فتحت نرجس عيونها على صداع لعين ومزاج متعكر، أشعلت لفافة تبغ على الريق وهي جالسة على طرف سريرها بشورت أزرق قصير وقميص أحمر منزوع الكمين. هاتفها في يديها تقلبه وتعيد قراءة الرسالة التي وصلتها فجر الليلة السابقة: "أعرف كل ماضيك القذر، انتظري التعليمات". لطمت الهاتف بالسرير. طوال عمرها تأمر، تتجبر، الكل يسعى لنيل رضاها. الآن شخص حثالة يهددها برسالة؟
لم تحتمل مجرد التفكير في الرسالة. أرادت أن تقتلع الرسالة من الهاتف، تعذبها حتى تعترف على نفسها. عقل نرجس يعمل بطريقة مذهلة. حاولت تعقب الهاتف عن طريق أصدقائها في شركات المحمول لكنها فشلت. الهاتف المستعمل مشفر لا يمكن تتبعه. الخط مسجل باسم امرأة كانت تستخدمه من خلف زوجها للتحدث مع رجال آخرين، تجمع أرقامهم من قنوات التلفاز الخاصة بالمراسلة ATV وغيرها.
ضغطت على المرأة بعد أن هددتها حتى اعترفت بكل آثامها. كانت قد تخلت عن الخط منذ مدة طويلة واختارت طريق الصلاح والتوبة لأن زوجها رجل طيب. لم ترحمها نرجس، وضعتها على قائمة الحاجة مقابل أن لا تفضحها. وافقت المرأة الباكية وشكرتها. في هذا البلد لا توجد خصوصية ولا أسرار. يوجد ملف لكل شخص مسجل به حتى وقت ذهابه لقضاء حاجته ونوعيتها. يظهر وقت الحاجة منذ ولادتك وحتى اللحظة.
قرأت نرجس الرسالة التهديدية عدة مرات. ليست خائفة من الرسالة ذاتها، بل حانقة على ذلك الشخص الذي تجرأ وراسلها. فكرت: مهند مات؟ فارس بالقاهرة؟ محسن مات؟ من أيضاً؟ عقلها يعمل بطريقة سريعة. مهند مات؟ أطلقت عليه الرصاصة بنفسها. سقط أرضاً بلا حراك، دفن تحت عينيها ومراقبتها. عثر عليه بعد أسبوع جثة متعفنة نفس المكان الذي تركته فيه. "نفس المكان؟
" تساءلت نرجس أن كانت تتذكر الخبر بطريقة صحيحة. بحثت عن جريدة الأسبوع السابق. خبر العثور على جثة مهند. قرأت الخبر. كاتب الحادث لم يحدد المكان بالضبط ولا توجد صورة للجثة، فقط صورة قديمة لمهند. ربما طلبت من والدها. هاتفت والد مهند. كانت الرجل مكتئب يوشك على الموت من الحزن. كانت أدت واجب العزاء من قبل لكنها الآن ترغب بسؤاله عن المكان الذي وجدت به جثة مهند. قال الرجل: "لا أتذكر شيئاً، وهل هذا مهم؟ لقد فقدت ابني".
اقتربت نرجس أن تسأله هل رأيت جسده بعينك لكنها توقفت في آخر لحظة. ظهرت لديها خطة جديدة. قالت: "أنت متعب جداً يا رأفت، أشعر بمصابك، قلبي معك. سأحضر للقاهرة لأكون بجوارك. لم أكن أعلم أنك محطم وبائس لتلك الدرجة. أدعو الله أن ينال المجرمين الذين قتلوا مهند عقابهم". أنهت المكالمة. شخص محطم فاقد للشغف، أسهل شخص يمكنك أن تسيطر عليه. "مهند؟ معقول؟ " فكرت نرجس وضحكت. "أنت يا محروس تستحق الموت إذا كان ما أفكر فيه قد حدث".
هاتفت الطبيب المتعهد بنقل الأعضاء الذي يعمل تحت أمرتها سراً. سألته أن كان محروس هاتفه قبل موته أو طلب منه شيئاً. أكد الطبيب أنه لم يسمع من محروس أي شيء قبل موته. "ولا مهند؟ "مهند توفي سيدة نرجس، أتشكين بشيء؟ "الآن لا، فقط أخبرني عن الأطباء الذين يقومون بعملك ويستطيعون تغيير ملامح جثث". توجعت نرجس. أن تشك بكل شخص وكل شيء يعني أن هناك موقد مشتعل بعقلك طوال الوقت. ***
كانت كارمه جالسة على شاطئ البحر بشرود عندما باغتها أدهم بحضوره. مضى أكثر من ثلاثة أيام منذ آخر لقاء. "أخبريني؟ "إن والدتك ليست في المنزل". قال أدهم فور جلوسه. "لماذا أنت خائف من والدتي لذلك الحد؟ "أخبريني فقط؟ قالت كارمه: "ليست في المنزل". "طبعاً حضرت فوراً إلى المنزل بعد آخر لقاء لنا؟ "صحيح، كيف عرفت؟ "يؤسفني أن أخبرك أن والدتك خلف كل المشاكل في الفترة الأخيرة". "ماذا تعني أدهم؟
تنهد أدهم: "كانت وراء اختطاف شيماء وربما قتل والدتي ومحاولة قتلك". "كيف تقول ذلك؟ " نهرته كارمه. "اعترف الرجلان بذلك قبل أن أقوم بقتلهم". "تقتلهم؟ " سألته. "نعم قتلتهم، ولو عاد الزمن لقتلهم مرات أخرى". "ارتعش جسد كارمه. وما علاقة والدتي بذلك؟ "لا أستطيع أن أخبرك عن علاقتها بذلك، كل ما أعرفه أخبرتك به". تذكرت كارمه المكالمة التي كانت تجريها والدتها. كانت تطلب من شخص تغيير ملامح جثة وسمعت اسم شيماء.
