الفصل 128 | من 129 فصل

رواية جعفر البلطجي الفصل 128 - بقلم بيسو وليد

المشاهدات
17
كلمة
7,648
وقت القراءة
39 د
التقدم في الرواية 99%
حجم الخط: 18

ما خطأ في اللوح؟ ليس سيفًا لا يلين بل هو سر لا يدركه إلا من أيقن أن الله يبدل ما يشاء تتقلب الأيام تعلو وجوه وتخفض وجوه تفتح أبواب كنا نظنها موصدة وتغلق دروب حسبناها الأمل ليس في الدنيا ثبات إلا وجه الله ولا في القلب يقين إلا أن كل قدر وإن آلمنا يحمل في طياته حكمة فلا تجزع إن تأخر الحلم ولا تبتئس إن تغير الطريق فرب الأقدار لا يخطئ أبدًا. الحياة لا تطرق الباب قبل أن تتغير لا تستأذن حين تبدل ملامحها

ولا تمهل قلبًا ليلتقط أنفاسه بعد صدمة كل شيء قد ينقلب في لحظة الحبيب غريب والبيت صامت والطمأنينة غبار في الريح كأنها تمضي بنا في رحلة لا خريطة لها نجتهد لنفهمها ثم تضحك في وجوهنا وكأنها تقول لن تفهموا أبدًا ومع ذلك نواصل السير نحمل جراحنا ونحاول أن نخلق من الفقد بداية جديدة. لم يرزق الجميع بما يتمنون فمنهم من أخذ مالاً ومنهم من اكتنز حبيبًا. في غابة بعيدة منعزلة عن العالم أجمع في لحظة يقف فيها الزمن

وتسكن الأصوات وتترقب الأنظار احترامًا للحظة كانت غائبة عن قلب عاشق تعذب بفراق حبيب كان ملاذًا وصدرًا حنونًا يحتضنه في أشد لحظاته ضعفًا بعد مرور ثلاثة أشهر على غيابها عنه اليوم عادت إليه الأميرة عادت إليه من جعلت إليه الحياة نورًا بين ظلامه الممتد لآلاف السنوات عادت عينيها البنية تحتضن ما حولها بحذر وكأنها ترى المكان لأول مرة. وتلك كانت مرتها الأولى بالفعل كانت ترقد فوق فراش بسيط يتوسط الغرفة

بدأت عيناها تجوب في المكان غرفة خشبية بالكامل يفوحها رائحة الياسمين الهادئة وخزانة صغيرة خشبية ترتكز في إحدى زوايا الغرفة ومقعد صغير يجاور باب الغرفة وطاولة زينة بسيطة أعطت رونقًا للمكان حركت رأسها جهة اليسار برفق لترى طاولة صغيرة يعلوها ورود الياسمين المفضلة إليها وأغراضه تجاورها. نهضت بهدوء وتمهلاً وهي تتأوه بخفوت بسبب نومها الطويل الذي استغرق ثلاثة أشهر جعل جسدها ثقيلاً ويكسوه الألم

جلست نصف جلسة تستند كفيها إلى الفراش وهي تنظر حولها تبحث عنه بعينيها وقلبها يتوق لرؤيته فهي تشعر وكأنها لم تراه لأعوام طويلة وليست أشهر قليلة حركت قدميها تزامنًا مع تأوهها الخافت بعد أن شعرت بألم يسكن أنحاء جسدها بالكامل قامت بارتداء حذائها ثم نهضت واقفة على قدميها هنيهة حاولت استيعاد قواها الجسدية وتوازنها على الأرض بعد انقطاع تام عن الحركة. سارت بخطى بطيئة حذرة حتى وقفت أمام المرآة التي عكست صورتها في تلك اللحظة

وقفت تتأمل نفسها بتركيز شديد بعد أن لمحت صورتها تنعكس على المرآة بشرتها السمراء الجميلة التي مازالت تتمتع برونقها وكأنها لم تهملها يومًا وعينيها الكحيلتين التي لم تنطفئ لمعتهما يومًا وخصلاتها الطويلة الناعمة التي أزداد طولها خلال هذه المدة ليصبح طوله لنهاية ظهرها وأخيرًا هذا الساري اللامع اللطيف الذي يلتف حول جسدها النحيل وكأنها أيقونة بارزة لا ينطفئ توهجها وإن اجتمعوا جميعًا لذلك. كانت مترددة، مندهشة

وكأن عقلها مازال يحاول استيعاب ما حدث وبرغم ذلك كان هو أول من فكرت فيه هو الوحيد الذي بالتأكيد كان مهتمًا بها بتلك الطريقة حتى أصبح مهووسًا بها حاولت استيعاب الأمر وأكملت سير خطواتها البطيئة نحو الخارج تبحث عنه في أنحاء هذا الكوخ الصغير الذي كان يعلو قمة تلة كبيرة مزينة بالأشجار والطحالب الخضراء الطبيعية كان هو يقف شامخًا كعادته جسده مشدود عيناه المائلة للون الأصفر المتوهج وكأنها تعلن للجميع عن إنتماءه لعائلة أصيلة.

خصلاته البنية الفاتحة كانت تتطاير بخفة بفعل نسمات الهواء اللطيفة وعيناه تجوب في المكان بدقة بالغة ويستمع لأصوات لا يستطيع أن يسمعها شخص عادي وبلحظة ساكنة تسارعت نبضات قلبه دون سابق إنذار وكأنه يعلن عن عودة الحبيب مجددًا شعور تملك منه ولحظة تأهبت فيها الحواس وحبست لها الأنفاس التفت "ويسلي" ببطء خلفه حيث كانت "أديتي" تقف هناك تراه بعد مرور تلك الأشهر كانت خصلاتها الطويلة تتطاير مع طرف ساريها الزهري

الذي أعطاها مظهرًا لا يمكن تجاهله. تلاقت الأعين ترسل أشواقًا غير مرئية وأحاديث كثيرة عجز الفم عن البوح بها وترك الفرصة للقلب أن يعود للحياة أن يمنحه الفرصة التي حرم منها منذ آلاف السنوات لحظة تطلبت عناقًا طويلًا عناقًا يقال فيه ما يعجز عن قوله في هذه اللحظة لمعة ظهرت في عيناه وكأنها أعادت قلبًا ميتًا رفض العودة عادت إليه تلك الساحرة المشاغبة التي أفتقدها

عادت إليه حبيبة القلب بعد نزاعات لم تنته ومعارك مستمرة وإمبراطوريات تسقط واحدة تلو الأخرى. همسة صغيرة ناعمة كانت كفيلة لتحريك الأحجار من أماكنها همسة انتظرها طويلًا همسة ظلت تتردد في أحلامه كالموسيقى الناعمة همسة جعلته يستفيق ويتحرك أخيرًا من مكانه بخطى سريعة فصل المسافة بينهما لم يستوعب عقلها شيئًا إلا حينما ضمها إلى دفء أحضانه بقوة شديدة ضمها وكأنه يضم حياته بين يديه مجددًا

وكأن الأمل أبى أن يتبدد وتنتهي قصة أسطورية مازالت لم تبدأ سطورها بعد وكأن الشر يأبى كتابة التاريخ. دفن رأسه في عنقها ولأول مرة عبق ياسمينها يتغلغل إلى أنفه وكأنه يخبره أنه لن يختفي مادامت صاحبته حية لحظة يقف لأجلها العالم أجمع يشهد عليها لحظة اتحاد طرفين وثقافتين مختلفتين هي كانت على يقين بأن تلقاه وهو لم يخيب ظنها به: "اشتقت إليك كثيرًا حبيبتي اشتقت لك يا أديتي اختبارك لي كان قاسيًا وبشدة يا فتاة لقد سلبت روحي معك."

