كان سفيان جالسًا في سيارته يتذكر كلمات زينب الأخيرة. -الست مريم ما فيش منها، ورغم اللي عملوه فيها، عمرها ما كانت تفكر تسيبه عشان خاطر بنتها... لكن نقول إيه. سألها وهو لا يستطيع تخمين ما حدث. -عملها إيه تاني؟ نظرت إليه ودموعها تغرق وجهها وقالت. -ما كانش بيعدي يوم غير لما يضربها عشان تفضل تقول إنها بتحبه، ويحلفها كل يوم إن مهيرة بنته كانت بتستحمل وتسكت...
لحد في يوم صحيت من النوم على صوت عياط بنتها. جريت عليها لقيته واقف جنب سريرها. افتكرت إنه بيحاول يسكتها، لكن لما قربت من البت لقيت إنه كان ضاربها وبيحاول يكتم نفسها. صوابع إيديه معلمة على وشها. ركعت وباست إيده ورجله إنه يسيب البنت. فضل ساكت يبص لها وهي مرمية على رجليه بتترجاه وقال. -عايزاني أسيبها تعيش؟ هزت رأسها بنعم فقال. -اقفي. تحركت سريعًا ووقفت. أمسكها من شعرها وخلع عنها مآزرها وقال لها. -أنتِ طالق...
بره بيتي... ومتحاوليش تقربي منها ولا حتى تشوفي خيالك. تنهدت زينب بصوت عالٍ ثم وقفت على قدميها فوقف أيضًا سفيان أمامها، فأكملت. -ما كنتش تقدر تعمل حاجة. لو ما خرجتش، هيموت البنت. خرجت وهي مش لابسة حاجة غير قميص النوم. لحقتها أنا، وأديتها عباية من عباياتي، واترجتني أفضل جنب مهيرة وما أسيبهاش أبدًا. ومن وقتها وهي بتتصل بيا كل يوم تطمن عليها. تحرك سفيان ليقف أمامها وهو يسأل. -اتجوزت؟ هزت زينب رأسها وهي تقول.
-ابن عمها كان اتجوز. ولما هي رجعتلهم على الحالة دي، كان هيموت من الحزن عليها. وأول ما ورقها وصلتلها، خطبها. وبعد عدتها اتجوزها. صمت سفيان قليلًا، ثم قال. -مهيرة عارفة كل ده؟ هزت رأسها بلا، ثم قالت. -أبوها قالها إن أمها هربت مع عشيقها وسابتها وهي مريضة. بس مهيرة، رغم إنها عمرها ما سألتني عن أمها، بس أنا متأكدة إنها نفسها تلاقي أمها. ديما بشوفها سرحانة في صورة أمها.
آفاق سفيان من ذكرياته على دمعة وحيدة انحدرت من عينيه. صغيرته عاشت عمرها كله تحت رحمة رجل مريض. وهو اللي كان يتخيل إنها طفلة مدللة وحيدة أبوها، حياتها ناعمة مخملية. تنهد بصوت عالٍ وهو يخرج هاتفه. هو يريد التحدث مع أحد، يريد أن يخرج كل تلك الشحنة السالبة. يريد أن يخرج كل ذلك الغضب. وضع الهاتف على أذنه يستمع إلى رنينه حتى أتاه صوت صديقه قائلًا. -أهلاً سفيان. قال له مباشرة. -قول لي عنوانك، محتاج أتكلم معاك.
انقبض قلب حذيفة من صوت سفيان الذي يكسوه الألم. فدون كلمة أخرى أملى عنوانه. وبعد عدة دقائق كان سفيان يقف أمام صديقه في حالة نفسية سيئة جدًا. كانت زهرة جالسة في بيت عمها بجانب أبيها، ولكن عينيها ثابتة على باب الغرفة تنتظر دخوله. هي تعشقه منذ كانت صغيرة، وكانت تشعر أنه يبادلها نفس الشعور. ولكن ذلك الحادث هو ما فرق بينهم. هكذا هو يفكر، لكن هي متمسكة به مهما حدث، لن تبتعد ولن تتخلى.
أفاقت من شرودها على صوت الباب ودخول عمها وهو يرحب بهم بسعادة. واقترب منها وهو يقول. -إزيك يا زهرة، وحشتيني يا بنتي. ابتسمت وهي تنحني لتقبل يديه باحترام وقالت. -وحضرتك كمان وحشتني جدًا يا عمي. أخبار صحتك إيه؟ احتضنها عمها بعد أن ربت على رأسها وقال. -طول ما أنتم بخير يا بنتي، أنا بخير. حينها فتح الباب ودخل تسبقه عصاه وهو يقول بابتسامة. -منور الدنيا كلها يا عمي. إزيك يا زهرة؟ أجاب الحاج حامد قائلًا.
