الفصل 95 | من 129 فصل

رواية جعفر البلطجي الفصل الخامس والتسعون 95 - بقلم بيسو وليد

المشاهدات
19
كلمة
7,627
وقت القراءة
39 د
التقدم في الرواية 74%
حجم الخط: 18

يا أيها المسير ليلاً إلى ما لا تنال الشمس والجوزاء يتساءلون وأنت أطهر هيكل بالروح أم بالهيكل الإسراء بهما سموت مطهرين كلاهما نور وروحانية وبهاء فضل عليك لذي الجلال ومنة والله يفعل ما يرى محمد الطوخي في بعض الأحيان يصير الأمر معاكس لرغباتنا.

كان يجلس في مواجهة رفيقه الذي التزم الصمت فجأة بعد أن أطلق ما يكن في جعبته إليه. لم يستطع كتمان السر في قلبه، فنتيجته محتومة كما حدث سابقاً بعد أن أخفى الأمر عنه، وحينها تلقى معاملة خاصة حتى لا يتغاضى عن أخباره مرة أخرى. إن كان الوقت غير مناسب والأجواء مشحونة ومتوترة، فلا داعي من أن تخفي الأمر، فالأجواء مشتعلة، فلماذا لا تزيدها أنت كذلك اشتعالاً؟

زجرته زوجته بغيظ وهي ترمقه بنظرات أشبه بالسهام الحادة، وهي غير راضية عن فعله. زوجها ليرمقه نظرة ذات معنى، فهو لن يكرر فعلته مرتين. يعلم رفيقه جيداً، وهذه المرة كانت بمثابة قطع العلاقات والود بينهما. وهو غير مستعد لقطع علاقته به إلى الأبد، فهذا أخيه والذراع الحامي إليه، كيف سيتخلى عنه بهذه السهولة؟

فيما فهم "يوسف" نظراتهما لبعضهما البعض دون أن يتحدث أحدهم بحرف واحد. ولذلك مد كفه وأمسك كف شقيقته التي انتبهت إلى لمسته لتنظر إليه دون أن تتحدث، لتراه يبتسم إليها بسمة صافية لبرهة من الوقت قبل أن يقول بنبرة هادئة: أنا كويس وزي الفل، مفيش داعي تضغطي عليه عشان ميقولش حاجة. وقد ما حاولتي مش هتعرفي...

لأني منبه عليه قبل كدا إني لو عرفت صدفة إنه مخبي عني حاجة هتكون نهاية علاقتي بيه ومش هيكون وقتها لا صاحبي ولا حتى جوز أختي، ولا الشخص اللي أمنتله في يوم من الأيام. وعلى كل مسيري هعرف. أيوه يا حبيبي، بس على الأقل مش دلوقتي. أنت لسه تعبان ومش فايق، وأنا بس كنت عايزة أخبي الموضوع عنك لفترة بس لحد ما تخف وتفوق شوية مش أكتر. أنت عندي أهم.

صادقة وبريئة في حديثها، تخشى عليه حتى هذا اليوم. وتراه الوحيد المحتل لقلبها، هذا الذي حرم من متاع الدنيا حتى يجعلها تتذوقها هي. فكانت هي أولى اهتماماته، وحتى هذا اليوم مازالت وستكون حتى يوم مماته. استطاعت التأثير عليه ببراءة ليقوم هو بمحاوطتها بذراعه ضاماً إياها إلى أحضانه، لتضع هي رأسها على كتفه تنعم بقربه ودِفء أحضانه إليها.

فيما كانت "شـاهي" سعيدة وبشدة لرؤية حب ولديها لبعضهما البعض، وخوفهما الشديد المتبادل على كليهما. لتبتسم بحنو وتقوم بالدعاء لهما إلى رب العالمين أن يحفظهما من كل شر وسوء يلحق بهما. نظر هو حينها إلى "سراج" نظرة فهمها الآخر، ولذلك التزم الصمت. لحظات وطرق على باب غرفته عدة طرقات، يليها ولوج "أكرم" الذي وقف مكانه بعد أن جذب الأنظار إليه ليقول مبتسم الوجه ونبرة سعيدة: "بـشير" فاق وأتنقل الأوضة اللي جنبك وبيتكلم وزي الفل.

تهللت أسايريرهم بسعادة طاغية لأجل هذا الشاب الحبيب الذي يحظى بمكانة خاصة في قلوبهم. لذلك نظر "يوسف" إلى والدته وقال متلهفاً: ماما أسنديني معلش، عايز أروح أتطمن عليه. هموت من الخوف عليه، ما صدقت جالي خبر حلو عنه.

رأت حينها تلهف ولدها على هذا الشاب الذي على الرغم من أنه غدر به، ولكنه مازال حتى هذه اللحظة خائفاً عليه ويهتم لأجله. ولذلك لم ترفض مطلبه، واقتربت منه وتقوم بإسناده حينما نهض هو ليشعر ببعض الألم الذي تمركز في جانبه. لتنكمش معالم وجهه سريعاً، مصدرة صوتاً متألماً. نظرت إليه "شـاهي" حينها بقلق لتقول بنبرة متلهفة:

خلاص يا "يوسف"، مش لازم دلوقتي يا حبيبي. أنت لسه تعبان ومفعول البنج رايح ومش هتستحمّل. خليك، وأكيد "بيلا" هتيجي تطمنك دلوقتي عليه. يلا أقعد. لا لا، أنا عايز أتطمن عليه. أنا كنت خايف عليه أوي ليجراله حاجة. "بيلا" قالتلي قلبه وقف 3 مرات يا ماما. أنا لازم أروح أشوفه. أنا عادي والله كويس أهو وزي الفل.

صمم على ما يريده في هذه اللحظة. فيما وقفت هي أمامه الند بالند بعد أن رأت الألم يكـسو معالم وجهه وعناده ومكابرته في آلامه. لتدعو هي قوله حينما هتفت بنبرة حادة لا تقبل النقاش قائلة: وأنا قولت مفيش خروج خلاص. يلا أقعد مكانك عشان متتعبش أكتر. ولم الدكتور يسمحلك أبقى أخرج وأروح وتعالى، بس طالما الدكتور مأذن بأي حركة يبقى تلتزم مكانك. يلا أقعد مكانك تاني.

زفر حينها بضيق، فلم يعتاد على أن يوقفه أحدهم أو يردعه عن فعله. ولذلك جلس على مضض، والضيق يحتل معالم وجهه. فيما جاورته هي حتى لا تجعله يفعل ما يريد، فلن تخاطر به من جديد. يكفيها أنه عاد بخير إليها. تحدث "سـراج" بعد أن وقف استعداداً للذهاب قائلاً: خليك، أنا هروح أتطمن عليه وهاجي أطمنك. متقلقش.