همسات مملوءة بمشاعر لا يمكن الشعور بها سوى العشاق لغة لا يستطيع أحد ممارستها بتلك السهولة برغم وحشيته، برغم جنونه، برغم قسوته استطاعت هي إذابة تلك الحصون بأسلحتها الخاصة بها جعلته عاشقًا جعلت الأميرة من الوحش شخصًا مهووسًا بها ترقرق الدمع في المقل فكانت تلك اللحظة ثقيلة بشدة على قلبها لم تستطع إجابته فقط شدت من عناقها له. لا يعلمان كم مر من الوقت وهما هكذا ولكن أراد "ويسلي" التوقف عند هذه اللحظة لوقت طويل

فإنها تقدر بثمن باهظ لحظات أخرى وابتعد عنها قليلًا يتأمل معالم وجهها التي اشتاق إليها يرى نظرة عاشقة مازالت حية نظرة تحمل في أعماقها حبًا لا ينتهي بسمة لطيفة أرتسمت فوق شفتيها تزامنًا مع ملامسة أنامله لبشرتها الناعمة وكأنه يراها لأول مرة بينما كانت هي تتأمله بعينان ترقرق فيهما الدمع وهمست له بنبرة بالكاد تسمع مغمورة بالحنين والحب: "وأنا كذلك حبيبتي وأنا أيضًا اشتقت لك كثيرًا."

ولأول مرة يبتسم منذ هذا اليوم الذي كاد فيه أن يفقدها للأبد بسمة بها الحياة تعود من جديد اقترب منها مجددًا يلثم جبينها بحنو ثم قال بنبرة هادئة للغاية تعكس صورته الداخلية: "أتعلمين إن كان قد أصابك شيء في هذا اليوم لكنت أحرقـت المكان بمن فيه حينما رأيت هذا الوجه الجميل يفقد لونه ويميل إلى الشحوب وتلك العينين اللامعتين يفقدان بريقهما وتلك الشفتين تخطف منهما ابتسامتها الجميلة وسقوطك على الأرض دون حراك سلبت مني روحي بوحشية

وكأن أحدهم سرق مني حياتي بلحظة منذ هذا اليوم وأنا لا أنسى صرختي القوية كل يوم تتردد في أذني كموسيقى صاخبة وصورتك لا تفارق ذاكرتي لحظة واحدة حتى هذه اللحظة التي تقفين أنت بها أمامي أشعر وكأنني مازلت أعيش في حلم لا أريد الاستيقاظ منه." لم تتحدث فقط اتسعت بسمتها فوق شفتيها واكتفت بالصمت إجابة فبعض الأحاديث لا يرد عليها بالكلمات بل عناق لطيف يقول ما تعجز الألسنة عن نطقه فهو مازال يحاول استيعاب وقوفها امامه

وهي حتى هذه اللحظة لا تصدق أنها عادت بعد تلك الصراعات والمنازعات لا تعلم كيف نجت ولكنها بالفعل قد نجت بمعجزة. دقائق وأبتعد عنها أحاديث كثيرة يريد البوح عنها ولكنه لا يعلم كيف يفعل ذلك نظر إليها وابتسم في وجهها قائلًا: "مرحبًا بعودتك يا أديتي لقد عدت لتنيري لي ظلامي من جديد." منحته بسمة لطيفة، حنونة، مليئة بالحياة ثم سألته بنبرة هادئة وهي تنظر إليه قائلة: "أخبرني الآن هل من تطورات جديدة أم ماذا حدث؟

أخرج هو زفيرة عميقة بعد أن توقع هذا السؤال منها وجاوبها بنبرة هادئة وقال: "لا من تطورات جديدة يا أديتي مازال الحال كما هو عليه لم يتغير شيء حتى هذه اللحظة ولكن أعلم أن بعودتك كل شيء سيتغير إلى الأفضل أنت العنصر المفقود يا أديتي وبعودتك يعود السلام إلى أهل المدينة من جديد." نظرت في عيناه مباشرة وسألته بنبرة ماكرة قائلة: "ماذا تقصد الآن أتـعني أنني مفتاح الحياة؟ نظر إليها نظرة ذات معنى بعد أن تفهم مغزى حديثها

ولذلك ابتسم إليها وجاوبها بصدق تام: "نعم يا أديتي الملك كان في انتظار عودة الملكة حتى يقترح عليها ما سيفعله لأنها بنظراتها الثاقبة تعلم جيدًا إن كان ما سيفعله الملك القرار الصحيح أم أنه قد يتهور قليلًا وها هي اليوم الملكة قد عادت وأعادت البسمة والحياة إلى الحبيب … والآن أيتها الجميلة ماذا سنفعل؟ بدأت تفكر "أديتي" في الخطوة الأولى التي سيتخذانها معًا في هذه اللحظة وبينما كانت هي تفكر وهو ينظر إليها منتظرًا سماع ما

ستقوله قالت هي بوجه مبتسم: "أرسل مرسالًا إلى منزل آلبرت وأخبرهم بعودتي دعهم يخططون أولى خطواتنا بدقة فهذه المرة نحن من سنكتب نهاية تلك المعركة." كلمات جعلته يعلم أن الأمر لن يكون هينًا هذه المرة وأن تلك بداية لنهاية مملكة "ماري" وأتباعها فالمحارب لا يموت قبل أن يرفع رايات نصره فوق أرضه وهي قررت خوض هذه الحرب ولكن … بطريقتها الخاصة. "تحد كتب على الضعفاء ومواجهة كانت بوابة الحرية." قيود تعانق الأجساد وأرواح بريئة تحبس

نيران تحرق قلوب نقية وعدل إن طال غيابه يعود وأمام مصاعب الحياة كان ملكًا يتوج فوق عرشه. كان الهواء العليل يحمل عبير الزهور والنسمات الباردة بينما كانت أشعة الشمس البرتقالية تتعامد على وجه من أهم وأعرق وجهات مصر هذا التدرج الثلاثي الذي مازال يعلن عن وجوده بمرور آلاف السنوات بدأت الإضاءات تنتشر في أنحاء المكان تعطي له سحره الخاص أصوات البعير تعلو بين الحين والآخر ومجالس عربية في البعيد تنشر عبيرها في المكان

سائحين يوثقون اللحظات بدهشة وإعجاب صورًا تتداول على منصات التواصل الاجتماعي عن بلدة من أعرق البلاد في العالم. بلدة تحمل أسرارًا قديمة ومكاتيب كثيرة وأسـاطير لا آخر لها وقصصًا شهدت على الخلود ملايين التفاعلات على المنصات ومطالب جماهيرية تشيد بجمال المكان ورونقه محطات إعلامية أجنبية من جميع بقاع العالم تتحدث عن تاريخ ذلك البلد وعن أساطير مازالت قصصها تتداول برغم آلاف السنوات التي مضت

وبرغم تلك الضجة الكبيرة كانت الحياة ذات مذاق خاص كانت "زبيدة" ترتدي فستانًا خفيفًا ذو ألوان زاهية تعكس روعة المكان ودفئه حجابها الزهري فوق رأسها متحـررًا قليلًا ووجهها عاد لرونقه من جديد. كانت تمسك يد "يعقوب" الذي كان يرتدي قميصًا أبيض اللون وبنطالًا أسود من خامة الجينز الداكن كانا يسيران فوق الممر الرملي المؤدي إلى الهرم الأكبر وهما يتبادلان أطراف الحديث نظر إليها "يعقوب" وابتسم لها قائلًا: "شايفك مبسوطة عالآخر

