طرقات عنيفة على الباب ومتواصلة تجعل من في الداخل يقتلع قلبه فزعاً ورعباً، ومعها تعالت صرخات جعفر الغاضبة والعنيفة قائلاً: "هاشم.. افتح الباب.. يا هاشم" خرج هاشم من غرفته بخطى سريعة متجهاً إلى الباب وخلفه كايلا التي شعرت بالهلع بسبب عنفه في الطرق، لتقسم أن الباب سينكسر في أي لحظة. فتح هاشم الباب ولم يمهله جعفر فرصة الحديث ليلكمه جعفر بعنف في وجهه صارخاً بغضب قائلاً: "كله إلا مها يا هاشم"
تعالى صوته المتألم بينما كان يضع يده مكان لكمة أخيه التي تلقاها وجهه في لحظة غدر منه. لم يستكف جعفر بذلك بل أمسكه من تلابيب قميصه وجذبه بعنف قائلاً بنبرة غاضبة:
"أنا طوال عمري بحاول أفضل محافظ على علاقتي بأختي ومخليش أي حاجة تأثر عليها وطول السنين دي كلها محدش قدر يزعلها بكلمة، حتى أنا مكنش عندي الجرأة، بس لما ييجي واحد زيك عايش حياته وحاطط إيده في الماية الباردة وكأنه مش خارب بيت غيره يبقى لأ يا هاشم لحد هنا واستوب، أنا مش هسمحلك تتمادى أكتر من كده، وأختي اللي خربت حياتها أنا هصلحها وهعمل الصح اللي أنا كنت عايز أعمله من الأول قبل ما أنت تتحشر وتاخد قرارات متخلفة زيك."
سراج هيرجع مها تاني وهتبقى تحت عصمته تاني والمرة دي أنا اللي هكون سبب في إني أرجع أختي تاني وأحسن من حالتها اللي كل يوم في النازل وصدقني يا هاشم ربنا مبينساش وهيدوقك من نفس الكاس اللي شربته لأختك الضعيفة ولو تقدر توقف في وشي وتمنعني.
أنهى حديثه ودفعه بعيدًا بعنف لترتد جسد هاشم بقوة كاد يسقط ولكنه سارع في تو ازنه ووقف ينظر بنظرات مشتعلة إلى أخيه الأكبر الذي كان يقف قبالته يتطلع إليه بغضب وتحدي في نفس ذات اللحظة وكأنه يخبره بنظراته تلك أن يتحدّاه ويمتنع عما سيفعله. ومن هنا أعزائي دعوني أخبركم أن هناك عداوة جديدة نشأت بين الأخين في هذه اللحظة ولا يعلم أحد منهم المنتصر. "أنت فاكر نفسك مين يا جعفر؟
فوق يا حبيبي أنت بيا أو من غيري كنت هتطلق أختك يا ننوس عين ماما. أنت بتضحك على عيل بريالة يا جعفر هيصدق الكلمتين اللي قولتهم دلوقتي وهيخاف منك ويكش؟ بتحلم." نطق بها هاشم بكل وقاحة وهو يقف في مواجهة جعفر الذي كان الغضب يتأكله حيًا الآن. لم يرُق له حديثه بالطبع، فأكثر ما يكرهه جعفر هو أن يقف أمامه أحد ويتحداه بتلك الطريقة ويتحدث بكل وقاحة، فلم يولد بعد من تأتيه الجرأة التي تجعله يقف في وجه كبير حارة درويش.
أكمل هاشم وقال: "فوق لنفسك يا حبيبي ومتعمليش فيها دور الأخ الحنين اللي بيخاف على أخته عشان أنا عارف الشغل دا كويس أوي عشان تخلع أنت وتشيلني أنا الليلة وتطلعني بني آدم حقير في النهاية وأنت الملاك أبو جناحات."
"أنا مش مضطر يا حبيبي أثبتلك حاجة ومش مجبر على حاجة وكل واحد بيشوفني بالصورة اللي هو عايز يشوفني بيها وأنا مبمثلش الدور. أنا لو بمثل يا حبيبي كنت زماني دلوقتي مديك على قفاك وراميك وأكل حقك يا حبيبي ما أنا سهل أعيشك الدور وأنا أصلاً لا طايقك ولا قابلك حتى والشغل اللي بتقول عليه دا يا روح خالتك أنت اللي بتعمله مش أنا ومتخلنيش بقى أقل أدبي ولساني يفلت قدام مراتك عشان مبقاش أنا اللي خرب بيتك وارد لك اللي عملته في أختك."
أردف بها جعفر بنبرة غاضبة بعد أن ظهر وجه الإجرام خاصته والذي لا يظهر إلا في الضرورة القصوى، فقد ضغط أخيه على الوتر الحساس، إذاً فليتحمل نتائج أخطائه. شعر هاشم بنيران تأكل صدره بوحشية وبداخله رغبة عارمة الآن في تلقين أخيه درساً قاسياً حتى يعلم أنه ليس بهذا الجبن والضعف الذي يظنه هو. ولذلك لم يتردد هاشم وأمسك أول ما طالته يده وسقط بها على رأس جعفر.
صرخت كايلا بفزع ووضعت يديها على فمها وهي تنظر إلى دماء الآخر التي تدفقت سريعاً على وجهه و"تيشيرته" الأبيض لتلحظ عينيها وشعرت بتراخي أطرافها وبرودة تسري في أنحاء جسدها. دلف بشير بعد سمع صراخ شقيقته لتلحظ عينيه ويتجمد جسده عندما رأى زوج شقيقته أرضاً ودماؤه تسيل بقوة مرعبة. نظر إلى هاشم الذي سقطت العصا الحديدية من يده أرضاً وهو ينظر إلى جعفر بعينين واسعتين بعدما استاق أخيراً من حالته وأدرك تلك الكارثة التي فعلها.
