الفصل 80 | من 129 فصل

رواية جعفر البلطجي الفصل الثمانون 80 - بقلم بيسو وليد

المشاهدات
16
كلمة
7,171
وقت القراءة
36 د
التقدم في الرواية 62%
حجم الخط: 18

وبعد مرور القليل من الوقت، كان الجميع حوله يتحدثون معه، بينما كانت بيلا تقف بعيدًا وهي تنظر إليه ودموعها لا تتوقف عن السقوط. نظر إليها جعفر وقال: "بيلا لو تعبانة، يلا نروح وهما حواليه أهو." حركت رأسها برفق وقالت: "خايفة أوي يا جعفر... مرعوبة." مسد على ذراعها برفق وقال: "مفيش حاجة خايفة من إيه بس." حركت رأسها برفق وقالت بنبرة باكية: "مش عارفة.. قلبي واجعني وخايفة أوي عليه...

وجع قلبي يا جعفر لما عرفنيش في الأول.. كأن حد مسك سكينة وغرزها جوه قلبي. مكنتش أتوقع إني هتأثر أوي كدا وهحن." ربت على ظهرها برفق وقال: "متخافيش مفيش حاجة، دا بس بسبب التعب، إنما هو كويس وبيتكلم معاهم أهو وبيضحك ويهزر." حركت رأسها تنفي ما قاله قائلة: "بابا هيموت يا جعفر.. أنا عارفة إنه هيموت.. اللي هو فيه دا سكرات الموت.. الجلطة مش سيباه.. بابا ميت يا جعفر."

سقطت دموعها بغزارة وهي تحاول تماسك نفسها وهي تنظر إليه وتلهث. ضمها جعفر إلى أحضانه ممسدًا على ظهرها برفق علها تهدأ. فمنذ أن رآه وعلم أنه ميت، لكن لم يكن يريد أن يخبَرها بشيء كهذا، فلن يستطيع المخاطرة وقول شيء كهذا إليها. أقترب بشير منهما بعد أن رأى شقيقته تبكي بهذه الطريقة قائلاً بقلق: "في إيه يا جعفر مالها بيلا بتعيط ليه كدا." نظر إليها وقال بنبرة قلقة: "أنتِ كويسة يا بيلا؟ أجيبلك دكتور؟ طيب تعبانة؟

نظرت إليه بيلا وهي تلهث قائلة بنبرة باكية: "أبوك ميت يا بشير.. بابا هيموت." تفاجأ بشير كثيرًا بما تقوله شقيقته، لينظر إلى جعفر الذي رمقه نظرة ذات معنى وهمس إليه قائلاً: "معلش يا بشير، بيلا أعصابها تعبانة شوية ومحتاجة ترتاح. متاخدش بكلامها." نظر إليه بشير قليلاً ثم نظر بعدها إلى بيلا التي كانت بين أحضان زوجها تبكي، وهو غير مقتنع بما قاله جعفر، فحالة والده أمامه تجعله يرى غير ذلك. ربت جعفر على ظهرها

برفق وقال بنبرة هادئة: "تعالي نقعد بره شوية عشان ترتاحي يلا.. هو زي الفل ومفيهوش حاجة." تحركت بيلا مع جعفر إلى الخارج، بينما نظر بشير إلى أثرهما وهو يشعر بالخوف بعد أن استمع حديث شقيقته وبكاءها الذي جعل الرعب يدب بأوصاله. أجلس جعفر بيلا على إحدى المقاعد المتراصة أمام الغرفة وجلس القرفصاء أمامها. نظر إليها بهدوء ومد يده يمسح دموعها بإبهامه قائلاً بنبرة هادئة حنونة:

"أهدي صدقيني هيكون كويس ويقوم ويبقى زي الفل.. هروح أجيبلك أزازة عصير وأجيلك تاني.. مش هتأخر عليكي." أنهى حديثه ونهض مربتًا على ظهرها ثم تركها وذهب كي يجلب إليها زجاجة العصير. بينما كانت هي تنظر إلى الأسفل ويبدو أنها شاردة، لا تشعر بما حولها ولا تستمع إلى أحد. كانت شاردة في اللا شيء، تشعر الخوف يتملك قلبها خوفًا على والدها، فمهما حدث فهو والدها في النهاية.

بينما كان جعفر يقف أمام بائع الحلوى بعد أن أخذ زجاجة عصير من الثلاجة وأخرج محفظته التي كانت بدأت تذبل، وقد كان يفكر في الآونة الأخيرة أن يشتري واحدة أخرى، ولكنه في النهاية فضل تلك الأموال التي سيدفعها لأجلها إلى فتاتيه، فلديها رضيعة تحتاج مستلزماتها وبيلا الآن متوقفة عن العمل، ولذلك اختار الحل الأمثل دون أن يفكر مرتين. أخرج ورقة نقدية ومد يده بها إلى ذاك الشاب الذي كان يبدو عليه أنه من نفس عمره، ليبتسم بداخله بحسرة على حالة هذا المسكين.

"مؤاخذة يا إبن عمي عايز جنيه كمان! " نطق بها هذا الشاب إليه، لينظر إليه جعفر متعجبًا بعد أن عقد ما بين حاجبيه وقال: "إيه دا؟ هي مش بعشرة؟ "غليت والله وبقت بحداشر النهاردة." نطق بها الشاب بأسى، ليخرج جعفر محفظته من جيب بنطاله الخلفي مرة أخرى وأخرج منها ورقة نقدية أخرى وقال: "أتفضل." أخذ الشاب الورقة النقدية منه، ليسمع رجل آخر يقف بجوار جعفر يرفع يده عاليًا بزجاجة صغيرة قائلاً بتساؤل: "بكام دي؟ نظر إليه ذاك الشاب وقال:

"خمسة وعشرين." "ليه أنا جايبها من كام يوم بعشرين! " نطق بها الرجل ويبدو أنه غير راضٍ عن ما قاله ذاك الشاب الذي نظر إليه مرة أخرى وقال بأسى: "مش بأيدي والله يابا، أنا زيي زيك بشتغل عشان أكفي بيتي وبناتي." نظر إليه جعفر نظرة بها الحزن والشفقة، فهو يتفهمه لأنه يعيش ما يعيشه. أخذ بقية النقود منه لينظر إليه قائلاً بنبرة هادئة: "في بقى فرق بينك وبين العاطل."

نظر إليه الشاب ذاك، ليقول جعفر وكأنه رأى أنه يجب أن يفصح عن ما يكمن بداخله، فهو تحمل الكثير وهذا خارج عن إرادته: "أنا زيي زيك بالظبط بس أنا مبشتغلش ومش لاقي شغل."

