الفصل 96 | من 129 فصل

رواية جعفر البلطجي الفصل السادس والتسعون 96 - بقلم بيسو وليد

المشاهدات
17
كلمة
8,153
وقت القراءة
41 د
التقدم في الرواية 74%
حجم الخط: 18

أنا العبد المكر بكل ذنب وأنت السيد المولى الغفور فإن عذبتني فبسوء فعلي وإن تغفر فأنت به جدير أفر إليك منك وأين إلا إليك يفر منك المستجير.

التبجح من أهم صفات المرء، صفة تعجز عن البوح بها. عدم تعليم الأطفال منذ صغرهم على الاحترام والنوايا الطيبة والحسنة وعدم إخجال الآخرين ليست جريمة مشهودة، بل الجريمة يكون جريمة بحق إن استمر المرء على مخالفة كل ما سبق ذكره توا. الجريمة يكون عندما يتواجه المرء مع من حوله ظنا أن هذا ليس تبجحا بل قول الحق. ولكنه صدقا الكلمة تخجل من انسيابها لتلك الأفعال القذرة. ولذلك يجب على الكبير احترام من هم أصغر سنا وعدم إخجالهم بحياتهم البسيطة. فلا يشترط أن يكون مالكا لعقارات أو سيارات باهظة الثمن أو حتى شركات في عدة دول مختلفة. هذا ليس شيئا نتباهى به!

التباهي يكون في أخلاق المرء وتهذبه، خوفه من رب العالمين، وكذلك بتعاليمه الحسنة وسلوكه الطيب. التباهي ليس بالأموال إنما بالأخلاق. أما على الجانب العطاء فبمقارنة بسيطة، ثلث البشر أهل كرم وعطاء، يعطون دون أن يطلب شخص آخر العطاء، كرماء والتواضع رفيقهم، وطيبة القلب دومًا خير من ألف عقل. أما عن الآخرين فبالطبع ليسوا كرماء، بل البخل وراثة بينهم، يفضل أن يأخذ خير من أن يعطي، وهذه كانت ضمن إحدى الصفات السيئة لدى المرء.

كانوا يجتمعون مع بعضهم البعض في غرفة المعيشة، والضحكات نابعة من القلب، والأجواء صافية، والسعادة تغمر الصدور، والراحة تحوم القلوب. لحظة لم يكن يتوقع عيشها ولو في أحلامه من قبل، أن تجاوره أسرته التي تغيب عنها سنوات عدة، كانت بعيدة كل البعد عن مخيلته. ولكنه رحمة الخالق واسعة، وهو وحده يعلم ما في الصدور وميسر الأمور. أقدار كتبت عليهم عيشها، لا طريق آخر سوى تقبل الواقع والرضا، والحمد لله عز وجل.

كان يجاور والدته رفقة شقيقته على الأريكة، فيما كانت هي تقبع بينهما، تضمهما سويًا إلى أحضانها، تمسح على رأسهما سويًا، وتضحك بين الفينة والأخرى. ينصتون إلى طرائف هذا الشاب الوسيم الذي يحظى بمواقف طريفة في حياته العامة، والجميع ينصت إليه باهتمام ويتفاعلون مع حديثه، وهذا للحق ما أسعده وجعله يكمل بحماس أكبر. أما عن قلب عاشق يا سيدي، يشعر بمعشوقه، فلا تتحدث. فعلى الرغم من انشغال الجميع مع "جاد"، ألا أنها لم تغب عن عقله، ولذلك طاف في المكان بعينيه يبحث عنها، حتى أنه لم يرها حتى الآن بينهم. ولذلك نهض مبتعدًا عن الجميع بخطى هادئة، فما زال جرحه يؤلمه بين الفينة والأخرى.

ولج إلى المطبخ أولًا ليراها منهمكة في تنظيف الصحون التي كانت كثيرة لأول مرة، ولذلك أخذت وقتًا طويلًا منها هذه المرة. لمحته بطرف عينها لتنظر إليه قائلة: "إيه اللي قومك؟ "ملقتكيش وسطنا، استغربت بقالك كتير وقلقلت بصراحة، افتكرت عين "زينات" جابتك الأرض ولا حاجة، كنت رمتيها بره فلحظتها." ضحكت هي على تفوهاته تلك، لتحرك رأسها بقلة حيلة وقالت مبتسمة الوجه، وهي ما زالت مندمجة في تنظيف الصحون:

"أكتر حاجة بحبها فيك تلقائيتك، خصوصًا معاها سبحان الله، اللي فقلبك على لسانك على طول، مبتعرفش تجاملها." ابتسم هو حينها، ثم اقترب منها بخطى هادئة حتى وقف بجانبها وقال:

"بصراحة كدا، أنا أجامل الكل إلا اتنين ملهومش تالت، حبايبي و"ويلات" دي بالذات حقيقي ممكن أقلب مدب معاها، ولا هيفرقلي أساسًا. الولية الجعانة على رأي "جاد"، لو الأكل كتير وتحفة هتقولك وحش. الولية دي ربنا هيزول النعمة دي من وشها قريب، وهتعرف وقتها أن الله حق، عشان تتبتر عدل بعد كدا." "هنقول إيه يا "يوسف"، ربنا يهديها هي واللي زيها وتفوق قبل فوات الأوان، عشان لو فاقت بعده مش هينفعها العياط والندم."

أنهت أخيرًا تنظيف الصحون جميعها، لتبدأ في وضع الحلوى في الصحون من جديد، ليس لشيء معين، ولكنه لأنهم أهل الكرم والضيافة. لم ولن يكونوا بخلاء على أحد، حتى وإن كان لا يستحق ذلك. فيما نظر هو لها وأبتسم، فقد اشتاق إليها كثيرًا، وإلى أوقاته وهي برفقته، كما ظله. ولذلك لم يمنع نفسه من تلك اللحظة التي لا تأتي سوى مرة واحدة، كما نقول "صدفة". اقترب منها ليقف خلفها مباشرة، ثم تسلل كفيه إلى خصرها ليضمها برفق، حتى لا يؤلمه جرحه، ولثم وجنتها بحنو، ثم همس إليها بجوار أذنها قائلًا:

"وحشتيني على فكرة. معرفش أزاي بس حاسس إنك وحشاني، يمكن عشان اتعودت عليكي جنبي، واتعودت على اهتمامك ليا وخوفك عليا، أو حبي ليكي أكبر من كل دول. مبقتش عارف أسباب بصراحة، بس أنا بوصفلك اللي حاسس بيه." "يوسف، أنت على طول بتيجي فالوقت الغلط. الناس بره عيب كدا، أفرض حد دخل دلوقتي هتحرجني أوي ومش هقدر أكمل معاهم. أبعد أنا كدا كدا قدامك ٢٤ ساعة، محبكتش دلوقتي يعني."

اختلست النظر إلى الخارج خوفًا من قدوم أحد منهم، بعد أن أنهت حديثها، تحسه على الابتعاد. ليُعاندها هو ويظل على حاله. فإن لم تكن تلك طباع الصغير المحبوس بداخله، فبالتأكيد تلك طباع هذا الوقح الذي اعتادت عليه دومًا، لا يهتم لمن حوله مهما كان. ولذلك حينما رأت أنه لم يُنصت إليها، حاولت إبعاده برفق وهي تهمس له قائلة:

"يا "يوسف" بقى كدا مينفعش، أقسم بالله ما هتلاقيني معاهم بره طول القعدة، بجد لو حد دخل دلوقتي، يلا أنا مش عايزة أعمل حركة عشان جرحك دا حاكمني دلوقتي." "وإيه يعني هو أنا بعمل حاجة عيب؟ أنا حاضنك عادي، مأجرمتش يعني؟ وبعدين ما أنت عارفاني بجح ومتربتش عادي، محصلش حاجة."