تركهم حينها وخرج للاطمئنان على رفيقه. فيما عاد "يوسف" على وضعيته السابقة مستلقياً على الفراش بمساعدة والدته وشقيقته إليه. نظر هو حينها إلى والدته التي كانت تضع الغطاء الخفيف على جسده ليقول: أنا محدش مشى كلمته عليا قبل كدا على فكرة. تابعتهما "مـها" بنظراتها مترقبة رد والدتها التي نظرت إليه نظرة ذات معنى لتقول بنبرة حادة:

وأنا مش أي حد يا "يوسف"، ولازم تبقى عارف إني هقفلك بعد كدا على كل فعل بتاخده. وقت عصبية يؤذيك. أنا مش هسمح دا يحصل وهقفلك بعد كدا عشان شيفاك متهور زيادة عن اللزوم وبتوجعلي قلبي كل مرة. وهو أنا اللي اتهفيت فعقلي يعني وغزيت نفسي يا "شـاهي"! رمقته حينها نظرة ذات معنى وردت عليه بنبرة أكثر حدة عن سابقتها قائلة:

متردش عليا وتسمع الكلام بعد كدا. ولازم تبقى عارف إن دا مش تحكم مني. أنا مش هتحكم راجل بشنب بس خوفاً عليك وعلى أختك. عشان أنت الراجل بتاعي وغير كل دا أنا أم وبخاف على ولادي. وأظن أنت محطوط في نفس الخانة ومجرب الشعور دا كويس وعارف.

لمح الحزن في عينيها التي هربت من مواجهة عينيه في هذه اللحظة. فهي أصبحت مطمئنة بجواره وسعيدة بعودته إليها. كيف لها أن تتركه بعدها يفعل ما يشاء وهي تعلم أنه شخص متهور وسريع في ردوده وأفعاله. لا يتفهم إنما يلجأ إلى يده في كل الأحوال، متخذاً لسانه السليط سلاحاً ذو حدين في ردع الماثل أمامه عن الثرثرة.

منعها من الابتعاد عنه حينما تشبث كفه في كفها الدافئ، يردع فعلها وهو يشعر بالذنب تجاهها. نهض من جديد وجلس نصف جلسة محاولاً تجاهل آلامه التي أصابته. لينظر إليها، لتتفهم هي نظرته وتعاوَد الجلوس على طرف الفراش أمامه دون أن تتحدث أو تنظر إليه. ليشعر بها في نفس ذات اللحظة يقربها منه، يلثم جبينها بحنو، تليها اعتذاره إليها قائلاً بنبرة هادئة:

أنا آسف، حقك عليا. مش قصدي أزعلك والله. معلش أنا عارف إني إنسان مدب ولساني طويل ومبتفهمش. بس والله قلبي طيب ومبتعمدش أزعل حبايبي دي. بس لحظة عصبية مني. إنما أنا والله ما أقصد أي حاجة. بس مش متعود حد يقولي لا يعني مبحبش التحكمات. و "مـها" أهي عارفة كدا كويس. حتى هي مبتتكلمش معايا وبتسكت وبتسيبني. حقك على راسي بالله عليك ما تزعلي كدا. مش متعود على زعلك دا.

أنهى حديثه وهو ينظر إليها على أمل أن تتأثر بحديثه. ولكنه رأى عكس ما توقعه. لينقل بصره حينها إلى "مـها" التي نظرت إليه نظرة ذات معنى. ليعاود النظر إلى والدته ثم أمسك بكفها ورفعه حتى يلثمه، طالباً نيل رضاها عليه. ولكنه رآها تبعد كفها سريعاً وكأن كهرباء كادت أن تضرب جسدها. ليشعر بها تحاوطه بذراعيها، تضمه إلى أحضانها، ممسدة على ظهره. ليطبق هو كذلك عليها بذراعيه، ضاماً إياها إلى أحضانه، مشدداً على عناقه لها.

منكرش إني زعلت منك ومن هجومك، فرد فعلك عليا. بس برضو قلبي ضعيف، مبحبش يشوف حد زعلان ولا مضايق. تاني مرة متعملش كدا تاني، أنت سامع ولا لا؟ أنتوا ولادي ومهما تغلطوا أنا هفضل معاكم وأعرفكم الصح من الغلط. ابتعدت عنه حينها حتى تتثنى إليها رؤيته. لتبتسم في وجهه وتكمل حديثها قائلة:

أنا بس عايزة أعرفك حاجة عشان تاخد بالك بعد كدا. أنا بطبعي حساسة شوية وبتصعب عليا نفسي من كلمة بأسلوب يعني حد شوية بزعل. بص كأني عيلة صغيرة. كلمة تبوظ الدنيا وكلمة تصلح حاجات كتير أوي. ابتسم هو لها ثم مد كفيه يقوم بتعديل حجاب رأسها بعد أن ظهرت بعض خصلاتها من أسفله وقال:

ما هو إحنا كدا مش هنعمر مع بعض. بص أنا والله متعود على سيستم في حياتي من صغري مش هعرف أغيره. كفاية عليا إني بحاول أحبس شخصية "جـعفر" جوايا وأخرجلك "يـوسف" اللي خدتي عليه وحبيتيه. الباقي مش هعرف. أنا بحارب شخصيتين متناقضتين. أنت متخيلة المعاناة اللي أنا فيها عشان خاطري متضغطييش عليا لو بتحبيني بجد.

خضعت هي إليه بعد أن رأت أن المناقشة بينهما لن تجدي نفعاً. لتؤكد إليه حينها برأسها أنها موافقة على حديثه. ليبتسم هو إليها أكثر ويعاود لثم جبينها ومعها يديها. لتبتسم هي إليه برضا. ثم عاودت ضمه من جديد، تمسح على خصلاته برفق دون أن تتحدث. وبعد ظلمة الأيام، زارنا نور الحياة.

كانت صوت الضحكات نابعة من القلب والسعادة تغلف قلوبهم بعودة محبوبهم الصغير الشاب المشاكس الذي ما إن اقتحم حياتهم جعلهم سعداء والبسمة مرتسمة على ثغورهم. كانت "هناء" تجاوره منذ أن نُقل إلى تلك الغرفة بعد أن أصرت على ملازمته والتكفل بعنايته طوال الوقت. وعلى الجهة الأخرى تقف "بيلا" وتجاورها "كايلا" التي سعدت حينما رأته بخير أمامها.

حمدلله على سلامتك يا حبيبي، والله ربنا يعلم إحنا مـرّينا بإيه في غيابك. قلبنا كان موجوع عليك أوي بدون إستثناء. نظر إلى "كايلا" التي كانت المتحدثة، يرى العبرات ملتمعة في مقلتيها. ليبتسم إليها برفق ثم جاوبها قائلاً: عارف يا حبيبتي، عارف من غير ما تقولي. واضح قدام عيوني.