"والله يا إبن عمي لو أقولك إن اللي بكسبه من الكشك دا ميجيش حاجة جنب اللي بيشتغل في أي محل ما هتصدقني، أنا عندي تلات بنات اتنين توأم عندهم تمن سنين وواحدة عندها أربع سنين، أقسم بالله أنا طافح المر عشانهم وبستخسر في نفسي الجنيه وبديه لبناتي وأقول مش مهم، أنت هما أهم." أللمه قلبه يا الله! جعفر رغم قسوته وجامحيته وبروده وعزة نفسه، لكنه يتأثر ويتألم للآخرين. زفر بهدوء بعد أن رأى أنه أظهر ضعفه ليقول بنبرة هادئة:

"ربنا يرزقك ويراضيك. ربنا هيجازيك ولو مكنش في الدنيا هيبقى في الآخـ ـرة، لم يدخلوك الجنة أنت وأمهم. فانية والله، إحنا بس بنعافر مش أكتر." "الحمد لله ربك وحده الرزاق وأنا راضي ومبقولش غير الحمد لله. صباحك فل يا باشا." تركه جعفر وعاد إليها مرة أخرى وهو يفكر في أمر ذاك الشاب الذي كان الحزن طاغٍ على معالم وجهه ونظرته ونبرة صوته. فكيف يداوي شخصًا يعاني نفس معاناته؟

نعم الكلمة لها تأثير في معظم الأحيان، ولكن ليس دومًا. وهذا فارق آخر، إنه يملك ثلاثة فتيات بينهن اثنتان توأم، أما هو يمتلك اثنتين وكان يقوم بفعل أي شيء حتى وإن كان عمل يوم واحد حتى يوفر المال لصغيرته، والآن يجب عليه توفير المال لاثنتين. المال لا يصنع السعادة في مثل تلك المواقف أعزائي، بل يدمر صاحبها. فتخيل معي أن تقف حياتك على المال؟ شيء مخزٍ.

عاد إليها مرة أخرى ليراها كما تركها، لم تتحرك انشًا واحدًا. جلس بجوارها ومد يده بالزجاجة إليها قائلاً: "أشربي العصير عشان تهدي شوية.. وضعك دا مش عاجبني." لم تبدِ أي رد فعل، بل كانت ملتزمة الصمت إجابة على كل شيء يحدث حولها. أمسك كفها الدافئ بين أحضانه كفه ونظر إليها قائلاً: "وبعدين يا بيلا... كدا مش هينفع." هتتعبي وأنتِ ما أكلتيش حاجة من الصبح وبترضعي رضيعة، كل ده هيأثر على صحتكِ وأنا مش عايز كده.

سقطت دموعها رغمًا عنها لتضع رأسها على كتفه، مغمضة العينين. زفر بهدوء وترك زجاجة العصير جانبًا، ليترك كفها ويبعد ذراعه عنها بهدوء، جاعلًا إياها ترفع رأسها برفق تنظر إليه. ليقوم هو بمحاوطتها بذراعه ضامًّا إياها داخل أحضانه، مربتًا على ذراعها برفق، طابعًا قبلة على جبينها دون أن يتحدث. بينما هي كانت شاردة الذهن، كل ما يشغل تفكيرها هو أبيها.

كانت الساعات تمضي دون أي أحداث جديدة تذكر. خرج أخيرًا أكرم من غرفة والده، وخلفه بشير الذي أغلق الباب خلفه. ليرى جعفر ما زال على وضعيته، لم يتحرك، وبأحضانِه تستكين بيلا التي ذهبت في ثبات عميق. وقفا أمامه ليرفع جعفر رأسه ينظر إليهما قائلًا بنبرة هادئة: "مفيش أي حاجة جديدة." حرك أكرم رأسه نافيًا وقال بنبرة هادئة: "تعبان أوي، وظايف جسمه مش قابلة أي حاجة، وكأنه خلاص." نظر جعفر إلى بشير الذي وجه حديثه إليه قائلًا

بتساؤل: "أنت تعرف حاجة يا جعفر ومش عايز تتكلم صح؟ دام الصمت بينهما قليلًا. فإن كذب سيُعانده بشير، فهو ذكي ويتفهم ما يحدث حوله. وبالرغم من ذلك، لا يريد خداعه. فبشير أخيه الصغير وهو مثل ولده، كيف يخدعه ويدمر ثقته به هكذا؟ ولذلك تخلى جعفر عن ثباته ذاك وقال: "أيوه يا بشير." ترقب بشير ما سيقوله وتنتبه إليه حواسه قائلًا: "تعرف إيه؟

ابتلع غصته بهدوء وشعر بالتوتر فجأة، وكأنه سيخطو أولى خطواته إلى إحدى لجان المدرسة لأداء امتحان نهاية العام الدراسي، ووجب عليه النجاح. أجابه بنبرة مذبذبة وقال: "مش هيكمل... كل دي سكرات الموت، وروحه مش هتطلع غير وهو لوحده زي دلوقتي عشان تخرج بسهولة. إنما طول ما حد معاه مش هتخرج."

صُدم بشير، فهو يعلم كل ذلك، ولكنه كان يريد من ينفي إليه ذلك ويخبره عكس ما يراه أمامه. بينما كان أكرم يعلم كل شيء، ولذلك كان الهدوء هو عنوانه. ابتعد بشير عنهما وهو يمسح على وجهه برفق أسفل نظرات جعفر الحزينة التي كانت تتابعه. نظر إلى أكرم وقال بنبرة هادئة: "مش عايز حد يقول أي حاجة قدام بيلا." أكرم بهدوء: "ما هي عارفة... أنا بجد قلبي موجوع."

أمسك جعفر كف يده وضغط عليه برفق وهو ينظر إليه قائلًا: "اجمد عشان اللي جاي صعب على الكل، وهيبقى صعب عليا أكتر." نظر إليه أكرم بهدوء وحرك رأسه برفق، وشدد على قبضة جعفر قائلًا: "كان الله في العون يا صاحبي." صدح رنين هاتف جعفر عاليًا، ليترك كف أكرم ويضع يده في جيب بنطاله مخرجًا هاتفه، ليرى المتصل رمزي. أجابه بنبرة هادئة قائلًا: "أيوه يا رمزي." أجابه رمزي قائلًا: "السلام عليكم، إيه يا عم فينك؟

أجابه جعفر بهدوء وقال: "وعليكم السلام... أنا مش في البيت." عقد رمزي ما بين حاجبيه وقال: "مش في البيت دلوقتي.. فينك طيب؟ أجابه جعفر بنبرة هادئة وخائفة في نفس الوقت قائلًا: "في المستشفى، والد بيلا تعبان أوي وشكلها مسألة وقت."