دا إحنا لسـه مبدأناش حتى رحلتنا." نظرت إليه "زبيدة" وابتسمت إليه بحماس واضح وجاوبته قائلة: "بصراحة آه مبسوطة أوي ومتحمسه كمان أوي هنبدأ منين بقى يا ترى؟ سألته في نهاية حديثها بحماس شديد وهي تنظر إليه لتعلو بسمة خفيفة فوق شفتيه مجيبًا إياها بقوله الهادئ: "نتمشى الأول شوية نتكلم والأهم من كل دا إننا نوثق اللحظات الحلوة دي بصراحة عندي حكاية ليكي كدا بمناسبة المكان الحلو دا

بحب القصة دي جدًا ومن أكتر القصص المفضلة عندي من صغري تحبي تسمعيها؟ وافقت سريعًا على حديثه وهي تنصب بكامل تركيزها عليه تنتظر سماع تلك القصة بشغف كبير وكأنها أسطورة لا يعلمها سواه شدد من قبضته برفق وقال بنبرة هادئة: "في قديم الأزل كان في واحد مشهور أوي اسمه "أوزيريس" "أوزيريس" كان إله عظيم أوي في مصر القديمة كان إله الموت والحياة والخصوبة كان بيحكم الأرض وكان يعتبر إله الزراعة والتجديد وكان بيعمر الأرض بالخير على طول

مراته كانت "إيزيس" وهي إلهة الحب والخصوبة والأمومة وكانت إلهة السحر كانت بتحب "أوزيريس" أوي بمعنى تاني بتعشقه وكانوا بيتشاركوا في نشر الخير عالأرض كانوا عندهم أخ اسمه "ست" دا كان إله الفوضى والدمار بالرغم إنه كان عايش تحت ضل أخوه "أوزيريس" إلا إن "ست" كان حاسس بالحقـد والحسد تجاه أخوه لأنه كان محبوب وبيحكم الأرض وكان عايز ملكية السيطرة على العالم وأراضيه كلها."

توقف "يعقوب" عن السير ونظر في عيني "زبيدة" ليرى تركيزها منصبًا فوقه تنتظر سماع المزيد برغم معرفتها بتلك القصة ولكن حينما بدأ يسردها هو بأسلوبه الخاص شعرت وكأنها تسمعها لمرتها الأولى أزداد فضولها وشـددت على قبضتها برفق تزامنًا مع قولها الحماسي: "كمل "ست" عمل إيه وإيه اللي حصل بعد كدا؟ أبتسم وعاد يتابع السير بخطى بطيئة وهو يكمل سرده للقصة:

"كان "ست" بيخطط للانتقام من أخوه "أوزيريس" عشان يسيطر على الأرض لوحده وكل حاجة تبقى تحت إيديه في يوم بقى "ست" دعا أخوه "أوزيريس" لحفلة ضخمة فالقصر وقدم له تابوت خشب مزخرف وقاله إنه هيديه هدية ملهاش مثيل كانت من ضمن العرض دا "ست" وعده إنه هيديه تابوت لشخص يناسبه في الحجم وفعلًا "أوزيريس" دخل التابوت وبعدها "ست" قفل عليه ورمـاه فالنهر اللـي خده بعيد عن مصر بعدها التابوت خرج من النهر وداه لفينيقية ولقوه

وبكدا أختفى "أوزيريس" عن العالم كله." في تلك اللحظة شعرت "زبيدة" بالحزن على "أوزيريس" وفي نفس الوقت مقـتت فعل "ست" الذي ذكرها بخيانة شقيقتها إليها أخرج "يعقوب" زفيرة طويلة واسترد حديثه قائلًا: "فنفس الوقت "إيزيس" زعلت أوي على جوزها بعد ما أختفى ورفضت الاستسلام وطلعت تدور عليه فرحلة طويلة وصعبة كانت "نفتيس" أخت "إيزيس" جنبها في كل مكان وكانت بتساعدها في كل خطوة

وبعد وقت طويل وصلت "إيزيس" لفينيقية ولقت التابوت اللـي جواه جسم "أوزيريس" وخدته ورجعت بيه لمصر وكان عندها أمل إنها ترجعه للحياة مرة تانية بالسحر بتاعها وفعلًا عملت كدا بس في لحظة البعث بقى "ست" دخل واكتشف اللـي "إيزيس" كانت بتخططله اتعصب وهاجم جسم أخوه وبدأ يقـطعه لحتت صغيرة ووزع الأجزاء دي في أنحاء مختلفة في مصر." كانت "زبيدة" تتفاعل مع كل كلمة يقولها "يعقوب" كانت معالم وجهها تتبدل بين الحين والآخر

ولكن في نهاية هذا المشهد تأثرت بشدة وبدأ عقلها يخلق لها الصورة تلقائيًا نظر إليها "يعقوب" ليرى العبرات تلتمع في مقلتيها أخذها وأجلسها فوق حـجارة تعلوها بإنشات قليلة بعد أن رفعها بخفة من خصرها وكأنها ريشة خفيفة تجوب مع نسمات الهواء في كل مكان أخرج محرمة ومد يده لها بها مبتسمًا بينما خطفته هي بخفة وجففت دموعها في نفس الوقت الذي أكمل فيه "يعقوب" سرده لبقية القصة:

"فنفس الوقت "إيزيس" كانت حامل فأبنها "حورس" اللـي أتولد عشان يكون الأمل لعودة النظام "إيزيس" بعد ما جمعت أجزاء جوزها استخدمت سحرها تاني عشان تحييه بس "أوزيريس" مقدرش يرجع بشكل كامل وبدل دا بقى إله للحياة بعد الموت وبقى بيحكم عالم الموتى في العالم السفلي و "حورس" بقى عايش فالأرض بعدها "حورس" كبر وبقى شاب قوي وقائد حكيم كان بيطالب بالثأر من "ست" عشان قتل أبوه ودمره فكانت المعركة بينهم طويلة

وكانت تعتبر بين النظام والفوضى بين الحياة والموت حاول بعدها "حورس" كذا مرة يتحـدى "ست" ويحاربه وفي النهاية انتصر "حورس" بعد ما أمه "إيزيس" ساعدته واللـي استعانت سحرها عشان تقوي أبنها وتحميه وفي النهاية تم إقرار "حورس" كإله حاكم جديد واستمر "أوزيريس" كإله للموت ورجعوا التوازن للعالم وبقى "أوزيريس" رمز للبعث والحياة بعد الموت و "حورس" بقى إله للملك والحكم." سقطت عبراتها فرق صفحة وجهها بعد أن أنهى سرده للقصة

وتأثرها الشديد بما حدث لهذا الثنائي بينما قفز "يعقوب" بخفة ليجاورها في جلستها ويتضح المكان من حولهم حاوطها بذراعه الأيسر يضمها إلى أحضانه تزامنًا مع قوله الهادئ: "دا أنتِ حساـسة أوي بقى أكيد زعلتي على "أوزيريس" أكتر مش كدا؟ رفعت رأسها قليلًا تنظر في عيناه لتؤكد على حديثه بقولها الباكي: "بصراحة وأنا و "إيزيس" كمان ميستحقوش اللـي حصلهم دا بجد للحظة افتكرت "رانيا" وأذيتها لينا قلبي ووجعني." أخرج زفيرة