تقدم بشير سريعاً من جعفر ليجلس على ركبتيه بجانبه يتفحصه قائلاً بهلع: "أنت كويس يا جعفر حاسس بإيه؟ أغمض جعفر عينيه بقوة وهو يشعر أنه لا يدرك ما يحدث حوله فقد بدأت الأصوات حوله تبتعد شيئاً فشيئاً.
دلت بيلا التي كانت تصعد بصعوبة إلى منزل شقيقتها وهي تضع يدها على بطنها المنتفخة لتقف مكانها ملحّظة العينين ناظرة إلى زوجها بصدمة وعدم استيعاب. نظرت كايلا إلى هاشم وهي مازالت لا تستطيع استيعاب ما فعله في أخيه لتعود عدة خطوات إلى الخلف بخوف وهي تنظر إليه. "جعفر أنت واعي سامعني طيب قول أي حاجة." نطق بها بشير برعب وهو ينظر إلى جعفر الذي
كان يحاول التماسك ليقول: "قومني يا بشير." وبالطبع نهض بشير مسرعاً وأمسك يده ليرمي جعفر حمولة جسده كلها على يده وينهض. اقتربت منه بيلا ووقفت أمامه تتفحصه بهلع قائلة: "يا لهوي مين اللي عمل فيك كدا يا جعفر؟ مين عمل كدا إيه اللي حصل؟ أغمض جعفر عينيه وأنكمشت معالم وجهه ألماً قليلاً لتقول
بيلا وهي تنظر إلى بشير: "خده يا بشير وأنزل الشقة بسرعة وأنا هكلم شيرين تيجي حالاً." وعندما أنهت حديثها التفتت تنظر إلى هاشم وظهر الغضب والحقد على معالم وجهها بوضوح بعدما رمقت العصا الحديدية ساقطة بجانب قدمه لتعلم ما حدث دون أن يخبره أحد. وللحق هي لم تتردد لحظة واحدة وبدأت تصرخ في وجهه بغضب
شديد أعمى عينيها لتقول: "أنت إيه يا أخي شيطان ماشي تأذي في اللي حواليك وخلاص بتستمتع أنت كدا يعني أنت أكيد مجنون أنت كنت هتموته يا مجنون أنت واعي!
وعندما أنهت صراخها العنيف في وجهه بدأ صدرها يعلو ويهبط بقوة وهي تلهث بسبب انفعالها وصرخها وغضبها. لقد شعرت بأن الدماء تتدفق بقوة إلى رأسها جعلتها لا تشعر بنفسها وهي تصرخ به بتلك الطريقة، فالحبلة لا تنفعل وتصرخ بتلك الطريقة خصوصاً في آخر شهور حملها فمن المتوقع أن تلد في أي لحظة مبكرة.
في تلك الفترة كانت كايلا تختبئ خلف شقيقتها عندما كانت تصرخ هي بوجهه تنظر إلى هاشم بخوف، فبعد ما فعله في أخيه قررت أن لا تبقى معه في منزل واحد بعد اليوم، فاليوم كاد يقتل أخيه في لحظة غضب فماذا عنها هي بعد الآن؟ التفتت بيلا لترى كايلا خلفها والخوف يتمالك منها لتستشعر بيلا هذا
وتقول بنبرة حادة صارمة: "مفيش قعاد هنا لوحدك مع المجنون دا. لمي شنطتك وتحصليني على تحت سامعة أنا مش هسيبك معاه لحظة واحدة بعد كدا الله أعلم ممكن يعمل فيكي إيه. خشي هاتي حاجتك وأنا مستنياكي هنا." ركضت كايلا إلى غرفتها سريعاً حتى تلبي طلب شقيقتها بينما وقفت بيلا تنتظرها تعبث في هاتفها بمعالم وجه متجهمة. وضعت الهاتف على أذنها لتقول بنبرة حازمة: "حاجتك وتعاليلي بسرعة البيت جعفر راسه بتنزف والدَم مبيوقفش. بسرعة يا شيرين."
أغلقت الهاتف بعد أن تعجلتها ونظرت بحقد إلى هاشم. فبعد الآن أصبح عدوها اللدود الذي حاول قتل زوجها وحبيبها ولولا صرخات كايلا التي أتت إليهم في الأسفل لما كان أحد سيشعر به. ولقد أخطأت حقاً يا هاشم، فلتحمل نتائج أخطائك وتحذر ممن تلك التي تقف أمامك تستعد لأكلك حياً. بدأ بشير يمسح دماء جعفر الذي كان جالساً في غرفة المعيشة بقطعة قماش بيضاء يحاول إنقاذ الموقف وهو يشعر بالخوف الشديد عليه ويسأله كل لحظة عما يشعر به.
خرجت مها من غرفتها تنظر حولها لتلحظ عينيها بهلع عندما رأت هذا المشهد لتركض نحوه سريعاً تقف أمامه تتفحصه قائلة دون توقف: "جعفر أنت كويس إيه اللي حصل ومين عمل فيك كدا وأزاي وليه؟ " كانت تتحدث دون توقف ليوقفها بشير بقوله المفاجئ: "هاشم." استغرق الأمر منها عدة دقائق حتى استوعبت ما قيل لها لتنظر إلى بشير بهدوء قائلة باستنكار: "إيه؟
" نظر إليها مرة أخرى وقال وكأنه يؤكد إليها أن ما سمعته صحيحاً: "هاشم اللي عمل كدا." جحظت عينيها بصدمة ونظرت إلى جعفر مرة أخرى بصمت مريب. آه لو تعلم أن ما حدث إليه كان لأجلها هي، لعل هذا يشفع إليه قليلاً وتسامحه. جلست مها بجانبه لتقول بنبرة هادئة: "إيه اللي حصل يا جعفر؟ لم يكن جعفر في أحسن حال، فهو الآن في حالة من الصدمة والذهول وما يدور داخل عقله الآن هو اللا شيء.
