الفصل 34 | من 42 فصل

رواية جاريتي الفصل الرابع والثلاثون 34 - بقلم سارة مجدي

المشاهدات
32
كلمة
1,591
وقت القراءة
8 د
التقدم في الرواية 81%
حجم الخط: 18

كان يستمع لصوت بكائها وأصوات أخرى من حوله، لعن الحادث ولعن نفسه، ولعن عينيه اللتين تقيدانه. صرخ بها بصوت عالٍ قائلاً: -تعالى فوراً يا زهرة، تعاليلي فوراً. هزت رأسها وكأنه يراها، وأغلقت. عادت تقف بجانب جودي التي تشاهد كل ما يحدث حولها بشرود وصدمة. تقدم منهم سفيان وقال: -يلا يا بنات، خليني أروحكم عشان أرجع أشوف إيه اللي هيحصل. ثم نظر إلى حذيفة قائلاً: -خليك هنا، ولو في أي حاجة كلمني.

هز حذيفة رأسه وهو يربت على كتف سفيان. وتحرك ليقف أمام جودي قائلاً: -جودي، تماسكِ. وادعيلوا، هو محتاج الدعاء مش العياط. خليكي قوية زي ما أنا متعود منك. كانت تنظر إليه بتركيز وهزت رأسها بنعم. وتحركت مع سفيان في صمت، تستند على زهرة التي تحتاج أيضاً لدعم كهذا الدعم الذي يقدمه حذيفة لجودي. حين أوصلها سفيان، وقفت أمام البيت تنظر إليه بضياع. لا تعلم أن كانت ستجد ما تحتاجه لديه الآن.

صعدت وهي غير متوقعة أي دعم، بل هي تعرف جيداً ماذا يريد، وكل ما سيخبرها به. وليكن ما يكن، هي مجهدة، مستنزفة. لن تتمسك بأحد لا يريدها. حين فتحت الحاجة راضية الباب، ألمها قلبها على مظهر زهرة الذابل الحزين. أشارت لها بالدخول حين قالت: -اتفضلي يا حبيبتي. هزت زهرة رأسها، فهي حقاً لا يوجد لديها طاقة للحديث. وقبل أن تتحدث زوجة عمها مرة أخرى، سمعت صوته من خلفها يناديها بلهفة.

ألتفتت إليه لتجده يقف عند باب الغرفة فاتح ذراعيه إليها لتركض إليه سريعاً وترتمي بين ذراعيه باكية. ظل يربت على ظهرها في محاولة لتهدئتها، وجلس أرضاً بها. كانت تهذي: -اتعذب كتير يا صهيب. رجله الاتنين اتقطعوا واتعمى. باس أيد جودي عشان تسامحه. كان بيقول يارب بحرقة وألم وندم. ظل يربت على ظهرها وقال: -ربنا يرحمه ويغفر له. أهدي يا حبيبتي، أهدي. رفعت رأسها عن صدره وظلت تنظر إليه. ثم هدرت به بصوت عالٍ وهي تضربه على صدره:

-حبيبتك ولما أنا حبيبتك بتعذبني ليه؟ بتكسر فرحتي بقربك ليه؟ ديما محسسني إن أنا اللي بحبك بس. ليه ديما محسسني إنك سراب؟ كل ما أقرب منك تبعد. ليه مش عايز تقتنع إن أنا بحبك، بعشقك؟ بعشق التراب اللي بتمشي عليه لو أطول أتكحل بيه هتكحل. قلبي وعقلي وروحي ملكك من وأنا لسه في اللفة. ليه بتوجع قلبي؟ ليه؟

كانت مع كل كلمة تبكي بحرقة وتضرب صدره موضع قلبه. كان مستسلماً تماماً لضرباتها، كان يتعذب لعذابها. يعشقها كما تعشقه ويتمنى قربها. ولكن هل ما حدث اليوم سيتكرر؟ أم ستسجن نفسها معه داخل جدران البيت؟ ماذا سيحدث إن ضايقها أحد بالشارع؟ ماذا سيفعل وقتها؟ أم الأهم من كل ذلك هو قربها. هدأت ضرباتها وبكائها، ولم يتبق سوى شهقات متباعدة. أمسك كتفيها وهو يقول: -عارف إني تعبك معايا، بس أقسم لك أنا كمان تعبان. تعبان جداً. صمت قليلاً

ثم قال: -بس لآخر مرة هقولهالك يا زهرة. وبعد كده لا أنا ولا أنتِ لينا الحق نرجع فيها. ظلت صامته لثوانٍ ثم قال: -أنتِ متأكدة إنك عايزة تعيشي معايا عمرك كله؟ ودي الإجابة الأخيرة. ظلت تنظر له بغل، ووقفت على قدميها ونظرت إليه من علو وقالت: -أيوه يا صهيب، آخر قرار. عايزة أعيش معاك عمري كله. ثم انحنت لتهمس له قائلة: -بس وحياة حبي ليك قصاد كل العذاب اللي شفته منك، لهوريك أيام سودة.