عميقة وجاوبها بنبرة هادئة: "أنا متفهم مشاعرك وعارف إنه غصب عنك بس إحنا خارجين عشان نغير جو يا "زبيدة" مش عشان ننكد على نفسنا أكتر دا إحنا لو مغناطيس للنكد مكناش اتنفسنا لحظة بس خلـينا نشوف الجانب المشرق من القصة إن دول مش مجرد ثنائي أو حتى ٢ متجوزين دول كان أسطورة ورمز للوفاء والحب وبعدين إحنا لو بصينا عالماضي والحاضر دلوقتي وأتقارنا بيهم إحنا المفروض نتخلـد في كتاب التاريخ

دكتور اتجه لسكة الشرب والبلـطجة والصياعة والانحراف بعدين بكام سنة وهو مرمي في المستـنقع المنيل دا رجع تاني لعادته القديمة دي لوحدها معجزة مش أي حد بيحققها بالذات لو فيها مخدرات." منحته ضربة خفيفة فوق كتفه بقبضة يدها وبخته بوجه عابس قائلة: "متتكلمش عن جوزي كدا أنا مسمحلكش على فكرة دا أشطر دكتور فمصر كلها." ضحك "يعقوب" وكانت الضحكة نابعة من القلب ضمها أكثر إلى دفء أحضانه يلثم رأسها بحنو بينما ابتسمت هي

وسمعته يقول بنبرة هادئة: "تعالي نتصور أول صورة لينا مع بعض بعد جواز دام ٥ سنين إحنا لو حد عتر علينا وعرف بالبلـوة دي يمين بالله ما هنعدي مـن تحـت إيده." ضحكت هي هذه المرة ورفعت رأسها تنظر إليه بوجه مبتسم ونظرة حنونة ودافئة كانت من نصيبه أخرج هاتفه من جيب بنطاله وقد داعب الهواء الدافئ خصلاته ليقوم بفتح الكاميرا الأمامية والنظر إليها قائلًا: "مستعدة لتوثيق الجريمة؟ ضحكت هي وأعطته جوابها بالموافقة

ليشهر هو الهاتف بعيدًا ويحاوطها بذراعه الأيسر ضاممًا إياها ضاحكًا لفت ذراعيها حول خصره وشاركته ضحكته ليقوم بإلتقاط أول صورة حقيقية تجمعهما سويًا بعد الزواج في لحظة داعبت فيها نسمات الهواء الدافئة طرف حجاب رأسها وخصلاته وكأنها تعطي لمستها السحرية كي تجعل الصورة أجمل نظر إليها بطرف عينه ثم اقترب منها يلثم خدها تزامنًا مع اشتداد نسمات الهواء في المكان لتغمض هي عينيها ضاحكة ويلتقط هو الصورة بسرعة. "أقسم بالله أنت مجنون."

قالتها ضاحكة وهي تشاهد برفقته الصورة ليجاوبها هو بنبرة ضاحكة بقوله: "الجنـان بيخلي للحاجة طعم شوفي الصورتين حلوين إزاي." نظرت إليه "زبيدة" في هذه اللحظة وهي تشعر بالسعادة الحقيقية معه لأول مرة فبرغم صعاب الحياة والاختبارات التي وضعا فيها استطاعا النجاة وإكمال الطريق رفقة بعضهما متعاهدين على الإكمال مهما كانت الظروف والبيئة المحيطة بهما. "أول اختبار حقيقي وأول تجربة نحو النجاح."

قبيل المغرب ولج "عماد" إلى المصنع بخطى هادئة وعيناه تجوب في أنحائه يرى العمال يعملون بنشاط وحيوية لم يعهدها من قبل وقد أيقن بأن السبب في ذلك هو ابن أخيه اقترب من "يوسف" الذي كان يجاور أحد العاملين في المصنع وهو يرشده ماذا عليه أن يفعل وقف خلفه وقال بنبرة هادئة مبتسم الوجه: "دا أنت ليك فكل حاجة بجد بقى مش مجرد هزار." ألتفت إليه "يوسف" بعد أن جذبه انتباهه صوته ليبتسم في وجهه مجيبًا إياه قائلًا:

"ما أنا قولتلك أنت اللـي مصدقتنيش." حرك "عماد" رأسه بخفة وجاوبه قائلًا: "وأديني صدقت يا عمـد إيه الأخبار الرجالة تمام ولا بيتلكعوا؟ جاوبه "يوسف" بنبرة جادة قائلًا: "كلهم زي الفل وشغالين على سنـجة 10 عيـب عليك دي منطقتي." أتسعت بسمة "عماد" على شفتيه وذكـره بقوله: "ميعادنا بكرة أوعى تنسى "عامر" هيكون مستنيك بدري." أخذ "يوسف" قطعة من الخشب مربع الشكل وهو يحركه بين أنامله قائلًا بوجه مبتسم: "لا مش ناسي

الحتة جاهزة ومستنيين اللحظة المناسبة عـقبال "محمود" … وأبو "محمود" معاه." تعمد قول ذلك وهو يرشقه بنظرة خبيثة ينتظر الرد منه بينما توتر "عماد" قليلًا ولكنه استطاع تماسك نفسه وجاوبه بنبرة جادة قائلًا: "لا خلاص بقى مبقاش فيه منه صرفت نظري عن الموضوع دا." أراد إقناع هذا الماكر بتلك الكلمات الكاذبة ولكن كانت محاولته تبوء بالفشل هذه المرة حينما رد عليه "يوسف" بقوله الساخر: "مفيش منه إيه يا "عمدة"

مفيش منه إيه دا أنت عملت اللـي معملتهوش أنا مع مراتي مفيش منه إيه واعتراف أول أمس دا راح فين وأنت بترمي كل اللـي جواك للسـت وكأنك بتقولها ستقبليني رغمًا عنك يا امرأة بتقنع مين يا راجل يا نمس أنت طلـع المستخبي كله وقول اللـي جواك بصراحة وعالبلاطة كدا." لم يتلقى جوابًا سوى الضحك بالطبع أضحكه بكلماته وأسلوبه ذاك الذي أعتاد عليه حين يخفى عليه شيء أرتسمت بسمة واسعة على شفتيه وهو يرميه بنظرة ماكرة وقال:

"شايفني عيل يا "عمدة" وهتعملهم عليا أخبارك وصلتلي وأنت قاعد معاها يا عمـد دا أنت ملحقتش تعمل موڤ أون مـن الأولى." جاوبه "عماد" هذه المرة بجدية يحسد عليها قائلًا: "وأعمل ليه موڤ أون مـن واحدة متستاهلش أزعل عليها حتى بيني وبين نفسي حبيبي أنا راجل دوغري وصريح مبحبش دي يعني مبحبش دي إنما "هناء" أنا بحبها وقولت بصراحة هخبي ليه يعني ومش أنت اللـي قولتلي شوف غيرها أديني شوفت غيرها."