"لا حول ولا قوة إلا بالله، ربنا يتولاه برحمته ويصبر قلوبهم." نطق بها رمزي بنبرة حزينة، فهو مثلها يعلم ما يحدث وما تشعر به، فهو في يوم من الأيام كان محلها. ولكنه الفارق بينهما أن والده كان حنونًا وطيب القلب، رقيق في معاملته. أما فارس فليس كذلك. "تحب أجيلك؟ " نطق بها رمزي متسائلًا ومترقبًا رده. ليأتيه رد جعفر الذي نفى قائلًا: "لا، خليكم مع لؤي، محدش يجيلي."

أجابه رمزي محاولًا تلينه قليلًا قائلًا: "يا ابني اسمع بس الله يرضى عنك، هجيلك، ومنصف وسراج وحسن هيكونوا معاه." رفض جعفر بقوة قائلًا: "لا يا رمزي، خليك معاهم، أوعى تسيبهم... عايزك بس قبل ما يدخل العمليات تخليه يكلمني." زفر رمزي بقلة حيلة، فهو يعلم أن جعفر عنيد وصعب إخضاعه مهما حدث. أجابه بنبرة هادئة وقال: "حاضر يا جعفر... عايزك بس لو احتجت حاجة تكلمني على طول، متترددش لحظة واحدة." ابتسم جعفر بخفة وقال: "حاضر...

متنساش يا صاحبي بالله عليك." أجابه رمزي بنبرة هادئة وقال: "حاضر يا حبيبي، في رعاية الله." أنهى جعفر مكالمته معه بهدوء، ثم وضع هاتفه بجيبه مرة أخرى، وأرجع رأسه إلى الخلف وأغمض عينيه، لعله يحظى ببعض الراحة. فهاهي أصبحت الساعة الخامسة صباحًا دون أن ينام، وهذا جعله مرهقًا، فجسده كان يحتاج إلى الراحة، ولكنه سُلب منه، عازمًا على سلب الراحة منه في الأيام القادمة. ***

كانت مها تجلس في شقتها مع فتيات شقيقها الذي تركهما معها حتى ينتبه إليهما بعد أن لم يتبق أحدًا أمامه سواها. كانت تجلس على الأريكة وبأحضانها لين التي كانت مستكينة تمامًا. وبجوارها ليان التي ذهبت دون أن تنتبه إليها في ثبات عميق. خرج سراج الذي كان يغلق أزرار قميصه، ليرى الفتاة تنام في وضعية خاطئة، ليقترب منها قائلًا: "ليان نايمة كده ليه؟

انتبهت إليه مها، لينحني هو بجذعه قليلًا، حاملًا إياها على ذراعه، مربتًا على ظهرها برفق. لتقوم بلف ذراعها الصغير حول عنقه بعفوية. شعر سراج بغريزته الأبوية تتحرك لأول مرة في حياته. شعر بالعديد من المشاعر الجياشة تتحرك بداخله، وكم أحب عناقها الدافئ والحنون كذلك. شدد من عناقه إليها، طابعًا قبلة على ذراعها. نظر إلى مها وقال: "ليه حق جعفر يتعلق بـ ليان بالشكل ده؟ نظرت إليه مها، ليقول بعد أن نظر إليها: "حضنها غريب أوي...

حضنها فيه حاجة تخليكي مش عايزة تبعدي عنها وتفضلي حاضناها كده." جلس بجوارها ونظر إلى الصغيرة وقال: "بجد أنا فهمت دلوقتي ليه كين بيحبها أوي كده وبيخاف عليها... حضنها عامل زي السحر يصيبك لحد ما تدمنيه." رتب خصلاتها البنية الناعمة والطويلة التي تشبه خصلات والدتها قائلًا: "تعرفي إنها أول ما حضنتني حسيت بمشاعر الأبوة بتتحرك جوايا لأول مرة... ليه حق يموت نفسه عشانها ويعمل المستحيل. أنا لو مكانه هقدم لها حياتي بدون تفكير...

بجد فيها حاجة غريبة أوي، بس حاسسها العوض لـ جعفر. اللي عدى بيه مكانش سهل عليه وعوضه جه في بنته. وبصراحة ربنا بيحبه أوي. أنا بتمنى يكون عندي بنت زيها." ابتسمت مها لتنظر إلى ليان التي كانت ساكنة بأحضان زوجها قائلة: "سبحان الله، كل اللي بيشوفها بيحبها ويتعلق بيها." بكرا لمّا تكبر وتبقى عروسة زي القمر هتجيب شكاير عرسان كل يوم

نظر إليها سراج وقال: وانت فكرك إن جعفر هيديها لأي واحد دا ميبقاش جعفر إن ما عمل معاه الصـ ـح الأول يدـ ـرس عيلته نفـ ـر نفـ ـر ويدـ ـرسه هو شخصيـ ـا بكل تفصـ ـيلة دي البكـ ـر والحتة الشـ ـمال عنده أبتسمت مها وقالت: بكرا نضحك عليه وهو بيرفـ ـض العرسان ويجـ ـري وراهم بالشوـ ـمة ضحك سراج بخفة وقال: تخيلي معايا لو أتجوزت وأتهـ ـور فـ لحظة غـ ـضب وضـ ـربها وراحتله ...

قسمـ ـا بالله لـ نزـ ـوره بعيش وحلاـ ـوة فـ السجـ ـن بعد ما يشـ ـفي غـ ـليله مـ ـنه ضحكت مها بخفة وقالت: هيقولك فداها الأهم عنده إنه هيكون خدـ ـلها حقها أبتسم سراج ونظر إلى ليان ليطبع قـ ـبلة أعلى رأسها قايلـ ـا: ربنا يخليهومله ويفرح بيهم يستاهل كل خير واللهـ ـ وعوضه أهو بين إيديه صدح رنين هاتفه بعد أن أنهـ ـى حديثه لينظر إليه ويرى أسمه يـ ـنير شاشة هاتفه،

أجابه بنبرة هادئة وقال: لسه كـ ـنت جايب فـ سيرتك انا ومها دلوقتي، لا يا غاـ ـلي وانا أقدر برضوا بالخير طبعـ ـا، بخير الحمدـ ـ القطـ ـتين نايمين أهم ومفيش أي حاجه، لا متقـ ـلقش عليهم مع مها أهي، لا بس خلـ ـي بيلا تيجي عشان لين أكيد هتصحى جعاـ ـنة، تمام تعالو على مها هنا وانا رايح مع لؤي المستشفى، طيب يا حبيبي خلـ ـ بالك مـ ـن نفسك، مع السلامة