ما زال يُعاندها ويقف أمامها الند بالند، حتى الآن. ولأنه ماكر وتعلم نفسها جيدًا، لا تستطيع الوقوف أمام مكره ذاك. حاولت إبعاده وهي تختلس النظر إلى الخارج بين الفينة والأخرى، تدعو أن لا يولج أحد منهم الآن، وإلا ستشعر بالإحراج الشديد، ولن تقدر على الوقوف ومواجهته مهما كان هويته، فمن الممكن أن تبكي بسبب خجلها الشديد حينها. "بيلا، أنتِ عارفاني عنيد، ولو حطيت حاجة فدماغي بعملها، فأهدي عشان متفضحيش نفسك بنفسك." "هي بقت كدا؟

تمام يا "يوسف"، حسابنا بعدين، أما نشوف قلة الأدب دي هتوصل بينا لفين، خليك فاكرها كويس." تبدلت نبرة صوتها إلى أخرى تحمل في نبراتها التحذير والوعيد إليه، فيما ضحك هو بصوت خافت على تفوهاتها وتقاسيم وجهها التي كانت تتغير كل ثانية وأخرى، ليعاود لثم وجنتها من جديد قائلًا: "يعني برضوا مش هتقوليلي؟ وأنت كمان وحشتني وشوية لافلاڤة؟

ألتفتت إليه برأسها تنظر إليه بضيق، ليبتسم هو إليها ببراءة غير معهودة بالنسبة إليها، لتشيح برأسها بعيدًا، ثم عادت تضع الحلوى في الصحون دون أن تتحدث، لتسمعه يقول من جديد بنبرة حزينة زائفة: "يعني إيه يعني؟ خلاص مبقاش ليا خاطر ولا الكلام دا؟ لحقتي تقسي عليا؟ طب راعي إني راجل مريض محتاج اهتمام طيب، يعني يرضيكي أروح أبص بره؟

هنا دقت ساعة الصفر بالنسبة إليها، فقد ضغط على زر الإنذار، ليبتعد عنها حينما رآها تسحب السكين وتلتفت إليه وهي ترمقه نظرات غاضبة. فيما ابتسم هو مجددًا وعاد إلى الخلف عدة خطوات هادئة، حتى شعر بالجدار خلفه يمنعه من الإكمال، ليتوقف فجأة ويراها تقف أمامه تشهر السكين نحوه قائلة بنبرة حذرة: "قولت إيه يا "يوسف"؟ عيد كلامك تاني يا حبيبي كدا وسمعني."

"أهدي وصل على النبي يا حبي، واغزي الشيطان، مش كدا، دا إحنا حبايب، حد جاب سيرة الشوف بره؟ يعني بالعقل كدا يبقى معايا قمر وأشوف غيره؟

رفعت حاجبها عاليًا وهي ترشه بنظرات كانت كسهاأم حادة التي تخترق صدر العدو. لم تتوانى هذه المرة، فحتى الآن لا تنسى نظرات الفتيات المراهقات إليه وإعجابهن الشديد ب وسامته الأوروبية تلك، والتي تخطط الآن لتشويهها. لتقوم بوضع السكين على نحره وهي تقبض بالأخرى على تلبيبه، لتهمس إليه من بين أسنانها المطبقة على بعضها قائلة بغيظ دفين:

"أنا مبقتش عارفة أعمل معاك إيه حقيقي، حلاوتك مخلياني هتجنن من نظرات البنات المايعة ليك يا "يوسف"، بس بسيطة، ٣٠ غرزة متفرقين مش هيضرونا بحاجة، أهو على الأقل ميتكّدش عليا كل يوم بسبب نظراتهم ليك وحرقة دمي اللي مبقتش حملاها. قولي بقى يا حبيبي تحبهم يكونوا فين بقى؟

ضحك هو على تفوهاتها، ولا يُنكر الآن أنه شعر بالسعادة تغمره حينما رأى غيرتها عليه وجنونها الذي عهده يومًا. لينظر إلى بنتيها مباشرة، حيث تتقابل حبة القهوة ولذتها مع سكر خضراوتيه الصافية، ليشكل مزيجًا من نكهة جديدة ولذيذة لدى العشاق دومًا. سطوته أكبر من أي شيء، ولذلك تولى هو زمام الأمور، ورفع كفيه يحاوط خصرها تمهيدًا منه لإخضاعها وإيقاعها داخل مملكته، ليصبح الملك المزعوم الذي يخشى منه الجميع، منصاعًا خلف أفعال تلك الأميرة الصغيرة التي أرغمته على الخضوع إليها بأقل مجهود منها.

بدأ تركيزها يتشتت في حضرته وفي حضرة هذه اللحظة، تبا لكل معتقداتها، فل طالما هي الوحيدة التي تحظى بها، فلا مشكلة لها. فيما شعرت بكفه الذي أمسك بكفها الممسك بالسكين، يبعدها عن نحره، وهي منصاعة خلفه، تفعل ما يريده هو دون أن ترفض أو تقاومه. اقترب منها ليُقبل وجنتها بحنو، يُسقط سحره الخاص به عليها، فإن كانت ساحرة تسيطر عليه، فهو السحر الذي ينقلب على صاحبه.

لحظة افتقدها وافتقد هدوءها، ففي الآونة الأخيرة كانت رأسه يملؤها الضجيج العال الذي لا ينتهي، إلا حينما يخرج "جعفر" حتى يتعامل معها. وللتو بات يفتقده ويفتقد وقاحته كثيرًا، ولذلك لن يحدث شيئًا إن أخرجه من جديد يحظى بمكانته، فقد اعتاد الجميع على لسانه السليط ووقاحته. ولكنه ليست كل اللحظات السعيدة تدوم، فقد قطع لحظتهما تلك صوت "شاهي" التي شهقت تفاجئًا بما تراه.

وعلى أثرها كانت كصوت الإنذار إلى "بيلا"، التي استفاقت من غفلتها لتبتعد عنه بحركة سريعة وعنيفة بعض الشيء، لترى والدته تقف وتنظر لهما متفاجئة. أصابها الخجل والتوتر الشديد، ولذلك أشاحت ببصرها بعيدًا عنها، هي تحاول تماسك نفسها. فيما وجه هو نظره إلى والدته وأبتسم لها قائلًا بوقاحة معتادة: "كدا تقطعي برزق ابنك؟ أنتِ أم أنتِ." "أقطع رزقك يا عديم الدم يا قليل الأدب، أنا نفسي أفهم جايب الخصال الو***** دي منين؟

راعي إن حد ممكن يدخل يشوف المنظر دا يا صايع يا بجح، وبعدين أنت مش تعبان ولسه خارج من المستشفى، فيك نفس يالا؟ عنفها وللحق كانت مصدومة من بروده، كونه يرى هذا عاديًا بالنسبة إليه. لا تصدق، فقط وقفت تنظر إليه مححظة العينين، لتراه يبتسم بدوره أكثر وقال بدون اكتراث:

"وبعدين بقى، It's Funny. وبعدين دا العادي بتاعي يعني مش جديدة عليا ولا عليها، هي عارفاني قليل الأدب ومش محترم من زمان، دا أنا جايبها بمعاكسة يا ستي أنتِ متعرفيش حاجة." كانت مذبهولة لا تصدق ما تسمعه وتراه. حركت أهدابها عدة مرات متتالية تحاول استقبال كلماته، ليتوجه بصرها نحو الأخرى وهي لا تعلم ماذا تقول، سوى أنها أشارت إليها بيدها وهي ما زالت أسفل تأثير الصدمة قائلة:

"تعالي، تعالي أطلعي اقعدي، أنا هتصرف معاه دلوقتي. ابني محتاج تربية، أنا عارفة. طول عمره استغلالي. تعالي بدل ما يفضحنا بالجرم المشهود هو دي، وشي من اللي بره دول إزاي، خصوصًا الحربايتين اللي قاعدين دول." "طب بصي أنا ميهمنيش كلام حد، ولو على الحربايتين دول أقطع عرقهم وأسيحهم، هما ولاد حلال ويستاهلوا. وبعدين دي مراتي، مالكم أنتوا ضاربين إيه على المسا؟ صباح الفل."

