أغلق سفيان النافذة وعاد إلى الداخل في صمت. هو يعرف أخته جيدا، ولا يشك في صديقه أيضا، ولكن ما هذا الشيء الذي يجعل حذيفة يأتي خلفها إذا هناك أمر جلل؟ حين فتحت جودي الباب وألقت السلام وجلست أمام أخيها صامتة، تأكد من ظنونه. ناغشها قائلا: -هي القطة أكلت لسانك وأنت راجعة ولا إيه؟ ولا تكوني تعبانة؟ مش عادتك يعني تدخلي بهدوء كده. نظرت إليه بخوف حقيقي جعله يقف على قدميه ويتوجه إليها فورًا. جلس بجانبها وضمها إلى صدره وهو يقول:
-في إيه يا جودي؟ في حاجة حصلت؟ ابتعدت عن حضنه ودون مراوغة قصت عليه كل ما حدث، حتى خروجها من باب الجامعة ورؤيتها لحذيفة هناك ورحلة عودتها بالباص. ظل ينظر إليها ثم ربت على ظهرها وهو يقول: -متخافيش، أنا هوصلك كل يوم وأرجعك. وجوه الجامعة نتصرف. ومتخافيش أنت. صح؟ وهو حيوان محتاج يتربى. هزت رأسها بنعم ثم وقفت وهي تقول: -أنا محتاجة أنام وياريت متقوليش لماما حاجة عشان متقلقش، ماشي؟ وأنا مش خايفة على فكرة.
ثم تحركت من أمامه عائدة إلى غرفتها، حين سمعته يقول: -مش هقولها. وأنا عارف على فكرة. ظل جالسًا في مكانه يفكر، ثم تحرك وعاد إلى غرفته واتصل بصديقه. كان حذيفة يفتح باب شقته حين استمع لرنين هاتفه. أخرجه من جيبه، هو يعرف من يتصل به، ودون أن يطلع على الاسم فتح الخط وقال: -أهلاً يا صاحبي. صمت سفيان قليلاً، ثم قال: -جودي غلطت في حاجة؟ أجابه مباشرة: -لأ. أكمل سفيان قائلاً: -أنا هوصلها كل يوم وأرجعها. قاطعه حذيفة قائلاً:
-وجوه الجامعة متخافش عليها، أنا موجود. قال سفيان: -ماشي يا حذيفة. شكرًا. أجابه حذيفة قائلاً: -مش هرد عليك على فكرة. ضحك سفيان بصوت عالٍ وهو يقول: -أنت كمان بتنهي كلامك بعلى فكرة؟ سائلاً باستخفاف مرح: -وده مين بقا اللي بينهي ديما كلامه بعلى فكرة؟ أجابه مباشرة: -جودي. صمت حذيفة ولم يجبه، فقال سفيان: -هقفل أنا بقا. ونبقى نتكلم تاني. سلام يا صاحبي.
أغلق حذيفة الهاتف وهو مازال يقف أمام باب شقته. فتحه ودخل. كان البيت هادئًا كعادته، ولكن الغريب هو صوت التلفاز. تقدم من غرفة المعيشة ليفاجئ بأواب على كرسيه المتحرك يشاهد برنامجًا تعليميًا. أواب ابنه الصغير ذو الثلاث أعوام. ندبته الكبيرة وثأره مع الحب بسبب الإهمال فقد قدرته على السير طوال حياته. صاحب الشعر الذهبي والعيون العسلية. اقترب منه وقبل أعلى رأسه، ثم جثا على ركبتيه أمامه قائلاً بصعوبة: -إزيك يا حبيبي؟
وحشتني جدًا على فكرة. ابتسم أواب في هدوء وهو يمسك يد حذيفة يقبلها قائلاً بصعوبة: -وأنت كمان وحشتني. ضحك حذيفة وقال: -نفسي ألاقي حل للنقط اللي بتطير دي. المهم... أخبار يومك إيه؟ أسف إني اتأخرت عليك النهارده على فكرة. حرك أواب رأسه بلا وقال: -عادي يا بابا. مس ناني معايا. هز حذيفة رأسه بيأس من ابنه، فالسيدة ناهد جليسته أصبحت ناني.
ظل ينظر لابنه الذي عاد بتركيزه لذلك البرنامج التعليمي الذي لا يفهم هو منه شيئًا. كيف يفهم ابنه ما يقولون؟ نظر إلى أواب من جديد وسأله: -هو أنت فاهم هما بيقولوا إيه يا أواب؟ نظر إليه أواب نظرة متعالية وقال: -أكيد. رفع حذيفة حاجبيه وقال: -أكيد؟ أنا اللي جاهل يعني يا ابني؟ أنا دكتور في الجامعة على فكرة. وقام بدغدغته، فضحك أواب بصوت عالٍ. أتت على إثره السيدة ناهد وبيدها طبق ضخم من الفشار الذي يحبه أواب جدًا.