ابتسمت إليه لتراه يدعوها في عناق منه. لتلبي هي مطلبه سريعاً وتقترب منه، جالسة على طرف الفراش. ثم ارتمت في أحضانه تعانقه برفق. ليطبق هو بذراعه عليها، ممسداً على ظهرها برفق، يلثم رأسها بقبلة حنونة. ليأتيه الرد من شقيقته الأخرى التي قالت بنبرة معاتبة إليه: على فكرة بقى أنا فقدت الوعي بسببك أنت و "يوسف" وعشت في نفس الرعب. الفرق بينا إني أغمى عليا. تعالت الضحكات من حولها على حديثها. لينظر هو إليها مبتسماً ليقول:

وأنا أقدر برضوا يا حبيب عيوني. دا أنت الحـب كله. تعالي خديلك من الـحب جاانب. لا عشان متعبكش يا حبيبي. جرحك لسه طاب. يا ستي تعالي جرح إيه وكلام فاضي إيه بس تعالي. التفتت إلى الجهة الأخرى تجاه والدتها التي ابتعدت مبتسمة، ترى حب "بـشير" إلى فتياتها. عانقته "بيلا" ليضمها هو كذلك إليه، يلثم رأسها بحنو قائلاً:

أنتوا أحلى حاجة فحياتي. أنا مكنتش أتووقع يكون عندي توأم بالشبه المرعب دا. بس حقيقي أنتوا مفيش أطيب منكم ولا أحن منكم عليا. وعشان كدا أنا بحبكم أوي وبحب خوفكم عليا. ابتسمت كلتاهما لتقوم كل واحدة منها تلثم وجنته. وفي هذه اللحظة ولج "سـراج" رفقة "جـاد" الذي حينما رأى هذا المشهد جحظت عينيه بذهول. ليردف دون وعي منه قائلاً: هو أنا جيت وقت مش مناسب ولا إيه؟ الله الله!

دا منظر واحد تعبان خارج من عملية وقلبه واقف ٣ مرات. الاتنين يا بشير دا يوسف نفسه متباسسش. تيجي انت يا عين خالتك تاخد الاتنين. المرة دي يوسف هو اللي هيغزك يا بجح. شوف رغم إنك مبينلنا إنك ولد خجول ومحترم ومتربي مليون مرة بس طلعت صايع ومش سهل. تعالت الضحكات من حولهم لينظروا إلى بشير الذي ابتسم وقال بنبرة متكابثة: "هو أنا بتباس من حد غريب؟ دول أخواتي حبايبي اللي خايفين عليا. ومش ذنبي إنه متباسسش، أنا مالي."

"لا لا لا مستحيل. دا منظر واحد خارج من المدعكة دي. لا، دا كل همه إنه خد الحب وتباس من خدوده. انت ياض بقيت مش سهل وسهونة كدا من أمتى؟ هو الدكتور عمل فيك إيه؟ انت كنت بتتكسف من أي حد يبوسك قدامنا، إيه اللي جرى؟

لا يعلم جاد لم شعر بالغيرة حينما رأى كايلا تلثم وجنة أخيها. شعر بالضيق يتمالك منه ليظهر على معالم وجهه بوضوح دون أن يتحدث أو يفعل شيئًا. اندمجوا جميعهم مع بعضهم البعض فيما لاحظت بيلا ضيقه البائن على معالم وجهه ونظراته إلى شقيقتها لتفهم سريعًا أنه قد شعر بالغيرة. ولذلك ابتسمت ثم اقتربت منه بخطى هادئة حتى وقفت أمامه تنظر إليه بهدوء. فيما انتبه هو إليها ونظر لها كذلك دون أن يتحدث لتبتسم هي برفق ثم قالت بنبرة هادئة

وهي تنظر إليه نظرة ثاقبة: "شوفتك على فكرة وأنت بتبص ليها وباين عليك الغيرة والضيق اللي احتل وشك فجأة، وكأنها قتلالك قتيل ولا واكلة ورثك. قولي يلا بدون كذب وبصراحة تامة وهعتبره سر بين اتنين أخوات. بتحبها؟

اهتزت نظراته وأصابه التوتر حينما كشفت أمره لينظر بعيدًا دون أن يتحدث محاولًا الاحتفاظ بثباته أمامها وماء وجهه. فيما كانت هي تتابعه بنظرات ذات معنى تنتظر الإجابة التي كانت واضحة وضوح الشمس نصب عينيها حتى رأته يتهرب منها بقوله الذي خرج حادًا رغمًا عنه: "لا، مفيش حاجة بيني وبينها أساسًا. هضايق ليه ولا أغير على إيه؟ دا أخوها ودي أخته طبيعي يعني. أنا بس اللي مضايق النهاردة ومش فالمود مش أكتر."

"تعرف يا جاد قد ما حاولت تكذب على كل اللي حواليك وتقنعهم باللي أنت عايزه. هتيجي عندي أنا وهتصعب عليك إقناعي لأني بقرأ الناس اللي قدامي وبفهم نظراتهم كويس أوي. زي ما بفهم يوسف وبعرف هو عايز إيه من نظرة عنيه، وأنت نفس الشيء. أنت مجذوب لـ كايلا وواضح أوي عليك وعلى نظرة عيونك ليها. عشان محسسكش بالإحراج أو إني تطفلت أنا موجودة. تقدر تعتبرني أختك بما إننا من سن بعض وقت ما تحتاج تتكلم أنا موجودة. مش هقول لأخويا لا، زيك زي أكرم وبشير."

أنهت حديثها مبتسمة ثم ألتفت نظرة أخيرة على أخيها قبل أن تتركهم وتذهب إلى زوجها تاركة جاد شارد الذهن يسبح في بحور أفكاره بعد أن أصابه التشتت وكشف أمام زوجة ابن عمه. زفر بعمق ثم مسح بكفه على وجهه بهدوء دون أن يتحدث. فيما خرجت بيلا من غرفة أخيها في طريقها إلى غرفة زوجها وقبل أن تولج إلى الداخل منعها صوت نادر من خلفها والذي قال بنبرة هادئة: "أزيك يا بيلا. أتمنى ماكنش جيت وقت مش مناسب."