ما زال يتواقح ويُعاند، لتقف بدورها أمام ولدها مشيرة إلى الأخرى التي تركتهما وخرجت، وهي تتمنى أن تنشق الأرض وتبتلعها بعد ما عاشته منذ دقائق. وحينما خرجت، ألتفتت "شاهي" إليه ترمقه نظرة ذات معنى، ليقابلها بسمته البريئة، وكأنه لم يفعل شيئًا، لتشهر سبابتها في وجهه تحذره قائلة: "مش عايزة قلة أدب ياض أنت سامعني ولا لا؟

عيب، عندك ضيوف بره، أفرض عمك عدى صدفة، بعيدًا عنك عشان أنت باين عليك جبلة مبتحسش، بس هي شعورها هيكون إيه وقتها؟ طب دا أنا وهأموت من الكسوف ومرَفعتش وشها تبصلي، أما أنت بجاحة الدنيا كلها فيك، واقف تعاند وترد وتقول مراتي. اسمع كويس بقى عشان شكلك كدا هترجعني لأيام الصريخ والزعيق والشبشب لو قليت أدبك تاني وعملت اللي عملته دا، ساعتها هتشوف مني اللي عمرك ما تفكر تشوفه، سامع؟

لا يُبالي، فقط كل ما فعله أنه قَبَّل إصبعها بحركة خاطفة صبيانية، ثم ومض جفنه الأيسر بعبث وقال مبتسم الوجه: "قوليلي بس... الحج كان شقي زيي ولا كان مؤدب." "ولد." صُدمت بحق من حديثه، ولذلك أوقفَته سريعًا قبل أن يزداد في تخابثه معها، لتراه يقول من جديد محتفظًا ببسمته والخبث البادي على معالم وجهه وحديثه لها: "شكله كدا كان نمس... ما الجينات دي هتيجي منين يعني." "يوسف."

ضحك حينما رآها تُنزِل إصبعها وهي تنظر إليه بعدم رضا، ليقترب منها معانقًا إياها، ثم قال: "مالك بس يا أم يوسف؟ قافشة مني ليه؟ دا بدل ما تفتخري بيا." "أفتخر بيك قلة الأدب يعني؟ ليه شايفني إيه يا خويا؟ لا أنت لسه متعرفنيش." قَبَّل رأسها بحنو وشدد من عناقه إليها أكثر، ثم قال بنبرة هادئة يستعطفها بها حتى ترضخ إليه، فيما سيطلبه منها: "شاهي، هو أنا لو طلبت منك حاجة هتعمليهالي؟

"أي حاجة هتقول عليها هعملهالك يا حبيبي، حتى لو طلبت عيوني." كانت حنونة وصادقة ومسالمة كذلك. كيف ترفض مطلبه الأول وهي تتمنى فقط أن يجعله تفعل شيئًا إليه بفراغ الصبر. ولذلك أتاها صوته الذي قال مبتسمًا:

"أنا صحيح دوقت شوية أكل من إيديك الحلوين دول، وكان نفسك بسم الله ما شاء الله عليه حاجة عسل. عايز بقى ورق عنب من نفس الإيدين الحلوين دول، أصل نفسي راحلته أوي بصراحة، وبدل ما "بيلا" تعمله المرة دي أدوقه منك أنت، وبالمرة تبقى "مها" جنبي تشاركني. عايز أحس شوية باللي ضاع منا زمان وسرق عمرنا."

ذكرها بالذي مضى، وهو في الأساس ما زال عائقها وكابوسها في يقظتها ومنامها. ولذلك وقبل أن توافقه، خطرت على بالها فكرة ممتازة جعلتها تتحمس كثيرًا، ولذلك قالت بنبرة تغلب على طبعها الحماس: "عندي فكرة حلوة أوي." ابتعد هو عنها حتى ينظر إليها، ليرى الحماس يغلف عينيها، لينتظر سماع ما ستقوله، وحتمًا لم تبخل عليه، وقالت بنبرة سعيدة: "إيه رأيك تاخدنا ونروح المكان اللي اتولدت فيه وكبرت وقابلت "عدنان" كمان هناك؟

المكان دا عزيز عليا أوي وبحبه جدًا، وبالمرة أعرفك أنت وأختك على العيلة، من ساعة ما عرفوا إنكم رجعتولي تاني وهما مش ساكتين وعايزين يشوفوكم. وبالمرة أرجع أفتح بيتي القديم تاني ونعيش سوى اللي ضاع من عمرنا سوى." ابتسم إليها حينما رأى حماسها الشديد وحنينها إلى الماضي، حيث بدأ يظهر على تقاسيم وجهها شوقها إلى الماضي وذكرياتها الجميلة التي صعب أن تنساها طوال حياتها. ليطرح سؤاله عليها بنبرة هادئة حينما قال مبتسمًا:

"ويا ترى بقى الجميل منين؟ "من سيدي سالم... كفر الشيخ." "وهما اللي من كفر الشيخ حلوين أوي كدا؟ دا إحنا عدينا." ضحكت على حديثه وأفعاله الصبيانية التي تراها للمرة الأولى، لتنظر إليه مبتسمة الوجه قائلة: "طب إيه بقى؟ موافق ولا هتخرجني مكسورة الخاطر؟ أستسلم أمام رقتها وابتسامتها الجميلة، وما هو سوى عبد ضعيف يضعف قلبه أمام حواء. ولذلك أعطاها جوابه دون أدنى تفكير، ليقول مبتسمًا:

"مقدرش أكسر بخاطرك يا حبيبة قلبي، أنا بضعف قدام الحلويات دي. موافق يا ست الكل، مقدرش أقولك لا، بس تعمليلي ورق العنب، أنا مش هتنازل عنه مهما حصل." ابتسمت إليه وفورًا غمرتها السعادة، لتعانقه بقوة وهي تهتف بنبرة سعيدة قائلة: "حبيب القلب والعين. وعد هعملك كل اللي تحبه. نروح نقضي كام يوم نفصل شوية عن المشاكل دي وعشان ترتاح يا حبيبي شوية... إيه رأيك آخر الأسبوع؟

وافق على اقتراحها بيسر، ليطبق بذراعيه عليها، يضمها إلى أحضانه، مطلقًا زفيرًا قويًا، مستندًا بذقنه على رأسها، يفكر فيما حدث وما ينتظره في الفترة القادمة. فهذا لن يمر مرور الكرام، فلن يسمح لأحد منهم بأن يقوم باستغلال هذا الشاب الحبيب كأداة إليهم يلجأون لها ليصلون إلى مبتغاهم. فهذا كما نقول نحن "عشم إبليس في الجنة". الضرائب تزداد كل يوم حتى يحين موعد سدادها.

