تحميل رواية «جاريتي» PDF
بقلم سارة مجدي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
كانت تقف أمامه خائفة حقاً، هي تهابه رغم أنه يعمل لدى والدها حارساً شخصياً منذ أكثر من عشر سنوات، لكنها لم تتعامل معه، كانت دائماً تتجنبه، هل لأنه ضخم جداً وملامحه خشنة وكلامه قليل؟ كيف أصبحت زوجته الآن، بل فُرضت عليه زوجة؟ كيف ستتعامل معه، كيف بعد ما سمعته يخبر أبيها أنها ليست على قدر المسؤولية؟ أي مسؤولية تلك التي يجب أن أتحملها؟ من الواضح أن حياتي القادمة معه سوف تكون مؤلمة ومرعبة. في حديقة قصر كبير، كانت تجلس أرضاً فتاة رقيقة جميلة في عقدها الثاني، ذات بشرة خمرية جذابة وعيون عسلية لامعة، لديه...
رواية جاريتي الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم سارة مجدي
كانت زهره جالسه فى غرفتها تفكر فى كل ما حدث اليوم ... لقد صدمت حين رأت الصور لكنها تعرف صديقتها جيدا. تعلم عن عشقها لحذيفه منذ كانت صغيره ... لكن تلك الصور ولما مع حذيفه تحديدا ذلك السؤال الذى تحتاج إلى إجابه إليه ..... أمسكت هاتفها وطلبت رقمه هو الوحيد الذى تستطيع أن تحكى له كل شىء حتى أفكارها غير المقتنعه بها.
ظل رنين الهاتف حتى ظنت أنه لن يجيب ولكن بالأخير فتح الخط وسمعت صوته الحبيب وهو يقول:
- السلام عليكم.
ابتسمت وظلت صامته تستمع لصوت أنفاسه. ابتسم هو الأخر وظل صامت لبعض الوقت ثم تكلم قائلا:
- هتفضلى ساكته كتير.
ضحكت وهى تقول:
- حتى صوت أنفاسك بعشق أسمعها .... صوت أنفاسك حياه يا صهيب.
كاد قلبه ان يقفز خارج صدره من كلماتها ..يشعر ان كل الكلمات والاشعار ليس لها معنى أمام حبها له.
تكلم بصوت هادئ ولكن به حشرجه من احساسه بها:
- بحس أنى قدامك وقدام كلامك طفل صغير لسه متعلمش الكلام.
صمتت فكانت فرصته لسماع أنفاسها الذى شعر فيها بتوترها. سألها قائلا:
- مالك يا زهره.
تكلمت وقصت عليه كل ما حدث بالجامعه وكل الأفكار التى تدور داخل رأسها ... والسؤال الملح لما حذيفه بالتحديد.
أبتسم صهيب وهو يقول:
- أولا أنا شايف إللى حصل ده حسب تفكير واحد زى حازم ده طبيعى أنه يفكر يشوه سمعتها علشان رفضته كتير وزى ما قولتى أخر مره ضربته بالقلم ... فالحل الوحيد أنه يقول لكل الناس اهى إللى عامللنا شريفه و عفيفه ... وليه حذيفه بالتحديد لأنه آخر واحد دافع عنها وكمان شهد على القلم إياه.
تنهدت زهره بصوت عالى وهى تقول:
- أنا عمرى ما شكيت فى جودى يمكن صدمه الموقف ... يمكن خوف ... بس أكتر حاجه حسيتها أنى كنت محتجالك جدا. وعلشان كده كلمتك على طول بس مرات عمى قالتلى أنك نايم فقولت أجرب دلوقتى واهو بكلمك.
ضحك صهيب وهو يقول:
- امى ما قالتليش ... على العموم حقك عليا أنى كنت نايم هفضل صاحى ومش هنام ابدا علشان لما تتصلى فى أى وقت ارد على طول.
ضحكت بصوت عالى وهى تقول:
- ده أنا كده أكون جايه عليك بخسارة .... وبعدين أى حاجه فى الدنيا تستنى المهم راحتك.
صمتت قليلا ... وهو أيضا ... ثم قالت:
- صهيب.
- نعم.
ابتسمت بخفوت ثم قالت:
- أنا بحبك.
صمت تام لم يجيبها بشئ وهى أيضا ... ظلت صامته تستمع لصوت أنفاسه المرتفعة.
طال الصمت بينهم لم تمل هى ولن يتكلم هو ومر وقت طويل حتى سمع صوت زوجة عمه تتحدث إليه:
- إزيك يا صهيب ... معلش يا ابنى زهره نامت.
ضحك بصوت عالى وقال:
- ولا يهمك يا مرات عمى .. هى صوتها كان مجهد جدا.
- المهم حضرتك كويسه.
اجابته بابتسامه ناعمه ترتسم على وجهها:
- الحمد لله يا ابنى والله .... وأنت يا حبيبى طمنى عليك.
قال سريعا:
- انا كويس جدا الحمد لله والحقيقة الفضل كله لزهره.
كانت سعيده بكلماته. صهيب هو الولد التى تمنته ولم تنله يوما ... فالقدير تفضل عليها بزهره ثم ابتلاها ولم تنجب بعدها.
قالت برضا وسعاده:
- اهم حاجه سعادتكم يا ابنى.
تنحنح بصوت عالى ثم قال:
- مرات عمى كنت عايز اطلب من حضرتك طلب.
اجابته سريعا:
- اكيد يا حبيبى.
صمت لثوانى ثم قال:
- انا عايز أعمل مفاجئه لزهره ممكن تساعدينى.
ضحكت وهى تقول:
- أكيد طبعا. قولى عايز أيه وأنا أعمله.
عاد سفيان و جودى إلى البيت بعد ان اتفقا على عدم أخبار أمهم بشئ.
كانت نوال تجلس فى صاله منزلها بعد إصرار مهيره على غسل الصحون. دخل سفيان قبل رأسها وجلس بجانبها وجلست جودى على الكرسى المنفرد بعد ان حيت أمها بقبله على خدها كما هي العاده.
سألتهم قائله:
- أنت جيت بدرى ليه يا سفيان ... وكمان جودى جايه بدرى فى حاجه ولا أيه يا ولاد.
نظر سفيان لجودى ثم ابتسم لأمه وقال:
- ابدا يا ست الكل ... انا جيت بدرى علشان نتغدى بدرى وأخد مهيره ونخرج شويه واهو نتعرف شويه وتاخد عليا.
- و جودى كان فى إحتفال فى الكليه النهارده فلغوا المحاضرات.
ثم نظر حوله ثم سأل:
- هى فين مهيره صحيح.
حركت نوال رأسها بلا معنى وقالت:
- فى المطبخ بتغسل المواعين.
ظهرت معالم الاندهاش على وجه سفيان وجودى التى ترجمت اندهاشها قائله:
- مهيره الكاشف بنت راجى باشا الكاشف بتغسل المواعين جباره يا نوال.
ضحك سفيان وهو يتحرك من مكانه ليذهب لتلك القابعه بالمطبخ.
وقف عند الباب ينظر إليها وهى تتعثر فى كل حركه ولكنها تحاول بكل جهد ان تنجح.
اقترب منها بهدوء ووقف خلفها مباشره ثم قال:
- أنا متفاجئ الحقيقه.
شهقت بصوت عالى وهى تلتفت إليه ويديها كلها صابون لتكون بين يديه داخل حضنه لا يفصل بينهم أى شىء.
عينيها غارقه فى لون عينيه المميز ....ظل ينظر إليها وقلبه يضرب صدره بقوه يكاد يخرج من صدره. كم حلم وتمنى ان تكون بين يديه فى حضنه وبين ذراعيه. كم تمنى ان يرى الحب والشوق بعينيها بدل الخوف والرعب. نعم هى بين يديه نعم داخل حضنه عينيها فى عينيه ولكن ليس هناك الشوق والحب والغرام ولكن أيضا ... لا يجد خوف ورعب يجد راحه و امان وذلك اهم لديه واسعده جدا. والأكثر اسعادا ... انها تنظر إلى عينيه دون نفور.
اقترب وجهه إلى وجهها وهو يقول:
- مهيره الكاشف بتغسل مواعين. انا حقيقى مش مصدق عنيا.
تململت بين ذراعيه وهى تقول:
- عارفه أنك شايفنى فاشله. عارفه مش محتاج تقولى.
ضحك على تذمرها وتفكيرها وقال:
- فين الفاشله دى. هى الفاشله دى تقدر تعمل حاجه لأول مره وتبقا بالشطاره دى .... انا مش شايف هنا حد فاشل ... انا شايف واحده قادره تكون إللى هى عايزاه فى اى وقت وتحت اى ظروف.
كانت نظراتها كلها رجاء وتلمع من كثرة الدموع المتجمعه بها.
أكمل كلماته ومازالت تلك الابتسامه المحبه المشجعه ترتسم على ملامحه:
- وبعدين أنا مسمحلكيش تقولى على مراتى فاشله ... أنا مراتى أحسن واحده فى الدنيا .... وحتى لو مش بتعرف تعمل اى حاجه .... هى بتتعلم بسرعه و لماحه وذكيه ... وأنا بحبها.
كانت وجنتيها تتحول من الوردى إلى الأحمر القانى مع كل كلمه حتى قال الكلمه الأخيره رفعت عينيها إليه تنظر له باندهاش وتساؤل.
