كانت تجلس كارمن بجوار جابر على الأريكة بمنزلهم. بدأ المأذون مراسم الزواج، وهي جامدة لا تبدي أي ردة فعل، مما جعل جابر يستغرب أمرها. فهي لم تنزل دمعة من عينيها حتى. فعادةً الفتيات لا يفعلن شيئًا في هذا اليوم سوى البكاء فقط، ولكن كارمن غير. فهي جامدة لدرجة لم يتخيلها. قطع تأمله بها دخول ذلك البغيض بالنسبة له، فهو سرق محبوبته. وفي الحقيقة، إنه هو من سرق معشوقته.
ما إن راته كارمن حتى دمعت عيناها. لم يتحدث أي منهما، فقط ترك العنان لدموعهما بالبوح عما بداخلهما، ليظل هكذا إلى أن قاطعه جابر. جابر بغيظ شديد: امضي يا كارمن! لتغمض عيناها وتملأ رئتيها بالهواء وتميل على الدفتر وتوقع تحت نظرات أيهم المصوبة نحوها. امتلأت عيناه بالدموع وهو يراها تنزف لغيره. "كيف لقلبي أن يحتمل رؤيتكِ مع آخر غيري.. كيف!؟
إنه يتألم بغيابكِ. باتت الحروف التي أكتبها إليكِ ثقيلة عليه. أنتِ التي كانت تنساب إليكِ أحاديثي، ولكن الآن لا أستطيع إلقاء التحية عليكِ قط. لا أريد شيئًا غير أن يصمت ما أشعر به من وجع بداخلي. يعز عليَّ أن أسأل نفسي كل ليلة: هل هنت عليكِ حقًا؟ هل استطعتِ نسياني كأي شخص عابر في حياتكِ يومًا؟ هل نُسيت حقًا؟ ليسمع كلمة المأذون الشهير: "بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير". ما إن سمعها جابر حتى أحاط
بخصرها ولثم جبينها وأردف: مبروك! لتنظر له ببرود يصاحبه احتقار وتجيب: الله يبارك فيك. ليهمس جابر في أذنها بخبث: تؤ تؤ، مش عايز أشوف النظرة دي، ده أنا النهارده ليلتنا يا عروسة! كارمن: عروسة إيه؟ تكلك وابعد إيدك عني! ليجيبها: لسانك الطويل ده هقصهولك!؟ كارمن ببرود وهي تضع قدمًا فوق الأخرى: أعلى ما في خيلك اركبه. جابر بغيظ: نروح بس وشوفي هعمل فيكي إيه!؟ كارمن باستفزاز: لا خوفت بصراحة.
لتلف برأسها بعيدًا عنه، فتقع عيناها على أيهم الذي تحمل من نظراته لها الكثير من الألم والحزن. قرأت هذا بعينيها، لتبتلع غصتها وتبعد عينيها عنه وتسرع بمسح دمعتها التي خانتها وهربت من حبس عينيها. لم ينتظر جابر الكثير، فقام بأخذها وذهب لمنزله بصحبتها. وهي طوال الطريق شارده بمستقبلها مع هذا الجابر، فكيف سيكون التعامل معه. ليقطع تفكيره صوته الذي تبغضه وهو يخبرها أنهم وصلوا. جابر: يلا يا عروسة وصلنا.
لم تعره كارمن أي انتباه وخرجت من سيارتها ووقفت تنظر لخروجه من السيارة ليدلف للداخل معها، فهي لا تعرف أحدًا هنا. جابر: قدامي!؟ لم ترد عليه وتمشي أمامه بثقة جعلته يتعجب لأمرها. ليعرفها على زوجاته الثلاث، ولم ترتاح هي إلا للصغيرة منهن. ***
مرت ثلاثة أشهر على زواجهم، مرت بمرها، فهي لم تعش معه يومًا سعيدًا قط. فأيامها أصبحت أشبه ببعضها وتشبهها حزينة مثلها. فأصبح يمد يده عليها يوميًا، ويعاملها كجارية عنده. ورفض زيارتها لأهلها، يظن أنها ذاهبة لمقابلة أيهم. وانقطعت الاتصالات بين عائلتها وأصبحت وحيدة بمعنى الكلمة. لا أصدقاء ولا عائلة وزوج قاسٍ يعاملها بعنف كالحيوانات.