-الدنيا منورة بيك يا ابني. ظلت تنظر إليه، قلبها معلق بتلك العينين التي لا تراها. ولكن هي له، مهما حاول. ظلت تنظر إليه حتى استمعت لكلماته وهو يقول. -أخبار الجامعة إيه يا زهرة؟ ابتسمت وهي تقول. -الحمد لله، قربت أتخرج وأبقى مهندسة زيك. ابتسم بتهكم وهو يقول. -أنتِ أحسن مني. على الأقل أنتِ بتشوفي. حل الصمت على الجميع، ونظرة انكسار في عين عمها. لن تسمح لذلك أبدًا أن يحدث. نظرت إليه بتحدٍ وقالت.
-مفيش أحسن منك يا صهيب. وبعدين أنا وأنت واحد، مش خطيبي. ظهر الغضب على ملامح صهيب، ولكن والده منعه من فرصة الرد وقال. -طبعًا، ده أنتوا المفروض بقا نفرح بيكم قريب. وقف صهيب وحاول الخروج من الغرفة، ولكنها نهضت سريعًا ووقفت أمامه وهي تقول. -صهيب، أنا بنت عمك وخطيبتك، وبقولها لأول مرة قدام أبويا وعمي. أنا بحبك... ومش هكون زوجة لحد غيرك. يا أكون ليك يا أنعنس أنا وأنت، وذنبك في رقبتك. وقف الحاج حامد وهو يقول.
-يا ابني، أنا مش هآمن على بنتي مع حد غيرك. وبعدين أنت مفيش حاجة تقدر تقف قدامك، أنت راجل من ظهر راجل. أوعى تخيب ظني فيك. أغمض صهيب عينيه بألم. بماذا يحاولون إقناعه؟ أنه يحبها، ولكن هو الآن لا يصلح. لا يريد أن يحبسها في جنبات ظلمته الدائمة. لو كان هناك أمل في أن يعود إليه نظره مرة أخرى، لتمسك بها. ولكنه لا أمل له. تكلم والده الحاج إبراهيم قائلًا.
-يا ابني، خلي عندك ثقة في الله. واتمسك ببنت عمك اللي اعترفت قدامي وقدام أبوها بحبها ليك. ده وشها دلوقتي شبه الطماطم. وأكمل وهو يربت على كتفه قائلًا. -فرحنا يا ابني، وأفرح أنت كمان. ظل صهيب على صمته، ثم قال. -لو تسمح لي يا عمي أتكلم مع زهرة لوحدنا. ولو وافقت على اللي هقوله، نحدد معاد كتب الكتاب. كانت مهيرة جالسة على سريرها تنظر إلى النافذة المفتوحة في الحائط المجاور لها.
كانت تتذكر كل ما قاله والدها وكل ذلك الألم الذي شعرت به. كانت دائمًا تسأل: لماذا هربت أمها من أبيها؟ لم تصدق يومًا أنها هربت مع عشيقها، وكل يوم تقضيه مع والدها تتأكد من ذلك. مؤكد، هي لم تتحمل كل ذلك العذاب، ولكن لماذا تركتها؟ لماذا لم تأخذها معها؟ انتبهت لصوت الباب، ولكنها لم تلتفت. تعرف أنها داده زينب. أبوها منذ وقت ما حدث لم تراه، على الرغم من أنها عرفت أنه من أحضر الطبيب، ولكنه لم يأتِ ليطمئن عليها.
كل يوم يزداد إحساسها بالدونية. تشعر أنها غير مرغوب بها. جلست زينب أمامها، دون أن تلتفت إليها مهيرة، وهي تقول. -الحمد لله، بقيتِ النهارده زي الفل. لم تجبها. أكملت زينب قائلة. -على فكرة، سفيان حاول يأجل مع راجي باشا حوار يوم الجمعة، بس هو رفض. أغمضت مهيرة عينيها بألم وهي تقول لنفسها. -عايز يخلص مني بسرعة... مش مستحمل يأجل. أكملت زينب حديثها.
-بس تعرفي بقا، أنا نفسي تتجوزي سفيان بأسرع وقت. سفيان راجل وهيصونك ويحميكي. وليكي عندي مفاجأة كبيرة أوي هتعجبك جدًا، وكنتي بتتمنيها جدًا كمان. بس لو أنتِ عارفة بجد إن داده زينب بتحبك، اتمسكي بجوازك من سفيان واخرجي يا بنتي من البيت ده.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!