دلت شيرين واقتربت منهم سريعاً لتبعد بشير عن مرماها وتقف هي بدورها أمام جعفر واضعة الحقيبة على الطاولة قائلة: "إيه اللي حصلك يا جعفر بيلا جيباني على ملى وشي." بدأت بإخراج أدواتها وكتم تلك الدماء بينما كان جعفر هادئاً بشكل مرعب جعلهم يتعجبون صمته هذا. اقتربت بيلا منهم ووقفت بجانبه على الجهة الأخرى تضع يديها على كتفيه مشدّدة عليه برفق، بينما دلفت كايلا إلى غرفة مها وهي تحمل حقيبتها.
لحظات وعالت طرقات سريعة على باب المنزل ليتقدم منه بشير ويفتحه ليرى منصف يدلف مسرعاً وكل ما يقوله دون توقف: "إيه اللي حصل؟ فين جعفر؟ إيه اللي حصل! اتجه إليه سريعاً وجلس على ركبتيه أمامه يتفحصه قائلاً بهلع: "إيه اللي حصل ومين عمل فيك كدا! " ليجيبه بشير قائلاً: "المدعوق هاشم." جحظت عينين منصف بصدمة وهو ينظر إلى جعفر ليقول: "ليه حصل إيه يا جعفر؟ " أغمض جعفر عينيه بهدوء ولم يجب أحد منهم.
وبعد القليل من الوقت انتهت شيرين من لف الشاش الأبيض حول رأسه قائلة: "متقلقش كام يوم وهتبقى زي الفل إن شاء الله أهم حاجة متتعصبش ومتفكرش كتير." ربت منصف على يده برفق وهو ينظر إليه بحزن شديد. نهض جعفر وأتجه إلى غرفته مغلقاً الباب خلفه دون أن يتحدث مع واحد منهم لتشعر بيلا بالغضب يتمالك منها مرة أخرى جاعلاً الدماء تغلي داخل أوردتها وتتصاعد إلى رأسها تفكر في العودة إليه وضربه واحدة مثلها حتى تأخذ ثأر زوجها وحبيبها.
كانت هناء تجلس في منزلها تضحك بين الفينة والأخرى وهي تشاهد مسرحية كوميدية قديمة وتقوم بتقطيف الملوخية. لحظات وتعالت طرقات على باب منزلها لتنظر إليه وتترك الملوخية وتتقدم منه مجيبة على طرقات الطارق في الخارج قائلة: "جايه يا اللي على الباب حاضر." فتحت الباب لترى ابنتها تحمل حقيبة ثيابها وتقف أمامها تنظر إليها قائلة بنبرة هادئة: "ليا عندك مكان؟ في الواقع تفاجأت هناء كثيرة وما زاد تفاجئها هو حقيبتها التي تحملها لتبتعد عن
مرماها تشير إليها قائلة: "طبعاً تعالي." دلفت كايلا بالفعل وتركت حقيبتها بجوار الباب بينما أغلقت هناء الباب ولحقت بها قائلة بتساؤل وقلق: "في إيه يا كايلا وإيه شنطة الهدوم دي أنت اتخانقتي أنت وجوزك ولا إيه؟ "أنا عايزة أطلق." نطقت بها كايلا بنبرة حازمة وكأنها اتخذت القرار وتخبرها فقط بما ستفعل. في الواقع كانت هناء متفاجئة مما تسمعه وتراه وكأنها تحلم وهذه ما تسمى بالأحلام العصرية. أبتلعت هناء
غصتها وقالت بنبرة هادئة: "عايزة تطلقي ليه؟ "عشان دا مش بني آدم يتعاش معاه. أنا عايشة مع سفاح يا ماما." نطقت بها كايلا وسقطت دموعها بعدما تذكرت مشهد جعفر مرة أخرى أمامها لتتفاجئ هناء وتنهض جالسة بجوارها على الأريكة تحاوطها بذراعيها تضمها إلى أحضانها الدافئة قائلة: "أهدي بس وقوليلي عايزة تطلقي ليه وإيه اللي حصل يوصلك إنك تيجي بشنطة هدومك وتطلبي الطلاق."
شعرت هناء باهتزاز جسد ابنتها بين ذراعيها ومن ثم بدأت تبكي. شعرت هناء بالقلق عليها لتزفر قائلة بقلة حيلة: "لا حول ولا قوة إلا بالله. طب قوليلي عملك إيه يا حبيبتي وأنا هوريه النجوم في عز الضهر. عملك إيه يا حبيبتي مد إيده عليكي قوليلي أقسم بالله لأكون كسرهاله."
"هاشم اتجنن يا ماما. كان هيموت أخوه. ضربه بعصايا حديد على رأسه خلى راسه تنزف بشكل مرعب. أنا خايفة أوي منه مش عايزة أكمل. في لحظة غضب كان هيقتل أخوه أومال أنا هيعمل فيا إيه؟ خليه يطلقني يا ماما بالله عليكي." أنهت كايلا حديثها ثم بدأت تبكي بشكل هستيري فما حدث أمام عينيها ليس هيناً عليها البتة. طبعت هناء قبلة أعلى رأسها
وقالت مربتة على ذراعها: "حاضر يا حبيبتي هعملك اللي أنت عايزاه حاضر أهم حاجة بس تهدي دلوقتي وترتاحي وهنتكلم في الموضوع ده بعدين." حركت رأسها برفق وهي مازالت تمكث داخل أحضانها. بينما أخذت هناء تستغفر ربها وهي تمسد على ذراعها برفق، تقوم بتهدئتها. وهي تنتوي على محادثة أبنتها الأخرى وفهم ما يحدث دون علمها. لحظات وأبتعدت كايلا عن أحضانها. لتنظر إليها هناء قائلة: يلا أدخلي أوضتك وخدى شاور هادي كدا وريحي أعصابك.