كان يجلس في المقهى يدخن وينظر أمامه في نقطة فارغة، يفكر كيف سيجني المال المستحق إليه، بعد أن ظهر شخص بغيض عرقل سير عمله وقام بنزع سمعته أمام الجميع. الغضب يسيطر عليه منذ هذا الوقت. فحاادث أخيه ورفيقه أوقف سيره وأنساه مشاغله، ولذلك تلقى المشكلات الكثر في عمله. ضرب على سطح الطاولة الخشبية بكفه محاولًا إفراغ غضبه المكبوت بداخله، ليصيح باسم الصبي العامل في تلك المقهى عاليًا، والذي توجه إليه ركضًا حتى وقف بجواره قائلًا:

"أؤمرني." "فنجان قهوة مظبوط بسرعة." نطق بها وهو يمسح بكفه على وجهه بعنف، ليأتيه صوت الصبي الذي رمق الفنجان الفارغ بجواره بتوجس قائلًا: "غلط عليك أنت لسه شارب فنجان كدا، ضغطك هيعلى أوي." "أنت هتخاف عليا أكتر مني؟ أخلص يا "لمونة" من غير رغي كتير!

هدَّر به بعنف منتصبًا في وقفته، جعل هذا الفتى المدعو "لمونة" ينتفض جسده فزعًا من تلك الحالة المجنونة التي انتابته، ليقوم بلفت أنظار الجميع إليه، وما زاد ذلك إلا الطين بلة، فهذا ما كان ينقصه حينما وجد جميع الأنظار موجهة إليه، ليزداد غضبه أكثر عن قبل. ركل المقعد الذي كان يقبع أمامه، ثم رحل كما الإعصار من المكان أسفل أنظار الجميع، وأولهم "لمونة" الذي شعر أن هناك خطب ما، ولذلك استدعى "حسن" كونه الوحيد المتواجد في الأسفل في غياب الآخرين.

ولج "أكرم" كما الإعصار إلى متجر النقاشة الذي تولى إدارته بعدما توفى أبيه، مغلقًا الباب خلفه بعنف وهو يلهث. نظر حوله بهيئته المبعثرة تلك، غير مصدقًا أن كل شيء انقلب على رأسه، فتلك البيعة كانت ستجعله يربح كثيرًا ويقوم بتكبير اسمه بين الجميع. ولكنه كان لذاك المجهول رائيًا آخر في ذلك، بعد أن ظهر من العدم ليكمل عليه ويقوم بتدمير كل شيء كان يبنيه.

ولج بخطى هادئة ينظر إلى المكان حوله، حيث وجد موهبته هنا، شغفه وحبه للصناعة وتشكيل الأخشاب مثلما يشاء. لا يعلم ماذا عليه أن يفعل الآن، فكل ما يثير غضبه تلك المكالمة اللعينة، حيث أخبره هذا الشخص وبكل ما تحمله الكلمات من خبث وشر عظيم إليه: "أول وقعة، وإن شاء الله متكونش الأخيرة يا ابن فارس، بالشفا."

انحنى بنصفه العلوي مستندًا على الطاولة الكبيرة التي تحتوي على معداته بأكملها بكفيه الاثنين، ثم أغمض عينيه بقوة، وصدره يعلو ويهبط وصوت أنفاسه عالية تدل على غضبه، محاولًا لجم تحكماته في انفعالاته. فإن ترك نفسه، سيدمر كل شيء حوله، وهو لن يتحمل أية خسائر أخرى، فلن يجعل هذا الحقير ينال منه مهما حدث.

"يمين بالله لدفعك الثمن غالي مهما كنت مين، لسه متخلقش إلي يقف فوق "أكرم"، هتدفع الثمن غالي أوي، مش أنا إلي يتداس عليه ويسكت، لا... صحيح الناجح من غير أعداء ميبقاش ناجح، بس ملحوقة، والله لدوقك الويل، صبرًا."

انتصب في وقفته، ثم حرر أزرار قميصه الأبيض، ومن ثم نزعه، ليبقى عاري الجذع. تركه على المقعد، ثم توجه إلى مسجل الصوت، كما يسمى في اللغة الدارجة "راديو"، ليقوم بتشغيله، ليصادفه موسيقى من موسيقاه المفضلة، كانت من الزمن الأصلي الجميل، مما جعل حاله يتبدل سريعًا، ليحتل الصفاء تقاسيم وجهه. ولكنه لم يخلو ذاك من عينيه الحادة التي كانت تعطيه جاذبيته الخاصة. نعم مخيفة، ولكنها رائعة في نفس اللحظة.

عاد إلى طاولة معداته الكبيرة، ليقف أمامها مخرجًا لفاف تبغ غليونه، واضعًا إياها على طرف شفته، ثم أخرج قداحته وأشعلها، ليأخذ نفسًا عميقًا منها، ثم يزفره بقوة، لتنكمش المسافة بين حاجبيه قليلًا، وينظر بعدها إلى أغراضه يفكر في شيء ما. وبدون إرادة تسلل كفيه إليها، ليبدأ بتوصيل الأجهزة الكهربائية بالكهرباء، ثم عاد ليأخذ قلم رصاص ومسطرة حديدية مرقمة، ثم أخذ لوح الخشب، وبدأ يضع المسطرة عليه ليبدأ في تقسيمه، تزامنًا مع علو صوت الموسيقى التي كانت مفضلة بالنسبة إليه، فتذكره بذكريات جميلة يحب دومًا تذكرها.

أحلو عمري أحلو عمري أحلو عمري في غمضة عين لما اتقابلنا لما اتقابلنا لما اتقابلنا إحنا الأتنين أحلو عمري أحلو عمري أحلو عمري في غمضة عين لما اتقابلنا لما اتقابلنا لما اتقابلنا إحنا الأتنين وبعد أول لقا طويل لاقتني من أشواقي بقول لاحد بعدك يملى عيوني ولا حب غير حبك يرضيني لاحد بعدك يملى عيوني ياعيوني ولا حب غير حبك يرضيني يالي ابتديت الحب معاك عمري عمري الحقيقي ابتدا وياك يالي ابتديت الحب معاك عمري الحقيقي ابتدا وياك

أحلو أحلو أحلو أحلو أحلو أحلو أحلو أحلو أحلو أحلو أحلو أحلو عمري. حياته أصبحت حلوة بالفعل حينما قابلها. تلك التي سحرته وجذبت حواسه إليها دون أن تفعل شيئًا، فتلك كانت حب الجامعة. أحبها عامين سرًا بينه وبين نفسه دون أن يفصح عن أي شيء لها. وفي العام الثالث قرر مصارحتها بما يحمل لها من حب في قلبه، لتفاجئه بإعطائها رقم والدها دون أن تتحدث ببنت شفه، تاركة إياه بعدها مكانه مذهولًا لا يصدق، حتى قال دون أن يعي:

"بالسهولة دي عادي؟ وأنا إلي كنت مرعوب وبحب فيكي بيني وبين نفسي؟ أنهى حديثه، ثم نظر إلى الورقة البيضاء المدوّن عليها عدة أرقام بشرود، ثم بعدها تحدث مع والدها، وحينما توصلا إلى الاتفاق المبدئي، كان سعيدًا وبشدة حينما ضمن بقاءها إليه، وحينما أصبح في نهاية السنة الرابعة وهي في الثانية، قام بخطبتها ليضمن بقاءها أكثر وأكثر بجواره. وها هي الأعوام تمر، حتى أصبحت اليوم أمًا لوالديه التوأم اللذان جعلا حياته وردية بجوارها هي.