أنهـ ـى حديثه وأنهـ ـى المكالمة معهـ ـ لينظر إلى مها قايلـ ـا: جعفر هييجي هو وبيلا عشان لين وانا هطـ ـلع على المستشفى لـ لؤي عشان أكون معاه حركت رأسها برفق وقالت: هترجع أمتى أجابها بجـ ـهل وقال: لسه مش عارف وقت ما أخلـ ـص قولك حركت رأسها برفق وقالت: ماشي خلـ ـي بالك مـ ـن نفسك أبتسم إليها وقال: مـ ـن عيوني يا لوز

أبتسمت مها لينهض هو حاملـ ـا الصغيرة وأتجه بها إلى الغرفةـ ـ، بينما نظرت مها إلى لين التي كانت تنام بين ذراعيها بهدوء لتـ ـمسـ ـد على رأسها بحنو وهي تتأملها بأبتسامه هادئةـ ـ، وضع سراج الصغيرة برفق على الفراش ثم وضع الغطاء عليها وقام بتشغـ ـيل المكيف إليهاـ ـ، أنحـ ـنى بجذـ ـعه نحوها ليطبع قـ ـبلة هادئة على جبينها ثم إستقـ ـام في وقفته وخرج

أخذ أغراـ ـضه وأرتدى حذاـ ـءه قايلـ ـا: انا همشي يا مها ولو أحتاجتي تنزلي تجيبي حاجه أديني خـ ـبر حركت رأسها برفق وقالت: ربنا يطمنكم عليه أبتسم إليها وقال: يارب يا حبيبتي، فـ رعاية الله تركها وخرج مغـ ـلقـ ـا الباب خلفه بهدوءـ ـ، لتنظر إلى أثره ثم بعدها إلى لين التي أنتفـ ـض جسدها الصغير فجأـ ـة جعلت مها تنتـ ـبه إليهاـ ـ، ربتت على صدـ ـرها بحنو وهي تـ ـسمي الله لتـ ـحادثها

قائلة: مالك يا حبيبتي أنتـ ـ سقعاـ ـنة يا جميلة أنهـ ـت حديثها وهي ترفعها بخفة تـ ـقـ ـبل خدها الصغير ثم بدأت تهـ ـدهدها بخفة وهي تدندن بنبرة هادئة وخاـ ـفتة إليها حتى تظل الصغيرة نائمة أطول فترة ممكنة حتى يصل جعفر وبيلا _متقـ ـلقش يا حبيبي هتخـ ـرج مـ ـنها زـ ـي الفـ ـل وتبقى صحتك حـ ـديد تاني، متخاـ ـفش وخلـ ـيك واثـ ـق فـ ربنا وانا لساـ ـني مش هيوقـ ـف دـ ـعا ليك لحد ما تفوق وتبقى زـ ـي الفـ ـل وتتكلم وتسمعنا صوتك

نطقت بها فاطمة تـ ـحاول بث الطمأنينة إلى قـ ـلبه الذي كان يتملـ ـكه الخوـ ـف والقلـ ـق رفـ ـع رأسه ينظر إليها بعد أن تم تجهيزه وأبتسم قايلـ ـا: متخاـ ـفيش هخرـ ـجلك ومش هسـ ـيبك أبتسمت إليه فاطمة لتنحـ ـني بجذـ ـعها نحوه طابعةـ ـ قـ ـبلة أعلى رأسه قائلة: ما انا عارفه هو أنتـ ـ تقدر أتسعت أبتسامته وقال: وهو حد يبقى معاه فاطمة ويفكر يسيبها برضوا ...

أوعي تكوني زعلاـ ـنة مـ ـني عشان كـ ـنت باكل كتير عشان لقدر الله لو حـ ـصلي حاجه وربنا أستـ ـرد أمانته ممشيش وأنتـ ـ زعلاـ ـنة أو مضاـ ـيقة مـ ـني

صفـ ـعته بخفة على ذراعه وقالت بعتـ ـاب بعد أن لمعت العبارات في ملـ ـقتيها قايلـ ـا: إيه اللي بتقوله دا يا لؤي أخـ ـس عليك زعـ ـلتني مـ ـنك .. انا أزـ ـعل مـ ـنك عشان الأكل يا خويا دا انا وقتها كـ ـنت أشوفك أقول بسم الله ما شاء الله هو الأكل بقى حرـ ـام يعني تاكل وتتهنى يا حبيبي الأهم إنك تبقى فـ الآخر شبعان ... وبعدين قولتلك هتقوم وتبقى زـ ـي الفـ ـل لازمته إيه توـ ـجع فـ قلبي كدا مـ ـن قبل ما تخـ ـش

لمعت عيناه وهو ينظر إليها ليبتسم قايلـ ـا بنبرة مهزـ ـوزة: أـ ـحضنيني يا فاطمة

ضمته فاطمة سريعـ ـا إلى دفء أحضانها ليلتزم لؤي الصمت فقط يـ ـريد الشعور بالحنان الذي يفتقـ ـده دومـ ـا كلما أبتـ ـعد عنها في أحضانها، لا يـ ـنكر أنه الآن يشعر بالخوـ ـف فـ تلك العمـ ـلية كبيرة وخطـ ـيرة ودـ ـقيقة لذلك يقوم بتوـ ـديعهم كي عندما يذهب يذهب وهو مطمئنـ ـا عليهم جميعـ ـا، طبعت فاطمة قـ ـبلة أعلى رأسه ومسـ ـحت على ظهره برفق ولـ ـم تستطع السيطـ ـرة على دموعها التي سقـ ـطت تـ ـعبر عن خوـ ـفها وقلـ ـقها مـ ـن الآن

عـ ـلـ ـت الطرقات على الباب ليـ ـفتح ويدلف رمزي الذي رأى دموع فاطمة التي كانت تمـ ـسحها حينها وخلفه مـ ـنصف وحسن الذي أغـ ـلق الباب خلفه ليكون أول المتقدمين رمزي الذي قال: لا إحنا هنبدأها عياط مـ ـن دلوقتي ولا إيه، إيه يا لؤي، إيه يا أم نورسين مش كدا صلوا على النبي ووحدوا الله مش كدا

ربت لؤي على ظهرها برفق وطبع قـ ـبلة على رأسها ثم مـ ـسح دموعه بهدوءـ ـ، تحدث مـ ـنصف الذي وقف بالقرب مـ ـنهم قايلـ ـا: دا لو جعفر شـ ـم خبر إن لؤي بيعيط وخاـ ـيف هيدـ ـبحك أقترب حسن مـ ـنـ ـه وربت على ظهره برفق وقال: وحد الله يا صاحبي في إيه أبتعـ ـد لؤي عنها ونظر إلى حسن بـ عينان دامعتين وقال بنبرة باـ ـكية: انا آه جاـ ـمد ومفيش حاجه بتحوـ ـق فيا زـ ـي ما بتشوفوا .. بس انا أول مرة أكون خاـ ـيف ومرعوـ ـب