توقفت مكانها عدة لحظات ثم التفتت إليه تراه يقف خلفها ينظر إليها بمعالم وجه هادئة. اقترب منها بخطى هادئة مبتسم الوجه ليقف في مقابلتها ينظر إلى معالم وجهها المرة ق ليقول: "أنا آسف إني جيت متأخر بس الخبر لسه واصلي إمبارح بليل ويادوبك أول ما النهار شقشق جيت على طول عشان خاطر أطمن عليهم. بقوا بخير الحمد لله." كانت متعجبة من مجيئه واهتمامه على الرغم أنها لم تقابله وتحدثه سوى مرة واحدة فقط. ولكنها استفاقت سريعًا وحركت

رأسها برفق إليه قائلة: "آه الحمد لله. يوسف فاق بقاله يومين، وبشير لسه فايق من شوية والاتنين كويسين الحمد لله." "الحمد لله. أنا حطيت نفسي مكانك وحسيت بيك. كان الله في عونك حقيقي. سبحان من صبرك وأداك قدرة التحمل دي. يا بختهم بيك حقيقي." أثنى عليها وعلى شجاعتها وتحملها في هذه الأيام العصيبة لتبتسم هي إليه بسمة هادئة ثم قالت بنبرة هادئة كبسمتها:

"شكرًا ليك يا نادر على مجيتك واهتمامك. أنا بصراحة مكنتش متوقعة إنك تيجي بس أنا بشكرك من كل قلبي." ابتسم إليها بهدوء ثم تقدم الخطى الفاصلة بينهما ليقف في مواجهتها مباشرة ثم أكمل المسافة المتبقية ولثم جبينها قبلة حنونة وعاد قليلًا إلى الخلف حتى يستطيع رؤيتها بصورة أوضح ليقول مبتسمًا:

"مفيش أخت بتشكر أخوها يا بيلا. ربنا يعلم أنا بعزكم أزاي وحبيتكم أزاي من أول ما قعدت واتكلمت معاكم. أنتوا تتحبوا من غير حاجة والله. قوليلي بقى أنتِ داخلة لمين دلوقتي؟ "يوسف." حرك رأسه برفق ثم أشار إليها لتعاود هي الطرق على الباب أولًا ثم ولجت مبتسمة الوجه قائلة: "جيت قبل ما ييجي اللي يفتن عليا وبالمرة ألحق نفسي."

توجهت الأنظار إليها ليولد بعدها نادر الذي رأى الأنظار مصوبة نحوه أخرى متعجبة وأخرى هادئة. أغلق الباب خلفه ثم اقترب من الفراش ليقف أمامه وينظر إلى شقيقته التي أشارت نحوه مبتسمة الوجه قائلة: "نادر حب ييجي يتطمن عليك لسه عارف إمبارح بليل وقال ييجي يشوفك." نقل يوسف بصره حينها إلى نادر الذي ابتسم إليه وقال: "حمد لله على سلامتك يا يوسف. صدقني أول ما عرفت إمبارح جيت على طول عشان أطمن عليك وعلى بشير."

ابتسم حينها يوسف إليه بسمة هادئة وقال بنبرة متعبة: "الله يسلمك يا نادر. تسلم على مجيتك... أحب أعرفك دي أمي ودي أختي الصغيرة مها." ابتسم إليهما نادر وتبادلا عبارات الترحيب والود ليوجه هو حديثه إليهما قائلاً: "ودا نادر أخو بيلا." نظرت مها إلى بيلا حينها نظرة ذات معنى فهمتها هي لتشعر بالحرج. كيف ستقول إليها أنه شقيقها؟ وكيف ستقول أن والدها كان متزوجًا ثلاث سيدات غير والدتها؟

وحينها حمدت ربها أن والدتها ليست معهم في هذه اللحظة. جلس نادر قليلًا مع يوسف يتحدث معه قليلًا حتى استأذن منه كي يذهب للاطمئنان على أخيه وكذلك والدته وشقيقته ليتركوا الغرفة إليهما.

عندما أغلق الباب اقتربت هي منه وجلست على طرف الفراش أمامه مباشرة ثم ولجت داخل أحضانه تهرب من الجميع إليه هو، هو حيث الأمن والأمان إليها والمكان الآمن الذي تلجأ إليه دومًا. فيما حاوطها هو بذراعه وهو يشعر بالسعادة. كان يريد مرافقتها إليه وحدهما. يعلم أنها تحتاج إليه ولذلك كانت هذه بالنسبة إليه فرصة من الذهب. لثمت وجنته بحنو ليتعجب هو من فعلتها وقبل أن يسألها أتاه جوابها على سؤاله الصامت قائلة:

"أصل عملت كدا مع بشير أنا وكايلا فقام جاد وسراج دخلوا علينا فجأة. بقى قولتلحق نفسي عشان سراج ميجيش يولعها خصوصًا إنه متغاظ من بشير عشان كان خبيث أوي معاه." ضحك أخيرًا غير مصدقًا لم سمعه منذ لحظات ليشَد من ضمته لها، يلثم جبينها هذه المرة، زافرًا بعمق، ليريح رأسه على الوسادة الوثيرة خلفه مغمض العينين ليسمعها تقول: "مش محتاج حاجة أجبهالك؟

حينها حرك رأسه نافيًا ثم شد من ضمته لها أكثر وهو ما زال على حاله ليجاوبها بنبرة هادئة قائلاً: "لا يا حبيبتي كتر خيرك. كفاية الأيام اللي فاتت شيّلت فوق طاقتك. كلها ساعتين وأخرج وقتها هاخد راحتي أكتر فبيتي." وافـقته الرأي وألتزمت الصمت بعدها تفكر في فتياتها وكيف حالهن الآن فهي لا تعلم عنهن شيئًا منذ أمس ولذلك توجه تفكيرها بالكامل إليهن لتقرر مهاتفة جارتها للاطمئنان عليهن. في منتصف النهار و "بحارة درويش".

توجه رمزي إلى المسجد مستغفرًا ربه حتى وصل إليه وقام بفتحه وولج مسميًا بالله ليبدأ بإنا رة الأضواء وتجهيزه حتى يقوم برفع الآذان بعد دقائق معدودة. ولج حينها الحاج حسين بهدوء ليراه يقوم بترتيب المقاعد لكبار السن وتجهيز الأكواب البلاستيكية والمبرد المياه نظرًا لمجيء بعض محفظي كتاب الله ليكملوا مسيرتهم بتحفيظ كتاب الله للأطفال ولمن هم في سن المراهقة. اقترب منه بخطى هادئة ملقيًا عليه تحية السلام ليرد عليه رمزي مبتسم الوجه بعد أن التفت إليه ليجلس الحاج حسين على المقعد ناظرًا

إليه ليقول بنبرة هادئة: "طمـ ـني عليك بقالي يومين مبجيش أصلي حاضر أنا عارف بس كنت تعبان جدًا مبقدرش أتحرك من على السرير. النهاردة أهو الحمد لله شوية." "سلامتك يا حج حسين. ربنا يتمم شفاك على خير يارب. أنا لاحظت فعلًا وبعت لحفيدك حافظ قالي إنك تعبان. حاولت أجلك بس صدقني الظروف كانت أقوى مني. حقك على راسي بس ربنا يعلم كنت كل ما أشوفه أسأل عليك." ابتسم حينها الحاج حسين إليه وجاوبه بنبرة هادئة قائلاً:

"عارف يا رمزي سلامك كان بيوصل كل يوم. أنا لسه شايف لؤي وأنا جايلك دلوقتي وقالي إنكم مشغولين جدًا من بعد اللي حصل لـ يوسف وبشير. بالمناسبة أخبارهم إيه دلوقتي." "والله حتى الآن عندي خبر إن يوسف فاق بقاله يومين والحمد لله أحسن من الأول بكتير. أما بشير والله ما أعرف حاجة مستني مكالمة سراج لإنه راحلهم الصبح بدري. بس شكله كدا والله أعلم نفـ ـضلي."