رماه "يوسف" نظرة خبيثة مغلقًا عيناه قليلًا هنيهة ثم جاوبه بنبرة هادئة وقال: "فدي عندك حق ماشي يا "عمدة" اللـي يريحك يا عمـد المهم تكون مبسوط لا أكتر ولا أقل." تركه واتجه إلى مكتبه بخطى هادئة وهو يلقي نظرة هادئة على جميع العمال ليشعر بالرضا بعد أن رآهم يعملون بجد بينما لحق به "عماد" بخطى هادئة وهو يرى المصنع الذي كان ملكًا لأخيه الراحل يومًا يعود إلى سابق عهده اليوم ولج إلى مكتبه ليراه يجلس خلف مكتبه وينظر في الأوراق

قائلًا: "تعالى يا "عمدة" عايزك تاخدلك بصة على الورق دا." اقترب منه "عماد" بخطى هادئة ليجلس أمامه وهو يمد يده ليلقي نظرة سريعة على الأوراق تحت نظرات "يوسف" الذي كان يتابعه بهدوء منتظرًا الرد منه دقائق استغرقها "عماد" في الإطلاع على الأوراق ثم قال بعدها بنبرة هادئة: "حلو أوي توكل على الله صنع ووزع." نظر إليه "يوسف" نظرة مطولة دون أن يتحدث ليجاوبه "عماد" بنبرة هادئة مكملًا حديثه بقوله: "دي هتبقى خطوة حلوة لصالحنا

أتجرأ أنت بس وخذ الخطوة وإن ما سمعت فظرف ساعة وعملت قلق مبقاش أنا." دقائق بعدها كانت صامتة "يوسف" يتابع عمه بعيناه يفكر بعمق في حديثه و "عماد" أمامه ينتظر الجواب منه أخذ "يوسف" الأوراق مجددًا وجاوبه بنبرة هادئة بقوله الهادئ: "تمام كدا كدا العينـات جاهزة أنا قولتلهم متصنعوش حاجة غير بإذن مني أنا اللـي هصنع بنفسي أول حتة وأنت تسوق." وافق "عماد" على حديثه بقوله الهادئ: "وأنا موافق أنت عليك الصنعة وأنا عليا التسويق

والله المستعان." تشابكت الكفوف وأتفق الطرفين على البدء في إعادة المصنع إلى مكانه من جديد بعد سنوات طويلة استمرت في دفنه قرارات مصيرية اتخذت وترقب في انتظار الغد الذي يحمل معه مفاجئات عديدة. "لفحات تنذر بالعودة من جديد." في حارة "عابدين" –في منزل "يوسف" كانت "بيلا" تقف أمام الفراش في غرفتها تطوي الملابس النظيفة بهدوء شديد وأمامها على الفراش كانت صغيرتها "لين" محاطة بوسادتين مستيقظة وعيناها الواسعة تجوب في أنحاء الغرفة

وكأنها تستكشفها لأول مرة كانت تحرك قدميها الصغيرتين في الهواء وإصبعها الصغير في فمها وأصواتًا ناعمة تصدرها بين الحين والآخر صدح رنين هاتفها يعلنها عن اتصال هاتفي. انحنت قليلًا بجذعها وألتقطت الهاتف تنظر إلى المتصل لتراه أخيها "بشير" ولذلك لم تنتظر وجاوبته بنبرة هادئة قائلة: "أيوه يا "بشير"." وحين استمعت "لين" إلى اسمه أكتستها السعادة وأصبحت تحرك قدميها ويديها في الهواء بفرحة

لا تستطيع التعبير عنها إلا بتلك الحركات البسيطة ابتسمت "بيلا" حين رأت رد فعل صغيرتها وقالت: "في حد هنا يا "بيشو" فرح أوي أول ما سمع اسمك." سألها "بشير" عنهـا ليأتي صرخة طفولية سعيدة وكأنها تجيبه دون أن تستمع إلى سؤاله ضحكت "بيلا" وسمعت "بشير" الذي قال عبر الهاتف بنبرة هادئة: ""لين" حبيبة قلبي تصدقي أنا فيا شيء لله بناتك بيحبوني حب غير طبيعي." ضحكت "بيلا" وجاوبته بنبرة هادئة وهي تكمل ما تفعله قائلة:

""ليان" مش هنا للأسف لو كانت هنا كانت خطفت مني التليفون وقعدت كلمتك ساعتين عادي." جاوبها "بشير" بنبرة ضاحكة بقوله: "دي حبيبتي براحتها تعمل اللـي هي عاوزاه طبعًا كلنا تحت أمر الملكة "ليان"." جاوبته "بيلا" بعد أن جلست على طرف الفراش قائلة بنبرة هادئة: "ها عملت إيه طمني الشغل ماشي معاك كويس؟ أخرج "بشير" زفرة عميقة وجاوبها بنبرة هادئة بقوله: "أهو ماشي الحال الحمدلله طمنيني عليكم." جاوبته بنبرة هادئة وهي

تنظر إلى صغيرتها قائلة: "الحمدلله إحنا كلنا بخير أهم حاجة أنت يا حبيبي خلـي بالك من نفسك وكل كويس ومتنساش أختك عشان مزعلش منك ولو زعلت مش هتعرف تصالحني." قهقه "بشير" بخفة وجاوبها بنبرة هادئة بقوله: "حاضر يا ست البنات طلباتك أوامر هضطر أقفل معاكي دلوقتي سلميلي على "ليان" وبوسيهالي وأنا فأقرب وقت هكلمها بنفسي." وبعد تبادل الكلمات البسيطة أغلقت الهاتف وتركته بجانبها على سطح الطاولة

وهي تزفر بعمق بعد أن أطمئن قلبها على أخيها الحبيب لحظات شعرت بيد صغيرة تجذب خصلاتها الطويلة بعنف طفولي تأوهت بخفة وألتفتت قليلًا برأسها تنظر إلى صغيرتها التي كانت تنظر إليها وتبتسم وكأنها حققت إنجازًا فريدًا حاولت "بيلا" تحرير خصلاتها من بين أنامل صغيرتها برفق وهي تتحدث معها بلطف قائلة: "كدا مينفعش يا "لين" ينفع يعني تشدي شعر ماما بالطريقة دي." أطلقت الصغيرة صرخة طفولية وكأنها تعترض على حديثها

وترى أن ما تفعله هو الصواب ضحكت "بيلا" وأثناء محاولاتها لفك خصلاتها من بين أناملها الصغيرة صدح رنين جرس المنزل عاليًا يعلنها عن وصول زائر إليها وتحت إصرار الصغيرة لعدم ترك خصلاتها اضطرت "بيلا" أن تحملها بين ذراعيها اقتربت بخطى هادئة من الباب وقفت تنظر من خلفه إلى الزائر لتراه زوجها ولذلك أمسكت بمقبض الباب وفتحته مبتسمة الوجه. نظر إليها "يوسف" مندهشًا بعد أن رأى صغيرته ممسكة بخصلا تها ليقول: "دا تأديب ولا عذاب؟

ولج وأغلق الباب خلفه لتجيبه "بيلا" راجية: "عشان خاطري حاول تحل الموضوع عشان هي مش هتسكت غير وهي مخرجة شعري في إيديها." ضحك "يوسف" تاركًا أغراضه فوق سطح الطاولة وقد اقترب منها وهو يحادث صغيرته قائلًا: "أنتِ وارثة **** صفة فيا ونعمة التربية والله." رفع الصغيرة من أسفل ذراعيها الصغيران وضمها إلى أحضانه محاولًا فصل والدتها عنها قائلًا: "البت دي هتتعبنا معاها جامد أوي العـبـاسـية عندها سريرين فاضيين يمكن نحتاجهم قدام."