ضمه حسن إلى أحضانه وربت على ظهره برفق وقال بنبرة هادئة: أول ما تخرـ ـج بالسلامة هفكرك باللحظة دي وهخليك تضحك عليها وتقول انا طلعت ساـ ـذج أوي عشان نسيت إن ربنا رحيم بعباده وبيقف معاهم وضع رمزي الهاتف على أذنه بعد أن أبتعـ ـد

عنهم وقال بنبرة هادئة: أيوه يا جعفر، لا لسه مدخلش هما يادوبك جهزوه بس لسه مخدش إبـ ـرة المخـ ـدر، بيعـ ـيط وعمال يقول انا خاـ ـيف وسمعناه صدفة كان بيوصي مراته معرفش ماله بجد عمالين نطمن فيه، كلمه أنتـ ـ جايز يسمع مـ ـنك ويهـ ـدى شويه، خلـ ـيك معايا لحظة أبعـ ـد الهاتف عن أذنه ثم عاد إليهم مرة أخرى ووقف أمام لؤي وهو يـ ـمد يده بالهاتف إليه قايلـ ـا: خد في حدـ ـ عايزك رفع لؤي حدقتيه ينظر إليه ثم مـ ـد يده وأخذ

الهاتف ليسمع رمزي يقول: الأسبيكر مفتوح تحدث لؤي منتظرـ ـا معرفة هوية الآخر قايلـ ـا بنبرة باـ ـكية: الو إيه يا عم الجيهة في إيه ما تهـ ـدى كدا وخلـ ـيك أسد هنيجي نخيـ ـب دلوقتي ولا إيه

نطق بها جعفر متـ ـعمدا ممازحته في البداية ليقول لؤي مجيبـ ـا عليه بنبرة باـ ـكية: مرعوـ ـب يا جعفر .. مش بباـ ـلغ أقسم بالله بس انا بجد خاـ ـيف أوي .. مش خاـ ـيف مـ ـن الموـ ـت قد ما خاـ ـيف إني ممكن أسيبكم فجأـ ـة مـ ـن غير ساـ ـبق إنذـ ـار

خايف وموجوع عشان أنا عارف مكانتي عند كل واحد فيكم وحاسس بوجعكم قبل ما ده يحصل. آه، أنا مبتأثرش وزي القطر ومببينش ضعفي، بس لما أتحط قدام الأمر الواقع وفي موقف حياة أو موت، فـلا، أنا لازم أخاف.

"أنا مقدر شعورك وحاسس بيك وفاهم كويس أسلوب تفكيرك ماشي إزاي ومش هقولك متخافش عشان دي غريزة فينا كلنا، مفيش حد فينا ملهوش نقطة ضعف. بس على الأقل متبيّنش الخوف للي حواليك وتزرع فيهم الرعب. طول وقت العملية هيكونوا على نار وكلامك بيرن في ودانهم. خاف يا لؤي، بس متبيّنش خوفك لغيرك لو كان عزيز عليك وروحه فيك."

نطق بها جعفر بعد أن صمت ثوانٍ بنبرة حاول جعلها قوية حتى يبث الأمل والشجاعة في فؤاد الآخر الذي كان الخوف مغيبًا لعقله.

"لؤي، أنا كان بودي أكون معاك وأقف جنبك زي ما قولتلك، بس للأسف فارس تعب أوي واتنقل على المستشفى وشكله كده بيدوّع وحالة بيلا مش تمام خالص ومش عارف أعمل إيه. أنا كنت مكلم رمزي من ساعة ونص كده وقولتله أول ما لؤي يدخل تكلمني ولو في إيدي أجلك هاجي، بس أنا والله يا صاحبي مـلـاقـي نفسي وعمال ألف من هنا لهنا زي الفرخة الدايخة ولسه هطلع على مها أطمن على البنات عشان سايبينهم من امبارح وهشوف لسه إيه اللي هيحصل. أعذرني يا صاحبي."

نطق بها جعفر بيأس وقلة حيلة، فشعر بالذنب عندما لم يفي بوعده لأخيه الذي كان معه في شدته وحزنه، ولم يتركه ويأتي الآن مع أول اختبار يقع به صديقه لا يكون معه. ابتسم لؤي وقال بنبرة متفهمة وهادئة: "مراتك أولى بيك يا صاحبي، خليك جنبها واوعى تسيبها لحظة. وأنا مش عايزك تشيل همي، الشباب معايا وفاطمة جنبي. أهم حاجة تخليك مكانك ومتتشحتطش نفسك هنا وهناك وخليك بالك من نفسك، سامع؟

وهما هيطمنوك عليا على طول. مش عايزك تشيل هم وبلاش الأفكار الهبلة دي تسيطر على دماغك عشان مزعلش." زفر جعفر بهدوء ونظّف حلقه قائلًا بنبرة هادئة: "أهم حاجة يا صاحبي تهدى وتكون عندك ثقة في ربنا. وأنا هتابع مع حد من الشباب كل شوية أطمن عليك لحد ما يقولولي فاق واسمع صوتك تاني... اتفقنا يا دولي؟ ابتسم لؤي وقال: "اتفقنا يا رياسة." أخذ رمزي الهاتف مرة أخرى بعد أن أغلق مكبر الصوت مبتعدًا عنهم مجيبًا

على جعفر الذي قال: "أنا هكلمك كل شوية أطمن عليه ولو عرفت أجي ساعة كده هاجي." أجابه رمزي بنبرة هادئة وقال: "تمام يا حبيبي، خلي بالك منك ومن مراتك... ربنا يصبرهم." أنهى حديثه وهو يعود إليهم مرة أخرى قائلًا: "توكل على الله يا لؤي وربنا إن شاء الله معاك." نظر إليه لؤي وقال بنبرة هادئة: "أنا مطمن نوعًا ما عشان وجودكم جنبي والله." وعند انتهاء حديثه، فتح الباب ودلف منه

سراج الذي قال بنبرة لاهثة: "كويس إني لحقتك قبل ما تدخل." ابتسم لؤي وقال: "إيه يا عمي، أنت جاي من حرب ولا إيه؟ ابتلع سراج غصته وقال محاولًا تنظيم وتيرة أنفاسه: "ما أنا قولت أكيد اتأخرت وجاي مرعوب لتكون دخلت من غير ما أشوفك." أجابه حسن هذه المرة قائلًا: "لسه الممرضة حطاله المخدر، يعني دقيقتين ونلاقيه بدأ يخرف." أشهر لؤي سبابته أمام وجوههم وقال محذرًا إياهم: "اللي هيترّيق ولا يستظرف هشوه وش أمه."