ابتسم الحاج حسين إليه بعد أن تبادلا أطراف الحديث بينهما حتى وقف رمزي أمام مكبر الصوت استعدادًا لرفع الأذان بعدما قام بتجهيز المسجد للمصلين ليبدأ برفع الأذان بصوته العذب الهادئ الذي كان يتغلغل إلى الآذان يقوم بإسكات ضجيج الرؤوس ويريح القلوب من رجفات الخوف. صوته يجعل الراحة تتسلل إلى الصدور ويريح أنفسهم. وعند قوله الشهادة ولج سراج رفقة منصف يساندان يوسف الذي أصر على الذهاب إلى المسجد حيث يتواجد غوثه هناك.

كان يسير بخطى هادئة للغاية بسبب آلام جرحه الذي كان يؤلمه كثيرًا. توجها إلى إحدى أركان المسجد ليجلسانه على المقعد ويذهب لؤي لإحضار الماء إليه. حاول تجاهل آلامه قدر المستطاع ليشعر بأن أنفاسه تزهق ليلاحظ هذا منصف الذي قال متسائلاً: "يوسف أنت كويس؟ نظر حينها سراج إليه ليقول بنبرة هادئة: "لا شكله كدا تعبان ومأكلش حاجة من امبارح. استنى هروح أجيب فايز وأجيلك."

أنهى حديثه ثم تركهم وذهب ليعود محله لؤي الذي مد يده بكوب الماء البارد إليه ليأخذه هو ويبدأ بارتشافه. نظر حينها حوله يبحث عن سراج ليرى رمزي يرافقه الحاج حسين يقتربان منهما بعد أن أنهى رمزي رفع الأذان ليكون أول المتحدثين رمزي الذي جاور رفيقه يقوم بإسناد رأسه من الخلف ثم بدأ يدلك بجانب عينيه حتى يظل رفيقه معهم لا يغيب عن الوعي مجددًا ليلاحظ الحاج حسين صدره الذي كان يعلو ويهبط بشكل ملحوظ ليقول:

"تقريبًا الضغط عنده كدا نازل مش قادر ياخد نفسه." "أنا وسراج أتحايلنا عليه يطلع يرتاح. عاند معانا وأصر ييجي برضوا. طول عمره عنيد." أردف بها منصف الذي كان غير راضيًا عن أفعال رفيقه ليقطع هذه الأحاديث رمزي الذي قال بنبرة حادة: "خلاص مش هنقعد نقطم فيه وهو مش قادر حتى يتنفس. مش وقته الكلام دا خلاص."

عاود ينظر إلى رفيقه ليولد في هذه اللحظة جاد الذي صف سيارته أسفل بناية ابن عمه بعد أن أخبره حسن أنها أسفل أنظاره هو ليتقدم منه بخطى واسعة حتى وقف أمامه مباشرة ومن ثم نظر إليهم قائلاً بنبرة قلقة: "في إيه يوسف ماله إيه اللي حصل." "تقريبًا كدا الضغط عنده فالنازل دا غير إنه مأكلش من امبارح."

في هذه اللحظة اقترب فايز منهم ليقف بجوار جاد مخرجًا جهاز قياس الضغط من حقيبته الجلدية وهو يوجه حديثه إلى يوسف حتى يظل معهم ولا يستسلم إلى دوامته قائلاً: "جرى إيه يا عمنا مالك بس أنت خدت عين ولا إيه؟ أراهنك إنها عين فتوح وأعوانه." تعالت تأوهات يوسف بعد أن شعر بألم حاد يتمركز في جرحه ليبدأ فايز بقياس ضغطه فيما نظر رمزي إلى لؤي وقال: "لؤي هتلاقي موبايلي هناك بين المصاحف هاتهولي بعد إذنك."

لبى الآخر مطلبه وذهب فيما عاود هو النظر إليه وقال بنبرة هادئة: "أهدى يا حبيبي شوية بس وهتهدى. معلش." أنهى حديثه ليأخذ هاتفه من صديقه يعبث به لبرهة من الوقت ثم رفع رأسه يبصر المكيف الذي بدأ يعمل برضا ليعاود النظر إلى رفيقه ليسمعوا فايز يقول: "الضغط واطي جدًا هو اللي عامل فيه كدا." "طيب أنا هروح أجيبله أي حاجة حادقة وأجيلكم. خلوا بالكم منه."

نطق بها لؤي الذي تحرك سريعًا خارج المسجد فيما ربّت جاد على يد ابن عمه ليسمع هاتفه يعلنه عن اتصال هاتفي لينظر إليه ويرى أبيه هو المتصل ولذلك استأذنهم وذهب كي يجاوبه. وظل رمزي وسراج ومنصف وفايز بجانبه. "سلامتك يا صاحبي إن شاء الله اللي يكرهك وأنت لا. العين عليك وحشة أوي." نطق بها فايز الذي جاورهم للاطمئنان على رفيقه ليأتيه رد رمزي قائلاً: "حكمة ربنا يا فايز. ربنا يشفيه كله بيخفف من سيئاته." "على رأيك. ربنا يشفيه."

ألتزموا الصمت جميعهم لبرهة من الوقت حتى بعد أن عاد جاد إليهم والذي رأى رمزي يسير بكفه على رأس ابن عمه ويقرأ آيات من القرآن الكريم. ولبرهة رأى أصدقائه أوفياء إليه لأبعد الحدود وكل واحد منهم يريد أن يفعل له شيئًا. ولذلك ابتسم وتمنى بقاءهم بجواره دومًا. على الجهة الأخرى وفي منزله. ولجت بيلا رفقة ابنتها الكبرى التي كانت سعيدة بعودة والدتها من جديد. ألتفتت إليها وقالت متسائلة: "هو بابا فين مجاش ليه؟ هو أنا موحشتهوش؟

نظرت حينها بيلا إليها لتجاوبها بنبرة هادئة وهي تهدد ابنتها الصغيرة قائلة: "بابا مع عمو رمزي شويه وهيطـ ـلع. دلوقتي بقى ناخد شاور حلو وتيجي تقعدي مع أختك وتاخدي بالك منها عشان أنضف أنا الشقة بسرعة قبل ما بابا يطلع عشان تعبان شوية ومحتاج يرتاح. اتفقنا؟ ابتسمت ليان إليها ووافقتها الرأي قائلة: "أتفقنا."

