. وفي جملة عمالة تتردد فوداني مّن ساعة ما صحيت مش عايزة تروح مّن بالي." "إيه هي؟ سألته بنبرة هادئة وناعمة، وبسمتها مازالت تزين ثغرها. نبضات قلبها تسارعت في لحظة، وكأن شيئًا ما تحرك بداخلها لا تعلمه. نظر "رمزي" في

عيناها وقال بنبرة هادئة: "فقلت مّن أنت؟ قال أنت." وكأن حدسها كان صحيحًا. ليست جملة عادية وليست سوى رسالة مبهمة له. رفعت الكوب إلى شفتيها وأرتشفت مّنه رشفة صغيرة. تنهيدة هادئة أخرجتها، ونظرة مبهمة كانت مّن نصيبه. تحدثت بنبرة هادئة وقالت:

"الشخصية اللي شوفتها فالحلم هي نفسها الشخصية اللي عايشة جوّاك يا رمزي، ويعتبر بترشدك أو بتمشيك. دا ضميرك الحي اللي لحد اللحظة دي بيرفض أي طريق مش طريقه وأي سكة مش سكتّه. حلمك جميل أوي يا رمزي." لاحت نظرتها وظهر التأثر في نبرة صوتها حينما أكملت قولها: "نفسي أوصل للمرحلة دي زيك." مد كفه الأيمن واحتضن كفها بين راحتيه، ثم نظر في عيناها وقال بنبرة هادئة تملؤها الطمأنينة:

"متقلقيش. طول ما أنا جنبك وعد هتوصلي للمرحلة دي. مش هسيب إيدك ولا هخليكي تفوتي لحظة بدون ما تكوني قريبة مّن ربنا فيها. وأهو إحنا سوى فنفس الطريق… أنا جنبك طول الوقت." أسلوبه وكأنه بلسمًا على الجرح، ونبرته وكأنها تحتويها مّن قسوة العالم مّن حولهم. حاوطها بذراعه الأيمن إلى أحضانه ومسّد برفق فوق ذراعها وكأنه يطمئن قلبها قبل أي شيء.

بينما وضعت هي رأسها فوق كتفه ونظرت إلى القمر الذي توسط السماء وكأنه يشهد على هذا الحب النقي وتلك اللحظة الهادئة التي تغسل قلوبهم مّن أي فوضى خلّفتها الحياة. "عودة الزمان مّن جديد، عودة الأمان." الأمان ليس فقط في الكلمات البسيطة، بل في أفعال المرء مع مّن يحب. بحلول المساء على الحارة وبالتزامن مع انتشار الأضواء في الأروقة. كانت هناك شقة تشهد على حب الزمن الأصيل.

حب ثنائي لا ينتمي لهذا الجيل الجديد، بل هو ثنائي نادر الذكر، قليل الكلام. وبين روائح الطعام الشهية التي تتراقص في الأجواء، وصوت المذياع القديم يرسل كلمات أغنية قديمة لمطرب شهير. كان الدفء يملأ المكان وكأنه يرى شيئًا لا يمكن رؤيته بالعين المجردة. كانت "زينة" تقف في المطبخ تعد الطعام اللذيذ لزوجها الذي ألتهى بعمله منذ صبيحة اليوم وحتى حلول المساء.

فبالأمس قد عادوا مّن رحلة طويلة وثقّت لهن لحظاتهما المفضلة التي لا تُنسى بسهولة. لحظات وصدح رنين الجرس في الخارج يعلنها عن وصول زائر لها. تركت ما بيدها وخرجت كي ترى مّن الزائر. فتحت الباب بتمهل وهي تطرأ برأسها مّن خلف الباب لترى حفيدتها في مقابلتها محملة بين يدي أبيها الذي أبعدها قليلًا ودندن بنبرة هادئة مبتسم الوجه: "حبيبي كان هنا، مالي الدنيا عليّا بالحب." "حبيبي يا أنا يا أغلى مّن عينيّ، نسيت مين أنا."