ظل هو ينظر إليها عيناه تنطق بحب كبير وعشق لا نهايه له ولكنها خائفه لا تصدق. كسى الحزن وجهها وهى تقول:
- أنت بتضحك عليا. إمتى حبيتنى.
اقترب أكثر وهو يقول:
- عايزه تعرفى.
- من أول يوم جيت القصر وشفتك فيه وأنت لابسه يونفورم المدرسه وبالشريط الأبيض فى شعرك ... وكنت بتقولى لزينب ... " نجحت يا داده وكمان طلعت الأولى ... وكل البنات إللى كانوا ديما بيتريقوا عليا ويقولولى يا عارجه كانوا بيسقفولى ".
- وفضلتى تلفى حوليها وأنت بتغنى الناجح يرفع إيده.
كانت تنظر إليه وهى تشعر أنها لأول مره تراه حقا. هل يتذكر ذلك اليوم أنها لم تذكره منذ مده حتى تكلم عنه الأن .... ولكنها تذكرت تلك المكالمه وكلماته العنيفه والقويه لتلك المرأه .... اخفضت بصرها عنه ولكنه لم يسمح لها وكأنه قرأ ما بداخلها فقال:
- النهارده هنخرج سوى ... و أوعدك أنى أحكيلك النهارده كل حاجه عنى. متفقين.
حركت رأسها بنعم وهى تشعر بخجل. أبتسم على ذلك الخجل الذى ينوى ان يقضى عليه الأن.
اقترب منها واحضتنها وفى لحظه خاطفه كان يختطف شفتيها فى قبله حلم بها لسنوات. قبله يروى بها قلبه المشتاق لها. قبله نسى بها أين هم ونسى من حوله. كانت هى فى عالم آخر حين أخذها على حين غره فى تلك القبله. لم تشعر بشئ سوى الخوف. ولكن وبعد لحظات كانت تشعر بالأمان بين ذراعيه. ولأول مره تشعر بذلك الأحساس. تلك القبله حركت بها مشاعر لم تجربها من قبل. مشاعر جعلت قلبها ينبض بقوه داخل صدرها وكأنه عصفور داخل قفص و يحاول الخروج منه والتحليق بعيدا جدا.
ابتعد عنها حين شعر بحاجتهم إلى الهواء ووضع جبينه فوق جبينها وقال بكل شوقه ولهفته وحبه الظاهر فى عينيه:
- بحبك ... بحبك يا مهيره.
رواية جاريتي الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم سارة مجدي
كانت وجبة الغداء ثقيلة جداً على جودي، كانت تود أن تختلي بنفسها في غرفتها تبكي وتبكي، تفكر وتحلل. كانت تشعر أنها تختنق بالبطء. انتهت سريعاً ووقفت وهي تقول بمرح مصطنع:
- خلاص كده السرير يناديني... تسلم إيدك يا نونو.
يفهم سفيان ذلك المرح المصطنع، ولاحظته مهيرة. أما نوال فتعرف أن هذا الشيء عادة في ابنتها، فلم تعطِ الموضوع أكبر من حجمه. حتى لو أنبأها حدثها أن هناك شيء غير عادي في ابنتها، ابتسمت لها وحركت رأسها بنعم.
كانت مهيرة تشعر بتغير جودي وأن هناك شيء يشغل بالها، ولكنها خجلت أن تسألها. أولاً هي لم يمر على بقائها أكثر من أسبوع، ثانياً هي لا تعرف طبيعة جودي، فخجلت من سؤالها.
نظر لها سفيان وهي سارحة وتمسك بيدها قطعة خبز أمام فمها ولا تأكلها. ابتسم على طلتها اللذيذة تلك، فاقترب من أذنها وقال:
- لو ماكنتش أمي قاعدة كنت أكلتك إللي في إيدك ده بطريقتي.
اتسعت عيناها من كلماته ونظرت للسيدة نوال سريعاً، فوجدتها لا تنظر إليهم.
فعادت بنظرها إليه وهي مقطبة الجبين وعيونها مليئة بالغضب. وقالت بهمس:
- أنت... أنت قليل الأدب على فكرة.
ضحك بصوت عالٍ جعل نوال تنظر إليهم، فاخفضت مهيرة رأسها وهي تعض على شفتها السفلية في حرج.
فقالت نوال وهي تبتسم على ضحكة ابنها:
- طيب ضحكني معاك.
نظر لتلك الخجلة بجانبه ثم عاد بنظره إلى أمه وغمز لها وقال:
- أصل مهيرة بتقول عليا قليل الأدب.
نظرت له مهيرة وهي فارغة الفاه، ثم سمعت ضحكة نوال وهي تقول:
- معرفتش أربي، هنقول إيه بس. مقلتليش يا مهيرة هو عمل إيه عشان تقوليله يا قليل الأدب؟
وضحكت بصوت عالٍ وشاركها الضحك سفيان. فوقفت مهيرة سريعاً وركضت إلى غرفتها.
نظرت نوال إلى وحيدها وربتت على يديه وقالت:
- سعيدة جداً أنها بطلت تخاف منك... ربنا يسعدك يا ابني.
قبل يديها وهو يقول:
- لسه الطريق طويل بس دعاكي معايا يا أمي.
حين عاد حذيفة إلى بيته كان يشعر بالارتباك من ذلك الحلم الذي تمنى وقتها أن يكون حقيقة، ولكن بنهاية مختلفة. لماذا عاد ذلك الإحساس؟ كان يظن بعد زواجه من ماري ونسيانه لجودي طوال فترة زواجه وبعدها أنها لم تكن حب حقيقي. لكن من وقت ملاحظته لتحرشات حازم بها، عاد تفكيره بها وأقوى من الأول. أصبح يحلم بها وليس فقط وهو نائم، بل مستيقظ أيضاً. ماذا عليه أن يفعل؟ هل ستقبل به أم ما زالت تراه مجرد أخ كبير تلجأ إليه حين تحتاج دعم أمام سفيان؟ وإن قبلت به زوجاً، هل ستتقبل وجود أواب وظروفه الصحية؟ تنهد بصوت عالٍ وعقله يسحبه لمكان آخر في التفكير. هل قلبها خالٍ من الأساس أم هناك من يسكن قلبها ويشغل عقلها؟
استفاق من شروده على صوت أواب وهو يقول:
- بابا مين ضايقك؟
نظر له حذيفة وابتسم وهو يقترب منه وقبل أعلى رأسه وقال:
- مفيش حد مضايقني... أنا بس مرهق شوية.
لوى أواب شفتيه في حركة طفولية وقال:
- أنا عايز أشوف جودي.
قطب حذيفة جبينه وهو ينظر لابنه بتركيز. ثم قال:
- عايز تشوف جودي؟ جودي مين؟
نظر له أواب نظرة غريبة وقال:
- جودي أخت صاحبك... أنا عايز أشوفها.
لم يندهش من تذكر أواب لجودي، فهو يعرف ذاكرة ابنه جيداً. وأيضاً جودي تركت بصمة قوية بابنه حين كانوا لديهم، فهي لم تعامله كطفل بل تعاملت معه على أنه شخص ناضج وكانت تناقشه وتستمع لرأيه وتجادله.
عاد بتركيزه إلى ابنه الذي كان ينتظر رده فقال له:
- حاضر هبقى أسأل سفيان ينفع نروح لهم إمتى.
حرك أواب رأسه بلا وقال:
- عايز أكلمها... هي قالتلي لو عايز تكلمني كلمني في أي وقت.
قطب حذيفة جبينه وقال:
- ماشي يا حبيبي بس أنا مش معايا رقمها... ومش عارف دلوقتي سفيان في البيت ولا لأ.
نظر أواب إلى سقف الغرفة وقال:
- أنا معايا رقمها يا بابا.
وأكمل قائلاً:
- حتى رقمها هو... 010...
نظر له حذيفة وهو مندهش، صحيح كان يعلم عن ذكائه وذاكرته، ولكن لم يتخيل أنه حفظ رقمها حين قالته له. لقد قالته مرة واحدة فقط. ابتسم لصغيره وأخرج هاتفه وأعطاه للصغير، فنظر له أواب وعينه تخبر أباه باقتراب نفاذ صبره. فكتم ضحكة كادت أن تخرج منه وقال:
- مليني الرقم... بس أنت اللي هتتكلم على طول.
هز الصغير رأسه بنعم دون كلمة أخرى وظهرت على وجهه معالم السعادة.
كانت جالسة في منتصف سريرها تبكي بلا صوت تتذكر نظرات زملائها. كيف كانت جارحة وقاسية. حتى نظرات صديقتها الوحيدة، تعلم أن زهرة لم تشك بها ولا للحظة، ولكن لن تنسى بحياتها نظرة عينيها المشككة والحذرة.
لكن حقاً كانت سعيدة بثقة سفيان بها ودعمه اللا مشروط. وموقف حذيفة الجاد وتصرفه السريع والحكيم.
ولكنها كلما تذكرت الصور وتذكرت تفاصيل زوجة حذيفة، فستانها، وقفتها، وضع يدها على صدره، واحاطة خصرها بيديه... كل ذلك مؤلم، مؤلم جداً. زاد نشيجها فخبأت وجهها في وسادتها تبكي أيام مرت في عشق لم يكن لها يوماً.