توجهت إلى غرفة ابنتها ثم وضعت صغيرتها على الفراش وأجلست ليان بجوارها كي تنتبه إليها بينما هي فتوجهت إلى الخارج سريعًا لتبدأ بتنظيف منزلها قبل أن يصعد هو إليهن رفقة ابن عمه ووالدته التي قامت والدتها باستضافتها في منزلها حتى يتثنى إليها فعل ما تريد. لحظات وسمعت طرقات على باب منزلها لتقترب هي وتنظر أولًا من ثقب الباب لترى شقيقتها هي الطارق ولذلك فتحت إليها لتولج هي ناظرة لها لتقول:

"قولت أجي أساعدك بدل ما أنتِ ملخومة كدا وبالمرة أنا فاضية مش لاقية حاجة أعملها." ابتسمت إليها بيلا لتبدل كايلا ثيابها حتى تأخذ راحتها في منزل شقيقتها لتبدأ بمساعدتها على تنظيف المنزل وهما تتثمران في عدة أشياء مختلفة. في المسجد الخاص بـ رمزي. أستفاق يوسف أخيرًا وبدأ يستجيب إليهم ويتبادل معهم أطراف الحديث مبتسم الوجه ليأتي رد الحاج حسين الذي ابتسم قائلاً:

"طبعًا أنتم مش محتاجين عزومة يعني عقبال عندكم تنجيد بنتي الصغيرة زينب. عقبال ما تشوفوا بناتكم زيها يارب." "يا حج حسين متقولش كدا إحنا أهل وزينب أختنا الصغيرة. ربنا يتمملها على خير وتشوفها أحلى عروسة وتشيل أحفادك." نطق بها سراج مبتسمًا ولذلك ابتسم إليه الآخر وكذلك تلقى المباركات والتهنئة منهم ليقول لؤي بنبرة جاادة:

"إحنا فالخدمة يا حج يعني مش محتاج نقولك كدا ولو احتجتنا هتلاقينا طبعًا، وأسمر موجود يعني أي شيلة مش هيقولك لا دا تربية يوسف يعني متربي على الشهمة والجـ ـدعنة." "كلكم ولاد أصول وجدعان والله وتعتبروا كلكم ولادي وأخوات زينب الكبار وأنا عارف دا مش محتاج تقولي يا لؤي يعني. عمومًا الفرشة جاية الليلة وليل وأنا بصراحة مش هثق في حد غيركم فحاجة زي دي." أتاه حينها رد حسن الجاد كعادته يقول:

"معاك يا حج متقلقش. ودي فرحة أختنا الصغيرة وكلنا متربيين مع بعض فكلنا معاها أهم حاجة فرحتها وتكون مبسوطة. كلنا حاضرين ويوسف هيكون المشرف علينا النهاردة." ابتسم يوسف ونظر إلى جاد الذي شد من قبضته على كفه ليراه مبتسم الوجه وينظر إليه نظرة فخورة ليقول: "النهاردة بس عرفت قد إيه مكانك كبير وسط الناس دي كلها وعرفت ليه أصريت تيجي هنا ورفضت تروح عندنا. ليك حق الناس دي تستاهل حبك ليهم يا بخت حبايبك بيك يا حبيبي."

نظر إليه يوسف قليلًا ثم رفع ذراعه الأيسر وضمه إلى أحضانه ممسدًا على ذراعه ليقول بنبرة خافتة لم تصل سوى إليه هو: "عقبال ما تفرحني بيك أنت كمان وأكون المسؤول عن كل حاجة تخصك مع أيمن. يا بخت اللي هتاخدك يا جاد يا ابن عم راضي." ضحك حينها جاد ونظر إليه بطرف عينه وقال مبتسمًا: "أنت بتلمح لأيه يا چو؟ عشان نظراتك مش مريحاني نفسيًا. تكونش قفشتني؟

"هو من ناحية إنك مقفوش فأتطمن أحب أقولك آه أنت مقفوش فعلًا. بس عايز أقولك كلمة حق. بلاش دلوقتي هي مش مستعدة تدخل فعلاقات دلوقتي." "هي مين دي؟ رمقه يوسف حينها نظرة ذات معنى بطرف عينه قليلًا ثم ابتسم وقال: "اللي واكلة عقلك وكلتوا بعض أول مرة. ياض دا أنا خبرة قديمة وعارف نظرات المحبين دي. بتبقى فضايح يابا اسأل مجرب." "طب داري عليا عشان ميبقاش شكلي زفت أوي كدا. بيني وبينك." "عيـ ـب عليك سرك في بير كبير."

ابتسم حينها إليه لينظروا إلى الحاج حسين الذي نهض قائلاً: "طب أستأذنكم أنا بقى. الحمد لله أطمنت على يوسف. هروح أشوف الدنيا ماشية إزاي عشان الحاجة اللي هتيجي دي." نظر حينها لؤي إليه وقال بنبرة جاادة: "إحنا معاك يا حج زي ما قولنالك مش هنأثر فحاجة." ابتسم حينها الحاج حسين إليه وأكد على حديثه ليتركهم ويذهب. فيما نظر رمزي إلى رفيقه الحبيب وقال بنبرة هادئة:

"يوسف أنت محسود. حسد وحش أوي. أنا رقيتك كدا عادي بس لقيت فعلًا إنك محسود." "على إيه يا حسرة." نطق بها يوسف ساخرًا على حاله ليأتيه الرد من رمزي الذي قال: "مش شرط فلوس. ممكن عيلة. عايش مبسوط. الضحكة بيحسدوا عليها صدقني. الصلاة. محبة الناس ليك. حاجات كتير أوي مش شرط تكون فلوس." "أومال لو عرفوا إنه ابن عيلة تقيلة فسوق التجارة هيعملوا إيه؟ حاجة غريبة أوي حقيقي."

نطق بها جاد متعجبًا من حال الناس وما وصلوا إليه. خرجوا من المسجد الذي أغلقه رمزي مؤخرًا ليستند يوسف على ابن عمه ورفيقه متوجهين إلى منزله مارين بالقرب من محل فتوح الذي نظر إليهم بغل يملأ نفسه ليقول بنبرة عالية: "عش الدباـ ـبير رجع اتلم تاني. خلصنا منهم يارب." "متديهوش ريق وامشي." نطق بها جاد بنبرة جاادة وهو يرمق الآخر رفقة أصدقائه نظرة قاتلة ليسمعوه يقول: "مالك يا قطة؟ هو الجرح شاااد أوي كدا؟

توقف يوسف فجأة بعد أن استمع إلى حديثه ليترك رفيقيه ويلتفت إليه أسفل اعتراضات أصدقائه وابن عمه إليه ليتركهم ويقترب من الآخر بخطى هادئة وهو ينظر إليه متجاهلًا آلام جرحه حتى وقف أمامه مباشرة ينظر إليه يرى نظرات السخرية منه ليقول هو بنبرة ساخرة: "الرد على الحمير بيعملهم زيط. ولو رديت على الحمار دلوقتي هيشوف نفسه. طب وعلى إيه؟ هو لم الحمار بينهق حد بيرد عليه؟

"أديله أدي يا حراق. اللي واقف دا جعفر الحراق اللي لا بيكش ولا بيخاف." هكذا كان رد سراج الذي كان سعيدًا بردود رفيقه الروحي ليرد عليه رمزي بقلة حيلة: "بتموتوا فالخناق زي عنيكم."

