كان رؤوف يقطع الغرفة ذهابًا وإيابًا في قلق. لا يجيب هاتفه، ولم يستطع الوصول لسفيان. ماذا يفعل الآن؟ تهديدات الشهاوي واضحة لا جدال فيها. حين تحدث معه رؤوف لآخر مرة، أخبره قائلًا: -الشهاوي بعتلي صور ورق. لو وصل للنائب العام، مش هتفلت من المؤبد. بيقولك أنت عارف إيه اللي المفروض تعمله. ابتلع ريقه وهو يشعر أن الحساب قد حان موعده. كل أخطاء الماضي أمام خطئه الأخير. الحساب الآن مضاعف.
حاول للمرة التي لا يعرف عددها الاتصال برؤوف، ولكن أيضًا نفس الرد: مغلق. كانت تقف أمام الباب في ذهول مما تسمع. هل هذا حقيقي؟ هل هذا الضحك صادر من صهيب؟ هل حقًا عاد صوته يملأ العالم من جديد؟ وضحكاته التي يرقص لها قلبها طربًا وفرحًا. كان صوت حديثه المرح مع أمه وصوت ضحكاتها مع ضحكاته أكثر ما يسعدها، ولا تريد شيئًا بعدها. طرقت على الباب لتسمع أصوات ضحكات خافتة تقترب مع صوت صهيب وهو يقول: -دي أكيد زهرة.
فتحت الحاجة راضية الباب وعلى وجهها ابتسامة سعادة ورضا. وحين قابلت زهرة، زادت عليها إحساس بالامتنان. ابتسمت وقالت: -قلبك دليلك. نورتي يا زهرة، اتفضلي. غمزت لها زهرة وهي تقول: -ده نورك يا طنط. أنا سامعة ضحك جامد جدًا، أنا كمان عايزة أضحك. وقف صهيب في مكانه وقال: -تعالي وأنا أضحكك. اقتربت منه ووقفت بجانبه وقالت بصوت منخفض: -وحشتني. ضحك بصوت عالٍ وقال: -وأنتِ كمان جدًا جدًا. يلا بينا. أمسكت يده وهي تقول باندهاش:
-على فين؟ قطب جبينه وقال: -مش أنا عازمك على الفطار؟ رفعت حاجبها وهي تقول غير مصدقة تلك المفاجأة الرائعة. سوف تخرج مع خطيبها وحبيبها لأول مرة. -ده بجد؟ يلا جدًا، أنا جعانة أوووي. تحركا معًا باتجاه الباب وصهيب يقول بصوت عالٍ: -إحنا نازلين يا أمي. خرجت من المطبخ تقول: -ماشي يا حبيبي، بالسلامة. خرجت من المنزل متجاورين. ولكن صهيب وقف مكانه. فسألته: ماذا به؟ فقال: -أول مرة أخرج من البيت لشارع ومطعم، بصراحة خايف.
أمسكت يديه وقالت: -كل حاجة في أولها صعبة ومخيفة. بس مع بعض هنعدي أي حاجة، صح؟ ابتسم بتوتر وهز رأسه بنعم، وظل صامتًا. ظل محتفظًا بيدها بين يديه. ابتسمت هي لتلك الحركة ومشوا سويًا. ولم تتقدم خطوة واحدة عن خطواته حتى لا يظن أنها تقوم بسحبه. حين وصلوا إلى المطعم، اختارت زهرة طاولة بعيدة نسبيًا وهادئة وجلست وهي تنظر إليه بحب وقالت: -المكان هنا تحفة، أنا بحبه جدًا. محترم وديمًا بجيه أنا وجودي. اقترب النادل منها قائلًا:
-أهلاً آنسة زهرة، نورتي المكان. ابتسمت بمجاملة وقالت: -شكرًا جدًا يا حسام. عايزة أحلى فطار مع كوبايتين شاي. هز رأسه بنعم وتحرك فورًا. ابتسم صهيب وهو يقول: -أنتِ معروفة هنا بقا. أجابته بفخر مصطنع قائلة: -طبعًا، ده أنا مسيطرة. كانت لحظات من العمر حقًا. صهيب عاد من جديد. كل ما حلمت به الآن بين يديها أمامها يتجسد في تلك البسمة. قالت بحالمية: -تعرف إن أنا بحب لون عنيك جدًا. تحركت تلك العضلة في خده وهو يقول:
-هي لسه زي ما هي ولا اتغيرت؟ قطبت جبينها وقالت: -لا زي ماهي. بتلمع، قوية، صارمة. بس بتحبني. ابتسم في سعادة وهو يقول: -طيب يلا خلينا نروح عشان تلحقي محاضراتك. حين عبروا من باب المطعم، اصطدم صهيب بشاب يعبر من أمامه. فنهر ه الشاب بفظاظة قائلاً: -ما تبص أنت أعمى ولا إيه؟ ظل صهيب على وقفته دون أن يتحرك وقال: -أنا آسف، أنا فعلًا أعمى. حين لاحظت زهرة ما حدث، حاولت التكلم قائلة: -يا أستاذ، في إيه؟ نهرها صهيب قائلاً:
-خلاص يا زهرة، يلا بينا. ساعدته ليركب السيارة. كان صامتًا، مقطب الجبين، لم ينطق بكلمة واحدة حتى وقفت أمام بيته. فتح الباب وترجل من السيارة. وتحرك بتخبط. وحين حاولت مساعدته، نهرها قائلاً: -مش عايز حد يساعدني. وأظن واضح ليكِ لو فضلتِ مستمرة معايا إيه اللي هيحصل. اللي زي ملوش فرصة يعيش يا زهرة. وتركها واقفة فارغة الفاه وصعد بتخبط واضح. كانت تنظر إليه وهي تشعر بالخسارة.