تبكي سعادة بعودة، يا ليتها لم تحدث.
تبكي أحلام وردية وتخيلات سعيدة لن تتحقق.
وحين بدأ بكاؤها في الهدوء، استمعت لصوت الهاتف. كانت تريد تجاهل الرنين، ولكن شيئاً ما جعلها تمسك بالهاتف وتنظر باندهاش لذلك الرقم غير المسجل.
ظلت لثوانٍ تنظر للرقم، ثم قبلت المكالمة ووضعته على أذنها، وقبل أن تتكلم سمعت صوت طفل صغير يقول:
- جودي أنتِ كويسة؟
ظلت صامتة لبعض الوقت ثم قالت:
- أواب.
ابتسم الطفل في سعادة وقال:
- أيوه... أنتِ بتعيطي ليه؟
اندهشت لكلماته وإحساسه بها، وأيضاً جذب انتباه الجالس أمامه أرضاً ينظر إليه الآن بتركيز.
أجابته قائلة:
- حبيبي أنا كويسة.
أجاب سريعاً بنوع من الغضب الطفولي قائلاً:
- اللي بيكذب بيروح النار... مين زعلك؟
صمتت تفكر أن ذلك الطفل به نقاء وشفافية لا وصف لها. إذا قول شيء من الحقيقة هنا هو الحل الوحيد.
- صح يا أواب، اللي بيكذب بيروح النار... أنا بس مكنتش عايزة أضايقك يا صاحبي.
تكلم الصغير قائلاً:
- طيب يلا قوليلي مالك.
كان حذيفة يتابع حديث ابنه بتركيز واهتمام، يريد الاطمئنان عليها، وكان يخجل من محادثة صديقه.
حتى أتى إليه صغيره بالحل السحري.
تنهدت جودي وقالت لأواب:
- حصل معايا مشكلة صغيرة كده في الجامعة... وأخويا وصديق ليه حلوها.
هز الصغير رأسه بنعم وكأنها تراه، ثم قال:
- خلاص اتحلت، متعيطيش تاني.
ضحكت جودي وهي تقول:
- حاضر مش هعيط تاني... بس أنت عرفت منين إن أنا كنت بعيط؟
قطب الصغير جبينه وهو يقول:
- سمعتك... سلام.
وأغلق الخط سريعاً دون كلمة أخرى.
ظلت جودي تنظر للهاتف باندهاش، لقد قال سمعتك، كيف هذا؟ لكنها ابتسمت، ذلك الطفل هون عليها ما بها حقاً. إنه طفل يجلب السعادة لكل من حوله، مؤكد حذيفة فخور به. تنهدت بصوت عالٍ وهي تمسح وجهها من تلك الدموع وقررت أن تنام حقاً حتى ترتاح وتنسى كل ما حدث. تعرف جيداً أنه صعب جداً، لكن لتحاول على الأقل.
كان حذيفة ينظر لابنه باندهاش كبير ثم قال:
- سمعتها... سمعت إيه؟
نظر له أواب ببراءة وقال:
- أنا كنت قاعد في الأوضة بلعب... سمعت صوت جودي وهي بتعيط بس.
كان صهيب يتحدث مع أحد أصدقائه القدامى الذي قطع علاقته بهم بعد الحادث. أن زهرة بعشقها اللا متناهي تعيده للحياة. يشعر من داخله أنه عاد صهيب القديم من جديد، عاد له حبه للحياة، شعوره بالتحدي.
عاد من أفكاره على صوت صديقه يقول:
- صهيب حبيبي، عاش من سمع صوتك. وحشني جداً، جداً يا صاحبي.
ابتسم صهيب وهو يشعر أنه أضاع منه الكثير خلال الأربع سنوات التي خاصم فيها العالم. وأجاب صديقه قائلاً:
- وأنت كمان وحشني... طمني عنك يا جواد.
تكلم صديقه بسعادة حقيقية وقال:
- الحمد لله اتجوزت أهو ومسكت شركة أبويا... لا وكمان ولي العهد جاي في السكة.
ضحك صهيب بصوت عالٍ وهو يقول:
- معقول جواد الهاشم دخل القفص؟ أنا مش مصدق والله... ألف مبروك يا صاحبي... ويصل ولي العهد بألف سلامة. بس أوعى تكون اتجوزت ميما.
ضحك جواد بصوت عالٍ وهو يقول:
- طبعاً يا صاحبي، حب عمري. وبعدين هنعمل إيه بقى يا صاحبي، شر لابد منه. بس طبعاً دي أحلى حاجة في حياتي.
ضحك صهيب على صديقه وقال سائلاً:
- إيه هي الحكومة جنبك ولا إيه؟
أجابه صديقه سريعاً:
- طبعاً يا ابني، هي معايا في كل وقت. حتى لو مش معايا هي جوه قلبي.
قال صهيب:
- يا عيني على الرجالة. ده أنا كنت هضرب بيك المثل، طلعنا كلنا نفس الشخص.
قال صديقه سريعاً:
- يبقى أنت كمان دخلت القفص مش كده؟
ابتسم صهيب وهو يجيبه قائلاً:
- فتحت الباب أهو ورجل جوه ورجل بره، بس أنا داخل داخل.
ضحك جواد بصوت عالٍ وهو يهتف بسعادة:
- تبقى زهرة صح؟
أجابه صهيب بحب حقيقي:
- طبعاً، ومين غيرها.
ظل الحديث بين الأصدقاء لمدة طويلة. كانت تتابع حديث ابنها مع صديق عمره والأقرب إليه. كانت سعيدة بعودة ابنها إلى الحياة. كانت تدعو الله لزهرة التي أعادت ابنها مرة أخرى من عالم الأموات الذي دخله باختياره إلى عالم الأحياء من جديد.
رواية جاريتي الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم سارة مجدي
ظلت مهيره جالسه فى غرفتها تشعر بالخجل حين دخل سفيان إليها ليجدها جالسه على الأرض تستند بظهرها على السرير.
وقف أمامها، لم ترفع رأسها ولم تنظر إليه. فجلس أمامها وهو يقول:
- طيب هو أنا قولت إيه علشان تقولي عليا قليل الأدب وقدام أمي كمان.
رفعت عينيها تتجمع بها الدموع وقالت:
- أنا آسفة والله مقصدتش... وبعدين إنت اللي قولتلها، أنا صوتي كان واطي... بس أنا فعلاً آسفة أرجوك سامحني والله مقصد، هي طلعت لوحدها.
رق قلبه لطيبتها الشديدة، ومع تلك الدمعة التي هربت من عينيها لتسيل على طول خدها وتستقر فوق شامتها، تحركت تفاحة آدم وهو يتخيل أنه يتذوق طعم تلك الدمعة على شامتها التي يعشقها بجنون. ولكنه لم يترك الفرصة وسوف يستغلها. اقترب منها بهدوء يناقض النار التي تشتعل بداخل قلبه وروحه وهو يقول:
- أنا مش زعلان، وهي إيه المشكلة لما الراجل يكون قليل الأدب مع مراته.
وفي لحظة كان يتذوق طعم تلك الشامة حين تتكلم وتتحرك، يشعل بداخله دائماً بالرغبة في تقبيلها. كان يفكر في كل ذلك وهو يتعمق في قبلته أكثر وأكثر، حتى سمع تأوهها فابتعد عنها ليجد لون الجلد حول الشامة تحول للأحمر القاني. كانت تنظر إلى الأرض في خجل شديد من استجابتها له وذلك الإحساس الرائع الذي يجعلها تشعر به كلما اقترب منها. ظل ينظر إليها وهو يحاول تهدئة مشاعره التي تطالبه بالمزيد، أنها شهية ولذيذة، خجلة وبريئة. سيعلمها هو كل فنون الحب وسيسعد كثيراً وهو يعلمها. ثبت نظره إلى عينيها وهو يكاد يجزم بما تفكر.
فقترب منها وهو يقول:
- أنا بحبك جداً... أتمنى في يوم أنك تحبيني ولو عشر حبي... وبعدين إنتِ مراتي يعني اللي حصل دلوقتي عادي يحصل ما بينا وفي الأكبر من كده... مش هقولك بلاش خجل هقولك حاولي تحبيني.
ثم قبل أعلى رأسها وقال:
- يلا بقا جهزي نفسك علشان هنخرج.
هزت رأسها علامة الموافقة وتحركت لتخرج ثيابها.
ابتسم على تلك الطفلة بداخلها التي تحتاج التدليل... والمراهقة التي تحتاج إلى احتواء... والمرأة التي تحتاج للحب والعشق.
استيقظت زهره من نومها وهي تتذكر أنها كانت تتحدث مع صهيب... كيف غفت... وضعت يدها على جبينها تدلكه ثم على فمها تكتم ضحكة مرحة كادت أن تخرج منها وكأن هناك من يراقبها وسيخبره أنها تضحك.
أمسكت هاتفها واتصلت به.
كان جالساً يفكر ويرتب كل أفكاره حتى تكون مفاجأة رائعة، فهي تستحق... وهو يريد تعويض كل ما فات. إذا لم يعد يبصر فلديه البصيرة وهذه أهم وأقوى لأن مركزها القلب وليس العين. استمع إلى صوت الهاتف برنينه الناطق باسمها المحبب. ابتسم حين تذكر نومها وهو معها على الهاتف. حين استقبل المكالمة قال سريعاً:
- يا صباح الخير بالليل... كده تطلعيلي ممل وممكن أي حد ينام مني وهو بيتكلم معايا.