ضحكت "زينة" وألتمعت عيناها بالعبرات بعد أن تأثرت بتلك اللحظة الفريدة مّن نوعها. اقتربت مّنه بخطى هادئة تفصل المسافة القائمة بينهما بعناقها الدافئ إليه الذي مّن خلاله يعلن لنفسه أنه أفتقد وبشدة. ربّت فوق ظهرها برفق تزامنًا مع قوله الهادئ: "وحشتيني أوي يا حبيبة قلبي. فيرو خاطفك مّني بالقوة وسابني بعاني عشان يتبسط هو على حسابي." أبتعدت "زينة" قليلًا ونظرت في عيناه السوداء التي كانت تلمع بوميض يشع مّن خلاله

الأمل وجاوبته بنبرة هادئة: "وحشتني أكتر يا حبيبي. مقدرش على زعلك يا نور عيني. حتى أنا ساعات كنت بحس بعدم الراحة عشان عارفة إنك مش مرتاح ولا متعود على بعدي. وعشان كدا برضوا أنا جيت. قولتله كفاية لأن منصف أكيد مش مرتاح ومحتاج يقعد معايا زي ما كان بيعمل زمان." أبتسم "منصف" بسمة هادئة وترقرق الدمع في عيناه متأثرًا بحديثها ونبرة صوتها التي كانت تحمل دفئًا لا مثيل له. رفع كفها الدافيء نحو شفتيه يلمثمه بحنو تزامنًا مع قوله:

"وحشتيني أوي يا زينة، أقسم بالله." ربّتت "زينة" فوق خده برفق، ثم نظرت إلى "وتين" التي كانت منهمكة في اللعب بخصلا.ت شعر "منصف" وبسمة حنونة ارتسمت فوق شفتيها. قرّب "منصف" مّنها بدعوة صامتة لحملها على صدره والشعور بها. ولذلك هي لم تنتظر كثيرًا وأخذتها بالفعل فوق ذراعيها تربّت فوق ظهرها بحنو. كسر هذا الصمت صوت أقدام فوق الدرج البلاطي، وظهر بعد ثوانٍ "شيرين" في الصورة مبتسمة الوجه مرحبة بها. "الغالية حبيبة قلبي."

نطقت بها "زينة" وهي تضمها إلى دفء أحضانها لتبادلها "شيرين" الفعل قائلة بنبرة حنونة: "ليكي شوقة والله يا زوز، مكنناش متعودين عالغياب دا مّنك على فكرة." ابتسمت "زينة" ودعتهما للولوج تزامنًا مع قولها الهادئ: "والله يا شيرين، ولا أنا. كنت مفتقداكم أوي والله، مصدقت رجعت الحارة تاني." جلسوا جميعًا في غرفة المعيشة ليأتي صوت "منصف" الذي داعبت الروائح أنفه بقوله: "إيه الروايح الحلوة دي يا زوز؟ وحشني أكلك والله تصدقي."

تركت "زينة" الصغيرة في أحضان ولدها وردت عليه بوجه مبتسم بقولها: "حظك حلو، عاملة الأكل اللي بتحبه. يا دوبك فريد شوية وتلاقيه طلع أول ما يطلع هنقعد نتعشى كلّنا سوى." ضم "منصف" صغيرته بذراعيه إلى صدره وجاوبها بنبرة لا تنذر بالخير، وعيناه ترافقها قائلًا: "حبيبي شوف قلة الأدب والقيمة اللي هيستقبلني بيها جوز أمّي. إيش حال لو مش أنا اللي مجوزتهولك بقى." ضحكت "زينة" مّن داخل المطبخ وجاوبته بنبرة هادئة بقولها:

"فريد بيحبك يا منصف، بس أنت وشوية العصابة اللي معاك دول عاملين تحالف ضده. على فكرة قعد اشتكى مّنكم لولا أنا طايبت بخاطره بكلمتين حلوين ومشيت الدنيا. أتلموا وخفوا عالراجل شوية. أنا بصراحة مش عارفة إيه اللي جايبره يستحملكم." صُدم "منصف" مّن دعمها إليه ووقوفها ضده، ليقرر الدفاع عن نفسه وتوعده بنفس الوقت إلى الآخر بقوله:

