ذهبت زهرة إلى والدها وأخذت الإذن منه للذهاب إلى صهيب. من الواضح كان لديه خبر مسبق، ولكنها طلبت منه السيارة فوافق أيضًا دون شروط. في خلال دقائق كانت تركن السيارة أسفل بيت عمها، وهي تشعر بسعادة كبيرة. إنها المرة الأولى لصهيب منذ أكثر من أربع سنوات اعتزل فيهم العالم أجمع. صعدت السلم سريعًا لتقف أمام الباب، وقبل أن تطرقه استمعت لما جعلها في حالة ذهول. هل ما تسمعه الآن حقيقي؟
سمح الطبيب لأواب بالخروج من المشفى بعد اطمئنانه عليه، وأوصى بالاهتمام بالوصفات الطبية، وأيضًا تجنب كل ما هو مقلق ومحزن. كان حذيفة في قمة سعادته بعودة ابنه إليه سالمًا. يشعر دائمًا أن أواب هو علامة من الله برضاه عليه، غير أنه متعلق به بشكل مرضي، فهو عائلته الوحيدة وتميمة الحظ الخاصة به، فرحة قلبه الأولى. نظر إلى طفله الجالس بجانبه وقال: -وحشتني جدًا يا صاحبي. ضحك أواب بصوت عالٍ وقال: -ليه هو أنا كنت مسافر؟
ابتسم حذيفة ليجيبه قائلًا: -لا، بس كنت خايف إنك تسيبني وتسافر. أجابه الطفل قائلًا: -أكيد في يوم هسيبك وأسافر على فكرة. وكأن يدًا من حديد قبضت على قلبه فتوقف عن العمل. كلماته البسيطة المؤلمة جعلته يشعر بالألم الشديد، ولكنه حاول تجاهل ذلك قائلًا بمرح مصطنع: -على فكرة دي بتاعتي أنا، بلاش تقلدني على فكرة. ضحك أواب، ولكنه كالعادة، أجابته دائمًا أكبر بكثير من سنه: -لازم الابن يمشي على نفس خطوات أبوه.
نظر إليه حذيفة بحب حقيقي وابتسم بسعادة لعودة روحه من جديد للحياة. كانت جالسة أمام أمها منكسة الرأس، لا تعلم كيف تخبرها عن موافقتها على حذيفة. كان عقلها يعمل بكل الاتجاهات ولا تجد طريقة لإخبارها، فقررت أن أقصر الطرق بين نقطتين الخط المستقيم سوف تقص عليها كل ما حدث أمس دون رتوش.
رفعت نظرها إليها لتجد أمها تنظر لها بتتمعن صامت، فقصت عليها كل ما صار. كانت تشاهد كل انفعالات والدتها التي تظهر على وجهها مع كل كلمة، تحاول تخمين ردة فعلها، ولكنها لم تستطع. أنهت كلماتها بأنها وافقت على الزواج من حذيفة من أجل أواب فقط. ابتسمت السيدة نوال وهي ترفع حاجبها الأيسر قائلة: -يعني أنتِ قررتِ تكوني بيبى ستر لأواب فوقفتِ تتجوزي حذيفة. تحولت نظرات جودي للغضب من استخفاف أمها من كلماتها وقالت:
-مش شرط كل اتنين يتجوزوا علشان بيحبوا بعض، فيه أسباب تانية كتير على فكرة. لوت السيدة نوال فمها باستهزاء وهي تقول: -تعرفي إن هو كمان بينهي معظم كلامه بـ "على فكرة" زيِك. صدمة هي أقل ما يقال عن ملامح جودي الآن، إنها في حالة صدمة، ولكن أمها لم ترحمها فأكملت قائلة: -ولا أنتِ اللي زيه. حركة عينيها هي كل ما يدل على أن تلك الجالسة كائن حي.
وهي تتذكر أنها كانت دائمًا وهي صغيرة تقلد حركاته وكلماته حتى أصبحت جزءًا منه، وهناك أشياء مشتركة بينهم دون قصد من أحدهم. ولكنه لم يطلبها لشخصها، هو يريد أمًا لأواب، هكذا قال الصغير لها يوم تقدم لخطبتها. عادت بذاكرتها لقبل أن يتحدث حذيفة حين قال لها أواب: -جودي ينفع تبقي ماما؟ نظرت له باندهاش وقالت: -أنت عايزني أبقى ماما؟ هز رأسه بنعم، فطارت قلبها من السعادة، ولكنه وقع على الأرض ليتفتت إلى قطع صغيرة:
-أنا قولت لبابا جودي تكون ماما، قالي أوك. وبعد لحظات تقدم هو لخطبتها. كيف هذا؟ هل حبي الكبير له يختصره هو في أم لأواب أو مربية؟ هو لم يخبرني يومًا. هل أحبني؟ هل شعر يومًا بتلك الدقة التي تحيي قلبي لأنها له هو؟ حتى لم يعلق أو يتخذ ما حدث في الجامعة ذريعة لطلبه، ولكنه حضر إلى سوق الجواري ليختار الجارية المناسبة التي تلائم ظروفه دون تذمر. أفاقت من شرودها على صوت أمها تخبرها بموافقتها، مهما كانت أسباب جودي هي معها فيها.
