كانت وجبة الغداء ثقيلة جداً على جودي، كانت تود أن تختلي بنفسها في غرفتها تبكي وتبكي، تفكر وتحلل. كانت تشعر أنها تختنق بالبطء. انتهت سريعاً ووقفت وهي تقول بمرح مصطنع: -خلاص كده السرير يناديني... تسلم إيدك يا نونو. يفهم سفيان ذلك المرح المصطنع، ولاحظته مهيرة. أما نوال فتعرف أن هذا الشيء عادة في ابنتها، فلم تعطِ الموضوع أكبر من حجمه. حتى لو أنبأها حدثها أن هناك شيء غير عادي في ابنتها، ابتسمت لها وحركت رأسها بنعم.
كانت مهيرة تشعر بتغير جودي وأن هناك شيء يشغل بالها، ولكنها خجلت أن تسألها. أولاً هي لم يمر على بقائها أكثر من أسبوع، ثانياً هي لا تعرف طبيعة جودي، فخجلت من سؤالها. نظر لها سفيان وهي سارحة وتمسك بيدها قطعة خبز أمام فمها ولا تأكلها. ابتسم على طلتها اللذيذة تلك، فاقترب من أذنها وقال: -لو ماكنتش أمي قاعدة كنت أكلتك إللي في إيدك ده بطريقتي. اتسعت عيناها من كلماته ونظرت للسيدة نوال سريعاً، فوجدتها لا تنظر إليهم.
فعادت بنظرها إليه وهي مقطبة الجبين وعيونها مليئة بالغضب. وقالت بهمس: -أنت... أنت قليل الأدب على فكرة. ضحك بصوت عالٍ جعل نوال تنظر إليهم، فاخفضت مهيرة رأسها وهي تعض على شفتها السفلية في حرج. فقالت نوال وهي تبتسم على ضحكة ابنها: -طيب ضحكني معاك. نظر لتلك الخجلة بجانبه ثم عاد بنظره إلى أمه وغمز لها وقال: -أصل مهيرة بتقول عليا قليل الأدب. نظرت له مهيرة وهي فارغة الفاه، ثم سمعت ضحكة نوال وهي تقول:
-معرفتش أربي، هنقول إيه بس. مقلتليش يا مهيرة هو عمل إيه عشان تقوليله يا قليل الأدب؟ وضحكت بصوت عالٍ وشاركها الضحك سفيان. فوقفت مهيرة سريعاً وركضت إلى غرفتها. نظرت نوال إلى وحيدها وربتت على يديه وقالت: -سعيدة جداً أنها بطلت تخاف منك... ربنا يسعدك يا ابني. قبل يديها وهو يقول: -لسه الطريق طويل بس دعاكي معايا يا أمي.
حين عاد حذيفة إلى بيته كان يشعر بالارتباك من ذلك الحلم الذي تمنى وقتها أن يكون حقيقة، ولكن بنهاية مختلفة. لماذا عاد ذلك الإحساس؟ كان يظن بعد زواجه من ماري ونسيانه لجودي طوال فترة زواجه وبعدها أنها لم تكن حب حقيقي. لكن من وقت ملاحظته لتحرشات حازم بها، عاد تفكيره بها وأقوى من الأول. أصبح يحلم بها وليس فقط وهو نائم، بل مستيقظ أيضاً. ماذا عليه أن يفعل؟
هل ستقبل به أم ما زالت تراه مجرد أخ كبير تلجأ إليه حين تحتاج دعم أمام سفيان؟ وإن قبلت به زوجاً، هل ستتقبل وجود أواب وظروفه الصحية؟ تنهد بصوت عالٍ وعقله يسحبه لمكان آخر في التفكير. هل قلبها خالٍ من الأساس أم هناك من يسكن قلبها ويشغل عقلها؟ استفاق من شروده على صوت أواب وهو يقول: -بابا مين ضايقك؟ نظر له حذيفة وابتسم وهو يقترب منه وقبل أعلى رأسه وقال: -مفيش حد مضايقني... أنا بس مرهق شوية. لوى أواب
شفتيه في حركة طفولية وقال: -أنا عايز أشوف جودي. قطب حذيفة جبينه وهو ينظر لابنه بتركيز. ثم قال: -عايز تشوف جودي؟ جودي مين؟ نظر له أواب نظرة غريبة وقال: -جودي أخت صاحبك... أنا عايز أشوفها. لم يندهش من تذكر أواب لجودي، فهو يعرف ذاكرة ابنه جيداً. وأيضاً جودي تركت بصمة قوية بابنه حين كانوا لديهم، فهي لم تعامله كطفل بل تعاملت معه على أنه شخص ناضج وكانت تناقشه وتستمع لرأيه وتجادله. عاد بتركيزه إلى ابنه الذي
كان ينتظر رده فقال له: -حاضر هبقى أسأل سفيان ينفع نروح لهم إمتى. حرك أواب رأسه بلا وقال: -عايز أكلمها... هي قالتلي لو عايز تكلمني كلمني في أي وقت. قطب حذيفة جبينه وقال: -ماشي يا حبيبي بس أنا مش معايا رقمها... ومش عارف دلوقتي سفيان في البيت ولا لأ. نظر أواب إلى سقف الغرفة وقال: -أنا معايا رقمها يا بابا. وأكمل قائلاً: -حتى رقمها هو... 010...