وأنا هقوم أعملك فنجان قهوة عشان تفوقي. وعاملة كمان الأكل اللي بتحبيه. يعني هروق عليكي جامد أوي. أبتسمت كايلا ومسحت دموعها. لتـمسد هناء على خصلاتها قائلة: يلا يا حبيبتي. كانت تجلس على فراشها تضمه إلى أحضانها. تمسد على خصلاته برفق وهدوء. لكن كانت تغلي كالحمم البركانية بداخلها. وتفكر في الانتقام منه. فهذه كانت محاولة قتل. فهو غضب وثأر وفكر في طريقة حتى يقوم بارضاء نفسه الأمارة بالسوء وتهدئة غضبه.
أن يقوم بضربه ويأتي به صريعًا حتى يشعر بالرضا. في لحظة قد أعمى بها الشيطان عينيه وصور إليه أبشع الطرق المؤدية إلى طريق مسدود. وقد أغواه وحدث ما حدث. نظرت إليه بهدوء لتراه ساكنًا بين أحضانها مغمضًا عينيه. فمنذ قرابة الثلاث ساعات لم يتحدث. وكأن ضربته تلك أفقدته النطق. طبعت قبلة هادئة على جبينه وظلت ملتزمة الصمت. لحظات ورأت بيلا باب الغرفة يفتح وتدلف ليان بخطوات هادئة. تنظر إليها.
أغلقت الصغيرة الباب بهدوء شديد حتى لا تـيقظ أباها. وتقدمت من الفراش وهي تسير على أطراف أصابعها. حتى وصلت إليه وصعدت أعلى الفراش بجانب أبيها على الجهة الأخرى. نظرت إليها بيلا دون أن تتحدث. لتراها تنظر هي إليه. ثم مدت يدها الصغيرة ووضعتها على وجهه تسير بها عليه برفق وحنو. أبتسمت بيلا لفعلتها. وكلما رأت حنان طفلتها عليها وعلى أبيها يتراقص قلبها فرحًا وسعادة. طبعت قبلة هادئة على وجنته.
ثم نظرت إلى والدتها التي مسدت على خصلاتها برفق لتبتسم إليها. "البوسة دي أنا كنت مستنيها بقالي شوية." نظرت إليه ليان وأبتسمت. لتمنحه واحدة أخرى. لتراه بيلا يبتسم ويتبدل حاله فجأة. ليفتح عينيه وينظر إلى ابنته. لتعلو أبتسامته قائلًا: الووجع اللي كان في راسي خف. واحدة كمان بقى. منحته قبلة أخرى. لتتسع أبتسامته ويجذبها إلى أحضانه. ضاممًا إياها برفق طابعًا قبلة عميقة على وجنتها. نظرت إليه وأشارت إلى رأسه قائلة:
هي راسك كويسة. أبتسم إليها وقال: قولت مينفعش لولو تبقى رابطة دماغها لوحدها كدا. قوم إيه بقى مخبوط في راسي وأنا طالع على السلم. قامت ماما الأوفر تربطهالي. شوفتي بقى مع إنها متستاهلش. يكذب بالطبع. فهذا لم يحدث. ولكن أضطر إلى قول ذلك حتى لا يجعلها تشعر بالخوف من هذا المدعو أخيه. وحتى لا تكرهه. ولكن كيف سيأمن عليها في مكان هو متواجد به. فأصبح لا يشعر بالأمان نحوه. ومثلما حاول أذيته التي كانت ستقتله.
سيقوم بأذية ابنته وزوجته وطفلته المسكينة التي لم يحن وقتها للقدوم. نظر إلى بيلا التي كانت تنظر إليه وتمسد على رأسه برفق. وتذكر غضبها وثورانها والحقد الذي كان يرتسم على معالم وجهها بوضوح عندما أُصيب. وكم شعر بالسعادة تغمره حينما رأى هذا الرد منها. فخلفه تقبع امرأة شرسة تخشى على زوجها وتستعد لإلتـهام أي شخص يقترب منه ومن طفلته. نظرت ليان إلى أبيها فجأة وقالت بتفاجؤ: في حاجة بتتحرك جوه بطن ماما.
نظر إليها جعفر ثم نظرا إلى بيلا التي كانت تبتسم وتشعر بحركة ابنتها داخل أحشائها. أعتدلت الصغيرة في جلستها ونهض جعفر كذلك وجلس نصف جلسة مستندًا بمرفقه على الوسادة. وضعت ليان يدها الصغيرة على بطن والدتها تستشعر تلك الضربات وتلك الأقدام الصغيرة التي كانت سببًا في ذلك. لتعلو أبتسامتها على ثغرها أسفل نظرات بيلا وجعفر. اللذان كانا يترقبان ويتابعان ردة فعلها. نظرت ليان لهما مبتسمة.
ولم تعد تشعر بتلك الأقدام الصغيرة وتلك الضربات التي تتلقاها والدتها. تحدثت وهي تنظر لهما قائلة: اختفت. أمسكت بيلا بيدها ووضعتها على الجهة الأخرى. لتشعر ليان بتلك الأقدام مرة أخرى تضرب والدتها. لتعلو أبتسامتها السعيدة على ثغرها. وبدأت تستشعر حجم تلك القدم الصغيرة عندما بدأت تضغط بخفة على موضعها. نظرت بيلا إلى جعفر مبتسمة. ليـبادلها نظراتها وأبتسامتها بهدوء. عندما رأى سعادة ليان وإندماجها. نظرت إليها
الصغيرة وقالت متسائلة: هي لما بتضربك بتوجعك؟ حركت بيلا رأسها برفق. لتسألها الصغيرة مرة أخرى قائلة: ليه بتضربك؟ أبتسمت إليها بيلا ومسدت على خصلاتها الطويلة الناعمة. وقالت مصححة كلمات أبنتها: بتلعب معايا مش بتضربني. أبتسمت ليان ونظرت إلى أبيها وقالت: شوفت يا بابا حط ايدك كدا هتلاقيها بتلعب معايا. أبتسم إليها جعفر ومد يده يضعها على بطن زوجته. ليشعر بأقدام تلك الصغيرة الشقية تضرب في والدتها.