"يا عيني. دا بحبح ورحرح وبرطح وقال واشتكى كمان. ما كان أختصر الطريق وجه اتصافى معايا وش لوش. بس ملحوقة يا عيني. هيطلعلي وأنا هخلي ليلته ألوان الطيف. ماشي يا هيرو، حسابك معايا تقيل أوي." رفعت الصغيرة رأسها عاليًا لترى وجه والدها الذي كان يتوعد إلى زوج والدته وكأنه أقسم على عدم رحمته مهما كان الأمر. اخفض بصره لها ثم منحها قبلة عميقة بعض الشيء فوق خدها الصغير الممتلئ بعد أن فشل في مقاومة تلك النظرة البريئة مّنها.

رفعها بين ذراعيه ونظر لها وبدأ يحادثها قائلًا: "يرضيكي كدا يا وتين. شفتي العجوز دا مبيحبش بابا حبيبك أزاي وعلى طول بييجي عليا. يرضيكي بابا يزعل." نظرت إليه "وتين" قليلًا، وكأنها تحاول أن تفهم ما يقوله والدها الذي يبدو عليه الحزن كما رأت وشعرت به. لانت معالم وجهها الناعمة ومنحته ابتسامة بريئة وناعمة، وكأنها تقربت فوق قلبه بها. وأمام حركاتها البسيطة لم يستطع تجاهلا. قرّبها مّنه ومنحها قبلة أخرى شغوفة فوق خدها

الصغير وقال بنبرة دافئة: "حبيبة بابا ودنيته كلّها. والله ما في حاجة بتهوّن عليّا غير ضحكتك السكر دي." عاد يغدقها بقبلاته اللامتناهية، وما كان عليها سوى أن تضحك بنبرة عالية تملؤها الطفولة والبراءة والنعومة. وكأنها رسالة غير مرئية للجميع، ولكن كانت إليه واضحة ومعلومة. فلا أحد يشعر به بدقة إلا تلك الأميرة الصغيرة صاحبة الخمس أشهر. وما كان على "شيرين" سوى متابعة هذا المشهد اللطيف الذي لم يفشل يومًا أن يأثر قلبها.

"محاولة في زرع المحبة حتى لو بين أشواك حادة." لا بأس مّن المحاولة في زرع نبتة تنبض بالحياة، حتى وإن كانت بين كومة مّن الأشواك الحادة. في غرفة يسودها الهدوء المميت. كان "محمود" يجلس على طرف الفراش منذ ما يقارب الساعتين ونصف وحيدًا. بعد أن فشل "عامر" و "عماد" في الجلوس معه والتحدث إليه. كان شارد الذهن، وقلبه ينزف دون توقف، وكأن الألم عاهده على البقاء مدى الحياة.

كان يتذكر الماضي بجميع آلامه، وكأنه لا يحمل له في مكنونه شيئًا إلا إياه. خصلا.ته السوداء الداكنة مبعثرة، وعيناه تائهة في بحر عميق وممتد إلى أمد لا آخر له. وعقله أخذه بجولة إلى الماضي جعلته يتغيب عن الحاضر. صدحت دقات خافتة فوق الباب، وكأن الطارق يحترم حضرة تلك الجلسة ويعلم تأثيرها عليه، ولذلك يخشى أن يفسدها بفعل متهور مّنه. عادت الطرقات ترتفع قليلًا هذه المرة تنتشله مّن بئر عميق لا آخر له.

أخرج زفرة عميقة، وقبل أن يرفع صوته ويعنّف الطارق، جاءه صوت أنثوي رقيق مّن خلف الباب يقول: "محمود، ممكن أقعد معاك شوية لو سمحت؟ ولو مش حابب قول عادي، أنا مش هزعل، بالعكس هحترم رغبتك جدًا وهمشي." كان المتحدث "هناء"، بعد أن شعرت بمعاناته قررت التدخل والمحاولة لإصلاح ما قامت غيرها بإفساده، حتى لو وقفت العوائق في طريقها ندًا ندًا. رفع صوته مختنقًا بقوله: "لا مش عايز، وسيبوني لوحدي، محدش له دعوة بيا."