نظر له حذيفة وهو مندهش، صحيح كان يعلم عن ذكائه وذاكرته، ولكن لم يتخيل أنه حفظ رقمها حين قالته له. لقد قالته مرة واحدة فقط. ابتسم لصغيره وأخرج هاتفه وأعطاه للصغير، فنظر له أواب وعينه تخبر أباه باقتراب نفاذ صبره. فكتم ضحكة كادت أن تخرج منه وقال: -مليني الرقم... بس أنت اللي هتتكلم على طول. هز الصغير رأسه بنعم دون كلمة أخرى وظهرت على وجهه معالم السعادة.
كانت جالسة في منتصف سريرها تبكي بلا صوت تتذكر نظرات زملائها. كيف كانت جارحة وقاسية. حتى نظرات صديقتها الوحيدة، تعلم أن زهرة لم تشك بها ولا للحظة، ولكن لن تنسى بحياتها نظرة عينيها المشككة والحذرة. لكن حقاً كانت سعيدة بثقة سفيان بها ودعمه اللا مشروط. وموقف حذيفة الجاد وتصرفه السريع والحكيم. ولكنها كلما تذكرت الصور وتذكرت تفاصيل زوجة حذيفة، فستانها، وقفتها، وضع يدها على صدره، واحاطة خصرها بيديه...
كل ذلك مؤلم، مؤلم جداً. زاد نشيجها فخبأت وجهها في وسادتها تبكي أيام مرت في عشق لم يكن لها يوماً. تبكي سعادة بعودة، يا ليتها لم تحدث. تبكي أحلام وردية وتخيلات سعيدة لن تتحقق. وحين بدأ بكاؤها في الهدوء، استمعت لصوت الهاتف. كانت تريد تجاهل الرنين، ولكن شيئاً ما جعلها تمسك بالهاتف وتنظر باندهاش لذلك الرقم غير المسجل. ظلت لثوانٍ تنظر للرقم، ثم قبلت المكالمة ووضعته على أذنها، وقبل أن تتكلم سمعت صوت طفل صغير يقول:
-جودي أنتِ كويسة؟ ظلت صامتة لبعض الوقت ثم قالت: -أواب. ابتسم الطفل في سعادة وقال: -أيوه... أنتِ بتعيطي ليه؟ اندهشت لكلماته وإحساسه بها، وأيضاً جذب انتباه الجالس أمامه أرضاً ينظر إليه الآن بتركيز. أجابته قائلة: -حبيبي أنا كويسة. أجاب سريعاً بنوع من الغضب الطفولي قائلاً: -اللي بيكذب بيروح النار... مين زعلك؟ صمتت تفكر أن ذلك الطفل به نقاء وشفافية لا وصف لها. إذا قول شيء من الحقيقة هنا هو الحل الوحيد.