ابتسم منصف وقال ساخرًا: "يا شيخ اتقي الله، أنت راجل صاحب مرض وداخل على عملية كبيرة. لم لسانك الطويل ده شوية." ربتت فاطمة على كتف زوجها مواسيةً إياه وهي تنظر إليه وتبتسم بهدوء، ولسانها لا يكف عن الدعاء إليه أن يخرج إليها سالمًا غانمًا ويعود إليها وإلى صغيريها اللذان ينتظرانه في البيت.

"أنا بقول ضربة في الوش ونقول معلش." نطق بها هذا المدعو عصفورة الذي كان يجلس مع حديده الذي كان يدخن سيجارته بشراهة وينفث هوائها مرة أخرى. أجابه حديده قائلًا: "ضربة في التوقيت ده ملهاش غير نتيجة واحدة ورد واحد، هتوّقعه خصوصًا وهو دايمًا دلوقتي. بس لما يفوق هيفوق جامد أوي علينا."

"وماله، إحنا بنتكلم في دلوقتي. أهم حاجة دلوقتي وبعدين لما ييجي وقت اللي جاي نبقى نشوف هنعمل إيه." نطق بها عصفورة بكل ما يحمله من خبث، لينظر إليه حديده نظرة ذات معنى يفكر في حديث هذا الحقير الذي كان ينظر إليه بتخابث منتظرًا إجابته. نظر إليه حديده بعد لحظات وقال: "وماله... ميضرش... ضربة في الوش ونقول معلش." تقدمت مها من باب منزلها بعد أن تعالت الطرقات لتفتحه بهدوء وترى بيلا وشقيقها أمامها. أفسحت لهما قائلة: "تعالوا."

دَلفت بيلا التي كانت صامتة لا تتحدث وخلفها جعفر الذي عانق شقيقته قائلًا: "عاملة إيه يا حبيبتي؟ عانقته مها قائلة: "بخير يا حبيبي الحمد لله." أغلقت الباب خلفه ودلفا سويًا إلى الداخل لتنظر إلى بيلا التي قالت بنبرة هادئة متسائلة: "فين البنات؟ أشارت إليها مها تجاه إحدى الغرف وقالت: "في الأوضة دي نايمين." تركتهما بيلا وتوجهت إلى الغرفة، بينما نظرت مها إلى أخيها قائلة: "اقعد يا جعفر، شكلك تعبان ومرهق."

جلس جعفر على المقعد بإرهاق شديد قائلًا: "مش قادر يا مها، جبت آخري، مش حاسس نفسي." جلست مها بجواره تنظر إليه قائلة: "إيه يا حبيبي، شكلك باين أوي. أنت منمتش! حرك رأسه ينفي ما قالته قائلًا: "منمتش خالص، دايخ ومش قادر ولسه لؤي داخل العمليات من خمس دقايق والمفروض أكون معاه. مش عارف أعمل إيه بجد يا مها، دايخ ومرهق." ربتت مها على يده برفق وقالت: "هقوم أعملك كوباية لمون عشان الدوخة دي تروح وأرجعلك، خليك زي ما أنت."

أنهت حديثها ونهضت متجهة إلى المطبخ بخطى سريعة خفيفة حتى تقوم بإعداد عصير الليمون إليه، بينما أرجع هو رأسه إلى الخلف وأغمض عينيه قليلًا وهو يشعر ألم رأسه يفتك به دون رحمة أو شفقة، وكأن الجميع أقسم على أن الراحة محرّمة عليه وكتب على أمثاله التعب والصفعات الحادة.

تقدمت بيلا من الفراش التي كانت تعتليه صغيرتيها لترى صغيرتها ليان ساكنة في بحور نومها، وبجوارها لين التي استيقظت متأخرًا وتئن بين الفينة والأخرى. اقتربت بيلا منها لتراها الصغيرة، وفورًا ظهرت اللهفة عليها والسعادة عندما رأت والدتها أمامها. انحنت بيلا بجذعها العلوي نحوها لتحملها بين ذراعيها بهدوء وهي تنظر إليها.

جلست على طرف الفراش وهي تهدهدها وتنظر إليها لتطبع قبلة على جبينها بحنو، ولاحت ابتسامة هادئة على ثغرها. تعالت أنين الصغيرة ليصدر صوتًا هادئًا من فم بيلا التي قالت بنبرة خافتة: "لا، مينفعش الكلام ده، لولو نايمة وهتصحى، يرضيكِ؟

أصدرت الصغيرة أصواتًا طفولية وهي تضع يدها الصغيرة بفمها لتعلم بيلا أن صغيرتها جائعة، ولذلك طلبها سراج فهو يعلم أن الصغيرة لم تتناول طعامها منذ عدة ساعات، ولذلك جاءت حتى تطعمها. بدأت بيلا تطعمها ثم ألقت نظرة خاطفة على صغيرتها ليان التي كانت نائمة بعمق لا تشعر بنفسها أو بمن حولها. جلست مها بجوار جعفر الذي اعتدل في جلسته وها هو يرتشف من عصير الليمون ليسمعها تقول: "خلصت، وخوّش ارتاح شوية كده. غلط." نظر

إليها وقال بنبرة هادئة: "نفسي أرتاح على طول يا مها، أخوكي تعب أوي بجد." ربتت على ذراعه برفق وأبتسمت قائلة: "عارفة يا حبيبي والله. بدعيلك كل شوية والله مش مؤثرة. هي كده يا جعفر، معلش. أنا من كتر ما بقولك اتحمل مبقاش ليا عين أقولهالك تاني. أنت استحملت سنين." زفر جعفر بهدوء وقال: "مبقتش عارف، هو أنا اللي نحس ولا الدنيا هي اللي مش عايزاني أعيش زي أي بني آدم مرتاح ومبسوط؟

ساعات بقعد مع نفسي وأقول، ده أنا استحملت كتير أوي. إزاي يا جعفر استحملت كل ده لحد دلوقتي وساكت وواقف؟ الدنيا كلها بتسعى إنها توقعني وتشوفني مذلول وأنت شخصيتك وعزة نفسك مش سامحينلك تخضع لهم. من كتر ما خدت صدمات من الدنيا اكتسبت مناعة النّراحة والقسوة. هتقسى هقسى، بس هل أنا مصعبتش على الدنيا لو مرة؟ بقت تصعب عليا نفسي أوي لما أبقى محتاج حاجة ومش عارف أجيبها. لحد امتى الدنيا هتفضل توديني شمال وتجيبني يمين؟

أقسم بالله أنا تعبت، وربنا تعبت، تعبت يارب، صدقني تعبت خلاص، أنا محتاج رحمتك عليا." سقطت دموعها بسبب حديثه الذي ألم قلبها، لتمد يدها تربت على ذراعه برفق وقالت بنبرة باكية: "هيعوضك والله. صدقني هيعوضك وهترتاح وهتقول مها قالت. أنا حاسة بيك، ده أنا عشت أنا وانت الأصعب من كده مع بعض وعدينا. هتعدي يا حبيبي، متزعلش بقى."