واليوم يسعى لكسب لقمة العيش بعد أن تكاثرت أعباء الدنيا على الجميع، وأصبحوا يحاربون في أعمالهم فقط لأجل جني المال لمنزله وأسرته، فمستلزماتهما تود أموالًا كثيرة. ولذلك إن انتظر أكثر وظل مكانه دون أن يتقدم خطوة للأمام بسبب هذا البغيض، سيقع لا محال. ولذلك عاند الجميع ونفسه وعاد لإكمال أعماله، متوعدًا إليه وبشدة.

صدح رنين هاتفه من جيب بنطاله، يعلنه عن اتصال هاتفي، ليترك أغراضه ويقوم بإخراجه، ليراها هي هاتفه. زفر بعمق وهدأ نفسه، ثم أجابها بنبرة هادئة وقال: "أيوه يا حبيبتي." "فينك يا "أكرم"؟ مش ناوي تطلع ولا إيه عشان تتغدى؟ أنا جعانة أوي وقاعدة مستنياك من بدري تيجي، بس لما لقيتك اتأخرت قولت أكلمك وأشوفك فين." "معلش يا حبيبتي حقك عليا، أنا بس مشغول فالورشة وعندي شغل كتير، اتغدي أنتِ، وأنا لما أطلع إن شاء الله هتغدى."

شعرت أن به شيء ما يخفيه عليها. كيف لا، وهي تحفظه عن ظهر قلب، لتقول بنبرة هادئة: "أكرم، هو أنت كويس؟ حاسة إن صوتك مضايق وكأن في حاجة مزعلاك. في حاجة يا حبيبي بجد؟

آه وألف آه على تلك التي أسكنته عشقًا، وكانت تلعب دور الأمومة معه وليست كزوجة، فهي تشعر به حينما تتغير نبرة صوته في الحديث، وتحججاته كي لا يكمل هذا الحديث الدائر بينه وبين المثل أمامه. في حضرتها لا شيء يغفل عنها، ولذلك كما المعتاد حاصرته من كل الجهات، ليخبرها أنه حينما يعود سيتحدث معها، مغلقًا المكالمة بكلمات حنونة بعد أن أخبرها بعدم انتظاره، ليعاود إلى إكمال ما كان يفعله وصوت الموسيقى يعلو من الراديو.

كان يسير في المتجر الكبير والخاص بمستلزمات الأطفال، يحمل صغيرته على ذراعه ضامًا إياها إلى أحضانه، بينما هي تسير بجواره تدفع عربة المشتريات وعينيها تجول في المكان تبحث عن مرادها. نظر إليها لبرهة من الوقت، ثم قال ساخرًا: "هو إحنا مطولين هنا ولا إيه؟ أومال لو كبرت شوية هتعمل فينا إيه؟ "مطولين إيه بس، هو إحنا لحقنا؟ وبعدين دي حاجات ليها، وأنا محتاجة حاجة البيت عشان أغلبها خلص، فطول بالك شوية."

أنهت حديثها وهي تسحب علبة اللبن الصناعي التي تطعمها إلى صغيرتها، ليأتيها الرد منه من خلفها حينما قال: "لا لو على البال فطويل مع ناس وناس لا. وطالما لأجل "وتين" فمعنديش مشكلة." ألتفتت إليه فورًا وهي ترشه بنظرة حادة، لتندفع في حديثها قائلة: "يعني إيه لأجل "وتين" دي، وأنا فين؟ ولا بقيت بنت البطة السودة يعني؟ نظر إليها متفاجئًا من اندفاعها، لينظر حوله يتأكد أن لا أحد يراهم، ثم عاود النظر إليها من جديد وقال:

"ردودك بتيجي فالوقت والمكان الغلط. متقفيش فالكلمة، مقصدش حاجة، ليه النوايا ال***** دي بس." "يا حبيبي... اتمسكن حلو أوي، لينا بيت يا "منصف" يلمنا، صبرك عليا يا ابن "زينة"." ابتسم هو مجددًا مستمتعًا بما يراه أمامه، يُحب رؤيتها غاضبة أمامه دومًا، ليس لسبب وجيه، بل هو اعتاد على ذلك منها. ومض جفنه الأيسر بعبث إليها، ثم قال بنبرة خبيثة: "هراضيكي، هراضيكي على الآخر يعني مش هخلي أي حاجة شر من ناحيتك ليا."

رمقته بطرف عينها نظرة ذات معنى، ثم عاودت ابتياع أغراض ابنتها ومنزلها، حتى مر الوقت بهم وعادوا من جديد إلى المنزل. صف سيارته أسفل بنايته، ثم نظر إليها وقال بنبرة هادئة: "خدي "وتين" وأطلعي أنتِ، وأنا هروح أركن العربية وأجيب الحاجة وأحصلك." نظرت إليه حينها بعد أن استمعت إليه، لتجاوبه تقترح عليه قائلة:

"لا حرام تشيل كل دا لوحدك. هات جزء دلوقتي وهات "أسمر" يشيل معاك، وبعدين روح اركنها وتعالى. وبعدين متنساش إنك ممنوع تشيل حاجات تقيلة كتير عشان ضهرك."

صمت دقيقة يفكر في اقتراحها إليه، ليجد أنها مُحقة، فالأغراض كثيرة، ولذلك وافقها الرأي، لتترجل هي من السيارة تحمل صغيرتها المبحرة في بحور أحلامها، ويليها هو الذي وقف يبحث عنه بعينيه، حتى رآه في المقهى يشاكس "لمونة". رفع يده عاليًا يلوح إليه، ثم صدح صوته عاليًا يناديه قائلًا: "سمارة! واد يا سمارة!

ألتفت إليه "أسمر" يعلم صاحب هذا الصوت جيدًا، فهو الوحيد الذي يناديه من بين الجميع "سمارة". ترك رفيقه واقترب منه بخطى هادئة مبتسمًا، حتى وقف أمامه يصافحه قائلًا: "علامة مسجلة أنت خلي بالك. عاش من شافك، بقالك يومين مختفي كدا، إيه الدنيا." ابتسم إليه "منصف" ورفع كتفيه عاليًا يقول بنبرة هادئة: "ولا أي حاجة، الدنيا ماشية وزي الفل أهي. فاضي ولا عندك مشاغل." "يابا لو مشغول أفضالك يا سلام، شاور أنت بس ورقبتي سدادة."