انطلقت ضحكتها التي حاولت باستماتة إمساكها وقالت بصوت متقطع من كثرة الضحك:
- أنا... آسفة... بس كنت بجد تعبانة جداً... ولو سمحت متقولش على "سيدي" ممل.
كان يضحك معها وسكت حين سمع اعتذارها وقطب جبينه ونغز قلبه مع كلمة "سيدي" الأخيرة.
قال باهتمام:
- تعبانة مالك يا زهره.
ابتسمت من حبه الخالص لها الذي حاول حرمانها منه وقالت:
- ابداً بس ضغط اليوم والموقف اللي حصل... وبصراحة كنت مضايقة من نفسي جداً عشان تفكيري ومعاملتي الجافة لجودي... وبفكر أروح لها أصالحها.
حاول بكل قوته تجاهل الكلمة التي تؤلمه وقال:
- فكرة حلوة روحي لها لأن أكيد هي مش هتروح الجامعة بكرة.
قالت سريعاً لمعرفتها القوية بصديقتها:
- لا هتروح، جودي مبتهربش بتواجه... ويمكن دي أقوى ميزة فيها.
صمت لا يستطيع الكلام... وهو يفكر لماذا قالت هذه الكلمة مرة أخرى.
نـادته بصوتها الناعم الجذاب كاد قلبه يخرج من مكانه ويركع أمامها يرجوها أن تظل تكرر الاسم مراراً وتكراراً.
ظل على صمته فـأعادت النداء فقال مباشرة دون مراوغة:
- إنت ليه قولتي كده تاني مش إحنا اتفقنا وقفلنا الصفحة دي.
ظلت صامتة للحظة تحاول تجميع الموقف ماذا قالت وضايقته. ظلت تتذكر كل كلماتها حتى وقفت عندها على هذه الكلمة، هي ما قلبت كيانه هكذا.
تكلمت أخيراً قائلة:
- أنا آسفة إن ضايقتك... بس أنا عايزة أقولك حاجة...
أنا الكلمة دي هقولها كتير على فكرة كل مرة هتزعل كده.
كانت أصوات أنفاسه العالية تخبرها أنه على وشك الانفجار، فأكملت سريعاً قائلة:
- أيوه يا صهيب هقولها كتير... لأنك حبيبي وروحي وسيدي... أيوه سيدي، تعرف أنا قد إيه تخيلت إننا لما نبقى في بيت واحد وأعملك كل حاجة بإيدي، تخيلت وأنا كل يوم لما أقعد تحت رجليك وأسند راسي على رجلك وأحكيلك كل يوم حبيتك إزاي وامتى... لما كل يوم الصبح أحضرلك الفطار وأجبهولك في السرير وأكلك بإيدي... حلمت أعيش حياتي كلها جنبك بتفاصيل كتير... وفي يوم أنت قتلت كل أحلامي لما كنت بتقنعني بالعريس اللي اتقدم لبابا... ساعتها فضلت أعيط كتير جداً وفضلت أصلي وأدعي ربنا إنك بس توافق تتجوزني وإن أنا هفضل ساعتها خدامة تحت رجليك... ومش هقولك غير يا سيدي... فأنت سيدي وسيد قلبي وسيد روحي... فهمت يا سيدي.
كانت كلماتها تفتح أبواب وشبابيك داخل عقله... وتترك بصمة وردية على قلبه... كان سعيد جداً بكلماتها... وكان حزين أيضاً لكل تلك الأيام التي مرت دون أن يثبت حبه لها. تنهد بصوت عالٍ وهو يقول:
- مش عايزك تعتذري تاني لأي سبب حتى لو غلطانة في حاجة، مش عايزك تقولي أنا آسفة دي تاني مفهوم.
ضحكت بصوت عالٍ وهي تقول:
- مفهوم يا سي السيد.
قطب جبينه وقال مستفهماً:
- مين سيد ده.
فضحكا سوياً وتكلما كثيراً، فقط أصبح يعشق الكلام معها، يشعر أن العالم كله بين يديه. انتهت المكالمة بعد أن أخذت منه الإذن بطريقتها المرحة للذهاب لصديقتها، ثم أغلقت معه حتى تذهب إلى صديقتها وتعتذر منها.
خرجت مهيره من الحمام بعد ارتدائها فستان أسود يصل إلى أسفل ركبتيها ومن الخلف طويل يصل إلى الأرض بأكمام من الشيفون الرقيق وفتحة صدر مربعة مطرزة بحبات اللؤلؤ الصغيرة. وكانت ترتدي حذاء فضي بكعب صغير نسبياً حتى تستطيع السير وحقيبة من نفس اللون. كانت تسير بخجل، هي لا تحب ارتداء تلك الفساتين وتلك الأحذية التي تظهر عرجها بوضوح مؤكد. الآن سيرفض الخروج معها... مؤكد سوف يشعر بالحرج منها... وإن لم يفعل الآن ستكون تلك المرة الأولى والأخيرة.
كان ينظر إليها مأخوذاً بجمالها ورقتها، شعرها التي تركتها حرة خلف ظهرها، فستانها الرقيق الناعم، يدها التي تمسك بالحقيبة وكأنها طوق النجاة... وأخيراً تلك القدمين الصغيرتين داخل حذاء فضي رقيق. كم يعشق تفاصيلها ورقتها. نظر إلى وجهها ليجد خجلها الواضح على ملامحها ولكن عينيها بها خوف.
تقدم منها في هدوء ووقف أمامها مباشرة وهو يقول:
- طيب أنا أخرج معاكي إزاي كده.
رفعت عينيها إليه، لم تكن تتوقع أن يقولها هكذا مباشرة. ولكن لماذا تلومه؟ فقالت والدموع تترقرق في عينيها:
- أنا آسفة بس مش بإيدي... أنا كنت عارفة إنك هتحرج من الخروج معايا بعرجي ده... أنا آسفة.
وتحركت من أمامه لكي تدخل الحمام تبدل ملابسها.
أمسك يدها يمنعها من الحركة. هو تفاجأ من كلماتها، هو لم يقصد ما فكرت به، كيف لم تفهم... صدقاً، هو لم يلاحظ عرجها ولم يلتفت إليه. كل ما شغله هو أن هذه الملاك ستخرج معه إلى الشارع، مؤكد سيرتكب جريمة ومن الممكن أنه اعتاد على طبيعة مشيتها فلم يلاحظها الآن. والأهم أن هناك الأهم من عرجها، ذلك الجمال الخلاب الذي يشاهده ويتمتع به.
قال لها بغضب مكتوم وصوته يخرج من خلف أسنانه:
- إحراج إيه وأخاف إيه... إنتِ فاكرة أنا بقول كده عشان إيه... أنا بقول إن في ملاك قدامي هخرج معاكي إزاي وسط البشر... لازم حماية... أنا ممكن أقتل حد النهاردة.
نظرت له لا تصدق ما تسمع. كانت تتمنى أن تسأله هل صحيح لا يفرق معك عجزي... قالت وقد بدأت تلك الدمعات بالأفراح عن نفسها:
- معقول مش فارق معاك إن مراتك عارجة... مش فارق معاك الناس هتقول إيه... ولا هتبصلنا إزاي.
ابتسم بتهكم وقال:
- ناس إيه يا مهيره... الناس مش وراها أي حاجة غير الكلام... وبعدين الناس تهمني في إيه... يجو الناس دي يشوفوكي بعيوني أنا... وساعتها هيعرفوا أنا ربنا بيحبني أوووي علشان رزقني بيكي.
كاد قلبها يتوقف من شدة السعادة والخجل.
حين خرجا من الغرفة كانت جودي تجلس أمام التلفاز، وحين رأت تلك الطلة الرائعة لمهيرة وبجانبها أخيها بتلك البدلة التي زادت من وسامته وأعطته هيبة وطلة رائعة... أطلقت صفير عالٍ وقالت:
- لا لا كده كتير بصراحة... يعني أخويا وأنا عارفة إنه شاب وسيم وهيبة... لكن المزة الحلوة دي أنت مش خايف تتخطف منك وأنت نازل بيها زي الملايكة أما تشوفها.
ضحكت مهيرة بخجل.
وشاركها سفيان الضحك لكن بصوت عالٍ وقال:
- آه يا جودي وردة تحلم تقطفها... بس هي ترضى.
زاد احمرار وجه مهيرة ولكن جودي صـفقت بيدها وهي تقول:
- أخويا وقع يا رجالة...
ونظرت لمهيرة قائلة:
- سرك باتع... سفيان أخويا الراجل بزيادة... وقع في هواكي... ويخر ساجداً تحت قدميكي ويقول:
والنبي ده حرام.
ضحك سفيان على تقليد أخته للفنان سمير غانم في إحدى الأفلام مقلداً هو الآخر أحمد مظهر قائلاً:
- شنجهاي شنجهاي... افرنقع.