"سأرحل الآن، أنا آسفة". رحلت قبل أن يفلح أدهم بفتح فمه. كم هو مستاء لعدم قدرته على إخبارها بكل ما يعرف. فتح باب غرفة رحبة توسطها سرير. اضطجع عليه شخص مريض وجهه أصفر غير قادر على الكلام. "كيف حالك؟ حاول الشخص الراقد على السرير أن يحرك جسده بلا فائدة. أن يبدي امتنانه على الأقل لذلك الشخص المنقذ الواقف على باب الغرفة، لكن لسانه خانه!
لو سألنا أنفسنا كم مرة خانتنا الكلمات عندما احتجنا إليها وكم كان ذلك مخزياً ومذلاً، عندما لا نفلح بترجمة مشاعرنا بكلمات فنصمت ونحبط. *** "أنت لي وأحبك، لذا في بعض الأوقات أفكر بقتلك". "الغيرة تأكلني، فكرة أن تكون لغيري غير مرحب بها على الإطلاق". "أنت سري الصغير". صادفها طقس منعش عندما فتحت عينيها. النوافذ مغلقة والشرفة لكن نسماته وصلت إليها.
في ليلتها هاجمتها أحلام كثيرة، بعضها مؤذٍ والآخر مشرق وجميل. مدت شيماء ذراعيها هزت كتفيها، تمطت وتقلبت على السرير. شعرت بكسل ورغبة ملحة بعدم ترك سريرها. يحدث ذلك دوماً عندما لا نريده بعناد. الساعة تشير للتاسعة صباحاً. فارس نائم، لم يحن موعد استيقاظه بعد. فنجان قهوة على رواقه سينعش ذهنها. دلفت تجاه المطبخ صنعت فنجان القهوة بحرفية حتى تجمعت على وجهه طبقة رمادية جعلتها تمضغ ريقها.
قبل أن تجلس على الأريكة سمعت صوت فارس، لم يكن قادماً من غرفته بل من الحديقة. "الجو رائع، سأعد فنجان قهوة آخر وأذهب للجلوس جواره". عندما خرجت من باب المنزل أوشكت على الالتفاف والعودة للداخل. لمن فارس نادي عليها. "شيماء!؟ كانت نبرته لعينة آمرة لم تعجبها. سارت تجاه فارس الذي كان يجلس بالحديقة رفقة ريندا. وضعت شيماء فنجاني القهوة على الطاولة وفارس يقول لريندا: "ألم أخبرك أن لدي أعظم خادمة في التاريخ؟
حتى دون أن أطلب منها شيئاً تفهم ما أريد. تستطيعين أن تقولي بيننا تواصل روحي، شكراً لك شيماء". لوحت ريندا بوجهها العاجي لشيماء، قالت: "مرحباً". ردت شيماء التحية بثبات وشرود. عقلها يخبرها أنها التقت ريندا قبل ذلك، كان بينهما حديث يخص فارس لكن تفاصيله غائبة. بشرود تركتهم شيماء، تحاول تذكر ما دار بينهم. كانت تخبرني بشيء أحمق عن فارس. أمر يمكنه أن ينهي علاقتهم. حاولت بكل جد أن تتذكر.
لم تشعر بنفسها ولا بما تفعل لذلك عندما انتبهت وسمعت صراخ فارس. كان خرطوم مياه ري الحديقة بين يديها، فوهته مصوبة على فارس وريندا وفناجين القهوة. حدثت فوضى عارمة. فارس وريندا يركضان بعيداً عن مياه الري. انتبهت شيماء لكن بعد فوات الأوان. إنها حتى لا تعرف كيف فعلت ذلك ولا كيف حضرت هنا. "اعتذرت شيماء. أنا آسفة سيد فارس". كان تعني اعتذارها لكن عندما لمحت ابتسامة
فارس فات بنبرة حاسمة: "لكنه وقت ري الأشجار والزهور، إنها حقاً عطشى ولا تحتمل التأخير". ودعت ريندا فارس بعد أن انتظرت منه معاقبة شيماء لكن فارس كان يرمق شيماء بإعجاب وفرحة. بعد أن رحلت ريندا، زعقت شيماء بغيظ وهي تصوب فوهة خرطوم المياه تجاه فارس: "وأنت ارحل أيضاً لا تعطلني عن عملي". عندما عادت شيماء للداخل كانت ملابسها مبتلة، ملتصقة بجسدها النحيل. "أخبريني أنك لم تكوني بمعركة مع المياه؟ " قال فارس وهو يحدق بها.