كانت مهيرة واقفة بالمطبخ تحاول تجهيز إفطار خفيف لسفيان، ولكنها لا تعلم ماذا عليها أن تفعل. لم تقف يومًا بالمطبخ ولم تحاول من قبل. ورغم محاولاتها التعلم من السيدة نوال، لكن هذه أول مرة لها بمفردها وتريد أن تسعده ولو قليلًا. تعلم أن الطعام آخر اهتمامات سفيان، لكن على الأقل تجعله يرى فيها سيدة منزل مناسبة تستطيع الطهو والتنظيف. هي حقًا تعرف قدر نفسها، وإذا فكر قليلًا سوف تكون خارج هذا المنزل. فلابد من المحاولة. نحت أفكارها جانبًا.
وخرجت من المطبخ ترى إذا كان سفيان استيقظ أم مازال نائم. تنهدت براحة حين وجدته نائم. عادت إلى المطبخ وأمستكت هاتفها واتصلت بمريم: -صباح الخير يا ماما. صمتت لثوانٍ ثم قالت: -وأنتِ كمان وحشاني جدًا، وهستناكي تزوريني. ابتسمت وهي تستمع لرد أمها ثم قالت: -بصراحة كده، عايزة أعمل فطار لسفيان ومش عارفة أعمل إيه، محتاسة. قطبت جبينها وهي تقول: -أنتِ بتضحكي عليا؟ يعني أنا غلطانة إني اتصلت بيكي؟
صمتت تستمع بتركيز لكلمات والدتها، ويدها تتحرك للتنفيذ. في دقائق معدودة كانت تضع على طاولة المطبخ صحون الجبنة البيضاء والمربى وعسل نحل وطبق سلطة متوسط وطبق من البيض والبسطرمة، والأهم من كل ذلك طبق الفول، ووضعت الخبز الساخن. ووضعت كوبين من العصير وابتسمت في سعادة، شكرت أمها وأغلقت معها وتحركت لتخرج من المطبخ لتنادي سفيان.
قبل ذلك بقليل استيقظ وهو يشعر بسعادة. يكفي وجودها بقربه، يكفي أنها في بيته. تحرك ليخرج من الغرفة، استمع لصوتها في المطبخ تتكلم مع أحد. تحرك بهدوء ليقف عند الباب ليبتسم وهو يسمعها تتكلم مع أمها حتى تحضر له وجبة إفطار. طار قلبه سعادة. سوف يتناول من يدها إفطاره اليوم، سيسجل ذلك التاريخ ويحتفل به كل عام. كان يتابع تحركاتها المتوترة وهو يبتسم، وحين شعر بانتهاءها عاد إلى غرفته بهدوء حتى يرى ماذا ستفعل. تمدد مجددًا على السرير وأغلق عينيه. وبعد ثوانٍ قليلة استمع لصوت طرقاتها الخجولة على الباب. لم يجب، ففتحت الباب بهدوء وتحركت خطوة واحدة إلى الداخل تناديه بصوت ضعيف جعل قلبه يرقص من سماعه لاسمه من بين شفتيها.
لم يجيبها، فقربت لتقف أمامه تتأمل ملامحه، ثم جلست بجانبه تنظر لذلك الجرح فوق عينيه ومدت يدها تتلمسه برفق وهي تتأمله بتركيز. كان قلبه يضرب في صدره بقوة لمستها الحنون على جرحه. انتبهت على ما تفعله فأبعدت يديها سريعًا، ثم وقفت من جديد وهي تنادي عليه مجددًا. فقرر أن يستيقظ، ففتح عينيه ببطء لتبتعد خطوة للخلف وهي تبتسم بخجل. فابتسم بسعادة حقيقية وقرر التعامل براحة وسلاسة معها فقال لها: -صباح الخير يا مهيرة. ابتسمت وقالت:
-صباح النور. أنا جهزت لك الفطار. اعتدل في جلسته وقال: -بجد؟ هغسل وشي وهاجي فورًا. هو أنا أطول أن الآنسة مهيرة الكاشف تعمل لي فطار بإيدها. خرجت سريعًا تشعر بالخجل. ووقف هو وتوجه إلى الحمام. وبعد عدة دقائق كان يقف في المطبخ ينظر إلى الطاولة وهو يبتسم بسعادة وقال: -أنتِ اللي عملتي كل ده بإيدك؟ هزت رأسها بنعم وقالت: -أنا أول مرة أعمل حاجة زي كده، فلو فيه أي حاجة عرفني، أرجوك. أنا عارفة إني فاشلة. ليقاطعها قائلًا:
-فاشلة إيه بس؟ أنتِ مش واخدة بالك من الفطار الملكي ده؟ وجلس سريعًا وهو يبعد الكرسي لها لكي تجلس. جلست بهدوء تنظر له يمسك الخبز ويأكل. كانت تنتظر أن يقول أي شيء. كان يأكل دون أن يظهر شيء على وجهه حتى يلعب معها قليلًا. وأكل لقمة أخرى وأخرى دون كلمة. فلوت فمها كالطفال وقالت: -هو الأكل معجبكش؟ ابتسم لها بحب حقيقي وسعادة كبيرة ومسك يدها ليقبلها وهو يقول: -أحلى فطار أكلته في حياتي، تسلم إيدك يا حبيبتي.