أنهت حديثها وهي تضمه إلى أحضانها مربتة على ظهره برفق وحنان، بينما وضع هو رأسه على كتفها بعد أن نجح في السيطرة على دموعه قبل أن تسقط وتعرب عن مدى ضعفه وقلة حيلته.

"من صغري وأنا بحب حضنك أوي يا مها، بحس فيه بحنية أمي لما كانت بتحضني وأنا صغير. كل ما بتحضنيني بتفكريني بيها وببقى مش عايز أبعد عنه. فيكي منها كتير أوي مخليني متعلق بيكي وبخاف عليكي. ببقى لو أطول وأخبيكي جوه قلبي هعملها." نطق بها جعفر بنبرة رخيمة، لتعلو الابتسامة ثغرها وتلمع العبارات في مقلتيها. مسّدت على ظهره برفق وحنان قائلة: "حضني موجودلك طول الوقت يا قلب أختك." ابتسم جعفر وشد من عناقه إليها قائلًا

بنبرة مشاكسة: "الحضن ده سراج ميسمش خبر عنه، ده بتاعي أنا بس." ضحكت مها بخفة وقالت: "وممضي عليه كمان يا بلطجي." صدح رنين هاتفه عاليًا الذي كان موضوعًا على الطاولة أمامه. ابتعد عنها والتقط هاتفه ليرى ذاك الرقم يتراقص على شاشة هاتفه. زفر بنذق وقال: "وبعدين معاك بقى." نظرت إليه مها وقالت بتساؤل: "فيه إيه يا جعفر، مين ده؟ نظر إليها وقال: "واحد بيقولي إنه ابن عمي." عقدت ما بين حاجبيها لتردد خلفه: "ابن عمك!

"فكك، ده شكله فاضي وبيتسلى. وأنا معنديش دماغ. دماغي فيها فرح دلوقتي وليلة زرقاء." نطق بها بعد اكتراث بعد أن ترك هاتفه بملل. بينما كانت هي شاردة الذهن تفكر في حديثه. رفع بصره نحوها ليقول: "جرى إيه يا حُب، سرحت فين وسيبتني؟ " نطق بها جعفر مشاكسًا إياها، ليسترد قائلًا بتخابث: "أوعي تكوني بتفكري في الحب وسايبة العشق جنبك كده." نظرت إليه لتضحك رغمًا عنها قائلة: "انتوا الاتنين حبايبي. أنا بفكر في اللي قولته دلوقتي."

"صدقيني ده عيل فاضي. هو هيدخل عليا الشغل ده برضه؟ " نطق بها ساخرًا وهو ينظر إليها. بينما قالت هي بنبرة هادئة: "أصل فكر معايا، إيه هيخليه يتصل ويقول حاجة زي دي إلا إذا كان متأكد منها. هو مقالكش عمك مين؟ حرك رأسه برفق وقال: "بيقولي راضي." جحظت عينيها بصدمة لتقول: "إيه؟ أنت قلت راضي! رمقها نظرة ذات معنى وقال: "فيه إيه؟ أنتِ تعرفيه؟

"عمك راضي يا جعفر اللي على طول كنت أنا وانت نجري عليه كل ما ييجي يزورنا وكان يقعد يقولك أنت هتكون راجل شهم وملو هدومه لما تكبر وتكون راجل محدش يقدر يقف قصادك بسهولة ويقلل من شأنك. وعنده ابن قدك اسمه مؤمن وواحد أصغر منكم بسنتين اسمه جاد، معقولة مش فاكر؟ " نطقت بها مها التي كانت تنظر إليه بهدوء، بينما كان هو لا يتذكر شيئًا. نظر إليها وقال بنبرة مذبذبة

بعد أن تشوشت أفكاره: "لا مش فاكر يا مها حاجة. أنا مش فاكر غير أمي وأبويا بس. أنتِ إزاي فاكرة ولا عرفتي منين؟ اعتدلت في جلستها وقالت بنبرة هادئة: "أنا أعرف عمو راضي كويس وفاكرة كل حاجة. أنا بجد مستغربة إزاي متعرفهوش وهو كان أقرب واحد ليك هو ومؤمن وجاد؟!

زفر جعفر ومسح على وجهه ثم وضع يده في جيب بنطاله مخرجًا علبة سجائره ليخرج واحدة ويضعها بين شفتيه، ثم أخرج قداحته وأشعلها ليسحب أكبر قدر ممكن داخل رئتيه، ثم أخرجها من بين شفتيه وهو يزفر الهواء الأبيض المتكاثف مرة أخرى قائلًا: "أنا دماغي فيها فرح دلوقتي وليلة زرقاء ما يعلم بها إلا المولى. لا فاكر حاجة ولا أعرف حد. أنتِ عارفة إننا متربيين هنا من وقت ما كنت أنا ست سنين وأنتِ تلات سنين مع اللي ربنا يجحمها في نار جهنم. لا فاكر عيلة ولا عم ولا أي حد. وبعدين لو نفترض إنهم عيلتنا فعلًا واللي اسمه مؤمن ده ابن عمي زي ما بيقول، كانوا فين كل ده وسايبني أنا وأنتِ نتشحطط في الشوارع؟

كانوا فين كل ده جاي يفتكرنا دلوقتي بعد كل السنين دي؟ إزاي؟ إلا إذا عايز غرض بقى، ما هو إحنا ياما بهدلتنا الدنيا وداسّت علينا مش هتيجي عليه. ما هي بقت خربانة من كل حتة."

ابتلعت مها غصتها بهدوء وهي تنظر إليه، تراه يخرج غضبه وضيقه عن طريق السجائر التي كانت رفيقته في كل مكان. صدح رنين هاتفه عاليًا مرة أخرى يعلنه عن اتصال هاتفي من هذا الذي يدعى ابن عمه. رمق الرقم بضيق ليأخذه وهو ينوي إلقاء سيل سبابه الذي يعلمه عليه حتى يبتعد عنه، فهو غير مستعد لأية كارثة أخرى، يكفيه ما هو عليه الآن. "إيه يا كبير؟

طالع على حارة درويش عشان أقابله زي ما قولتلك. معرفش بس هو مخوّني لحد دلوقتي. معرفش هقنعه إزاي ده، باين عليه صعب ومش سهل. من صغره وهو عقربة. أمري لله هعمل إيه، هستحمله لحد ما الدنيا تمشي ونشوف هنعمل إيه. ده مهما كان ابن عمي وعمي وصى عليه قبل ما يموت. حاكم هو عارف ابنه طايش من صغره وبتاع مشاكل ومش سهل. المهم دلوقتي لو حصل والدنيا تمت على خير عايزك توصي بيه. تمام يا كبير، في رعاية الله."