-صح يا أواب، اللي بيكذب بيروح النار... أنا بس مكنتش عايزة أضايقك يا صاحبي. تكلم الصغير قائلاً: -طيب يلا قوليلي مالك. كان حذيفة يتابع حديث ابنه بتركيز واهتمام، يريد الاطمئنان عليها، وكان يخجل من محادثة صديقه. حتى أتى إليه صغيره بالحل السحري. تنهدت جودي وقالت لأواب: -حصل معايا مشكلة صغيرة كده في الجامعة... وأخويا وصديق ليه حلوها. هز الصغير رأسه بنعم وكأنها تراه، ثم قال: -خلاص اتحلت، متعيطيش تاني. ضحكت جودي وهي تقول:
-حاضر مش هعيط تاني... بس أنت عرفت منين إن أنا كنت بعيط؟ قطب الصغير جبينه وهو يقول: -سمعتك... سلام. وأغلق الخط سريعاً دون كلمة أخرى. ظلت جودي تنظر للهاتف باندهاش، لقد قال سمعتك، كيف هذا؟
لكنها ابتسمت، ذلك الطفل هون عليها ما بها حقاً. إنه طفل يجلب السعادة لكل من حوله، مؤكد حذيفة فخور به. تنهدت بصوت عالٍ وهي تمسح وجهها من تلك الدموع وقررت أن تنام حقاً حتى ترتاح وتنسى كل ما حدث. تعرف جيداً أنه صعب جداً، لكن لتحاول على الأقل. كان حذيفة ينظر لابنه باندهاش كبير ثم قال: -سمعتها... سمعت إيه؟ نظر له أواب ببراءة وقال: -أنا كنت قاعد في الأوضة بلعب... سمعت صوت جودي وهي بتعيط بس.
كان صهيب يتحدث مع أحد أصدقائه القدامى الذي قطع علاقته بهم بعد الحادث. أن زهرة بعشقها اللا متناهي تعيده للحياة. يشعر من داخله أنه عاد صهيب القديم من جديد، عاد له حبه للحياة، شعوره بالتحدي. عاد من أفكاره على صوت صديقه يقول: -صهيب حبيبي، عاش من سمع صوتك. وحشني جداً، جداً يا صاحبي. ابتسم صهيب وهو يشعر أنه أضاع منه الكثير خلال الأربع سنوات التي خاصم فيها العالم. وأجاب صديقه قائلاً: -وأنت كمان وحشني... طمني عنك يا جواد.
تكلم صديقه بسعادة حقيقية وقال: -الحمد لله اتجوزت أهو ومسكت شركة أبويا... لا وكمان ولي العهد جاي في السكة. ضحك صهيب بصوت عالٍ وهو يقول: -معقول جواد الهاشم دخل القفص؟ أنا مش مصدق والله... ألف مبروك يا صاحبي... ويصل ولي العهد بألف سلامة. بس أوعى تكون اتجوزت ميما. ضحك جواد بصوت عالٍ وهو يقول: -طبعاً يا صاحبي، حب عمري. وبعدين هنعمل إيه بقى يا صاحبي، شر لابد منه. بس طبعاً دي أحلى حاجة في حياتي.
ضحك صهيب على صديقه وقال سائلاً: -إيه هي الحكومة جنبك ولا إيه؟ أجابه صديقه سريعاً: -طبعاً يا ابني، هي معايا في كل وقت. حتى لو مش معايا هي جوه قلبي. قال صهيب: -يا عيني على الرجالة. ده أنا كنت هضرب بيك المثل، طلعنا كلنا نفس الشخص. قال صديقه سريعاً: -يبقى أنت كمان دخلت القفص مش كده؟ ابتسم صهيب وهو يجيبه قائلاً: -فتحت الباب أهو ورجل جوه ورجل بره، بس أنا داخل داخل. ضحك جواد بصوت عالٍ وهو يهتف بسعادة: -تبقى زهرة صح؟
أجابه صهيب بحب حقيقي: -طبعاً، ومين غيرها. ظل الحديث بين الأصدقاء لمدة طويلة. كانت تتابع حديث ابنها مع صديق عمره والأقرب إليه. كانت سعيدة بعودة ابنها إلى الحياة. كانت تدعو الله لزهرة التي أعادت ابنها مرة أخرى من عالم الأموات الذي دخله باختياره إلى عالم الأحياء من جديد.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!