"رد يا فتوح وبـ ـرر يلا وطلعني عيل ابن *** مشمتش ريحة التربية عشان أنا هقولك وقتها إنه كلامك صح وأهل الحارة كلهم عارفين كدا. ميغركش الجرح اللي شاااد عليا دا لا أنا مش فارقلي دا بيدل على إني حارقك وأنت مش قادر على الحرقان دا فهتموت وتقتله بس نجوم السما أقربلك يا فتوح." "أنت عامل زي المرض الملعون يا جعفر. لازم يبتـ ـر عشان مينتشـ ـرش ويقتـ ـل صاحبه وأنا لسه مش عارف أعمل كدا. بس صدقني مش هيهدالي بال غير أما أخلص منك."

ابتسم يوسف الذي سيطر عليه شخصية جعفر الوقح ليقول بنبرة باردة: "ميهمنيش رأي الحمير عشان مبيتردش عليهم. عايزني آخد برأيك هاتلي إثبات بيقول إنك بني آدم بيتاخد برأيه مش حمار بينهق أول ما يشوف الشيطان قدامه." "أنا دلوقتي بس عرفت الولد دا بيكره چو ليه. حقه أنا لو مكانه هدّفن نفسي مكاني بالحيا." هكذا كان جواب جاد ليأتيه الرد من منصف الذي قال:

"دي أقل حاجة عند المعلم بتاعنا. مرة قل منهم أكتر من كدا دا أنت فاتك كتير أوي دا كدا محترم." "جرى إيه ياض يا هفـ ـأ أنت هو البعيد مبيحرـ ـمش مش كفاية كسرالك لوح الإزاز وكلفتكم ٨٠٠ جنيه عايزني أكسرلك تلاتة غيره ولا إيه يعني مالك ومال الراجل هو أي جر شـ ـكـ ـل ما تكن شويه بدل وربنا المعبود أفرج الحارة عليك وأخلي اللي ما يشتري يتفرج." هكذا جاء جواب فاطمة الحاد وهي تقف بجوار يوسف الذي ابتسم لها وقال:

"بنت حلال وتستاهلي تنولي من الحب جانب. استلمي يا غالية." تفاجأ لؤي من ظهور زوجته ولذلك تحرك نحوها سريعًا يردع فعلها ذاك حينما وقف بجوارها جاذبًا إياها برفق نحوه قائلاً: "فاطمة أنت إيه اللي جابك وبتعملي إيه. اسكتي وأطلعي فوق يلا." نظرت إليه حينها بعدم رضا وقالت بنبرة حادة: "وأسيبه يهلـ ـفط بالكلام كدا مع أخويا يعني؟ ليه حد قالك إني أراجوز وربنا أوريه."

"فاطمة أنا قولت كلمة تتسمع. على فوق وملكيش دعوة وحسابي معاك بعدين. اتفضلي." حينها فقط ألقت نظرة حاقدة على فتوح الذي كان ينظر إليها مبتسمًا ابتسامة مستفزة ليُشعل فتيلة غضبها لتقول هي بنبرة حادة: "فاكر نفسك راجل يالا دا أنت... بتـ ـرت حديثها بسبب كف لؤي الذي وضعه على فمها وهو يهمس لها من بين أسنانه قائلاً:

"وربنا المعبود يا فاطمة وأنت عارفه كويس أوي لو حلفت هعمل فيك إيه. إن ما طلعتي وأنت ساكتة أوريكِ. ومتعاـ ـنديش معايا أحسنلك. يلا على فوق." أبعد كفه عن فمها وهو يرشقها بنظرات حادة لتزفر هي بعمق وهي غير راضية عما يفعله لتتحرك خطوتين مبتعدة عن مرماهم أسفل نظراتهم لتتوقف فجأة وهي تشعر أنها مازالت غاضبة ولم ترضي نفسها وروحها الوقحة لتلتفت إلى فتوح تصرخ به قائلة:

"يمين بالله كلمة زيادة مع يوسف متعجبنيش لنزل أنسل الشبشب على دماغك ودماغ اللي خلفوك."

أنهت حديثها وركضت إلى داخل بنايتها سريعًا بعد أن رأت لؤي يقترب منها ليتوقف هو أمام باب بنايته يرمق أثرها بضيق ثم التفت عائدًا إلى أصدقائه. فيما نظر فتوح إلى يوسف بطرف عينه بعد أن تجهمت معالم وجهه وظهر غله تجاه الآخر على تقاسيم وجهه ليقابله لين معالم وجه يوسف الذي ابتسم إليه ثم عاد عدة خطوات إلى الخلف وألتفت عائدًا إلى أصدقائه موجهًا حديثه إلى العم ربيع بائع الخضروات قائلاً:

"متنساش ترميله شوية جزر يا عم ربيع. الحمير بتحبه أوي." تعالت الضحكات من حولهم ممن بينهم ثريا التي قالت بنبرة ضاحكة: "يخرـ ـبيت دماغك يا ولد. لسا لسانك لسه طويل وهيفضل طويل مهما حاولنا نغيرك."

توجه كل واحد منهم إلى منزله فيما صعد يوسف إلى منزله رفقة ابن عمه الذي عاونه حتى وصلا كلاهما ليضغط جاد سبابته على جرس المنزل الداخلي منتظرًا من في الداخل أن يفتح لهما. لحظات وفتح الباب لتقابله جاذبة الأنظار إليها. تلك التي خطفت قلبه وسحرته. تجمد مكانه حينما رآها هي التي قد فتحت الباب لهما ليقطع ذلك صوت يوسف الذي قال بنبرة حادة زائفة: "وبعدين يعني هدخل بكرة ولا إيه؟ ما تتحرك يا جاد وخلّي عندك دم."