عكس ليان التي كانت هادئة عندما كانت بيلا حبلى بها. فتلك الصغيرة الشقية أتعـ ـبت أمها في شهور حملها. عكس تلك الرقيقة التي تقبع داخل أحضانه كانت هادئة. ولذلك لم تعاني بيلا إطلاقًا معها. نظر جعفر إلى ابنته وقال مبتسمًا طابعًا قبلة على وجنتها الصغيرة: شقـ ـية جدًا عكس لولو البسكوتة بتاعتي الرقيقة. أبتسمت ليان ابتسامه جميلة ونظرت إليه. لتقول بيلا بنبرة ممزوجة ببعض الألم مبتسمة: شوفتي شقية إزاي. ربتت ليان على بطنها برفق.
وقالت بنبرة حازمة وكأن شقيقتها تسمعها قائلة: لين .. متتعبيش ماما وأسمعي الكلام عشان مزعلش منك. أبتسم جعفر عندما سمع اسم "لين" يخرج من فم ابنته. فطوال تلك المدة السابقة كان يخبـ ـرها ويؤكد عليها أن شقيقتها اسمها لين. على الرغم من عناد بشير معه وإخبارها كذلك أنها ستكون اسمها "سعدية". هذا الاسم الذي عندما تلقته أذناه جعله مصدومًا. وظل حينها يركض خلفه ويتوعد إليه بالويل ويؤكد على مسامع صغيرته اسم "لين" وليس "سعدية".
"في إيه يا ابني هو أنا قولت حاجة غلط! نطق بها بشير وهو يركض في أنحاء المنزل وخلفه جعفر. الذي صـ ـاح به قائلًا: "سعدية مين يا أبو سعدية! فقال الآخر: "سعدية بنتك." عض جعفر على شفتيه بغضب وأمسك بالزجاجة البلاستيكية وألقى بها نحوه. لينحني بشير بجذعه العلوي إلى الأسفل صائحًا بعلو صوته كالنساء الندابات: "يا لهو تااااي جعفر فتح لي راسي يا ناس." جحظت عينين جعفر بصدمة. الذي تصـ ـلب جسده بسبب ما فعله بشير.
لتعلو ضحكات ليان التي كانت تشاهدهما. أبتسمت بيلا التي كانت تجلس بجانب صغيرتها. ونظرت إلى بشير الذي غمز إليها بطرف عينه دون أن يشعر به جعفر. ثم نظر إليه مرة أخرى وقال بعناد: سعدية يا جعفر .. بت يا لولو أختك اسمها سعدية. صاح به جعفر بعدما عاد يركض خلفه قائلًا: "ياض متستفزنيش يالا." ضحك بشير بإستمتاع ونظر إليه وهو يراقص حاجبيه. قائلًا بنبرة مستفزة: "أزيك يا أبو سعدية عامل إيه وأزي سعدية بنتك." صرخ به جعفر كالمجنون.
لتعلو ضحكاتهم على ما يرونه. لينظر جعفر إلى ابنته وقال بنبرة صارمة وهو يراقب بشير بطرف عينه منتظرًا منه أي اعتراضات: أختك اسمها لين متسمعيش كلام الكلب دا. عشان أنا همسكه أدغدغ أهله دلوقتي. ضحك بشير بملء فاهه وقال: والله البت سعدية دي هتبقى بت عفشة أوي. نظر إليه جعفر وقد بدأ يتحدث بوقاحة مدافعًا عن صغيرته قائلًا: مين دي يا أبو وش سمج ومداس عليه قطر. دا أنا بناتي قمر يا حبيبي ويتطلبلهم ألـ ـماظ مش دهب.
بنات جعفر ملكات جمال يا معفن يا منتن. ولو فكرت تقلل من بناتي تاني هقلل أنا منك جامد أوي. وهيبقى شكلك زبالة أوي. نظر بشير بذهول إلى شقيقته التي ضحكت قائلة: أتقلب السحر عالساحر. نظر إليها بشير قليلًا بصدمة وفمًا مفتوحًا. قبل أن يقول مشيرًا إلى نفسه: دا الكلام دا ليا انا؟ حرك جعفر رأسه برفق وهو ينظر إليه ببرود. ليقول بشير وهو مازال على وضعه: وحياة أمك؟ نظر بشير إلى ليان وأشار نحوها قائلًا:
مش كفاية واحدة نسخة منك هيبقوا اتنين. أبتسم جعفر وقال: طالما أنا اللي مسميها يبقى تأكد إنها هتبقى النسخة التانية مني. عشان كل ما تشوفهم قدامك في غيابي تتحسر أكتر وأكتر. أنهى حديثه وهو ينظر بطرف عينه تزامنًا مع رفع حاجبه الأيمن إلى بيلا. وقال متعمدًا إغضابه: مش كدا ولا إيه يا أم لين. رمقه بشير بغضب وصرخ به كالمجنون. وأصبح هو من يركض خلفه بعد أن كان الأخير هو من يركض خلفه قائلًا بوعيد: مش هسيبك يا جعفر.
مش هسيبك يا مستفز قال سعدية قال، فاكر نفسه مايكل جاكسون بيتريق على بناتي. أردف بها جعفر بتهكم واضح لتضحك بيلا بخفة قائلة: بيستفزك يا جعفر إيه الجديد. أبتسم جعفر أبتسامة جانبيه ساخرة وقال: دا يحمد ربنا إني مكسرتلهوش إيد ولا رجل ساعتها كان زمانه بيندب. نظرت ليان إليه وقالت: لين هتبقى شبه بابا.