أنهى حديثه وهو يضع كفه على عنقه في حركة شهيرة عند النطق بتلك الجملة، ليحرك "أسمر" رأسه برفق، ثم حاوط كتفيه بذراعه وتوجه به إلى صندوق السيارة، رافعًا بابه عاليًا ليقول: "على الله إن شاء الله. عايزك يا وحش الجهة إيدك في إيدي تطلع الشنط دي معايا عشان محسوبك ضهره قافش حبتين." "إيه يا رياسة؟ هو المجهود عالي أوي كدا؟ دا إحنا لسه ورانا بلاوي سودة مستنيانا كمان شوية." ساخر منه "أسمر"، ليبدأ بأخذ الحقائب منه،

يسمعه في ذات الوقت يقول: "والله يا معلمي ما قادر. ربنا ما يوريك وجع الضهر وسنينه. يلا طلع دول وأنا هحصلك بالباقي." "لا وعلى إيه مش ناقصين ضهرك يقفش أكتر؟ نجري بيك على الدكاترة، عندنا مشاغل يابا الحج. خليك وأنا هطلعهم كلهم بدل ما إيد تتممد في العربية تاخد حاجة كدا، تخرب حاجة كدا، مش ناقصين مصايب." أستند "منصف" بذراعه على سيارته ونظر إليه مؤيدًا لحديثه حينما قال:

"تصدق ياض يا "سمارة" عندك حق. روح ومتقلقش، يعني هديك أتعابك." "تصدق لولا إنك أكبر مني وبينا فرق سن كنت رديت عليك. بس مش هرد عارف ليه؟ عشان أنت من دور أبويا." أنهى حديثه، ثم تركه وذهب نحو البناية، لينظر الآخر في أثره ويرد عليه بغيظ باين على نبرة صوته حينما قال: "تصدق أنت محتاج رباية يالا. أنا قد أبوك يا عديم النظر، أنا ٣٢ سنة يالا يعني لسه شاب يا حمار. على رأي أم "حسن"، ناس عديمة النظر ومحتاجة كشف نظر."

أنهى حديثه، ثم حرك رأسه بقلة حيلة، ليخرج بعدها لفاف تبغ يضعها بين شفتيه، ثم أشعلها عن طريق قداحته، ليأخذ نفسًا عميقًا منها، ثم يزفره بقوة، وهو ينظر حوله، يفكر في عمله وما ينتظره في مشروعاته القادمة. وبعد مرور القليل من الوقت، عاد بعد أن صف سيارته، ليوقفه صوت الصبي "لمونة" الذي ركض إليه حتى يوقفه. وبالفعل توقف وألتفت إليه قائلًا بنبرة متسائلة: "خير يا "لمونة" في إيه؟

"بص بقى عشان سكة اللف والدوران مش سكتنا. "أكرم" كان هنا من شوية، وكان متعصب أوي، خد فنجان قهوة وطلب التاني، ولما عارضته عشان خوفت عليه، زعق جامد ومشي. شكله كدا فيه حاجة، أنا عمري ما شوفته متعصب أوي كدا قد النهاردة. لو كدا عدي عليه، شوفه، من ساعتها وهو في محل النقاشة مخرجش منه وقافل على نفسه."

شرد "منصف" قليلًا في حديثه يفكر به، حتى أنه غير اتجاه سيره وذهب إليه عازمًا على رؤيته والأطمئنان عليه. ولج إليه ينظر إلى المكان حوله، ليسمع صوت الموسيقى تنبع من الداخل وصوته يدندن معها، ليبتسم بزاوية فمه ساخرًا، ثم قال: "بقى دا المتعصب الشايط اللي مش شايف قدامه." أغلق الباب خلفه، ثم ولج إلى الداخل بخطى هادئة، ليراه يعمل كعادته، يخطط على لوح الأخشاب ويقطع جزءًا منها. زفر بعمق، ثم قال مبتسمًا:

"يا سيدي يا سيدي على الروقان اللي أنت فيه. طب أنا أصدق كلام مين بقى دلوقتي؟ رفع الآخر رأسه ينظر إليه بعد أن استمع إليه، ليقول متعجبًا: "مش فاهم تقصد إيه! "يعني سمعت إنك كنت متعصب وشايط ومش شايف قدامك. أدخل عليك ألاقيك بتغني ورايق كدا. طب أصدق مين فيكم بقى." أنهى حديثه وهو يستند بمرفقه على سطح الطاولة، ينظر إليه ليراه يضع القلم الرصاص خلف أذنه ويقول:

"صدق الأتنين يا رياسة. "لمونة" صح، واللي شوفته دلوقتي صح برضوا. أصل أنا لو وقعت مش هستفاد حاجة، فعلى إيه بقى خليني زي ما أنا أحسن." على الأقل هستفاد وأفضل ساند طولي. طب إيه اللي حصل بس؟ أنا مفهمتش حاجة. أخذ "أكرم" نفساً عميقاً ثم زفره بتروٍ بعد أن ترك أغراضه لينظر إليه قائلاً:

أبداً، كل الموضوع إن كان عندي طلبية كبيرة لازم تطلع وكان صاحبها راجل تقيل ليه وضعه يعني، المهم لقيته فجأة لغى الطلبية ومبيردش عليا. عرفت إن الموضوع فيه، إن حد بخسمه فنص الموضوع ده عشان ميتمش. هتجنن يا "منصف" بجد الشغل ده كان هينقلني نقلة عالية أوي فجأة كل حاجة بقت في الأرض. صمت "منصف" برهة من الوقت يفكر في حديث الآخر الذي كان ينظر إليه دون أن يتحدث. نظر إليه بعدها نظرة ذات معنى ثم قال:

شامم ريحة "فتوح" فالليلة دي، إيه اللي هيخلي ده يحصل دلوقتي إلا إذا كان هو يعني "يوسف" و"بشير". ودلوقتي شغلك اللي وقف ومصالح ناس فاتحة بيوت. لا يا عمي الليلة دي كبيرة ولو ثبت بجد إن "فتوح" ورا كل ده يمين بالله ليطلع من هنا على سجن طرة على طول. "يوسف" لو عرف مش هيسمي عليه يا عمي أنت فاهم أنا بحاول أقولك إيه.

والله يا "منصف" لو ثبت إن هو اللي كان وراها أقسم بالله لاجيب أجله فلحظتها. الواد ده زودها معانا أوي وفاكر نفسه إيه إن شاء الله. أعرف بس إن هو اللي ليه يد وأنا أقسم بالله ما هسمي عليه. أخذ "منصف" كوب الشاي الخاص بـ "أكرم" وأرتشف منه قليلاً ثم نظر إليه وقال: ولا يهمك أنا متأكد إنه هو اللي عمل معاك كده، بس على مين هو مش جه يلعب مع الكبار. يستحمل النتيجة بقى، إن منططته زي القرد مبقاش "منصف".

نظر إليه "أكرم" نظرة ذات معنى ليرى الخبث يحتل عينين رفيقه الذي كان مبتسماً. يبدو هادئاً من الخارج، أما من الداخل فهناك تخطيط شيطاني يُدرس إلى عدوه اللدود فيجب توجيه ضربة قوية إليه ولذلك يلزمه تخطيط جهنمي ولذلك هو سيتولى أمره هذه المرة.

زاهدٌ منذ صغره، خجولٌ حتى شبابه. لا يعلم الحيل التي يستخدمها الشباب هذه الأيام مع الفتيات المراهقات. بطبعه كان خجولاً حينما ينظر إلى فتاة وحينما يضطر لإجابتها. طباعه كانت العامل الأساسي في ذلك وبيئته هي من جعلته بتلك الحالة. شابٌ يخشى

ربه ويسير على نهج واحد: إطاعة المولى عز وجل. ولذلك لم يكن بذلك المتخابث اللعوب بل كان كالأطفال الصغار مطيعاً وخلوقاً حتى سقط أسفل براثن من لا يرحم ولا يعلم ما ينهاه عنه دينه وما يأمره به ربه.

كان يجلس منذ أن عاد من المشفى مع زوجة أبيه التي أصرت على مرافقته وتقديم الرعاية إليه، وأمامها يخضع لها دون أن يقول شيئاً. كان يجلس نصف جلسة على الفراش في أولى أيام فصل الشتاء يرتدي كنزته الرصاصية الداكنة ويضع القبعة على رأسه والغطاء الثقيل على جسده يشاهد التلفاز. ففي أولى الأيام كان الطقس بارداً للغاية بعد أن نشرت شبكة الطقس عن تفاصيل الأجواء ومن المحتمل هبوط الأمطار.