عمت الصالة ضحك هستيري... لم ترَ مهيرة سفيان على حقيقته إلا الآن، إنسان محب طيب القلب، أخ يحتوي وابن حاني وزوج متفهم... رجل مرح يقبل المزح... دائم الضحك. إذاً لماذا كان دائماً في القصر مقطب الجبين عصبي المزاج. أفاقت من أفكارها على صوت السيدة نوال تقول مقلدة عبد المنعم إبراهيم من نفس الفيلم قائلة:
- إنت ولد خنزئورة عايز تاخد حفيدي دونا... إنت ولد أدب سيس خرسيس.
ضحك الجميع في سعادة حين قال:
- خلاص يا جماعة بقا الفيل بري تعب من كتر الوقفة... وبعدين أنا راكنه صف تاني أخاف الزلومة تتسحب مني...
ثم نظر لمهيرة التي كانت تبتسم في سعادة جعلت قلبه يرفرف داخل صدره وقال:
- اتفضلي يا سمو الأميرة شاه فاضل قصدي يا مهيرة.
ضحكت مهيرة بصوت عالٍ وهي تشاركه اللعبة:
- اتفضل يا أستاذ عادل صبري.
كانت الضحكات تعم المنزل.
فتح لها الباب وهو يشير لها بالخروج، ولكنها ظلت واقفة في مكانها تنظر لتلك التي تقف أمام الباب.
حين لاحظ سفيان نظراتها، نظر إلى الخارج ليجد زهرة تقف في حرج.
ابتسم لها وقال:
- أهلاً آنسة زهرة، اتفضلي.
ثم أشار إلى مهيرة وقال:
- مهيرة مراتي، الآنسة زهرة صاحبة جودي وزميلتها في نفس الكلية.
وأشار لزهرة قائلاً:
- اتفضلي جودي جوه، عن إذنك.
وخرج، أغلق الباب خلفه وهو يغمز لتلك التي تسير بجانبه.
لكن نظرها مثبت عليه هو.
فقال:
- عارف إني حليوة واتعاكس، بس لو سمحتي متعاكسنيش علشان أنا بخاف من مراتي.
ضحكت بصوت عالٍ وهي تقول:
- عارف، أنا نفسي أعرفك.
نظر لها بحب صادق وقال:
- أنا كلي ملكك، هنروح مكان دلوقتي وهتعرفي كل حاجة وأي حاجة.
خطت زهرة إلى الداخل بقلق، وحين لمحتها جودي وقفت سريعاً تقول باندهاش:
- زهرة.
وقفت زهرة مكانها وقالت:
- أنا جايه أعتذر.
تغيرت تعابير وجه جودي، وأشارت لها بعينيها على أمها، ففهمت زهرة أن السيدة نوال لا تعلم شيئاً عما حدث في الجامعة.
فتقدمت منها وألقت التحية، التي ردتها لها السيدة نوال بترحاب وسعادة.
ثم تركت الصديقتان بعد كلمة زهرة "أنا جايه أعتذر"، إذاً فسبب تغير مزاج ابنتها هي مشاجرة بينها وبين صديقتها، ففضلت تركهم بمفردهم.
جلست زهرة أمام جودي وقالت:
- أنا آسفة يا جودي، سامحيني أرجوكي.
ظلت جودي صامتة تنظر إليها بلوم وعتاب، صمت جعل أحشاء زهرة تتلوى ألماً.
هل خسرت صديقتها إلى الأبد؟
رواية جاريتي الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم سارة مجدي
ظلت جودي على صمتها تنظر إلى صديقتها بهدوء دون كلمة.
تكلمت زهرة بتوتر قائلة:
- أنا عارفة إن من حقك تزعلي، بس لازم تعرفي أنا عمري ما شكيت فيكي. أنا بس اتفاجئت يا جودي. أنا أكتر واحدة عارفة قصتك. للحظة واحدة بس تخيلت إن ممكن يكون حصل ما بينكم زمان ارتباط. لكن الفستان اللي كنتي المفروض لابساها عرفت وتأكدت إنك مش اللي في الصورة. أنا بعتذر لك يا جودي وممكن متسمحينيش، بس ارجوكي أوعي أخسرك. إلا خسارتك يا جودي.
ظلت جودي صامتة تنظر لزهرة ثم قالت:
- أنا النهاردة أخدت قلم فوقني من حاجات كتير كنت فاكرة إني أقدر أعملها. لكن الحقيقة عكس كده تماماً. أنا النهاردة انجرحت واتهنت. مش قادرة أنسى نظرة الطلبة ليا في الكلية. ولا هقدر أنسى كل اللي حصل.
تنهدت بصوت عالٍ، وهي تشبك يديها وتقول:
- مش هنكر إني اتجرحت منك جداً. ونظرة عينك وجعتني. وكمان مش هقدر أقول إني صافية تماماً من ناحيتك. لكن إنتِ صحبتي الوحيدة يا زهرة وأكيد مش هخسرك.
وصل سفيان ومهيرة إلى المكان المحدد، كان مطعم راقٍ وهادئ. رواده قلائل. اختار سفيان طاولة جانبية تطل على النيل. سحب سفيان الكرسي فجلست مهيرة التي لم ترفع وجهها من لحظة دخولهما. جلس مكانه أمامها وقال:
- حرمانِي من عيونك ليه؟
رفعت عينيها تنظر إليه. وجدت في عينيها خوف وقلق وعدم ثقة. تعرف سببها ومسببها أيضاً.
ابتسم لها بحنان يفيض من عينيه لها ومن أجلها وقال:
- أنا بحب لون عينيكي جداً.
نظرت له باندهاش وقالت بعدم ثقة:
- عيني أنا؟ أومال لون عينيك يتقال عليها إيه؟
قال بغرور مصطنع:
- أنا عارف طبعاً إن عيني لونها تحفة ومختلف. بس إنتِ مش ملاحظة الجرح البشع ده؟
نظرت له طويلاً ثم قالت:
- عارف بالجرح ده أنت شبه مين؟
نظر لها باهتمام وقال:
- شبه مين؟
ابتسمت بخجل وقالت:
- مرة قرأت رواية والبطل كان عنده جروح كتير في كل وشه وجسمه بسبب إنه اتعرض لحادثة وشوهته وكان دايماً بيحس بالحرج. لكن البطلة حبته بالجروح دي، واتجوزته وخلفت منه كمان، واتحدت العالم كله.
وأنت جاي تتكلم عن جرح صغير. لون عيونك وضيها مغطي على أي جرح.
كان مأخوذاً بكلماتها وصدقها. ابتسم بسعادة وقال:
- تعرفي أنا كنت على طول بلبس نظارة الشمس. مش علشان الناس. علشان كنت خايف منك إنتِ.
اندهشت من كلماته وقالت:
- مني أنا؟ ده أنا كنت بخاف منك جداً. كنت بترعب.
أدركت ما قالته من نظرة عينيه ووضعت يدها على فمها. ثم قالت بصوت منخفض:
- أنا آسفة. آسفة. آسفة.
قطب جبينه وهو يشير لها أن تهدأ وقال:
- ما أنا عارف يا مهيرة. عارف إن أنا كنت بالنسبة ليكي وحش.
نظرت له باندهاش وحاولت قول شيء ما، لكنه أسكتها بإشارة من يده وقال:
- أيوه يا مهيرة عارف وفاهم ومش زعلان.
كاد أن يكمل، ولكن قاطعهم النادل، فقال له سفيان:
- عايز عشا مميز جداً لاحتفال مميز.
تحرك النادل لينفذ طلب سفيان، حين نظرت له مهيرة بحيرة وقالت:
- احتفال؟ احتفال إيه؟
شبك يديه على الطاولة وقال:
- هو الحقيقة مش احتفال واحد. عدي معايا أول خروجة. وأول حديث طويل. ومن غير خوف ورعب. وحاسس كده إن ممكن تكون في صداقة في الطريق. كفاية ولا نقول كمان؟
ضحكت ضحكة رقيقة وقالت:
- لأ كفاية جداً. طيب إحنا أهو في أول خروجة من غير خوف ورعب. وبما إننا بقينا أصحاب. إيه هو بقا الحديث الطويل؟
صمت قليلاً يلعب بتلك الوردة الصغيرة الموجودة على الطاولة. وهو يقول:
- عايزك تعرفي عني كل حاجة.
بدأ يحكي لها عن طفولته التي لم تخلو من مرح وسعادة وحياة مريحة كان موفراً لهم والده وبيت كبير بحديقة كبيرة كان دائماً يحب الجلوس تحت أشجارها الكبيرة. وعن والده الذي لم يعش كثيراً، ولكنه ترك أثره فيهم جميعاً. وكم كان متفهماً ومحب حنون وقوي. حكى لها عن صداقته بحذيفة عن صداقة دامت أكثر من عشرين عاماً، ثابتة راسخة ثقة وقوة. عن أمه وعن سبب إصابة رجليها.
كانت مهيرة تستمع إليه بتركيز، حين أكمل قائلاً:
- أمي بعد وفاة أبويا رجعت تاني لشغلها. كانت مدرسة لغة عربية. وفي يوم وهي رايحة المدرسة شافت بنت صغيرة بتعدي الشارع لوحدها وكان الطريق زحمة جداً. جريت علشان تساعدها، لكن البنت سبقتها وعدت. كان في عربية كبيرة وفي لحظات كانت أمي والبنت تحت عجلات العربية.