أبتسم جعفر أبتسامة واسعة سعيدة ونظر إلى بيلا منتظرًا ردًا منها ولكنه وجدها تبتسم دون أن تتحدث أو تكلف نفسها عناء الرد ليعلم أنها راضية عن هذا. نظر إلى صغيرته وحملها قائلًا: من كتر ما أمك بتعشقني طالعين شبهي يا برنسيس. *** بعد مرور يومان. دلفت جنة رفقة نور إلى جعفر لتقول: الكلام دا بجد يا جعفر. ألتفت جعفر ينظر إليها بهدوء وقال: كلام إيه. جنة بحـدة: هاشم دخل السجن فعلًا. أجابها بنبرة باردة وقال: آه. "آه!
" صاحت بها بغضب عندما رأت البرود عنوانه لتكمل قائلة: "آه إيه يا جعفر، آه إيه، وإيه البرود اللي أنت فيه دا! "عايزاني أعمل إيه يعني أخوكي متهم في سبهه أنت مستوعبة إنه كان هيموتني ولا أنت مغيبة! " صاح بها بنبرة عالية وغضب وهو ينظر إليها بشراسة عندما شعر أنها تدافع عن هاشم وتقف ضده. توسطت يديها خصرها وقالت بنبرة حادة: "تتصرف وتخرجه". جحظت عينيه بشكل مخيف وهو يتطلع إليها يكاد يقتلها حقًا هل جنت أم أنه أصبح مختل والعاقلين.
شعر نور بالخطر منه ولذلك حاول تهدئة الأجواء بينهما قائلًا: أهدوا يا جماعة وصلوا على النبي مش كدا كل حاجة تتحل بالعقل والهداوة. نظر إليه جعفر وأشار تجاه جنة قائلًا بنبرة تحمل في طياتها العنف الذي يحاول لجـمه: الكلام دا تقوله لمراتك مش ليا أنا. أبتلع نور غصته بهدوء ونظر إلى جنة التي قالت بحـدة: أنت إيه يا جدع إيه البرود دا أخوك مرمي في السجن ولا كأنه أخوك أصلًا.
ضغط على ضروسه بقوة وصاح بها بغضب جحيمي بعدما استطاعت إشعال فتيلة غضبه قائلًا: أنت اللي إيه مبتفهميش اللي محمقاله أوي دا لولا ستر ربنا أنا كان زماني ميت بسببه أنا كنت بتصفى يا هانم لولا مرات صاحبي هي اللي لحقتني.. إيه مبقاش فيه مشاعر خلاص بقيت أنا الزبالة وهو الطيب.
خرجت مها على صوت صراخهما في بعضهما البعض ووقفت بجانب جعفر تنظر إلى أخويها اللذان كانا أشبه بجمرة نار وبنزين في هذه اللحظة ويقبع بينهما هذا المسكين الذي يحاول تهدئة الأمور ولو قليلًا لينظر إليها مستغيثًا بها علها تفعل شيئًا. نظرت مها إلى جنة وقالت بنبرة حادة حازمة: بقولك إيه يا جنة كلمة ورد غطاها لو جايه تدافعي عن المحروس أخوكي وتـرمي اللوم على الغلبان دا يبقى تتفضلي أحسن ليكي ولينا. نظرت
إليها جنة بذهول وقالت: أنت بتطرديني يا مها. مها بجدية: أنا قولت اللي عندي افهميها زي ما تحبي بس اللي هييجي على أخويا تاني ها كله بسنا ني مهما كان هو مين. نظرت إليها جنة قليلًا وهي حقًا مصدومة لا تصدق ما سمعته منذ قليل. تركتهما وخرجت بغضب لينظر نور إليهما بهدوء قبل أن يلحق بها بعد أن قال "سلامتك يا صاحبي". نظر جعفر إلى أثرها بضيق شديد وحاول تهدئة نفسه ماسحًا على وجهه. نظرت إليه مها بهدوء وعانقته دون أن تتحدث.
حاوطها جعفر بذراعيه ضاممًا إياها طابعًا قبلة أعلى رأسها. *** بعد مرور شهر. كان جعفر يقف أمام باب منزل صديقه المقرب ينتظر ردًا منه منذ قرابة الدقيقة والنصف. ليسمع أخيرًا أصوات أقدام تقترب ويفتح الباب ليظهر سراج أمامه بمعالم وجه خالية من أي تعبيرات. أبتسم إليه جعفر وقال: ليك وحشة يا صاحبي والله. أنهى حديثه وعانقه ليبادله سراج عناقه بهدوء قائلًا: وأنت كمان.
أبتعد جعفر عنه ودلف مغلقًا الباب خلفه قائلًا: قولت أجي أطمن عليك وأقعد معاك شوية وحشتني مبقتش أشوفك. دلف سراج إلى المطبخ ليلحق به جعفر يسمعه يقول: مش فارقة معايا.. كل حاجة ما تتفع عيني خلاص من بعد ما مـ... بتـر حديثه سريعًا وأنتبه إلى نفسه ليقول بعد أن نظف حلقه مغيرًا مجرى الحديث: قهوة ولا شاي. أبتسم جعفر الذي كان يقف خلفه مستندًا على الجدار بجواره متفهمًا كان سيقوله سراج ولكنه قال: قهوة.
بدأ سراج بإعداد القهوة إليه والصمت هو الذي يحوم داخل المكان. ولكنه قطع سراج قائلًا بنبرة هادئة: بنتك أخبارها إيه دلوقتي. أجابه بنبرة هادئة وهو ينظر إلى ظهره قائلًا: بخير الحمد لله الكابوس خلص خلاص. سراج: الحمد لله.. ربنا يخليهالك. دام الصمت مرة أخرى بينهما لبضع دقائق ليقطعه جعفر هذه المرة قائلًا بهدوء: مش عايز تتكلم معايا زي الأول في حاجة.. بقالي شهر معرفش عنك حاجة أكيد حصلت حاجات حابب تحكيها. أبتسم سراج
أبتسامة جانبيه ساخرة وقال: اللي كنت بحكي عنها مبقتش معايا. وللمرة الثانية يدرك ما يتفوه به ويكشفه أمامه ليزفر بضيق ضاربًا على سطح الرخامية بيديه. أبتسم جعفر إليه وقال: عادي يا صاحبي ما هي مراتك. أبتسم سراج بجانبيه وسخرية مرة أخرى لم ينتبه إلى ما قاله جعفر إلا بعدما مرت دقائق أخرى ودام الصمت قليلًا بينهما. ألتفت سراج بهدوء ينظر إليه وهو يشعر أنه تلقى شيئًا غريبًا على مسامعه.