رفعت شيماء إصبعها في وجه فارس بمعنى توقف عن الكلام. "تناولت طعام إفطارك؟ قال فارس بنبرة خبيثة: "أجل مع ريندا، شرائح جبن بخبز فرنسي". "كانت لذيذة طبعاً؟ " سألته شيماء. قال فارس وهو يمص شفتيه ويلعق لسانه: "جداً جداً". "اطلب منها أن تصنع لك طعام الغداء فأنا متعبة اليوم ولن أغادر غرفتي، لن أغادر من مكاني ولن أفعل أي شيء على الإطلاق".
قال فارس: "إذاً كانت تلك رغبتك سأنفذها، في وقت الغداء سأدلف لمنزل ريندا وأتناول الطعام معها". اختناق، هروب للهواء، صفعة على جدار القلب ورح تئن. وضعت شيماء كف يدها على جبهتها. قالت: "أخبرتك من قبل أن ريندا طلبت مني أن أعمل لديها؟ "انتظر ماذا قالت؟ "آها، إنك وغد، حقير، غير متزن، طفل. بعد وفاة والديك أصابك بعض الجنون. قالت إنها مستعدة لدفع الشرط الجزائي في العقد". "يبدو أنني سأفكر بذلك". "تتذكرين ذلك؟ " صرخ فارس بسعادة.
"لماذا أنت فرح هكذا؟ " قالت شيماء باستنكار. "أقول لك قالت: وغد، حقير، متعفن، حثالة، طفل، وتضحك؟ نفض فارس جسده، عاد إليه اتزانه. قال: "عندما أقابل ريندا على الغداء سأوبخها وأطلب منها أن تعتذر". بضيق غادرت شيماء لغرفتها، أخذت حمام، بدلت ملابسها، بسرعة نزلت للرواق في المطبخ بدأت تعد طعام الغداء. فارس بدل ملابسه هو الآخر، صعد لغرفته، كان شارد ورغم وجود شيماء بالمطبخ لم يشعر بوجودها، كان قلبه يرفرف من الفرحة.
"أعد لي ملابس أنيقة عزيزتي شيماء، لدي موعد هام الليلة، سهرة طويلة، أنا أثق في ذوقك". أخرجت شيماء أول ملابس قابلتها في وجهها، رزعتها على الأريكة وركضت بسرعة لغرفتها. ارتدى فارس ملابسه وهو يضحك من اختيارات شيماء والتي كلما كانت حريصة على أن يبدو غير أنيق في ملابسه اختارت أفضلها على الإطلاق.
فتح باب المنزل، سار تجاه سيارته البورش التي ابتاعها حديثاً، جلس خلف عجلة القيادة، قبل أن يضغط البنزين انفتح باب السيارة الأمامي المجاور لفارس وقفزت منه شيماء. قالت وهي تلهث: "انطلق للسهرة، فكرت أنه ليس من الصائب أن أتركك بمفردك ربما تحتاج أي شيء". رمقها فارس بلهفة. كانت أنيقة، بتنورة قشدية ضيقة لكن طويلة، قميص لبني وتحجيبه غطت بها رأسها، وشاح على العنق، حذاء شانن وساعة جيوفاني خلابة وعطر بلاتينم فواح.
قال فارس وهو يرفع كتفيه: "أنا لست معترض على ذهابك معي، ولكن أخبريني كيف نجحت في تبديل ملابسك بتلك السرعة؟ ما أعرفه أن الفتيات، النساء يحتجن أكثر من ساعة أمام المرآة قبل أن يفكرن بالخروج، ثم بعدها وربما حتى بعد أن يهبطن درج السلم يركضن مرة أخرى بسرعة نحو المرآة يلقون نظرة ثم يرحلن لموعدهم". قالت شيماء وهي تضغط على البنزين بقدمها،
ضغطة جعلت السيارة ترتعش: "هناك نوعية أخرى غير مبالية بما ترتديه ولا يهمها كيف يراها الناس بعيونهم". ثم أردفت بفخر: "أنا واحدة منهم! انطلق فارس بسيارته في عقله يعيد كلمات الطبيب الذي هاتفه قبل خروجه من المنزل. "حالة شيماء غريبة جداً ونادرة، في مقابل ما تتذكره من الماضي تفقد جزء من ذاكرتها الصغيرة، لذلك عندما سألها عن نرجس والسوار الأزرق لم تتذكر أي شيء". "إلى أين؟ " سألته شيماء. "إلى المقهى، هناك ينتظرني أصدقائي".
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!