نظرت إليه "لين" بعينيها الواسعة بدهشة وكأنها تراه لأول مرة وعندما رأت هدفها أتسعت بسمتها الطفولية الماكرة ومدت يدها الصغيرة الأخرى تتشـبث بذقنه بعنف طفولي وكأنها وجدت لعبتها الحقيقية. نظر إليها "يوسف" نظرة ذات معنى وقال: "تصدقي وتؤمني بالله أنتِ عائلة متربتش." ضحكت الصغيرة عاليًا وكأنها فهمت حديثه وبدأت تجذب ذقنه بعنف وحماس شديد وهي تراه يتألم ويأمرها بتركه قائلًا:

"يا بنتي حرام على أهلك أرحمي دقني اللـي قرـبت أشيـلها بسببك أنتِ أي حاجة فيها شعر ما بتصدقي تشديها لا راحمة شعر أمك ولا أختك ولا دقني سلمت منك ناقص أصحى فمرة ألاقييكي جايباني من شعري أنا كمان." أنهى حديثه وهما يتبادلان النظرات بينهما لحظة وضحكت هي عاليًا وكأنه مازحها لتترك خصلات والدتها تلقائيًا وتتشبث بذقنه بيديها الصغيرتين وكأنها تعاـقبه على ما قاله قبل لحظات.

أغمض "يوسف" عيناه بعد أن أدرك مصيره تحت تلك المخالب الصغيرة نظرت إليه "لين" قليلًا بدهشة ثم بدأت تتحدث بكلمات غير مفهومة وقررت تفجير عنصر المفاجأة حينما جذبت ذقنه بعنف. تأوه حاـد صدر منه وهو يفتح عيناه وينظر إليها بعدم رضا ضحكت "لين" مجددًا وبدأت تأخذ جولة بيديه الصغيرتين فوق وجهه ليتحرك هو خلف زوجته إلى الغرفة وهو يحاول إبعاد يديها عن وجهه بلطف. صدح رنين هاتفها مجددًا لتراه رقمًا مجهولًا

ولذلك أجابت بنبرة هادئة تنتظر معرفة المتصل. بينما نظر "يوسف" إلى صغيرته وتوعد إليها بقوله الهادئ: "يمين بالله لوريكي أفضلي شـدي كدا براحتك بقى." ضحكت الصغيرة وقد قررت ترك وجهه ووضع رأسها الصغيرة فوق كتفه وكأنها كانت تشتاق إلى هذا العناق منذ الصباح. نظرت "بيلا" إلى زوجها بعد أن أخبرت المتصل بالانتظار قليلًا وقالت بنبرة هادئة متسائلة: "يوسف أنا جالي شغل أوافق ولا إيه؟ نظر إليها نظرة هادئة وجاوبها قائلًا:

"وافقي عادي هو أنا همـنعك يعني؟ نظرت "بيلا" إلى صغيرتها ثم إليه وجاوبته قائلة: "طب والبنات أعمل إيه؟ جاوبها "يوسف" بنبرة هادئة وكأنه يـصر على قوله: "وافقي وهنتكلم فالموضوع دا بعدين." عادت "بيلا" تجيب المتصل بينما عاد هو إلى صغيرته التي كانت تحرك يدها الصغيرة في الهواء وهي تتمتم بكلمات غير مفهومة بلغتها الخاصة التي لا يفهمها أحد سواها. مسد برفق على خصلاتها البنية الناعمة ثم نظر إلى "بيلا" التي أنهت المكالمة

وقال بنبرة متسائلة: "عملتي إيه؟ نظرت إليه بعد أن تركت هاتفها وجاوبته بنبرة هادئة قائلة: "آه وافقت زي ما قولتلي." حرك رأسه برفق يوافق على حديثها وقال بنبرة هادئة: "على بركة الله اتكلي ومتشيليش هـم أنا هتصرف مع البنات." جاوبته بنبرة هادئة بقولها: "مصدقت بصراحة رجع يجيلي شغل تاني أنا هبقى أوديهم عند ماما شوية و "كايلا" شوية لحد ما أمورنا تتظبط." وقبل أن يجيبها بدأت الصغيرة تتمتم أولى كلماتها مشيرة تجاه أمها قائلة:

"ما ما." تفاجأت "بيلا" بل صدمت حينما نادتها الصغيرة فجأة لأول مرة وبدون تمهيدات نظرت إلى "يوسف" الذي نظر لها مندهشًا ليقول: "أكيد بيتهيقلنا." ولكن أعادت الصغيرة تكرار الكلمة مجددًا وكأنها تؤكد لهما أن ما سمعانه ليس خاطئًا: "ما ما." مدت "بيلا" يديها تأخذها منه وهي تغدقها بقبلات متفرقة لتبدأ الصغيرة تضحك بعلو أبتسم "يوسف" وقد غمره شعور مختلف هذه المرة بعد أن سمع أولى كلمات صغيرته التي تنطقها

فمازال يتذكر أنها جاءت بالأمس واليوم هي تنطق أولى كلماتها بعد مرور عشرة أشهر. مسـدت "بيلا" على خصلات صغيرتها بحنو ونظرت إلى زوجها الذي كان متأثرًا بتلك اللحظة بعد أن بدأ يستمع إلى نفس الكلمات للمرة الثانية على التوالي. نظرت الصغيرة إلى "يوسف" ونادته بصوت ناعم وبأسلوب جعل الوجفة تتملك من جسده: "دا ..

هذه المرة أخذها يوسف بعد أن شعر أنه لا يستطيع تجاهل هذا النداء الناعم اللطيف. ضمها إلى دفء أحضانه واقترب منها يلثم خدها الصغير بحنو وينظر لها مبتسم الوجه. لامس إبهامه بشرتها الناعمة وقال بنبرة دافئة: _أحلى كلمة بابا أسمعها بعد "ليان". أنهى حديثه وعاد يلثم خدها الصغير بحنو وهو ينظر لها بفرحة غير عادية وكأنه يسمعها لأول مرة. نظرت إليه "لين" مجدداً وكررت ندائها قائلة: _دا.. دا.. دا.. دا.

ضحكت "بيلا" وعادت تكمل ما تفعله وهي تشعر بالسعادة تغمر قلبها بعد أن فاجئتها صغيرتها بنطق أولى كلماتها. تململت الصغيرة من بين ذراعي والدها بعد أن شعرت بطاقة حماس مفرطة تجتاحها، ولذلك بدأت تزحف على أطرافها بسعادة وهي تجذب قميص والدها الأبيض. قامت "بيلا" بطيه تعبث بأناملها الصغيرة في أزراره التي لمعت تحت ضوء الغرفة. نظر يوسف إلى "بيلا" التي أشارت تجاه صغيرتها قائلة بقلة حيلة: _أهي هتبدأ تكركب الدنيا من بدري.

ابتسم يوسف ونظر إلى صغيرته التي بدأ ترفع طرف القميص وهي تنظر إليه وتردد: _دا.. اقترب يوسف من بيلا يلثم خدها الصغير بحنو وجاورها في جلستها يراها تلعب تارة في قميصه الأبيض وأخرى بالكرة المطاطية التي لطالما تضعها دومًا في فمها ليسأل عن صغيرته الأخرى بقوله الهادئ: _أومال ليان فين مش شايفها النهاردة. جاوبته بيلا بنبرة هادئة قائلة: _عند ماما، قاعدة مع نادر وكان بشير موجود. نهض يوسف واقفًا نظر إليها وقال بنبرة هادئة:

_طب هروح أجيبها وأجي وبالمرة أشوف خالتي هناء. وقبل أن يتحرك منعته صرخة صغيرته التي رأته يبتعد عنها وكأنها تعترض على ذهابه وتركها، نظر إليها كلًا من يوسف وبيلا وكلاهما مندهشين، رفعت لين ذراعيها الصغيرين في الهواء والعبرات تلمع في عينيها الواسعة وهي تنظر إليه، اقترب منها ورفعها على ذراعيه يلثم خدها الصغير بحنو تزامنًا مع قوله: _ناوي تيجي معايا ولا إيه.