أنهى مؤمن حديثه مع والده عبر الهاتف، ثم أخذ نفسًا عميقًا داخل رئتيه ثم أخرجه بهدوء وهو يقود سيارته بهدوء متجهًا لحارة درويش، تلك الحارة التي تربى بها منذ صغره، كبر ونشأ بها حتى أصبح رجل صارم يهابه الجميع ولا يقدر عليه أحد. وبعد أن كان مجرد ضيف بها وعابر سبيل أصبح اليوم كبيرها وكل الأوامر تكون برضاه هو. هكذا هي الحياة وهكذا نحن. "مؤمن راضي المحمدي، ابن عم جعفر."

شخص صارم، جاد، حاد الطبع، ليس من السهل ملاعبته أو التلاعب عليه. هو الابن البكر لراضي الذي مضى ثلاث سنوات منذ بداية زواجه دون أبناء، حتى بدأ يفقد الأمل ويتملك اليأس منه. حتى منّ الله عليه بـ "مؤمن"، أول سعادته ودائرة حياته، ودائمًا بجواره بكل شيء، هو عينه التي يرى بها.

"مؤمن" شاب في العمر الثاني والثلاثون، وهو بنفس عمر ابن عمه "جعفر"، طويل القامة، عريض المنكبين بفضل ألعاب الرياضة التي يمارسها بشكل منتظم. بشرته قمحية فاتحة وهي نفس درجة بشرة جعفر. خصلاته بنية داكنة وعيناه عسلية فاتحة ويمتلك لحية منمقة وخفيفة بنفس لون شعره. وهو بجوار جعفر معقول، فهما لا يختلفان عن بعضهما البعض.

صف سيارته أمام محل ثريا التي كانت تجلس في محلها كالعادة، وعندما رأت سيارة باهظة الثمن رفعت حدقتيها تطالع صاحبها بفضول معتاد. فيما ترجل الأخير منها مغلقًا بابها خلفه وهو يهندم حليته الكحيلة. فغرت عينيها لتقول محدثة نفسها: "بسم الله ما شاء الله، مين الشاب الحلو اللي جاي ده." انتبهت أنه يبحث عن شيء ما، لذلك وقبل أن تسأله عما يبحث عنه، رأته يتقدم منها قائلًا بنبرة

مهذبة لم تخلو من جديته: "صباح الخير. متعرفيش جعفر ساكن فين؟ رمقته بذهول لتقول ببلاهة: "وأنت مين وعايز جعفر ليه؟ شعر مؤمن بالتطفل، فماذا سيحدث إن أخبرته دون أن تعلم؟ هل سينتهي العالم؟ هل ستخسر بضاعتها الثمينة؟ أخذ نفسًا عميقًا ثم زفره بهدوء حتى لا يوبخها وقال مبتسمًا ابتسامة صفراء: "ضيف." شعرت الأخرى بفظاظته في الحديث ولذلك تهجمت معالم وجهها قليلًا

وأجابته قائلة: "العمارة اللي بعد بعد دي على إيدك اليمين بوابتها سودة. الدور التالت." رمقه بطرف عينه بتهكم ثم قال: "شكرًا يا تيته." تركها وذهب لتنظر هي إلى أثره بعد أن جحظت عينيها بصدمة تقول معلقة على حديثه: "تيتا! أنا بعد ده كله عيل شحط من دور عيالي يقولي أنا يا تيتا! صحيح ناس عديمة النظر ومحتاجة كشف نظر."

توجه مؤمن إلى البناية وهو ينظر إلى كل واحدة حتى رأى واحدة تحتوي على باب أسود اللون، ولذلك علم أنها هي. دفع الباب بهدوء ثم دلف وبدأ يصعد درجات السلم بهدوء، وكلما صعد واحدة تزداد معها نبضات قلبه الذي كان يحوطه الخوف والقلق مما هو قادم. وقف أخيرًا أمام باب منزله الذي كان يظن أنه بعيد كل البعد عنه. ولكنه كان للقدر رأي آخر.

قرع على الباب عدة مرات بهدوء ثم انتظر حتى يفتح إليه صاحب الشقة التي يقف أمام بابها الآن. بينما في الداخل ركضت ليان كالعادة كي تفتح باب المنزل، ولكنه أوقفها صوته الذي قال: "ارجعي تاني." التفتت الصغيرة تنظر إليه متعجبة، ليقترب هو منها ممسدًا على خصلاتها قائلًا بنبرة هادئة: "ارجعي اقعدي مع أختك، أنا هفتّح الباب."

ابتسمت إليه وحركت رأسها برفق لتعود مرة أخرى إلى غرفتها، صافعة الباب خلفها. بينما نظر هو إلى طيف زوجته التي كانت تقف داخل المطبخ ليتوجه إلى الباب بخطوات هادئة. فتح باب المنزل ليظهر إليه مؤمن الذي كان يقف بثبات ينظر إليه، فيما توقف جعفر في المقابل بثباته المعتاد ينظر إليه بهدوء.

وها هي تتلاقى الأعين، وها هو يصرخ القلب مطالبًا باعتناق الآخر الذي تركه وهوى إلى سبعين قاع دون الظهور مرة أخرى. هذا رأى عمه بولده، وذاك رأى أخًا كان كالدُّرع الحامي له منذ الصغر. لم يكن يعلم مؤمن أنه سيتأثر ويرق قلبه عندما يراه، فقد كان مثلما توقع، يرى عدنان الصغير أمامه كما كان يقول والده دومًا. "أنت جعفر؟

" نطق بها مؤمن مترقبًا إجابة الآخر الذي كان ينظر إليه دون أن يتحدث حتى سأله ذاك السؤال، ليحرك رأسه برفق مؤكدًا إجابته على سؤال مؤمن الذي لمعت العبارات في مقلتيه وارتسمت السعادة على وجهه وأعتلت الابتسامة ثغره وهو لا يصدق. "أنا مؤمن راضي المحمدي، ابن عمك! وكأن العالم أجمع اتحد على إخماد قواي الهائجة. ولكن هل من مقاتل تخضع قواه قبل أن يؤثر لملكيتها!

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...