لتشرد في ماضيها، فكيف كانت تتمنى الزواج والخروج من منزل أهلها بسبب اشمئزازهم منها ونفورهم منها. ودائمًا ما يرددون أنه لن يرضى أحد بالزواج لسمرار بشرتها. لتلعن نفسها عندما كانت دائمًا تدعي في صلاتها أن تخرج من منزل عائلتها بأسرع وقت. لو كانت تعلم أنها عندما تخرج ستعاني بهذا الشكل لما كانت تمنت الخروج من منزلها بدا. فوالداها أرحم من جنة جابر، فهو لا يعرف للرحمة معنى.
قاطع شرودها دخوله عليها ونظراته لا تبشر بالخير أبدًا. كارمن بلامبالاة: حمدًا لله على سلامتك. جابر بهدوء مريب: كنتِ فين انهارده؟ كارمن: كنت في مكتبة قدام الجامعة بشتري منها ملازمات عشان الامتحانات على الأبواب. دون سابق إنذار اقترب منها وأمسك خصلات شعرها بيدها وضغط حتى آلمتها وأردف: والله يا كارمن ما تخرجي بره البيت من غير إذني تاني لأكون دابحك، سامعة…! لم يظهر على كارمن أي تعابير تدل على ألمها من قبضته وأردفت
بنبرة خالية من المشاعر: شيل إيدك عني، وبعدين امتحاناتي كمان شهر ومبحضرش محاضرات محتاجة الكتب دي عشان أذاكر. جابر بغضب: كنتِ رايحة تجيبي كتب ولا تقابلي حبيب القلب!؟ كارمن: ابعد عني، أنت إنسان مريض، ابعد عني! جابر: أنا هوريكي المريض ده هيعمل إيه، أنتِ فعلاً متربتيش وأنا هربيكي!؟ وظل يضربها في كل مكان بجسدها، وهي لا تبالي به ولم تنزل دمعة واحدة. لا تفعل شيئًا سوى استفزازه وهو يزداد عنفًا معها.
كارمن: أنت فاكر نفسك راجل، أنت حتى متتقارنش بأشباه الرجال، محسوب على الرجالة غلطة. جابر بغضب عارم: أنا هوريكي أنا راجل ولا لأ! ظل بعنفه معها إلى أن أُغشي عليها بين يديه، ليدفعها أرضًا ويخرج من الغرفة وهو يسبها بأبشع الألفاظ. بعد خروجه، دلفت زوجته الأخرى لها وحاولت إسعافها، لأنه هذا هو حالها منذ أن أتت إلى هذا المنزل. وبعد تضميد جروحها، جلست بجوارها لتفعل لها كمادات، فحرتها ارتفعت بشدة.
بعدها، مرت ساعات. أفاقت كارمن وجدت هذه المرأة الطيبة تجلس بجوارها والقلق يكسو ملامحها. نجلاء (زوجته) : يا بنتي بطلي عناد، هتموتي في إيده في مرة! كارمن بإرهاق: يلا، حتى الواحد يرتاح من الارف ده. كل حاجة بالغصب من يوم ما جيت هنا. نجلاء بحزن: أنتِ لسه صغيرة على كل ده، مترديش عليه وهو مش هيعملك حاجة. حاولي تكسبيه لصفك.
كارمن بحزن: أنا تعبت أوي، تعبت لدرجة إني كل يوم بفكر أنتحر عشان أرتاح، بس برجع في آخر لحظة لما أفتكر إني هموت كافرة. ده ابتلاء من ربنا وأنا راضية بيه، بس أنا تعبت. كل حاجة بحبها بتروح مني، مفيش حاجة بحبها بتفضل معايا، لا أهل ولا أصحاب ولا حتى زوج. الموضوع صعب تحمله. ربنا يهوّن عليا لأني تعبت، تعبت أوي.