أخذ هاتفه وعَبَث به قليلاً ثم وضعه على أذنه منتظراً الرد من الطرف الآخر والذي لم يتأخر عليه وأجابه ليقول هو: وعليكم السلام ورحمة الله، إيه يا عمي مش بتسأل عليا يعني ولا اتنسيت كأني ما جيت. الشغل واخدك؟

يا عم كان الله في العون ربنا يرزقك. لا أبداً متكتف تحت البطانية ولابس تقيل حاسس إني هتجمد والله. ما أنت عشان جبـ ـلة مبتحسش أنا لو مكانك وربنا أموت من البرد دا أنا لابس قد كدا وبرضوا سقـ ـعان. لا أصل قاعد فالأوضة بتاعتك تصدق صحيح ياـ ـض سريرك تحفة مريح أوي.

أنت احتليت أوضتي كمان يا واطي. إخص على اللي رباك والله. عموماً يعني متهـ ـدلش حاجة بدل ما أطلع أبهـ ـدلك أنا. إيه البجاحة دي يالا دي أوضتي على فكرة يعني بتاعتي والفرش دا فرشي. حينها أتاه قهقهات أخيه الذي بالطبع لا يفعل شيئاً إلا أن يثير أستفزازه كما أعتاد ليجاوبه بنبرة ضاحكة قائلاً:

لا يا "كركر" ما هي بقت بتاعتي خلاص أنت اتجوزت أنا بقى خدتها والسرير دا هايل مريحني جداً. آه صحيح لقيت سويت شيرت تقـ ـيل وحلو أوي لونه رصاـ ـصي غاـ ـمق عارفه؟ أيوه ما أنا لبسته فعلاً. أنهى حديثه وضحك عالياً من جديد حينما سمع صراخ أخيه من الجهة الأخرى حينما قال: وحياة أمك! دا لسه جديد لانج يااض دا أنا لسه ملبستهوش إيه يالا البجاحة دي مبسوط أوي. بصراحة كدا آه وبعدين مخبيه عندك ليه.

عشان "سلمى" بتسرقهم مني وأنا فالشغل وبرجع ألاقيها لابساهم يا إما فالبيت يا إما وهي نازلة قولت وعلى إيه بيت أمي موجود... بس برضوا أتلبس والمرة دي من مين. من أخويا. تعالت ضحكات "بشير" أكثر على حديث أخيه وغيظه البائن في نبرة صوته ليجاوبه بنبرة ضاحكة وقال: كل الطرق بتؤدي لنفس الحل بس تصدق يااض طلع حلو أوي عليا أنا خدته خلاص. وماله ما هي فلوس أبوك أنا أجيب وأنت تلبس على الجاهز. أتاه حينها الرد الذي أشعل

غيظه أكثر حينما سمعه يقول: يا حبيبي أنا وأنت واحد مالك بس أعتبر نفسك كأنك لبسته. زفر بعمق حينها ومسح على وجهه وخصلاته الكثيفة إلى الخلف وقال بقلة حيلة: ميغلاش عليك يا عمي أنا وأنت واحد. أبتسم حينها "بشير" ثم أخبره بما يشعر به نحوه حينما قال بنبرة صادقة: أنا بحبك أوي يا "أكرم" أنت حنين أوي وطيب خساارة الأيام اللي ضاعت وأنا بعيد عنكم فيها بجد ياريتني كنت أعرف من بدري إنكم أخواتي.

حكمة ربنا يا "بيشو" ربنا ليه حكمة فكدا المهم إنك فالآخر معانا بقولك إيه أوعى تكون بهدلت الأوضة قسمًا بالله أطلع أرميك من فوق. ضحك حينها "بشير" من جديد ثم رد عليه بنبرة ضاحكة قائلاً: لا متقلقش أنا محترم ومبهدلش حاجة بقعد مؤدب. وبعد القليل من الوقت قضاها معه مرحًا أغلق المكالمة ليرى "هناء" تولج إليه حاملة صينية معدنية متوسطة الحجم يعتليها عدة صحون زجاجية مليئة بالأطعمة الساخنة الشهية المفضلة في ليالي ديسمبر الباردة.

وضعتها أمامه على الطاولة الخشبية الخاصة بولدها ليرى العديد من الأصناف الشهية أمامه ولذلك نظر إليها وأبتسم قائلاً: إيه دا كله بس يا ست الكل أنا مش هقدر أكل كل دا. أبتسمت هي إليه ثم جلست على طرف الفراش أمامه وقالت: وإيه يعني دول يا دوبك حبة رز وشوربة وحتت فرخة مسلوقة وشوية ملوخية وبسلة مش حاجة يعني.

وبعدين أنت تعبان يا حبيبي ولازم تاكل وتسند طولك كدا يلا بسم الله دوق وقولي رأيك بصراحة أنا عرفت من "بيلا" إنك بتحب البسلة أوي فعشان كدا عملتهالك. أبتسم إليها وهو ينظر لها ليرى جانبًا آخر بها أكثر حنوًا وأكثر لطفًا لم يكن يراه من قبل. أحبها وتعلق بها منذ أن جاء إلى هنا ليبدأ في تناول الطعام فيما هي تابعته بهدوء تنتظر تعليقه على طعامها. فيما نظر إليها وأبتسم لها قائلاً بصدق تام:

أكلك حقيقي بسم الله ما شاء الله عليه ولا أجدعها شيف فيكي يا عابدين إيه الحلاوة دي بجد نفسك حلو أوي بجد. بالهنا والشفا على قلبك يا حبيبي أشرب الشوربة وهي سخنة عشان تدفيك الجو بره سقعه أوي. نظر إليها مبتسمًا وقال ساخرًا من أخيه الكبير: مش زي الحلوف التاني اللي قلعلي الجاكت والبلوڤر وبيشتغل بالفانلة دا حتى دي قلعها. أصل "أكرم" من الناس اللي لم تشتغل جسمها بيسخن فبيحس إنه حران ومش قادر...

ويجيلي بعد كدا واخد دور برد محترم يقعده شهر فالسرير. حرك رأسه بقلة حيلة على حال أخيه وما يكون عليه ليقول بيأس: ربنا يعينك عليه بس غلبان والله أنا قولت هيشتمني أول ما يعرف إني واخد السويت شيرت الجديد بتاعه وقاعد فأوضته وكدا بس الحمد لله جت سليمة مقاليش حاجة. وحينما أنهى حديثه صدح رنين هاتفه عاليًا يعلنه عن أتصال هاتفي. نظر إليه ليرى أسمها ينير شاشة هاتفه.

تفاجئ من إتصالها كثيرًا فلم يكن يتوقع أن تهاتفه من جديد خصيصًا بعد آخر مقابلة بينهما. ولذلك أخذه مجيبًا عليها ليسمعها تقول بنبرة هادئة متوترة: أزيك يا "بشير". بخير الحمد لله أنت عامله إيه؟ نظرت إليه "هناء" متعجبة وهي تغلق جفنيها نصف غلقة حينما رأت أضطرابه حينما أجاب على هاتفه. فيما كان هو يشعر بنبضات قلبه تعلو داخل قفصه الصدري والتوتر أيضًا ظهر عليه. ليسمعها تقول بنبرة هادئة أستشعر فيها خجلها:

أنا عرفت اللي حصلك بالصدفة من شوية ومكونتش مصدقة اللي عديت بيه بجد. أنت بقيت كويس دلوقتي؟ أنا حقيقي عيطت عشان الحاجات بتأثر فيا أوي وبتخليني فحالة كدا مش أوي. خرجت من المستشفى ولا لسه؟ طمني. زفر هو حينها بعمق واجابها بنبرة هادئة حينما قال: أنا الحمد لله كويس ولسه خارج الصبح بدري. الحمد لله فترة وعدت علمتني كتير أوي وأكيد ربنا ليه حكمة أنا في الآخر راضي وبحمد ربنا إني خرجت في الآخر بعد ما قلبي وقف تقريبًا كذا مرة...