فرحت كثيرًا وصفقت بيديها في سعادة وأمسكت قطعة خبز لتتذوق هي الأخرى لتندهش من الطعم. حقًا لذيذ، ولكنها نظرت له وهي تقول: -بس عايز شوية ملح. قال وهو يأكل بسعادة: -حلو كده، أنا حبيته وكفاية أنه من إيدك. أغلقت مريم الهاتف مع ابنتها وابتسمت في سعادة ودعت الله أن يسعدها ويجعل زوجها خير عوض لها عن كل ما رأت في حياتها. عادت إلى الغرفة لتجد عادل استيقظ وجالس على السرير يستند على ظهره.
ابتسم لها وهو يمد يده لها، فلبت نداءه وجلست بجانبه لياخذها بين أحضانه وهو يقول: -كنتِ بتكلمي مهيرة؟ هزت رأسها بنعم ثم قالت: -كانت عايزة تحضر فطار لسفيان ومش عارفة تعمل إيه. ابتسم بسعادة وقبل يديها ووجنتيها وقال: -صباحية مباركة يا عروسة. احمرت وجنتاها وهي تتذكر ما حدث بالأمس. حين عاد من العمل بعد أن حادثته خديجة وأخبرته بما حدث، وحذرته من الصعود إليها لأنها حينها لن تجعله يخرج من البيت مرة أخرى.
فنفذ كل ما قالته وما أحب ذلك إلى قلبه. ومع روتينه اليومي، طرقتان على الباب ثم يفتح الباب. ولكن حين دخل الشقة لم يجد مريم على نفس جلستها، ولكن استمع لصوت يصدر من المطبخ. ليدخل إليها ليفاجئ بها ترتدي منامة حريرية فيروزية تظهر جمالها الذي اشتاق له، وعاش عمره كله يحلم بها. اقترب منها بهدوء وحاوط خصرها فانتفضت قليلًا، ولكنها ابتسمت وهي تقول: -حمد لله على السلامة، ثواني والغداء يكون جاهز. أدارها إليه وهو يقول:
-هو فيه أحلى من كده غدا؟ ابتسمت وقالت: -أنا فرحانة أووي إني بطبخ لك بإيدي أول مرة يا عادل. ألمه قلبه يعرف أنها كانت مجروحة بتنفيذه رغبة خديجة والابتعاد عنها. صحيح هي كانت تتألم لبعد ابنتها، لكنها كانت بحاجة لقربه. الآن سيعوضها عن كل شيء، لتطبخ له وكل ما تريده مجاب. أخرج من جيب سترته علبة زرقاء وقدمها لها وهو يقول. يارب ذوقي يعجبك.
ابتسمت في سعادة وفتحتها لتجد خاتم زواج وبجواره دبلة فضية. نظرت له ثم ليده لتنتبه أنها لم تره من قبل يرتدي خاتم زواج. ابتسمت في سعادة حقيقية. أمسك الخاتم وألبسها إياه ثم قبل يديها بتقديس. ثم ألبسته هي الأخرى خاتمه. تناولوا غداهم بنقاشات ومجادلات انتهت بضحك هستيري ذكرهم بأيامهم قديمًا. وبعد انتهائهم من تناول الطعام أصر هو على غسل الصحون وحضرت هي كوبان من الشاي.
وبعد تناولهما، أمسكها من يدها ليدخلا معًا عالمًا كانا يحلمان به عمر طويل. حلم كم تمنوا تحقيقه ولكن كانت هناك دائمًا عقبات. ولكن لكل شيء معاد. وحتى ساعات الصباح لم يخرج أحد من الغرفة. كان كل منهم يعوض حرمان سنوات وسنوات. حب يتدفق يقابله حب جارف.
كانت خديجة تستمع لصوت ضحكاتهم قلبها يتلوى ألمًا ولكنها تتذكر يوم وقوفهم أمام الملك الجبار. يوم يحاسب كل منهم على نواياه وأخطائه. يوم تحاسب عن منع الحق عن صاحبه. توضأت وصلت وظلت طوال الليل تصلي وتدعو الله أن يقوي قلبها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!