نجلاء ببسمة بشوشة: "ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون" (سورة البقرة، آية: 155) كارمن بتنهيدة: إنا لله وإنا إليه راجعون. نجلاء بحب: يلا قومي خديلك حمام يفوقك كدا واقعدي ذاكري، خلي ربنا يكرمك في امتحاناتك. ده أنتِ محضرتيش حتى محاضرات نهائي!
كارمن بلامبالاة: مش فارقة معايا، يعني هيحصلي إيه أكتر من اللي بيحصلي، ما بقتش فارقة. نجلاء بتنهيدة حزينة لأجلها: ربنا يريح بالك ويخلصك من بطش جابر ويهديه عليكي. أنا هخرج أشوف ورايا إيه وابقا أجي أطمن عليكي. يلا عايزة حاجة يا بنتي؟ كارمن ببسمة حب: ربنا يخليكي ليا، والله أنتِ عوضتيني عن حاجات كتير. نجلاء ببسمة: أنتِ أختي الصغيرة ولازم أبقى معاكي. يلا هخرج قبل ما يجي، وأنتِ الحقي نفسك وخديلك حمام!؟ كارمن بإرهاق: حاضر.
*** عند "أيهم". كان في إحدى المستشفيات نزل كتدريب، فهو في سنته الأخيرة في الجامعة. ولذلك عليه الذهاب دائمًا لتدريباته ليتمكن أكثر من المهنة ويكتسب خبرة، فالعملي أفضل من النظري. كان يجلس "أيهم" في الكافيه الخاص بالمستشفى، فهو لتوه خارج من إحدى عمليات الولادة مع أحد الأطباء الكبار. كان يجلس وحيدًا شارد الذهن بمعذبته، فكيف حالها الآن. فهو لا يعلم شيئًا عنها منذ ذاك اليوم. ليقطع شروده إحدى الفتيات
وهي تجلس أمامه وتردف: داليا عماد، دكتورة أمراض نفسية. ومدت يدها لتصافحه. ليصافحها: أيهم الصعيدي، دكتور نسا وتوليد، لسه تدريب. داليا برقة: عاشت الأسماء يا أيهم. نرفع الألقاب!؟ أيهم بلا مبالاة: عادي، تشرفت بمعرفتك. داليا: الشرف ليا. لي قاعد لوحدك!؟ أيهم: معرفش حد هنا عشان أقعد معاه!!! داليا: أمال أنا إيه!؟ أيهم: واحدة لسه عارفها دلوقتي. داليا بحاجب مرفوع: أنت قليل ذوق! أيهم باستغراب: قليل ذوق عشان قلت الحقيقة.
داليا: مهوا حضرتك بتقول من غير ذوق..! أيهم ببرود: اللي عندي!!! داليا: طيب، هو حضرتك مرتبط!؟ أيهم بجمود: لا، وبعد إذنك عندي شغل. داليا بلهفة: استنى بس عايزك. أيهم: خير!!؟ داليا: اقعد بس، ولا تيجي نروح مكتبي!!؟ أيهم بتنهيدة: خلصيني يلاا، عايزة تقولي إيه!؟ أخذت داليا نفسًا عميقًا وأردفت: تعالَ نطلع مكتبي عشان أعرف أقول اللي عندي!! أيهم بتنهيدة: اتفضلي!! ***
بعد أن أنهت كارمن حمامها جلست لتدرس قليلاً، فاختبارات نصف العام اقتربت. ليقطعها جابر الذي دلف للغرفة دون استئذان. كارمن بهدوء: مش فيه باب تخبط عليه، ولا أنت لا اتربيت ولا اتعلمت ذوق! واه صح، ما اللي مش متربي أكيد لازم يبقى معدوم ذوق! جابر بهدوء مريب: لمي لسانك بدل ما أقصهولك بطريقتي. ليكمل بوقاحة: وبعدين متفركهيش صحتك في كلام فاضي، هتعملي بيه إيه التعليم ده؟ وفري صحتك لحاجة تاني….