جاءه الرد حاضرًا مّنها، حينما قالت بنبرة هادئة: "حاضر. المهم إنك كويس. أنا قولت بس أتطمن عليك قبل ما أمشي. خلّي بالك مّن نفسك." ضغطت على كفيها وهي تشعر بصراع طاحن بداخلها لأجل هذا المسكين الذي يبدو أنّه تلقى صدمة قوية جعلته عدوانيًا أمام الجميع. أخرجت زفرة عميقة وبدأت تبتعد عن الباب بخطى هادئة تجاه الدرج، وهي في حيرة مّن أمرها، فقلبها يخبرها أن تظل قليلًا على أمل أن يحدث شيئًا آخر يخالف توقعاتها.

بينما كان "محمود" مازال كما هو، في صراع أيضًا مع نفسه. لا يعلم ماذا عليه أن يفعل، فصوت بداخله يصرخ ويطالب بها، والآخر يرفض حدوث ذلك والابتعاد عن الجميع. وبينهما كان هو ضائعًا، لا يعلم ماذا يريد. ولكن احتياجه لرفيق له كانت أقوى مّن أي شيء آخر. ولذلك انتصب واقفًا بحركة عنيفة بعض الشيء، وكأنه مازال يعاند ويصارع نفسه. اقترب بخطى واسعة مّن الباب، يفتحه بحركة عنيفة. وقف على عتبة الغرفة ونظر في أثرها.

كانت في منتصف الطريق، ظهرها موليًا له، وكأنها تشعر به وتعلم أنّه سوف يتحدث إليها في أي لحظة. حارب نفسه هذه المرة، ورفض الخضوع والاستسلام. ولذلك رفع صوته فجأة وقال: "استني..!! توقفت "هناء" بالفعل لحظات، لا تصدق أنّه قرر أخيرًا التحدث والخروج مّن تلك الدائرة العميقة. ألتفتت إليه برفق لتصطدم عينها بعينه، وكأنه يرسل أحاديث صامتة لا يجرؤ الفم على النطق بها. لحظات مّن الصمت والصراع الداخلي، كسرها صوته المضطرب حينما قال:

"محتاج أتكلم معاكي، لو مش هضايقك." بسمة هادئة ارتسمت فوق شفتيها بعد أن تلقت الرد الذي تمنته، ولم تنتظر كثيرًا. عادت إليه مّن جديد ووقفت أمامه تنظر في عيناه، والبسمة مازالت ترافقها قائلة: "أنا موجودة يا محمود، ومستعدة أسمعك مهما طالت الجلسة بينا. أنا عارفة إنك محتاج تتكلم وتفضفض ومش عارف تعمل كدا مع مين. أنا هنا عشانك." لأول مرة يشعر أن ثمة أحدهم مازال يهتم لأجله ويريد سماعه. لأول مرة يشعر وكأنه محور الاهتمام لأحدهم.

فوالدته لم تفعل ذلك معه مّن قبل، ولم تكن تهتم لأمره كثيرًا. شعور جديد بدأ يتكون بداخله تجاهها، وكأنها البداية لعلاقة صافية بين الابن وزوجة الأب. تلك العلاقة التي لطالما تم تشويهها بأفعال غير إنسانية، وكأن ابن الزوج حيوان لا يستحق الحياة. جلسا سويًا في الشرفة الخاصة بغرفته. الصمت هو المسيطر على الطرفين، والصراع الداخلي نشب بداخله مجددًا وجعله يشعر بالتشّتت. نظرت إليه "هناء" وابتسمت بسمة هادئة، وقد بادرت هي وكسرت حدة

هذا الصمت بقولها الهادئ: "أتكلم يا محمود وقول كل اللي حاسس بيه فاللحظة دي. الكلام حلو والفضفضة بتريح البني آدم وبتشيل عنه شوية هم. حتى لو كلامك ملغبط ومش راكب على بعضه، أتكلم عادي وأنا الطرف المستمع مش هقاطعك لحد ما تخلص خالص." أخرج زفرة عميقة بعد أن وجد شخصًا آخر يهتم لسماعه. فتلك كانت أكبر عوائقه. ولكن يبدو أن "هناء" قد جاءت غوثًا له مّن السماء حتى لا يظل داخل تلك الدائرة كثيرًا.