نظر إليه حذيفة وعلى وجهه ابتسامة، ولكن عينيه يسكنها حزن لا وصف له. كان سفيان جالسًا يتناول الطعام مع أمه التي سألت عن جودي، فأخبرها أنها تشعر ببعض الصداع وتريد أن تنام. لم تصدقه، ولكن مادام هو يعرف ماذا بها، جودي غير قلقة. استمع لصوت هاتفه، وحين أخرجه من جيبه وجد اسم داده زينب. انتبهت كل حواسه وشعر أن شيئًا سيئًا حدث، وكذلك انتبهت السيدة نوال. حين وضع الهاتف على أذنه، استمع إلى صوتها الباكي. وقع قلبه بين قدميه.
-سفيان، أرجوك يا بني تعال بسرعة. -حالا. كلمة واحدة وتحرك سريعًا، يلبس حذائه ودون كلمة خرج من البيت كالملسوع. كانت أمه تتابعه وهي تدعو له. كان يسوق سيارته بسرعة عالية، كاد أن يصطدم أكثر من مرة. وصل أخيرًا ونزل راكضًا إلى داخل القصر ليجد الخادمة واقفة على أول درجات السلم. سألها: -فيه إيه؟ تكلمت بصوت متقطع: -ف.فوق.
صعد السلم ركضًا، وقف ينظر في كل الاتجاهات. أول مرة يصعد إلى ذلك الطابق، ولكن استمع لصوت فتح باب فالتفت ليجد السيد راجي يخرج من الغرفة التي على اليسار. ركض إليه سائلاً: -راجي بيه، إيه اللي حصل؟ نظر إليه السيد راجي بصدمة وحيرة وقال: -مهيرة. كأنه ضربه في قلبه. نظر إلى الرجل فوجده منكس الرأس، فشعر أنه لن يجيب أي سؤال. صمت هو الآخر، ولكن عينيه ثابتة على باب الغرفة، يتمنى أن يخترقه.
بعد دقائق، كانت زينب تفتح الباب باكية وأشارت لهم بالدخول. كانت قدماه تسبقاه إلى الداخل، ولكنه تحكم في نفسه لينتظر دخول السيد راجي أولاً. وحين دخل إلى الغرفة، كانت عيناه ثابتة على ذلك الملاك النائم بدموعها الباقية على وجنتيها. انتبه إلى كلمات السيد راجي: -خير يا دكتور، طمني أرجوك. تكلم الطبيب بعملية شديدة: -انهيار عصبي حاد. الصمت هو كان رد الجميع، إلا من بكاء زينب. -انهيار عصبي. ذلك كان سفيان الذي يسأل وهو يتألم.
كتب الطبيب الوصفات الطبية وهو يقول: -ياريت نجنبها أي ضغط عصبي أو أي حاجة مضيقاها. ومع الأدوية دي إن شاء الله هتكون كويسة. سألت زينب بصوت باكي: -الأسبوع الجاي عندها امتحانات. ظهر الرفض جليًا على وجه الطبيب وقال ببرود: -لأ، لأ. معتقدش إنها هتقدر على إنها تدخل الامتحانات. ممكن تعمل تأجيل. كان سفيان لا يتكلم، يستمع إلى كلمات الطبيب وهو ينظر إليها هي... حبيبته، طفلته الصغيرة، ملكة قلبه. هل حدث لها كل ذلك بسبب زواجها منه؟
هل تخافه لذلك الحد؟ أم من كلمات والدها الجارحة؟ ماذا يفعل الآن؟ هل يبتعد أم ينتشلها من هذا المكان ومن ذلك الأب الذي لا يعرف شيئًا سوى القسوة على تلك الملاك؟ انتبه لخروج الطبيب وخلفه السيد راجي، وكانت زينب تجلس بجانبها. تقدم خطوة واحدة وهو يقول بتقرير: -أنا السبب. نظرت إليه زينب وهي تقول: -هي غلبانة ومش فاهمة، واللي شافته مش قليل أبداً. ثم وقفت على قدميها ووقفت أمامه وهي تقول:
-أرجوك يا ابني، أرجوك خدها من البيت ده. ابعدها عنه. حرام كل اللي بيحصل فيها ده، حرام. أبوس إيدك يا ابني خدها من هنا. كان قلبه يؤلمه حقًا، لا يعرف ماذا عليه أن يفعل في تلك اللحظة. دخل السيد راجي الغرفة ينظر إلى مهيرة النائمة، لا يظهر أي شيء على ملامحه، فقط صمت. وبعد عدة دقائق نظر إلى سفيان وقال ببرود: -إحنا في انتظاركم يوم الجمعة يا سفيان. وخرج دون كلمة أخرى. كان سفيان ينظر له بغضب وكاد أن يخرج خلفه، ولكن
يد زينب منعته وهي تقول: -في حاجات لازم تعرفها قبل ما تتجوز مهيرة. أسرار. ودون كلمة أخرى خرجت من الغرفة. نظر هو إلى مهيرة نظرة أخيرة وهو يقول: -وعد عليا أعوضك عن أي ألم في حياتك. وده وعد راجل من كل قلبه بيحبك.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!