"أنهى كلامته بغمزة جعلتها تشمئز منه." كارمن بشك: قصدك إيه!!؟ جابر: انتِ خلاص بقيتي ست متجوزة ومش متجوزة أي حد، لا ده انتِ حرم جابر الدرويش. يعني بصراحة مش شايف لها لازمة روحتك الجامعة دي. أنا هسحب ملفك واقعدي في البيت، ولاي جوزك! كارمن بخوف أخفته بمهارة: ومين قالك إني هسيب جامعتي وإني موافقة على الكلام ده حتى!!؟ جابر بخبث: مش لازم توافقي يا حلوة، أنا قولت كلمتي! كارمن: وإيه اللي يخليك تغير كلمتك!!؟ جابر بمكر،
فهو وصل لمبتغاه: لا ما أنا مبرجعش فيها، إلا لناس غالية. وانتي غالية عندي جداً!! كارمن ببرود: واضح أوي غلاوتي عندك!! ، المطلوب عشان أكمل تعليمي…؟ جابر ببرود: تبطلي استفزاز، ولسانك يقصر، وتحترميني! كارمن بسخرية: طب كويس إنك عارف إنك مهزق... ؛ موافقة!! جابر ببرود مريب: إحنا قولنا إيه! ..! كارمن بملل: أنت اللي كلامك غريب، وبعدين خلاص اتفضل بقا أذاكر.!! جابر: لا ده أنا جاي مزاجي رايق أوي وحابب نسهر سوا..!!
ومن دون سابق إنذار كانت يداه تحتل خصرها ولثم ثغرها…. لتحول هي دفعة عنها، فهي تشعر بانسحاب الهواء من رئتيها. ليبتعد ويصلط نظره عليها، ليجدها تمسح شفتيها بعنف ونظرة الاشمئزاز تكسو ملامحها. ليغضب بشدة، ويقبض على خصلات شعرها بعنف، ويشرع بتسديد الضربات بجسدها النحيل دون رحمة.
ليردف بحنق غاضب: انتي فاكرة نفسك حلوة أوي عشان تقرفي مني يا بنت *****، ده انتي سودة ومنتنة، ده حتى أهلك رموكي ليا ومسألوش عنك. انتي فاكرة نفسك حاجة يبتاعة انتي، لا يما فوقي لنفسك. ده انتي لو خدامة أنا مش هبصلك. ده حتى في جوازك أبوكي مدفعش فيكي جنيه ومتجوزك بفلوسي. خدتك بشنطة هدومك المقطعة وجبتك هنا في العز ده انتي المفروض تبوسي رجلي كل يوم إني خرجتك من القرف اللي كنتي فيه. شايفة نفسك على إيه، ده انتي حتى متجهزتيش زي باقي البنات، كنتي عاملتي فينا إيه. ده انتي لا جمال ولا نسب ولا أي حاجة خالص. ده الواحد دفع فيكي مبلغ مستاهلوش والله!!
ظلت جامدة لا تبالي بما يقوله، ولكن طفح الكيل بها. هي تكره ضعفها ولا تكره أن يراها أحد، فتظل تكتم بداخلها ومن يراها يظنها باردة، وهي عكس ذلك. هي تشعر بأن شيئًا بداخلها يحترق وتظهر للجميع عكس ذلك. الآن طفح بها الكيل، لم تستطع التحمل أكثر. فكلماته ضربت في صميم قلبها ليمزقه أشلاء، لتصرخ هي ويبدأ جسدها بالتشنج. كارمن بصوت عالٍ: كفااااااايههه بقاا….. حراااام عليييك مبتحسش...
بتتكلم عن إيه أنتَ تعرف إيه عني عشان تتكلم……. أنا بكرهكككككك!!؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!