انتبه إليه جاد الذي حاول حفظ ماء وجهه ليتحرك به إلى الداخل متوجهًا نحو الأريكة. فيما أغلقت كايلا الباب وولجت سريعًا إلى شقيقتها في الداخل بخجل طغى على وجهها. نظرت إليها شقيقتها لتعقد ما بين حاجبيها قائلة: "مالك في إيه وشك ماله ضارب أحمر كدا ليه؟

نظرت إليها كايلا وهي لا تعلم ماذا تفعل أو تقول لها لتظل بيلا تنظر لها تنتظر جوابها الذي جاء أخيرًا بعد محاولات عديدة. أخبرتها ما حدث بخجل شديد بعد أن رأى زوج شقيقتها نظرات ابن عمه إليها لتبتسم الأخرى وهي تستمع إليها لتختم كايلا حديثها وهي تشعر أنها على وشك البكاء من فرط إحراجها لتضحك بيلا بخفة ثم اقتربت منها وعانقتها إلى أحضانها قائلة:

"إن قولت الحق هتهبي فيا بس دا الواقع. هو أنا برضوا قفشته الصبح ولقيته أتوتر كدا وعمل نفسه عبده العبيط. بس إن جيتي للحـ ـق هو شكله كدا واقع وقعة سودة. هو جدع أوي بصراحة وطيب ومتربي وخد فوق كل دا حلو ومهتم بشكله ومظهره وتربية ناس محترمة. ولو ليكِ نصيب فيه هيجيلك لحد عندك. أنتوا لسه فالأول وهو شكله كدا أول تجربة فعايز يتأكد من مشاعره لأن وارد يكون دا إعجاب. المهم تعالي نشوف هنعمل إيه عشان طنط شـ ـاهي زمانها جايه هي وماما والعيلة الكريمة عايزين نعمل أكلة كدا تقـ ـيلة."

أنهت حديثها وسمعت صوت زوجها يناديها من الخارج لتتركها هي مكانها شاردة في مشاعرها نحو هذا الشاب الذي ظهر أمامها فجأة دون سابق إنذار واقتحم حصنها المنيع متتبعًا داخل قلبها. خرجت بيلا لترى كما اعتادت صغيرتها في أحضان أبيها ترى سعادتها بعودته إليها لترحب هي بـ جاد الذي ابتسم إليها وبادلها التحية بأخرى أكثر ودًا لتنظر إلى زوجها الذي قال:

"طبعًا أنا سبق ووعدت الست ويلاّت إنها هتضاف في بيتي عشان أعرفها مين فينا الجعاـ ـن وهي طبعًا جايه وساحبة شرها ولسان أبوها بيتراجع قاموس شتايمها في الطريق. عايزك بقى يا روحي تكتميها خالص. مش هفرض عليك حاجة معينة دي لعبتك أنت. هما قدامهم ساعتين يعني معاك وقت عايزها وهي بتاكل تبقى مكتومة مش لاقية كلام تقوله ولا ترفع وشها." "يا ابني شيل نقـ ـرك منها دي مبتتهدش صدقني لو السفرة مليانة والأكل تحفة هتقولك وحش أنا عارفها."

"سـ ـيبها يا عم أنا عايز أثبت لنفسي وليها حاجة معينة. أنا والله ما عارف عمك دا مستحملها أزاي. هو لو يسمع كلامنا ويطلقها ويغورها فدا يه يرتاح. الراجل عنده كبت مش عارف يخرجه. والعرايس كتير وما~ ـلين حارة درويش أهو هو يشاور بس وأنا هجوزهاله كلهم حبايبي هنا." حينها أتاه صوت ليان التي رفعت رأسها حتى تستطيع رؤيته قائلة بنبرة متسائلة: "هي مين دي يا بابا؟ "ست شريرة يا روحي ملكيش دعوة بيها خليكِ معايا أنا."

أنهى حديثه يلثم جبينها بحنو ثم أعادها إلى أحضانه كما كانت لينظر إلى زوجته التي أكدت على حديثه ثم عادت إلى المطبخ تاركة إياهم يتحدثان سويًا وعادت إلى شقيقتها من جديد حتى تبدأ في إعداد الطعام سويًا. وبعد مرور ساعتين. أجتمعوا جميعهم حول مائدة الطعام يترأسها عماد بعد إلحاح كبير عليه وبعد تدخل يوسف خضع إليه وجلس ليعيد إلى شاهي ذكريات زوجها الحبيب الراحل عدنان. الضحكات نابعة من القلب والأجواء صافية والسعادة تغمر الصدور.

"والله تجمعنا دا بالدنيا وما فيها حقيقي." ابتسموا إلى بيلا التي كانت المتحدثة ليأتي رد يوسف الذي قال مبتسمًا: "نورتوا الحارة والبيت والله. أنا أتعب بقى بعد كدا عشان تيجوا يعني؟ "يا حبيبي من غير ما تتعب ربنا يحفظك ويبارك فيك يارب. متجمعين على طول." السعادة تعم على الجميع لدى البعض. أما البعض الآخر فليس كذلك ونقصد بالبعض الآخر هو "زينات" التي لم تصمت كالمعتاد وبخت سمومها عليهم وهي ترمق يوسف نظرة ذات معنى قائلة:

"أشي أشي كل الأكل دا. ما أنت طالع معاك فلوس أهو وعلى قلبك قد كدا أومال لازمت إيه جو الشحاتة اللي عملتهولنا هناك دا وعبيلي الأكل فكياـ ـس. أظن مكانش لازمتُه يعني." شعر عامر بالإحراج الشديد ولذلك سعل بعد حديث والدته ليجذب أنظار البعض ممن بينهم يوسف الذي علم أنه شعر بالإحراج من حديث والدته ولذلك أراد أن يرد لها ضربتها بأخرى أقوى ليبتسم ابتسامة خبيثة ثم نظر من جديد إلى ابن عمه عامر ليوجه إلى جاد حديثه قائلاً:

"تعرف يا جاد؟ "إيه يا حبيبي؟ رد عليه ليضع الطعام في فمه وينظر إليه حيث كان الآخر يتناول طعامه ليقول دون أن ينظر إليه: "بيقولك إذا نهق الحمار فلا ترد عليه... نسيت أقولها لابن الـ****."

فـ ـهـ ـم جاد إلى من يوجه حديثه فبعد أن نطق بالأولى وتوقف عن الحديث توجهت الأنظار إليه بمن فيهم شاهي التي شعرت بالإحراج خصوصًا أنه تعمد الرد بعد أن تحدثت زوجة عمه. ولكنما شعر أن الأنظار موجهة إليه أكمل حديثه ونسـ ـبه إلى فتوح ولذلك لم يمنع جاد نفسه من الضحك ليشعر عامر بالتشـ ـتت بينهما فهو حتى الآن لم يتفاهم مع يوسف ولأنه شخص أنطوائي لا يحبذ الأحاديث الكثيرة ولذلك كعادته ألتزم الصمت.

"بذمتك يا عامر مش أنا بقول كلام حلو. لسه مألفها دلوقتي حالًا. ياريتها جـ ـت لصاحب نصيبها بقى." أردف بها يوسف إلى عامر يائسًا لينظر الآخر إليه لبرهة من الوقت دون أن يتحدث ليرى نظرات أبيه إليه والتي كانت حادة بعض الشيء لعدم تجاوبه مع ابن عمه الذي حاول هدم العازل القائم بينهما ليشيـ ـح ببصـ ـره بعـ ـيدًا مكملًا تناول طعامه. "قيل في الوداع إلى اللقاء... وقيل في المجيء جاءني اللقاء"

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...