تشبثت الصغيرة في ياقة قميصه الأسود وكأنها ترفض تركه يرحل دون أن يصطحبها معه، ضحكت بيلا في الخلفية وقالت: _شكلك هتاخد على كدا من دلوقتي، شيل يا يوسف. نظر إليها بعد أن شعر بسخريتها في نبرتها وقال: _هشيل ما أنا شايل أمهم قبلهم هتيجي عليهم يعني الفرق في الأحجام بس مش أكتر. جحظت عينيها بصدمة وعدم تصديق وهي تراه يأخذ صغيرته ويبتعد بها، فحديثه لا يشير إلى معنى واحد فقط، لحقت به وهي تقول بنبرة عالية:

_قصدك إن أنا عجلة يا يوسف دا قصدك مش كدا ..!! توقف يوسف على باب الشقة قبل أن يخرج وهو يلتفت إليها ينظر لها بوجه مبتسم ثم قال: _لو أنت شايفاها كدا براحتك، بس أنا كان قصدي حاجة تانية مش مجبور أبررها عشان ميتنكّدش عليا عشان كدا أو كدا هيتنكد عليا فهتعب نفسي ليه.

لم يمنحها الفرصة لترد عليه، بل تركها وخرج مغلقًا الباب خلفه وكأنه يتعمد إثارة غيظها عن عمد، شعرت بالغيظ تجاهه ولذلك عادت مجددًا إلى غرفتها وهي تتوعد إليه بالويلات عندما يعود. في منطقة حيوية بإحدى الشقق،

كان حليم يقف في الشرفة يحتسي قهوته بهدوء وهو يعبث في هاتفه، يتصفح مواقع التواصل الاجتماعي يشاهد آخر الأخبار المتداولة في الآونة الأخيرة، فجأة جاءه اتصال هاتفي من أخيه جعله يخرج عن نطاق تركيزه، أجابه بنبرة هادئة محتسيًا القهوة: _كان الله فالعون، مسؤوليات ملهاش آخر أنا عارف. تعمد إثارة غيظه بكلماته وتذكيره بما يحمل على عاتقيه ليأتيه الرد من صلاح الذي قال: _أحسن من العزوبية يا فلحوس. قهقه حليم بخفة وجاوبه متعمدًا

إثارة غيظه: _حبيبي أعزب بس مرتاح، لا عيال ولا زوجة ولا هات باكت بامبرز وأنت جاي، هات كيلو لبن وفينو عشان مدارس العيال الصبح، دا أنت بتتمنى حياتي يا عم قول كلام غير دا. شعر صلاح بالغيظ الشديد منه ولذلك جاوبه بنبرة حادة: _نفسي تقع على بوزك وتلبس، أقسم بالله لفرح فيك فرحة مفرحتهاش فأبوك نفسه. وعندما تذكر أباه تبدلت معالم وجهه إلى الوجوم تزامنًا مع قوله الحانق: _وليه السيرة اللي تقفل الواحد دي يعني.

انتبه صلاح إلى ما قاله ولذلك مسح على وجهه وقال بنبرة هادئة: _خلاص متضايقش حقك عليا أنا بتكلم بتلقائية مقصدش أضايقك، إلا بالحق صحيح أنت عملت إيه عند الدكتور مارتن. أخرج حليم زفرة عميقة يخرج من خلالها طاقته السلبية وقال بنبرة هادئة:

_مطولتش المرة دي، قولت اللي حسيت بيه وقتها، يا دوب مكملتش كتير بس لما سألني وقال انت مش مطالب تحبه، انت مطالب بس تلاقي نفسك بعيد عنه، سكت شوية وقولتله لو لقيتي أرجعلك، قالي أنا هنا عشان أساعدك كل مرة، وقتها حسيت إن مش لوحدي، حسيت إن في حد مستني يسمعني حتى لو متلخبط وجويا كلام كيع ملهاش أول من آخر، أول ما أحس إن محتاج أروحله هروح على طول، عشان لسه جوايا مستنقع مش عايز ينتهي ولو مقضتش عليه هو هيقضي عليا.

تنهيدة عميقة تلقاها بعد أن استمع إلى أخيه الذي قال بعدها: _أنا حاسس بيك وعارف إن اللي أنت حاسس بيه دا مش قليل، وعارف إنك شوفت كتير واستحملت وأتعذبت كمان، عمومًا قبل ما تروح تكون مديني خبر عشان مسيبكش لوحدك، عايز أشاركك المرحلة دي من البداية للنهاية، عايز أكون جزء ولو بسيط من المرحلة دي. ابتسم حليم وجاوبه بنبرة هادئة بقوله: _أنت أساسي فيها من زمان يا صلاح، مترجعنيش ورا بقى الله يكرمك أنا ما صدقت.

ابتسم صلاح وجاوبه بنبرة هادئة قائلًا: _حاضر يا أستاذ حليم، زي ما تحب فكك من كل دا وركز عاللي جاي، عشان في ناس تستحق إنك تعافر نفسك عشانهم.

كلمات بسيطة تلقى لتكون تأثيرها قوي على صاحبها، ستكون الحافز الأكبر لتحريك أشياء كانت مدفونة بداخله، وبعد مكالمة دامت لعشرون دقيقة انتهت في الأخير وعاد حليم يتصفح على هاتفه حتى جذبه انتباهه رجل كبير بعمر أبيه يسب ولده الذي هو بعمره تقريبًا ثم بعدها يباغته بصفعة قوية على صفحة وجهه، تجمد حليم مكانه وظلت عيناه مثبتة على هذا المشهد دون أن يتحرك، تسارعت وتيرة أنفاسه وضغط بعنف على أسنانه وهو يتذكر تلك المشاهد من الماضي.

هي نفسها التي عاش بها تحت أيدي والده وأوامره التي يجب أن تجاب في الحال، شعر بالشاب المسكين، وشعر بكسرته في تلك اللحظة فكان يعيشها من قبله ويعلم مرارتها جيدًا، لم يكتفي الأب بذلك بل بدأ يسُبه ويلقي على مسامعه أبشع الكلمات التي يكفي أن تقسم ظهر البعير، لحظات عاشها مع عقله الذي استعاد إليه مشاهد الماضي كلها، قبل أن يستفيق ويقرر التحرك، ترك فنجان القهوة وولج إلى الداخل بخطى واسعة وصوت أنفاسه عالية وكأنه يحاول كبح غضبه بأيا طريقة.

وبعد لحظات خرج من بهو البناية واقترب منهما بخطى واسعة ليجذب الشاب إلى الخلف ويقف أمامه في مواجهة والده كالحصن المنيع، برغم أنه رجل آخر غير أبيه ولكن رأى صفاته القبيحة بداخله وتظهر في تصرفاته أمامه، رفع سبابته في وجهه وقام بتحذيره بنبرة حادة حاول فيها كبح انفعالاته بقوله:

_إذا إيدك لمسته تاني أنا هقطعها لك، كفاية تنشروا مرضكم بقى وروحوا أتعالجوا أحسن، أو ليه كل دا، متتجوزوش من أساسه لو أنتم مش مؤهلين تبنوا بيت وأسرة سوية، بسببكم واحد زي أبنك دا أصبح إنسان غير سوي، عيب عليك لما ابنك يبقى راجل بشنبات طول بعرض وتمد إيدك عليه وسط الناس كدا فالشارع أو فالعموم ..!!