الحمد لله. أنا عارفه إنها حاجة صعبة ومكونتش متوقعة حدوثها معاك بس فعلًا زي ما أنت قولت ربنا ليه حكمة فدا والحمد لله أنت خرجت فالآخر بعد دا كله. وبعدين أنت واحد مؤمن بربنا وبتصلي فأكيد مش هتكون خايف لم حاجة زي دي تحصلك يعني عارف طريقك فالآخر رايح فين... طب هو أنا ممكن أطلب منك طلب؟ تعجب كثيرًا من حديثها وطريقتها في التحدث معه فباتت تتحدث معه بشكل أكثر تهذيبًا.

ولذلك أعطاها موافقته ليأتيه الرد منها حينما قالت بخجل شديد وخوفًا أن يرفض مطلبها: هو أنا ممكن أجي أزورك بصراحة يعني أنا مبعرفش أفضل ساكتة من غير ما أزور شخص زميل ليا أو قريب مني يعني زيارة المريض واجب. فلو معندكش مشكلة يعني أو مش حابب تمام مفيش مشكلة أنا هكون مقدرة حاجة زي دي. صمت برهة من الوقت لا يعلم أيقبل بهذا أم يرفضه بتهذيب. فقد وقع الآن في حيرة من أمره فلم يكن يتوقع أن تطلب منه مطلبًا كهذا.

ولذلك لا يعلم لم تذكر حديث رفيقه "يوسف" من قبل على علاقته بتلك الفتاة. أيعقل أن يكون حديثه صحيحًا وتشعر تجاهه بشيء. عند تلك النقطة وتعالت نبضات قلبه داخل قفصه الصدري ولذلك أزداد لعابه وقال بنبرة حاول جعلها هادئة قدر المستطاع: أكيد بس أنا مكاني بعيد شوية يعني عشان بس ميكونش مشوار طويل عليك. لا متقلقش قولي أنت بس وأنا هاجي أيًا كان مكانك فين.

نظر إلى زوجة أبيه التي كانت تنظر إليه نظرة خبيثة بعد أن علمت هوية المتصل وأضطرابه أمامها بتلك الطريقة. ليبعد الهاتف قليلًا مغلقًا الصوت بأمر منها ليسمعها تقول: قولها إني هعزمها على الغدا وهنتجمع كلنا هنا بكرا. غدا إيه وبكرا إيه مش هينفع إيه الإحراج دا. اسمع مني يعني أنا مش عارفة اللي فيها يعني. قولها كدا بس يلا. حرك رأسه بقلة حيلة ثم فتح الصوت من جديد ووضعه على أذنه ناظرًا إلى "هناء" التي كانت تبتسم

إليه ليقول بنبرة هادئة: "بـسنت" هو بصراحة يعني مرات أبويا يعني عزماك على الغدا عندنا بكرا. مصرة إنك تيجي. تفاجئت كثيرًا وشعرت بالخجل ولكنه ليس أقل منه فهو أيضًا يشعر بالخجل بعد أن وضعته زوجة أبيه في ذاك المأزق. ليتلقى الصمت برهة من الوقت ثم قالت بنبرة هادئة: تمام مش هقدر أكسفها. بكره بإذن الله هخلص شغل وأجي أزورك وأطمن عليك. ألف سلامة عليك. الله يسلمك شكرًا على سؤالك يا "بـسنت" تسلمي.

أغلق المكالمة معها ثم ترك هاتفه ونظر إلى زوجة أبيه التي كانت تنظر إليه مبتسمة الوجه ليقول: حقيقي مش عارف ليه خليتيني أعزمها على الغدا بكرا. هي مجرد زميلة كانت معايا فالشغل القديم. ما أنا عارفة بس بصراحة عندي فضول أشوفها حساها حلوة كدا وأصيلة. لا يعلم حتى الآن ما الذي تخطط إليه زوجة أبيه ولكنه صمت وعاد يكمل طعامه.

فيما كانت هي تنظر إليه مبتسمة الوجه فهي ليست بحمقاء وعلمت أنه يشعر بعدة مشاعر نحو تلك الفتاة ولذلك لا مانع من أن تساعده في التقرب منها. لربما يحتاج إلى من يمد إليه يد العون ويؤكد له مشاعره. فـتح باب الشقة يليه ولوج صاحبها الذي أضاء مصابيح المكان وخلفه عميه وأبناء عمه ينظرون إلى المكان حولهم ليشير إليهم نحو الداخل قائلاً: تعالوا.

تقدم "عماد" أولًا يليه أخيه "راضي" وولده إلى إحدى الغرف المغلقة ليشاهدون إبداعًا لم تره العين قط. تفاجئ "مؤمن" الذي وقف مكانه يطالع عمل ابن عمه مذهولًا. فيما وقف هو بجوار عمله الأول ذاك وأشار إليهم قائلاً: إيه رأيكم؟ "جاد" قالي إنه عرفكم. أقترب "عماد" منه وهو ينظر إلى ما صنعه ابن أخيه مندهشًا. لتلامس أنامله تلك التحفة الفنية مثلما أطلق عليها منذ لحظات. ليتفاجئ من نتيجة هذا الإبداع ولذلك نظر إليه وقال يثني عليه:

بسم الله ما شاء الله لا إبداع بجد أنا مش مصدق ولا عمري شوفت كدا قبل كدا. عملتها أزاي دي يا "يوسف"؟ أبتسم هو حينها ورفع كتفيه عاليًا دليلًا على جهله قائلاً: صدقني أنا حتى وقتنا الحالي مش عارف أزاي. زيي زيكم دلوقتي. دا على رأي "جاد" فعلاً. أنا عرفت دلوقتي هو مصر يفتح المصنع تاني ليه. نطق بها "مؤمن" بعد أن وقف بجوار ابن عمه يشاهد ما صنتعه يداه بإعجاب شديد. فيما نظر "راضي" إلى ابن أخيه الحبيب مبتسمًا

ليقول بنبرة سعيدة وفخورة: "يوسف" أنت حقيقي مبدع. أنا مش مصدق لحد دلوقتي اللي عيني شيفاه دا بجد. أبتسم إليهم "يوسف" وتركهم يشاهدون ما صنعته يداه كما يريدون. بينما في الخارج ولج "فتوح" بخطى هادئة حذرة وهو ينظر حوله. فبعد أن رآهم يسيرون متجهين إلى تلك البناية للمرة التي لا يعلمها بدأ يراقبهم ويسير نهج خطواتهم حتى وصل إلى هنا. وقف في الخارج يراهم يلتفون حول بعضهم البعض يشاهدون شيء لم يتبين إليه.

ولكن ما زال كما هو يتلاعب مع الكبار. خرج من جديد عازمًا على فعل ما جاء إليه ولذلك أغلق الباب خلفه بالمفتاح ليقف مبتسم الوجه ينتوي على إكمال اللعب معه حتى يصبح هو الرابح في نهايتها. فلن يخسر أمام غريمه بعد حرب دامت لسنوات عدة.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...