أخذ نفسًا عميقًا وزفره بتروٍ، ثم بدأ حديثه الطويل في محاولة مّنه لإخراج ثقل فوق صدره يأبى تركه:

"أنا مخنوق ومش قادر أكمل. اتأذيت مّنها أكتر مّن أي حد. المفروض إنها أطيب حد وأحن حد عليا. داست عليا وكسرتني مّن صغري. أنا مكنتش كدا على فكرة. أنا كنت صعب فكل حاجة. كنت عنيد، اللي فدماغي بيتنفذ وليّ رأيي وقراراتي وحياتي. بس هي معجبهاش الوضع. فكسرتني بدري أوي. قالت كلام أنا مش هقدر أقوله، بس كفيل إنه يقتل راجل بجد. بعدين لم نجحت جوزتني واحدة أنا معرفهاش ولا ليّا مشاعر ناحيتها. برضوا كسرتني بالكلام والأفعال. كانت شيفاني

نص راجل. وقتها أنا الدنيا سكتت مّن حواليّا. وبقيت زي الطير الهائج قدامها بكسر أي حاجة تقابلني. بس الحاجة الوحيدة اللي معرفتش أعملها إنّي أجيبها مّن شعرها. أتربيت على إنّي ممدش إيدي على واحدة. كانت بتعاملني على إنّي مش ابنها، أو مجبورة تتعامل معايا، وكانت عاملة مشاكل كتير أوي مع البيت هنا. حتى بابا. على طول خناق معاه وزعيق. كانت قاعدة بس عشان خاطر الفلوس واللي هتطلع بيه مّن ورا أبويا."

تـ.ـر حديثه فجأة، وأخرج زفرة عميقة وكأنه يأخذ استراحته بعد رحلة طويلة مّن البحث عن بر الأمان. دام الصمت بينهما قليلًا، ثم أكمل حديثه بقوله:

"بابا طيب أوي. بشوفه إنّه ميستاهلش المعاملة دي مهما كان السبب. بيصعب عليا وبـ.ـشيل مّن ناحيتها أكتر لم أشوفه عازل نفسه وقاعد مضايق. هو عمره ما اتبسط معاها. آه، هي كانت كويسة فالأول، بس فجأة بدأت تكون واحدة تانية. أنا حاسس أوي تجاه بابا، يعني لو حد بيعامله حلو وشايله فوق رأسه أحبه العمر كلّه. غير كدا مبقدرش أعمل عكس كدا بصراحة. أنا فاخر مرة كانت فيها هنا، كانت راجعة تنكد على بابا وتقلّب علينا مواجع بنحارب عشان

نتخطاها. أنا معرفش عملت كدا إزاي. بس أنا جبت أخري معاها، فخدتها مّن إيديها لحد الباب بعنف وخرجتها برّه. وبنفس اللحظة صرخت فيهم وقولتلهم أنا أمّي ماتت. أنا يتيم الأم مّن اللحظة دي. أنا مش عارف ليه حياتي مكركبة كدا ومش عارف أعمل إيه. حاسس إنّي تايه ومخنوق. حتى مش عارف أفرح لأخويا اللي خطوبته بكرة."

"خلصت؟ سألته بنبرة هادئة وبسمة صافية ترتسم فوق شفتيها. نظر إليها قليلًا ثم هز رأسه برفق يؤكد على حديثها. أعتدلت في جلستها وقالت بنبرة هادئة:

"كل دا قسمة ونصيب. دا نصيبك فيها. أولًا هي مش سوية نفسيـ.ـا، فعشان كدا صعب إنها تتأقلم مع أهل البيت. هي معرفتش تكسب محبة اللي حواليها، لإن هي مش صافية مّن جواها لأي حد. هي كان غرضها الفلوس وبس، ميفرقش معاها حد. هي كانت عايزة تحس إنها عندها سلطة، فأول حد كسرت غروره هو أنت. لإن هي مش هتقدر تعمل كدا مع باباك مهما حصل. بص، اللي عدى عدى خلاص، لازم تبدأ مّن أول وجديد وتشوف حياتك. أنت راجل يا حبيبي وسيد الرجالة، واللي يقول