وتحركت سريعاً من أمامه دون أن تلمح تلك الإبتسامة السعيدة التي ارتسمت على وجهه. حين وصل إلى البيت هو وجودي، اتصل على صديقه ليعرف ماذا يحدث في المستشفى وما قرره أهل حازم. أجابه حذيفة قائلاً: -خلاص يا سفيان، والده خلص كل الإجراءات. واحنا دلوقتي في الطريق وقربنا نوصل. فقال سفيان سريعاً وهو يدير السيارة: -قول لي العنوان. أجابه حذيفة قائلاً: -مش هتلحق، احنا خلاص تقريباً وصلنا. خليك أنت مع جودي. تنهد سفيان وقال:

-ابقى كلمني بعد ما تخلص. وأغلق الهاتف وترجل من السيارة وصعد إلى شقة والدته. سألها عن جودي، أجابته قائلة: -في أوضتها. إيه اللي حصل يا ابني ومالها أختك؟ جلس أمامها وقص عليها كل ما حدث من البداية. من أول ما حدث بالجامعة حتى لحظة وفاة حازم. كانت دموع السيدة نوال تسيل على خدها في صمت، وظلت تدعو له بالرحمة والمغفرة. ربت سفيان على ركبتها. ووقف حتى يدخل لأخته، ولكن السيدة نوال أمسكت يده قائلة:

-سيبها يا سفيان، خليها تقعد مع نفسها. سيبها تبكي وتزعل من غير ما حد يشوفها عشان متحسش بالحرج. هز رأسه بنعم وقال: -أنا هطلع شقتي. صحيح مهيرة رجعت ولا متعرفيش؟ ابتسمت بهدوء وهي تقول: -لأ، الأستاذ عادل وصلها من أكتر من ساعة. هز رأسه وتحرك ليصعد إلى شقته. كانت مهيرة واقفة في مطبخ بيتها تحضر طعام سريع لها ولسفيان، وهي تتذكر ما حدث صباحاً في بيت أمها. كانت جالسة بحضن والدتها تنعم بحضنها الدافئ. ربتت مريم على ظهرها وقالت:

-طمنيني عليكي يا مهيرة. عايزة أعرف كل حاجة عنك. عايزة أشاركك أحزانك وفرحك. عايزة أعوض عمري اللي فات معاكي. ابتسمت مهيرة وهي تعتدل لتنظر إلى أمها وقالت: -عمرك ما سبتينى، كنتي على طول معايا. كنت ديما بكلمك واحكيلك. عمري ما صدقت كلام بابا. كنت ديماً متأكدة إن في سر. وبعد كلامك مبقاش في أي شك. صمتت قليلاً ثم قالت: -بس أنا مش فاهمه إزاي قبلتي تتجوزي عمو عادل وهو متجوز. ابتسمت مريم بحزن وقالت:

-وقت ما طردني أبوكي، رجعت بيت بابا. وقتها عادل كان اتجوز خديجة. فضلت عايشة مع أبويا سنة كاملة لحد ما مات. فضلت عايشة لوحدي شهرين بعديه. لحد ما في يوم لقيت عادل جايني وقالي إنه عايز يتجوزني. رفضت، لكن هو فضل مصمم لحد في يوم قال لي لو أنتِ رافضة عشان خديجة، فهي عارفة وموافقة. متخيلتش إنها تكون موافقة فعلاً. ووقتها كانت لسه مخالفتش. وفكرت إن هو ده سبب موافقتها. لكن اكتشفت إن السبب بعيد خالص عن موضوع الخلفه. كانت

مهيرة تستمع بتركيز وقالت: -وطلع إيه السبب؟ تنهدت بصوت عالٍ وهي تنكس رأسها قائلة: -عادل قالها إنه بيحبني من واحنا صغيرين. وإنه كان المفروض نتجوز من زمان. وإنه أنا مبقاش ليا حد غيره وإنه لازم يتجوزني. تعجبت مهيرة من صراحة عادل وقدرته على قول ذلك لزوجته. كم من رجل يحترم زوجته ليخبرها ويجعل لها حرية الاختيار. قالت وهي تقترب من جلسة أمها أكثر: -هو كان بيخيرها يعني؟ هزت رأسها بلا وقالت:

-مش بالظبط. هو كان بيقولها لأنه مش عايز جوازي منه في السر. وفي نفس الوقت هو كان بيحترم خديجة جداً. وقالي إنه كان متأكد إنها هتوافق. لأنها بتحبه. صمتت قليلاً ثم قالت: -بس لما جاتلي هنا قبل كتب الكتاب، حسيت بحزنها. فقررت إنه يكون مجرد كتب كتاب عشان أكون مسؤولة من عادل وفي نفس الوقت إحتراماً ليها ولمشاعرها. قالت مهيرة بتعجب: -وهو وافق؟ ابتسمت مريم قائلة: -أيوه. قالي إن وجودي جمبه كفاية.

كان يتابعها من باب المطبخ وهي تبتسم. كانت تقطع طبق سلطة متوسط. أصدر صوت لتنتبه له. ابتسمت وهي تقول: -حمد لله على السلامة. قال بهدوء حزين: -الله يسلمك. وتحرك في اتجاه غرفته. ظلت واقفة مقطبة الجبين تفكر ماذا به. تركت ما بيدها وتحركت خلفه. طرقت على الباب سمعت صوته يسمح لها بالدخول. وحين خطت إلى الداخل، كان منكس الرأس يسند بيديه على ركبتيه وقال مباشرة دون أن ينظر إليها: -مش محتاجة تستأذني عشان تدخلي يا مهيرة.

لم تجب عليه، ولكنها تقدمت منه وجثت أمامه سائلة باهتمام: -مالك؟ في حاجة حصلت؟ نظر لها طويلاً ثم قال: -قومي اقعدي جمبي وهحكيلك. وقفت على قدميها وجلست على الكرسي المقابل له. نظر إليها طويلاً ثم قال: -أبوكي رجع من السفر. وخسر كل فلوسه.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...