تنهد بصوت عالٍ ثم أكمل قائلاً:
- البنت مستحملتش وماتت وأمي حصل لها شلل في رجليها.
كانت دموع مهيرة تغرق وجهها. مد يده لها بمنديل وقال:
- اهدَي اهدَي يا مهيرة. الحمد لله على كل شيء. كنت وقتها لسه داخل كلية الشرطة وقررت إني أسيبها وأطلع أشتغل علشان أصرف على أمي وأختي. بس أمي رفضت. كانت صارمة جداً معايا وقتها لأنها كانت عارفة إن ده كان حلمي الكبير. وقررت بيع البيت وفعلاً بعنا البيت واشترينا الشقة اللي إحنا فيها وباقي الفلوس خلتها لتعليمي وتعليم أختي. وهي فضلت فترة طويلة تدي دروس في البيت. وبعد ما اتخرجت بطلت. وبعدين اشترتلي الشقة اللي فوقها على طول علشان أفضل جنبهم.
سكت سفيان حين أتى النادل بالطعام وقال:
- شوفي بقا عايزك تاكلي كويس علشان أنا عايزك النهاردة قوية. أوك.
حركت رأسها بنعم دون شعور منها. عينيه... عينيه تجعلها دائماً سارحة فيها، خاصة حين ينظر إليها بهذه النظرة القوية الحنونة.
في مكان جديد لم نذهب له من قبل، في حديقة قصر كبير تملؤه الفخامة، كانت سيدة جميلة بتلك المساحيق التي تغطي كامل وجهها. ترتدي فستاناً يكشف أكثر مما يستر، ويجلس حولها مجموعة من النساء على نفس الشاكلة، كثيرات الزينة، قليلات الملابس.
تقدمت منهم الخادمة ومعها مشروبات كثيرة ومنها المحرمة، وضعتها على الطاولة وانصرفت في صمت.
فقالت سيدة منهم بدلال مصطنع:
- صحيح يا ندى، ليه متجوزتوش لحد دلوقتي؟ ده إنتِ قلتي إنكم اتخطبتوا من أكتر من شهرين.
نظرت ندى الشهاوي، ابنة رشاد الشهاوي، سيدة في أواخر الثلاثينات، مطلقة أربع مرات من أربع أزواج مختلفين، وكلهم تزوجت منهم لمصلحة يريدها والدها، تجمع بينهم البدايات والنهايات فقط. وهي لها نسبة مالية محددة غير ما تستطيع أخذه من كل زوج طوال فترة زواجها.
كانت تنظر لنريمان صديقتها اللدودة بحب مصطنع قائلة:
- ده صحيح يا روحي، بس هو عنده شغل ضروري بره. وكان لازم يسافر. وأكيد أنا محبش أعطله عن شغله. راجي الكاشف مش أي رجل أعمال.
كانت كل النسوة الجالسات أمامها يحقدون عليها، ولكن يتوددون لها لما لوالدها من سمعة وصيت. ولمعرفتهم بطرقه في التعامل مع رجال الأعمال الآخرين.
غادر جميع ضيوفها، وكانت هي في أشد حالات غضبها، فتوجهت سريعاً إلى غرفة المكتب حيث والدها.
فتحت الباب بغضب شديد وهي تهتف به قائلة:
- أنت خليتني في موقف محرج جداً قدام أصحابي كلهم. بيسألوني ليه معلناش الخطوبة أو ليه متجوزناش.
وقف السيد رشاد عن مكتبه، رجل قصير القامة، خبيث النظرات. لا يوجد به شيء يميزه سوى ذلك البطن الكبير. تحرك ببطء ليقف أمام ابنته قائلاً:
- الخبيث مختفي بقاله أسبوع. ولحد دلوقتي مش عارف أوصل سافر فين. وبنته كمان اختفت فين معرفش.
زاد غضبها وقالت:
- ولما أنت مش واثق إنه ينفذ اللي أنت عايزه، ليه خليتني أقول كده لكل أصحابي؟
عاد بخطوات أكثر بطئ إلى مكتبه وجلس على كرسيه وهو يقول:
- هيروح مني فين؟ ما هو لازم هيرجع. متقلقيش.
ظلت تنظر إليه في غضب قوي، ثم خرجت من غرفة المكتب تضرب الأرض بقدميها وكأنها تعاقبها على شيء ما.
في مكان آخر، ولكن في بيت بسيط جداً، شقة صغيرة مكونة من غرفة واحدة وردهة صغيرة، تجلس سيدة في أواخر الأربعينات تمسك بين يديها كرة من الصوف وتحولها إلى شيء فني جميل. كانت رغم سنينها الثماني والأربعين، ولكن يبدو عليها الجمال والوقار. كانت نغمات كوكب الشرق تشدو بجانبها.
"نسيت النوم وأحلامه... نسيت لياليه وايامه... بعيد عنك حياتي عذاب... متبعدنيش بعيد عنك... غلبني الشوق ودوبني... دوبني... دوبني... ومهما البعد حيرني... ومهما السهد سهرني... لطول بعدك يغيرني... ولا الأيام بتبعدني... بعيد... بعيد... بعيد عنك".
صدحت صوت طرقات على الباب تعرفها جيداً. ثم المفتاح يدور وفتح الباب.
روتين كل يوم دون تغير.
وقف على الباب ينظر إليها في حب لم يقل يوماً. ولم يتغير. رغم كل ما حدث.
ظل على وقفته ككل مرة ينتظر الإذن بالدخول، رغم زواجهم من أكثر من خمسة عشر سنة. ولكن الاتفاق بينهم سارٍ لا يتغير. لم يمل هو، ولن تلين هي.
ابتسمت وهي تقول:
- اتفضل يا عادل.
دخل بخطوات ثابتة ونظرات ثابتة أيضاً. عشقه القديم الذي لم يبرأ منه يوماً. ولا يريد.
وقف أمامها مباشرة ثم قال:
- عاملة إيه يا مريم النهاردة وأخبار رجلك إيه؟
ابتسمت وهي تقول:
- آه لو خديجة سمعتك وأنت بتسأل على رجلي، كانت كسرت رجلك وقطعت لسانك.
ضحك بصوت عالٍ وهو يقول:
- مجنونة، متعرفش إنك بتجري في دمي في كل عروقي. إنتِ اللي مخلياني عايش.
كانت تنظر إليه بحب لم ولن ينتهي يوماً. هو ابن عمها. حبها الأول والأخير. هو من تمنت أن تتزوج وتنجب منه، ولكن القدر كان له رأي آخر.
سألها باهتمام حقيقي:
- فطرتي؟
هزت رأسها بنعم.
سألها:
- والدوا؟
عادت تهز رأسها بنعم.
سألها:
- لسه بتحبيني؟
نظرت إليه قليلاً ثم هزت رأسها بنعم.
ابتسم هو الآخر في سعادة. أن هذه اللحظات من كل يوم هي ما تجعله متمسكاً بالحياة. حبها اللا مشروط واللانهائي الذي جعلها وهي في أوج شبابها تحرم جسدها عليه حتى تحافظ على بيته وزوجته وأبنائه.
ولكنه تمسك أن يموت وهي زوجته، حتى تكون زوجته في الجنة. وطلب منها أن تعاهده أن يكون زوجها الأخير مهما حدث. وعاهدته.
دائماً كان يقول لها:
- سوف أطلب من الله أن يجعلكِ زوجتي في الجنة، ولا أحد غيرك. وإذا كان لابد من حور العين، ليكونوا جميعهم أنتِ.
كان ينظر إليها بتمعن، لا يمل من تفاصيلها، حين استمعا لخطوات صغيرة تقترب.
وقفت مريم الصغيرة على باب الشقة وقالت سريعاً، حتى لا تنسى ما قالته لها أمها:
- بابا ماما، قول خمس دقايق وخلص.
ضحكا بصوت عالٍ. أن خديجة لا تتغير. هي متأكدة أنهم يجلسون سوياً يتكلمان فقط، لكنها أيضاً تغير من ذلك لمعرفتها بحبه الكبير لمريم. حتى أنها خاصمته شهر كامل حين كانت تفكر مع ظنونها أنه سوف يسمي صغيرتها بمريم.
أشار لها والدها أن تأتي إليه. فتحركت في خطوات صغيرة ووقفت أمامه، فقال لها:
- مش عيب كده؟ مش المفروض تسلمي على ماما مريم؟
وقفت الصغيرة حائرة، فتكلمت مريم الكبيرة قائلة:
- طيب أسلم عليكي أنا، وكده تكوني سمعتي كلام ماما ومسلمتيش أنتِ عليا، صح؟
حركت الصغيرة ذات الثماني سنوات رأسها بنعم، في فرح. فهي تحب ماما مريم، ولكنها لا تفهم لما تمنعها أمها عنها. قبلتها مريم على وجنتها الصغيرة واحتضنتها برفق. ابتسمت الصغيرة ثم تحركت لتعود لأمها.
كان عادل يسجل كل لمحة ونظرة وابتسامة ودمعة تصدر منها. يحفظها ككف يده، ويعلم بما يشغل عقلها. وقد سعى بكل طاقته ليسعدها ولو قليلاً. ويعلم جيداً ما هو هذا الشيء، وسيحققه مهما كان الثمن.
وقف على قدميه وهو يقول:
- أنا بعت لأم محمد عشان تيجي تنظف الشقة، عشان في ضيوف جاين عشانك بليل.