ليرى الإبتسامة تشق ثغره وهو يعلم جيدًا أن تلك النظرة وتلك الأبتسامة يكمن خلفها العديد من الأخبار السعيدة فهو صديقه المقرب ويعلم تعابير وجهه جيدًا وما يقبع خلف كل واحد منهم. "مراتك مستنياك ترجعها بيتها تاني على فكرة" نطق بها وهو يبتسم بتخا بث ويعلم تمام العلم أن سراج الآن في حالة تشتت وعدم استيعاب.
فتح جعفر باب الثلاجة وأخذ ثمرة تفاح وزجاجة المشروب الغازي التي كانت غريبة على ناظريه لينظر بعدها إليه مشيرًا بيده الممسكة بالزجاجة قائلًا بتعجب: "سبيرو سباتس! أنت كويس يا سراج! كان يعلم أن سراج دومًا من محبي البيبسي والذي منه ولذلك تعجب عندما رأى منتجًا آخر غير الذي اعتاد عليه صديقه منذ الصغر ولكنه لم يهتم وأغلق الباب مرة أخرى وتقدم منه متفاديًا إياه حتى يسكب القليل في الكوب غير عابئًا بالذي كان يقف مشدودًا ومصدومًا.
عاد إليه مرة أخرى ووقف أمامه وقطم قطعة من ثمرة التفاح وهو ينظر إليه بهدوء وكأنه يشاهد عرضًا تلفزيوني أمامه في بدايته. رمش سراج عدة مرات بعينيه قائلًا بتساؤل: "أنت طلبت حاجة؟ ضحك جعفر على ما يراه أمامه ونظر إليه مبتسمًا وقال: "بقولك مراتك مستنياك عندي ترجعها بيتها تاني". أنهى حديثه وهو يرتشف القليل من المشروب الغازي ليشعر سراج أن عصا قد سقطت على رأسه.
أخذ جعفر إصبع موز من جانبه وقام بتقشيره ثم تناوله وهو يستند بمرفقه على الجهاز الموضوع بجانبه على سطح الرخامية والذي كان "الميكروويف" وهو ينظر إليه بابتسامة واسعة. "مراتي! " نطق بها سراج بتعجب شديد وهو ينظر إليه وكأنه يتأكد أن أذنيه مازالت بخير وأنه لم يخطئ السمع ليرى جعفر يؤكد إليه ذلك مومئًا برأسه بتأكيد. أبتلع سراج غصته بهدوء شديد وحذر منتظرًا سماع المزيد
ليفهم جعفر نظرته ويقول: بصراحة كدا البت دايبة فيك وهتموت وترجعلك وانا بصراحة كدا زهقت منها خلاصت مخزون البيت فبعد إذنك يعني ردها عشان انا مبقتش حامل الفجع اللي هي بقت فيه بسببك. جحظت عينين الآخر بذهول وهو يشعر أنه أصبح مختل في الآونة الأخيرة. ولكنه قال سريعًا بلهفة دون أن يشعر بنفسه: "دا انا اللي بموت فيها أقسم بالله وهموت وأردها تاني حتى لو كانت الساعة تلاتة الفجر هردها عادي". أبتسم
جعفر وحرك رأسه بأسى وقال: بس للأسف بقى دا كان من شهر دلوقتي خلاص... فقدت الأمل واستسلمت للأمر الواقع.
"لا ليه انا والله تايه من غيرها ومش كويس لو ليا معزة عندك يا جعفر خليني أرجعها انا تعبان أوي يا صاحبي ومش عارف أعيش حياتي صح من غيرها انا حياتي فاضية ودماغي مسوحاني وحاسس إني ميت بجد.. صاحبك بيعاني في صمت يا جعفر أقسم بالله من غيرها.. هعمل أي حاجة هي عايزاها وأنت عاوزها مستعد أعمل أي حاجة بس بالله عليك أرحمني وأرحم قلبي اللي اتقطع ألف مرة فـ بعدها" أردف سراج بنبرة حزينة متألمة وها قد أظهر ضعفه وحزنه وقلة حيلته أمام صديقه المقرب عل قلبه يلين ويجعلها تعود إليه مرة أخرى.
بينما تألم جعفر كثيرًا وهو ينظر إليه ويستمع إليه ليلعن هاشم بداخله على ما وصلوا إليه. حاول التحكم في دموعه التي كانت ستخونه وتسقط لينظر إليه بعد أن تمالك نفسه ووضع راحتيه على كلى
ذراعيه وقال بنبرة صادقة: "وانا مبهزرش يا صاحبي.. انا جاي أقولك رجعها عشان هي مش كويسة من غيرك وأنت مش كويس من غيرها وانتوا الأتنين بتكملوا بعض ومينفعش واحد فيكم يبعد عن التاني.. ردها يا صاحبي لعصمتك تاني وخدها وأرجع سراج اللي انا أعرفه تاني.. عشان اللي واقف قدامي دا واحد معرفهوش". شقت الأبتسامة أخيرًا ثغره لتلمع عينيه بسعادة وبدأ يقول دون توقف والسعادة واضحة على محياه: "قول أقسم بالله".