غير كدا أديه فوق دماغه. الرجولة بالأفعال مش شوية كلام كدا وخلاص. فإيدك تختار البنت اللي قلبك يحبها وتبدأ حياتك الزوجية صح، وتاخد اللي تصونك. مش دايمًا أول العلاقات بتنجح. انسى الماضي وخد قرار حاسم مع نفسك، ورجع "محمود" القديم تاني عشان نفسك قبل أي حد. هي مبسوطة عشان قدرت تكسرك. خليك أنت أحسن مّنها وبينلها إنك مبتنكسرش بسهولة. أقف على رجلك يا محمود تاني، وأنا وأبوك وأخوك فضهرك، لو مش هضايقك يعني."

لا يعلم مّن تكون هي، ففي هذا الزمان لا يوجد مرء بذلك الفكر والنضج بتلك الطريقة. وكأنه بدأ يدرك لم اختارها والده خصيصًا لتكون زوجة له. بصراحة حقه. أخرج زفرة عميقة وأبتسم بهدوء، لأول مرة. نظر إليها وقال بنبرة هادئة:

"أنا دلوقتي عرفت ليه بابا اختارك مخصوص عشان تكوني زوجة ليه. بصراحة حقه. أنا أينعم أول مرة أقعد معاكي بشكل ودي كدا، بس لأجل الأمانة، أنا ارتحتلك بطريقة غير طبيعية. شوفت فيكي نضج غير طبيعي، وشوفت أم سوية وعاقلة وحنينة زيك. كلامك صح على فكرة. أنا كنت محتاج حد يشجعني وياخد بإيدي يرجعني لأول الطريق تاني. وأنتِ عملتي كدا وبزيادة. طنط هناء، أنا موافق على جوازك أنتِ وبابا. أنا واثق إنك هتسعديه وتعوضيه عن اللي شافه معاها. وهو هيعوضك عن السنين اللي فاتت دي كلّها. وعلى فكرة أنتِ لازم تكوني موجودة بكرة أول واحدة، قبل بابا شخصيًا."

قهقهت "هناء" بخفة بعد أن استمعت إلى حديثه بالكامل. نظرت إليه بحنو وجاوبته بنبرة هادئة قائلة: "شاطر. كدا أنا اتبسط مّنك واطمن إن كلامي جه معاك بفايدة. ومش هكسرلك كلمة، هتلاقيني بكرة أول واحدة فالخطوبة. المهم تعمل باللي قولت عليه وترجع تاني لـ "محمود" القديم. أهم حاجة سعادتك وبس وراحتك." شعر بالتأثر أمامها لأول مرة. رأى فيها المرأة التي ستسعى لأجل عائلتها مهما كلفها الأمر.

رأى الزوجة الحنونة والأم التي تسعى لراحة أولادها. سمعها وهي تختم حديثها بوجه مبتسم: "أنا مّن النهاردة بقى عندي ولدين زيادة. زيكم زي ولادي بالظبط عندي. وقت ما تحتاجني هتلاقيني فأي وقت تحبه. وأنا هتكلم مع "عامر" برضوا، وأي زعل بقى ارميه وراك وقوم روح لأخوك جهّز نفسك وشوفه محتاج إيه." نظر إليها قليلًا دون أن يتحدث، ثم بادرها برده بعناقه المفاجئ لها. وكأنه رأى بها ما كان يبحث عنه طيلة حياته ولم يجده إلا فيها.

تفاجئت "هناء" قليلًا، ولكنها ابتسمت وربّتت فوق ظهره برفق دون أن تتحدث. فالأمومة ليست بالدم، بل كانت بالقلوب. واليوم أصبح لديها عائلة كبيرة، ورجال كالخيول الحرة ترحل في الأرض.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...