كانت نظرات الدهشة ترتسم على ملامح مريم، لكنها أيضاً تفهمه. هو لن يخبرها بشيء، فل تنتظر، وإن غداً لناظره قريب.
رواية جاريتي الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم سارة مجدي
فى بلد غريبه كان السيد راجى جالس فى غرفه يبدو عليها الرقى والفخامه. كان يفكر فيما حدث كله وإلى أين وصل من بداية ظلمه لمريم وابنته. ومن قبله كل الأعمال التي تورط فيها مع الشهاوي. كان يعلم أن غروره وتجبره هو السبب الأساسي لما وصل إليه الآن، ولكن كيف يعيد كل شيء كما كان؟ لقد خسر زوجته وباع ابنته. تعاون مع الشيطان وها هو الآن على وشك خسارة سمعته وماله. ليس لديه غير أمل واحد فقط.
استمع إلى رنين هاتفه ليجد اسم رؤوف، ذلك الشخص الذي كلفه بمراقبة الوضع ومحاولة إصلاحه. ويتمنى أن يستمع الآن إلى أي كلمة تعيد إليه صفاء ذهنه حتى يجد الحل الأمثل. أمسكه بلهفة وأجاب قائلاً:
- طمني يا رؤوف.
استمع إلى كلماته التي لم تطمئنه، بل زادت من قلقه وخوفه أن كل شيء على وشك أن يفضح.
كان سفيان ينظر لمهيره بحب خالص بعد أن انتهوا من تناول طعامهم. كانت مهيره سعيدة جداً، وكان هذا ما يتمناه من أول يوم رآها أن تضحك من قلبها، أن تكون سعيدة دائماً، هذا ما تستحقه.
تكلم قائلاً:
- تعرفي من زمان كان حلمي بس إن أنا وأنتي يكون في ما بينا كلام. دلوقتي أنتي مراتي وفي بيتي. كان حلم يا مهيره، حلم بعيد أوي بس الحمد لله اتحقق.
ابتسمت بخجل وقالت:
- أنا مش بعرف أرد على الكلام ده. بس صحيح أنت مكملتش كلامك. يعني أنت كنت في كلية الشرطة، طيب إزاي اشتغلت بودي جارد؟ مش المفروض إنك ظابط؟
ابتسم وهو يمد يده يمسك بيدها المستريحة على الطاولة. ارتعشت يديها ولكنه لم يتركها وقال:
- أيوه يا ستي كنت ظابط. بس حصلت لي إصابة في رجلي وإصابة عيني، والإصابة دي تأثر على مواصفاتي الجسدية كظابط. فكانوا عايزيني أتحول شغل إداري فاستقلت وشاركت صديق ليا في شركة الحراسات الخاصة. فهمتي.
حركت رأسها بنعم فابتسم وقال:
- مهيره كنت عايز أسألك على حاجة كده. ممكن؟
أجابته سريعاً قائلة:
- طبعاً. أي سؤال.
قال مباشرة دون مراوغة:
- هي مامتك فين؟
ظلت تنظر إليه ولكن نظرتها تبدلت إلى حزن شديد وانكسار وقالت:
- ماما سابتني من زمان. تقريباً هي كمان حست إني مستهلش أمومتها فسابتني.
كان يستمع إليها وهو يتألم لألمها، ولكنه أيضاً تذكر كلمات زينب وعن كل ما عاشته من ألم وجرح للكرامة. وهو يعلم جيداً أنها لم يكن بيدها تركها لابنتها.
لذلك هو قرر أن يجمعهم سوياً، خاصة والسيد راجى خارج البلد، وبالأساس هو الآن لا يهتم. لينهي ما ورط نفسه فيه أولاً.
فتواصل مع زينب حتى تأتي له بعنوان والدة مهيره. واتصل بالسيد عادل وحدد معه اليوم والميعاد حتى يسعدا كلا الطرفين.
صعد عادل إلى شقته بعد أن جلس مع مريم لمدة ساعة. وذلك ما جعل خديجة عصبية جداً.
حين دلف إلى الشقة وقفت أمامه سائلة:
- كنت بتعمل إيه كل ده تحت يا عادل؟ هو أنت مش هتبطل تجرح فيا وتهني؟
ظل ينظر إليها ثم قال:
- وأنتي أمتى هتبطلي أنانية؟ ليه ديماً بتنسي إنها مراتي. ومع ذلك اتنازلت عن كل حقوقها فيا عشانك. مش مستنية مني غير بس أطمن عليها. والشويه اللي بنزلهم ليها تفضلي تبعتي في العيال عشان أطلع. ده غير إنك مانعة العيال تكلمها. ليه كل ده؟ ده جزائها عن إنها احترمتك ومخدتش حقها؟ حقوقها دي على فكرة أنا هتحاسب عليها يوم الموقف العظيم. وعلى فكرة أنا كنت حقها هي بس أنا وهي اتنازلنا عن حقنا ده عشانك. لكن أنتي بقا كل يوم بيزيد جبروتك وظلمك. حتى الساعة اللي بنزل أطمن عليها لازم تنكدي عليها فيها. ارحمي ده أنا هقابل ربنا ونصي مايل. حرام عليكي.
وتركها فارغة الفاه تنظر إلى مكان وقفته في صدمة. هل هكذا يراها؟ صحيح، فمريم حب عمره، هي الدخيلة هنا. هل الحل الوحيد حتى تكسب زوجها أن تخسره لحساب مريم؟
تحركت خلفه ودخلت إلى الغرفة لتجده جالس على الكرسي يضع رأسه بين يديه. وقفت أمامه وقالت:
- أنت عمرك ما كنت ليا يا عادل. أنت كنت معايا بجسمك بس روحك وقلبك معاها. أنا بحبك أنت كل حياتي. فتحت عيوني عليك. أنت حبيبي وجوزي ابني وأخويا وأبويا. أنت كل حاجة ليا يا عادل. لكن... لكن أنا... أنا كنت مجرد زوجة ليك. مريم هي روحك وقلبك وعقلك. هي دقات قلبك. والدم اللي بيجري في عروقك. كل ده ومش من حقي أغير منها وأكرهها. لكن أنت صح. أنت صح أنت فعلاً ربنا هيحاسبك. بس على ظلمك ليا أنا يا عادل.
وتركته وهي تبكي بحرقة ووجع.
تذكر كيف تزوج من خديجة حين ذهب هو وعمه لزيارة مريم بعد ولادتها وطردهم. شعر وقتها بألم شديد على حبيبته الغالية. كان والده يغضب كثيراً حين يراه على هذه الحالة. فقرر تزويجه وهو وافق إرضاءً لأبيه.
وها هو يعيش تلك الحياة البائسة. حبيبته بين يده زوجته حليلته، لكنه لا يستطيع الاقتراب منها.
ولكن خديجة أيضاً معها حق. هو لم يكن لها يوماً بقلبه وروحه. هو لها بجسده فقط.
تذكر ضيوف اليوم، يريد أن يمر الأمر بسلام.
وقف على قدميه وخرج يبحث عن تلك التي تخاصمه. وجدها تقف بالمطبخ. اقترب منها وحاوطها بذراعيه من الخلف وقال:
- أنا آسف يا ديجه. أحنا كبرنا بقا على الخصام والزعل. وبعد كده هخلي بالي ومش هطول تحت.
ألتفتت إليه وقالت:
- أنا موافقة.
قطب حاجبيه قائلاً باستفهام:
- موافقة على إيه؟
نكست رأسها وقالت:
- إنها تكون مراتك بجد. أنا أبداً مقبلش تقابل ربنا يوم الموقف العظيم ونصك مايل. وكمان مش هقبل إنها تكون هي المظلومة وتاخد حسناتي. ربنا هيحاسبك يا عادل على اللي تقدر عليه، لكن قلبك ده مش في إيدك ومتقدرش عليه. أنا عارفة وفاهمة. بس اعذرني أنا بحبك وبغير عليك.
كان ينظر لها باندهاش على هذه العاقلة زوجته. أين ذهبت تلك المجنونة صاحبة اللسان الطويل؟
حاول قول أي شيء ولكن لسانه لم يسعفه. فامسك بيديها يقبلها باحترام كبير وهو يقول:
- لو ركعت قدامك وبست رجلك يعوضك يا ست الستات على كل الألم اللي في عينيكي ده كنت عملتها. شكراً يا ديجه على كلامك وعقلك وتفهمك.
وضمها إلى حضنه بقوة وقبل أعلى رأسها ثم قال:
- عارف قد إيه أنت مجروحة وجاية على نفسك. لكن صدقيني عمرك ما هتحسي بأي اختلاف.
صمتت وهزت رأسها بنعم. وصمت هو يتأمل معالم الألم على وجهها. تنهد بصوت عالٍ وقال:
- في حاجة كده عايز أقولك عليها.
نظرت له باهتمام فقال:
- أنا لقيت بنت مريم.
بانت معالم الفرحة على وجهها ولكنها أخفتها سريعاً. هو يعلم قلبها الطيب الكبير. فقال:
- هتيجي النهاردة هي وجوزها. هي متعرفش حاجة عن أمها من وقت ما سابتها. وأكيد زعلانة منها جداً. عايزين نوضح لها كل حاجة. عايزينها تفهم ومتظلمش أمها.