"أقسم بالله" نطق بها جعفر بصدق وهو يبتسم ليقفز سراج بسعادة دون توقف وهو يضحك بسعادة لا يصدق ما سمعه منذ قليل. بينما كان جعفر يقف أمامه ينظر إليه مبتسمًا وتركه يفعل ما يريد فهو أحب سعادته التي ظهرت عليه دون سابق إنذار. توقف فجأة وعانق جعفر وهو يشكره مبتسمًا قائلًا: شكرًا يا صاحبي.
بادله جعفر عناقه وربت على ظهره برفق وقال مبتسمًا: متشكرنيش يا صاحبي.. انا صلحت غلطته وغلطتي إني فكرت في حاجة زي دي من الأساس من غير ما أفكر في مشاعر اللي قدامي. سامحني يا صاحبي. ربت سراج على ظهره قائلًا بحنو وابتسامة: مسامحك يا حبيبي. ابتسم جعفر لحظات قبل أن يقول بتقرف: سراج ريحتك منتنة، أنت مبتسمحش بقالك قد إيه؟ ابتعد عنه سراج ينظر إليه بصدمة وبدأ يشتم رائحته ليقول بعد نظر إليه: مفيش حاجة يا عم، خضيتني إيه. حرك
جعفر رأسه برفق وقال بتقرف: كأنك واقع في طرنش يا اسطا. تحدث سراج مدافعًا عن نفسه قائلًا بانفعال: أقسم بالله بستحمى مرتين في اليوم، مرة الصبح ومرة بليل. لحظات وضحك جعفر بملء فاهه وهو ينظر إليه. لينظر إليه سراج وتلين معالم وجهه إلى العبوس ليقوم بحد فة بالزجاجة التي كانت تقبع بجواره قائلًا بعد أن تصدى إليه جعفر: يخربيت تق لدمك يا جدع. *** "أزهار يا أزهار موبايلك بيرن!
" نطق بها صلاح الذي كان يجلس مع صغيريه يذاكر لهما بعدما رأى أزهار مندمجة في أعمال المنزل وهو متفرغ اليوم. لذلك اقترح عليها أن يذاكر هو إلى طفليه وتقوم هي بأعمال المنزل، لتقوم هي بالموافقة دون تردد. خرجت أزهار وهي تجفف يديها لتأخذ الهاتف وتجيب على المتصل لترى والدتها. أجابت دون تردد قائلة: "أيوه يا ماما، في إيه يا ماما؟ نظر إليها صلاح بعدما سمع نبرتها القلقة عندما وصل إليها رد والدتها إليها، لتلاحظ عينيها
بصدمة وهي تقول بهلع: "إيــه؟ شعر صلاح بأن هناك أمرًا ما لينظر إلى طفليه قائلًا بنبرة جادة: كملوا الهوم وورك، راجع على طول ألاقيكم خلصتوا. نهض صلاح وذهب إلى أزهار أسفل نظرات طفليه لهما. توقف صلاح أمامها ليرى عينيها الملتمعة تنظر إليه وهي تستمع إلى والدتها التي كانت تتحدث على الجهة الأخرى دون أن تتحدث هي بحرف واحد. ***
"أفرحي يا ستي سراج رد ك لعصمته تاني وجاي مع جعفر دلوقتي" نطقت بها بيلا مبتسمة التي دلفت مؤخرًا إلى الغرفة تنظر إليها. قفزت مها من جلستها وركضت نحوها تقف أمامها قائلة بترقب: "بجد يا بيلا ولا بتهزري؟ ضحكت بيلا قائلة: "بجد والله. المهم دلوقتي تجهزي بسرعة عشان سراج بقى عنده جفاف عاطفي وهييجي دلوقتي ياخدك ويطير بيكي." قفزت مها بسعادة وهي تصفق لتعانق بيلا بفرحة طابعة قبلة على وجنتها، قائلة: "أنا مبحبكيش من فراغ والله."
ضحكت بيلا مرة أخرى ونظرت إليها مبتسمة وقالت: "أهم حاجة إنك تكوني مبسوطة، دا اللي يهم جعفر غير كدا مفيش." ابتسمت مها قائلة: "دا حبيبي." وبعد مرور نصف ساعة توجهت بيلا إلى باب المنزل وفتحته بهدوء لترى جعفر وسراج أمامها. دلفا ليضم جعفر بيلا مطمئنًا عليها بعد أن مرضت في الآونة الأخيرة، بينما توقف سراج يبحث عنها بعينيه فهو اشتاق إليها كثيرًا، ولم يصدق جعفر عندما أخبره أنه يجب عليه أن يقوم بردها إليه مرة أخرى.
نظر إليه جعفر نظرة ذات معنى ثم نظر إلى بيلا التي فهمت نظرته، لذلك تركته وتحركت إلى الغرفة القابعة بها مها حتى تأتي بها وتعود إلى زوجها. كان سراج وكأنه عريس جديد، فاليوم بالنسبة إليه عيد. كان ممسكًا بباقة الورد الأحمر منتظرًا إياها على أحر من الجمر وكأنها المرة الأولى إليه. لحظات وخرجت مها تقف على باب الغرفة تنظر إليه مبتسمة ابتسامة جميلة ومشرقة إليه، لتتسع ابتسامته عندما رآها أمامه كما اعتاد رؤيتها دومًا، جذابة.
ركضت إليه مها دون تفكير وارتـ ـمت بأحضانه تعانقه بقوة وسعادة وكأنه غاب عنها لسنوات عديدة. بينما ضمها سراج إلى أحضانه بقوة وهو الآن يشعر أنه قد امتـ ـلك السعادة أكملها عندما شعر بدفء أحضانها التي حرم منها. "وحشتيني" نطق بها سراج بنبرة تكاد تكون غير مسموعة، ولكـ ـن وصلت إلى مها التي شددت مـ ـن عناقها إليه كـ ـرد مـ ـنها على تلك الكلمة التي تصف كم شوقه وحـ ـبـ ـه وعشـ ـقه إليها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!