لم يستطع تماسك نفسه ورؤيته لغيره يتلقى العذاب نفسه الذي يتلقاه هذا الشاب المسكين الذي لم يكسر أمام الجميع فحسب بل كسر أمام زوجته أيضًا التي كانت تقف في الخلفية تضع يديها على فمها وتبكي بعد أن فشلت في الدفاع عنه والوقوف أمام عواصف أبيه المدمرة، لمحها حليم من خلف الرجل وتلك النظرة برغم أنها لم تكن موجهة إليه بعينه ولكنها كسرته، جعلته يشعر بكرامته ورجولته تداس تحت الأقدام فما حالة هذا الشاب إذا.. _وأنت مين يا حيلتها؟

تكونش المحامي بتاعه وأنا معرفش؟ وبتدخل ليه أساسًا أنت مين عشان تدخل بين أب وإبنه؟ إبني وبربيه بمعرفتي. لم تفعل هذه الكلمات شيئًا سوى أنها أيقظت نيرانًا حاول لجمها مئات المرات حتى لا تسبب كوارث وخيمة ولكن ثمة من مازال يعاند ويريد إخراجها مهما كلفه الأمر، ولكن حليم لم يصمت بل رد عليه بإنفعال واضح بقوله:

_أنا شاب زيي زي أبنك بالظبط، أبويا مريض زيك دمرني لحد ما فقدت الثقة بنفسي وبكل اللي حواليا، خلاني أشك في كل الناس، عاملني زي اللعبة في إيده يحركها يمين تروح يمين شمال يبقى شمال، كان يقولي العياط للرجالة ضعف أوعى تعيط، ولا تضحك عالفاضي والمليان الضحك له مواعيد، كان يتعمد يهيني قدام الناس ويشتمني ويمد إيده عليا كمان، زي ما عملت أنت بالظبط مع أبنك دلوقتي قدام الناس ومراته، أنتوا اللي زيكم المفروض يتحاكم، أزاي سايبينكم كدا؟

بتدمروا أجيال وشباب زي الورد كان نفسه ياخد فرصته ويثبت نفسه، وآه يا عم أنا محاميه أعلى ما في خيلك أركبه أنا مبخافش غير من اللي خلقني.

لأول مرة يخرج الأسد من جحره، يزأر ويهدد بافتراس غيره، لأول مرة يمتلك تلك الشجاعة التي تجعله يقف أمام غيره، اكتست عيناه بالحمرة، وأصبح صدره يعلو ويهبط بعنف، ينتظر الرد الذي إما سيجعله يفقد عقله أو يجعله يشعر بالنصر أمام هذا العجوز، وأمام هذا الحشد من المتفرجين لم يستطع قول أي شيء، ولذلك رمق ابنه نظرة ذات معنى ورحل بصمت تام، لأنه يعلم أنه على خطأ، وبرحيله ألتفت حليم إلى الشاب ينظر له يراه يقاربه في العمر وفي عيناه كسرة لا يعلمها سواه.

ربت على ذراعه برفق وابتسم في وجهه قائلًا بنبرة هادئة:

_أنا حاسس بيك، مش مجرد كلمتين صدقني أنا حاسس بيك بجد، عارف الكسرة اللي حاسس بيها، وعارف إنك مش هتقدر ترفع عينك في وش حد وهتحس بالإهانة ونظرات الشفقة حتى لو محدش أتكلم وحاول يواسيك، مينفعش تسكت، لازم تتكلم وتدافع عن نفسك أنت حر نفسك محدش يمشيك على مزاجه أنت ليك رأيك المستقل ونفسك وبس، أي حد ميحترمش النقطة دي ترميه ورا ضهرك، أنا بكلمك عشان عا**يش نفسك عيشتك دي واتعذبت بطريقة بشعة وتم استغلالي أبشع استغلال بس وقت وقت فالوقت المناسب وقررت أقف على رجلي وفوش أي حد يفكر ييجي عليا تاني، وأنت كمان أعمل كدا، دا مش تمرد ولا عصيان … دا اسمه دفاع عن النفس، أنت إنسان وليك قراراتك وحريتك واستقلالك، مش مربوط بقيود ومفروض عليك تنفذها.

نظر إليه هذا الشاب والعبرات تلمع بوميض متلألئ وكأنها تعلن عن خبايا لم تكن ترى، شعر بالإنصاف لمرته الأولى، حتى وإن كان من غريب، ولكن الأهم أنه شعر بذلك وهذا يكفي لأن يثبت له أنه على حق، ضمه هذا الشاب وكأنه يشكره على ما فعله دون أن يتحدث، فحتى الآن هو لا يستطيع التحدث فما رآه جعله يفقد النطق لوقت مؤقت، ولكن عناق كهذا لن يجعله يخسر شيئًا، بينما ابتسم حليم وربت فوق ظهره دون أن يتحدث وهو يشعر براحة غريبة أجتاحه بعد تلك المواجهة وكأنه كان يوجه حديثه إلى أبيه نفسه وهذا جعله سعيدًا.

في إحدى المحلات العريقة، كان محمود قد صف سيارته أمام المتجر وترجل منها بهدوء، أغلقها عن طريق الزر الالكتروني وتقدم بخطى هادئة نحو باب المتجر يدفعها برفق، تقدم من صاحب المتجر ليقف أمامه وينزع نظارته السوداء تزامنًا مع قوله الهادئ: _في بدلتين بحجز مسبق بإسم محمود عماد و عامر عماد ميعاد التسليم المفروض النهاردة. نظر إليه صاحب المتجر وقال بنبرة هادئة: _ممكن الوصل بعد إذنك.

أخرجه محمود من جيب سترة بدلته البنية وأعطاه إليه، تفحصه الرجل ثم نظر إليه وقال بنبرة هادئة: _تمام يا محمود هما جاهزين فعلًا ثواني أجيبهوملك. أومأ محمود رأسه برفق وابتسم بسمة هادئة ينظر إلى الرجل الذي تركه وولج إلى إحدى الغرف لجلبهم إليه تاركًا إياه يتفحص المكان من حوله لدقائق قصيرة حتى عاد إليه مجددًا مبتسم الوجه قائلًا: _مبارك إن شاء الله. أخذهم محمود منه وشكره بوجه مبتسم قائلًا: _الله يبارك فيك، شكرًا.

تركه ورحل بعدها متجهًا إلى سيارته من جديد ضاغطًا على الزر مجددًا ليفتح باب السيارة الخلفي معلقًا إياهم ثم أغلق الباب تزامنًا مع سماعه لرنين هاتفه يعلنه عن اتصال هاتفي، أخرجه من جيب سترة بدلته ليراه أخيه ولذلك جاوبه بنبرة هادئة وقال: _أيوه يا عريس، لا عيب عليك يا عم جبتهم طبعًا، آه هجيب بس كام حاجة وارجع البيت، ماشي نتقابل هناك، سلام.

أغلق المكالمة بوجه مبتسم وأومأ رأسه قليلًا ثم تقدم من الباب الخاص بمقعد السائق وفتحه ليم **نعه يد أنوثية، نظر إلى صاحبتها ليراها هي بنفسها لم تعبأ بكل ما حدث وعادت، عادت لتُعيد فتح جراحه من جديد، نظر إليها نظرة حادة ومصدومة في نفس الوقت بعد أن رآها تعود بعد أن قام بطردها بنفسه من المنزل، لقد عادت "زينات" ..!!

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...