كان يجلس في صالة منزل السيدة نوال يشعر بالتوتر والقلق. حين حادثه سفيان يخبره أن جودي تريد الجلوس معه وأن لديها ما تريد إخباره به. شعر بالخوف. هل ستخبره بحبها لشخص آخر؟ أم هل ستسحب موافقتها؟ يشعر أن ما سيسمعه منها لن يسره أبدًا. تقدمت مهيرة بعرجها الواضح، تمشي ببطء وخجل، ووضعت كوبي القهوة على الطاولة الصغيرة. وكادت أن تخرج حين أمسك سفيان يدها وقبلها. فشعرت بالخجل لفعله هذه أمام صديقه. ولكنه ابتسم بشقاوة وقال:
-تسلم إيدك يا حبيبتي. أشارت له بعينيها على حذيفة الذي يتابع الحوار بابتسامة. فنظر لصديقه وقال: -هو أنتِ مكسوفة عشان بظهر لكِ حبي قدام حذيفة؟ لكن أنا مش مكسوف ومستعد أعلنه قدام العالم كله. سحبت يديها وخرجت سريعًا. تكلم حذيفة قائلاً: -ربنا يسعدك يا صاحبي. أنت تستاهل كل خير. وهي كمان واضح إنها طيبة جدًا. ابتسم سفيان وقال: -أنا أسعد راجل في الدنيا بوجودها في حياتي. ونظر له بتشفٍّ وقال: -عقبالك.
زاد شعور حذيفة بأن القادم أصعب مما يتخيل. دخلت جودي إلى الغرفة بهدوء وهي تلقي التحية هادئة. وجلست بجوار سفيان. ظل حذيفة ينظر إليها بتمعن. فقطع سفيان ذلك الصمت وقال: -أنا هخرج عشر دقائق. تقولوا بسرعة اللي عايزينه، ماشي. وخرج وهو يبتسم. نظر إليها حذيفة بتركيز شديد وقال: -إزيك يا جودي؟ رفعت عينيها إليه وأجابت بهدوء: -الحمد لله كويسة. تنهد بصوت عالٍ وقال: -سفيان قال لي إن في حاجات عايزة تقوليهالي. اتفضلي، أنا سامع.
اعتدلت في جلستها ورفعت رأسها وقالت: -صحيح. عندي سؤال. ابتسم وقال: -اتفضلي. -شقتك هي اللي هنتجوز فيها، هي نفسها اللي أنت ساكن فيها دلوقتي؟ قطب جبينه قليلاً من غرابة السؤال. لم يتوقع هذه الأسئلة. ولكنه هز رأسه بنعم وقال: -أيوه هي. هزت رأسها هي الأخرى وقالت: -وي ترى الشقة دي كام أوضة؟ قال لنفسه باندهاش: "هي ليه مركزة مع الشقة أوي كده؟ غريبة." حرك كتفيه عالياً وقال: -تلات أوض ورسبشن كبير وأوضة ليفينج ومطبخ وحمام.
أجابها إجابة وافية حتى ينتهي من قصة الشقة وتقول ما يريحه. ظلت صامتة لثوانٍ ثم قالت: -أنا موافقة أتجوزك يا حذيفة. بس... صمتت بقصد تزيد من توتره الواضح وحتى ترى تلك التعابير الذي أنعشت قلبها ووضعت القليل من الأمل بجانب الأمل الذي زرعه سفيان داخلها. قال باندهاش مستفهم: -بس إيه؟ أسندت ظهرها على الكرسي قائلة ببرود: -أنا وافقت بس عشان أواب. يعني اعتبر نفسك جبت بيبي سيتر لابنك مضمونة، عشان هي بتحبه جدًا وهو كمان متعلق بيها.
ظهرت معالم الغضب على وجهه ولكنه تماسك قائلاً: -بيبي سيتر؟ طيب ما أواب عنده بيبي سيتر مدام ناهد لو متعرفيهاش، مش محتاج واحدة جديدة. وكأنها كانت تنتظر تلك الكلمة، فوقفت على قدميها قائلة: -طيب إذا كان كده، طلبك مرفوض. ينظر إليها بصدمة. إنها المرة الثانية التي ترفضه فيها. هل حقًا ستتزوجه من أجل أواب؟ حدث نفسه سريعًا: "طيب أنا كده هضيعها من إيدي. أوافق ولما تبقى في بيتي هعرف إزاي أخليها تحبني." ناداها قبل أن تغادر قائلاً:
-خلاص، أنا آسف. أنا عايز أتزوجك يا جودي. محتاجك في حياتي وحياة ابني. نظرت إليه بطرف عينيها دون أن تلتفت وقالت: -يعني موافق على كلامي؟ أجابها: -أيوه. على نفس وقفتها قالت: -هتكون ليا غرفة لوحدي. أجابها سريعًا وهو يشعر أن قلبه ينغز بقوة: -حاضر. أكملت: -والتعامل ما بينا برسمية. قطب جبينه غيظًا ولكنه قال: -حاضر. ابتسمت دون أن ينتبه وقالت:
-هنادي لسفيان واتفق معاه على كل حاجة. بس مفيش حاجة هتحصل إلا بعد الامتحانات، يعني بعد شهر. قال سفيان الذي ظهر فجأة: -وسفيان هنا أهو. وكلامك كله أوامر يا قمر. ألف مبروك يا حبيبتي. وقبلها على جبينها قبلة جعلت الذي يشاهدهم يغلي غيظًا.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!