حركت رأسها بنعم وبعض الدمعات تتجمع في عينيها قائلة:
- حاضر. متقلقش أنت وأنا هجهز الضيافة.
رواية جاريتي الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم سارة مجدي
كانت جالسة بجانبه في السيارة تبتسم في سعادة. لقد استطاعت التقرب من سفيان ووجدته إنسانًا محبًا وطيب القلب، لكنها ما زالت تشعر بغصة في قلبها من تلك المكالمة القديمة التي سمعتها، ولكن بطريقة مختلفة الآن. هل كان لديه علاقات نسائية؟ ما هذا؟ هل هذا الشعور هو غيرة أم ماذا؟
حاولت التفكير في شيء آخر فوجدت نفسها تفكر أيضًا: لماذا دائمًا كانت تراه في القصر مقطب الجبين، عصبى المزاج؟
نظرت إليه. كان يقود السيارة بتركيز كبير. نظرت إلى الطريق. هي لم تحفظ الطريق لبيتها الجديد بعد. لم تلاحظ أنه يسير بطريق مختلف.
وصلت سيارة سفيان إلى حي راقٍ نسبيًا ووقفت أمام بيت راقٍ مكون من ثلاثة طوابق. كانت تنظر إلى البيت ثم نظرت إلى سفيان باستفهام. فنظر إليها وقال:
- اسمعيني كويس يا مهيرة وركزي في اللي هقوله كويس.
ظلت صامتة تنظر إليه تنتظر باقي كلماته التي جعلت قلبها ينقبض بخوف. أكمل قائلاً:
- البيت ده فيه شخص عزيز عليكِ جدًا. مش عايزك تحكمي من غير ما تسمعي وتفهمي... اتفقنا.
ظلت تنظر إليه دون رد، ولكن قلبها يخبرها أن الآتي ليس سهلاً أبدًا.
أخرج هاتفه واتصل على رقم ما واستمعت إليه يقول:
- مساء الخير أستاذ عادل... إحنا قدام البيت.
وأغلق الهاتف وهو يشير لها أن تترجل من السيارة. حين وقفت بجانبه تمسكت بيده في خوف. فربت على يديها يطمئنها وهو يبتسم ابتسامة مشجعة.
ظهر السيد عادل عند بوابة البيت وهو يتأمل في ملامح مهيرة البريئة. تقدم سفيان وهي خلفه حتى وقف أمامه مباشرة فقال:
- نورتوا.
ونظر إلى مهيرة وهو يقول:
- اتفضلي يا بنتي بيتك ومطرحك.
ابتسمت ابتسامة صغيرة وهي تخطو خلف سفيان لداخل البيت. حين استمعا لصوت ينادي عليها وقفت تنظر في اتجاه الصوت لتجدها زينب. لتركض مهيرة لها على قدر عرجها واحتضنتها وهي تقول:
- وحشتيني قوي يا دادا... وحشتيني قوي.
ظلت زينب تربت على ظهرها وتقبلها وهي تقول:
- وأنتِ كمان يا حبيبتي وحشتيني.
ثم أبعدتها عنها قليلاً وهي تقول:
- طمنيني عليكي حبيبتي.
ابتسمت مهيرة بسعادة ناسيه أين هي ولماذا، وقالت:
- الحمد لله أنا كويسة قوي. طلع معاكي حق، سفيان أحلى حاجة حصلت لي. ربنا ميحرمني منك ومنه.
ربتت زينب على خدها وهي تقول:
- واللي هيحصل دلوقتي كمان يا بنتي، أنتِ بتحلمي بيه من زمان.
قطبت مهيرة جبينها وهي تعود لواقعها وللمكان الغريب التي تقف فيه.
عاد إلى مكان وقوف سفيان والسيد عادل حيث زينب. سفيان بابتسامة والسيد عادل التي يبدو أنها تعرفه جيدًا.
صعدا خلف السيد عادل طابقًا واحدًا فقط لتجد بابًا أمام السلم مباشرة. وقف السيد عادل أمامه وطرق عليه طرقتين، ثم أخرج مفتاحه وفتح الباب وهو يقول:
- اتفضلوا يا جماعة.
كانت مريم جالسة في مكانها المعتاد على الكرسي الواسع بجوار النافذة حين استمعت إلى طرقه على الباب ثم صوت المفتاح. اندهشت من نزوله لها، أنه غير معتاد معها على ذلك. هو ينزل لها مرة واحدة في اليوم، وكان لديها صباحًا، ثم تذكرت أنه قال لها أن هناك زوار اليوم، ولكن من يا ترى؟ هي لم تخرج من البيت من وقت زواجها هي وعادل.
نظرت إلى الباب لتجده يدلف وخلفه شابة جميلة تمشي بعرج واضح، وخلفها حائط بشري يلتصق بها كأنه يحميها من شيء ما، وخلفه زينب. قالت الأخيرة بصوت عالٍ وهي تقف على قدميها حين اقتربت منها زينب سريعًا وهي تحتضنها بقوة. كانت مريم تبكي بصمت وهي تقول:
- وحشتيني يا زينب، وحشتيني قوي.
نظرت لها زينب وقالت:
- وأنتِ كمان وحشتيني قوي يا هانم.
أمالت مريم رأسها يمينًا وهي تقول:
- هانم إيه بس يا زينب... ده أنتِ صحبتي الوحيدة.
ثم رفعت عينيها إلى الحائط البشري الذي يقف خلف الفتاة الصغيرة التي يحدثها قلبها عنها، ولكنها تخشى التصديق. نظرت لعادل وهي تقول:
- نفذت وعدك يا عادل.
ابتسم عادل وهز رأسه بنعم وهو يقول:
- هو أنا عمري خلفت وعد.
تقدمت من الفتاة وهي تشعر أن قدميها لم تعد تحملانها، وهي تقول بصوت يسمع بصعوبة:
- مهيرة... بنتي.
كانت مهيرة تتابع هذه المرأة وهي تحتضن زينب وكلماتها للسيد عادل... وملامحها التي تعرفها جيدًا. قلبها يضرب بقوة داخل صدرها مع كل خطوة تقتربها هذه المرأة منها، وخارت جميع قواها مع همستها باسمها وتبعتها بكلمة "ابنتي" واحتضانها لها بقوة.
كانت مهيرة لا تفهم حقًا ما تشعر به. هل هي الآن في حضن أمها؟ الحضن الذي حلمت به كثيرًا؟ هل هي سعيدة بوجودها بين يدي أمها بعد كل هذه السنين، أم تتألم لرؤية أمها تعيش حياتها بعدها دون أن تشغل بالها بها؟
كانت يداها ترتفعان لتحتضنها هي الأخرى، ولكنها توقفت في الهواء.
ابتعدت مريم عن مهيرة قليلاً وهي تقول:
- أخيرًا... أخيرًا يا بنتي، أخيرًا شفتك ومليت عيني منك قبل ما أموت... اااااه يا بنتي لو تعرفي إيه اللي حصلي. أنا عارفة إنك زعلانة مني وحقك... حقك يا بنتي. بس لما تعرفي اللي حصلي هتعذريني على كل حاجة. تعالي... تعالي.
وامسكت يديها وسحبتها خلفها إلى الغرفة الوحيدة بالبيت. تحركت معها وهي تنظر لسفيان الذي شجعها بعينيه، لكنه دون شعور منه تحرك خلفها بحركة لا إرادية. فأمسك عادل بيده وقال:
- سيبهم لوحدهم... كل واحدة فيهم عندها كلام كتير ومينفعش يتقال قدام حد.
نظر له سفيان طويلاً ثم هز رأسه بنعم، فأشار له عادل أن يجلس. حين دلفت إلى الشقة خديجة وبيدها صينية تقديم كبيرة ووضعتها على الطاولة. حين وقف بجانبها عادل قائلاً:
- اعرفكم خديجة مراتي... ودي الست زينب اللي ربت مهيرة بنت مريم. وده الأستاذ سفيان جوز مهيرة.
كانت نظرات سفيان كلها اندهاش. إذا هو متزوج من امرأتين؟ ولكنه أجل إصدار حكمه حتى تأتي صغيرته، ووقتها لكل حادث حديث.
حين دلفت مريم إلى الغرفة وخلفها مهيرة، سحبت يديها من حضن يد مريم وهي تقول:
- اتفضلي قولي لي إيه السبب اللي خلاكي تسيبين بنتك وتمشي؟ سمعيني أسبابك القهرية اللي خلتك تسيبيني عشان تتجوزي من غير ما تفكري فيا أنا، ولا لما طلعت عرجاء لقيتي إنّي مستهلش أكون بنتك.
تقدمت مريم خطوة واحدة وأمسكت يديها من جديد وقالت:
- تعالي اقعدي وأنا هحكيلك كل حاجة يا بنتي وهرضى بحكمك.
جلست مهيرة على أقرب كرسي وقلبها يؤلمها بشدة. تتمنى أن تلقى نفسها داخل أحضان أمها ترتوي من حنانها وعطفها الذي حرمت منه عمرها كله. جلست مريم أمامها وهي تقول:
- بصي يا بنتي أنا اتجوزت أبوكي غصب عني.
حكت لها كيف تزوجها بالتهديد وكيف كان يعاملها. كيف ضربها حتى كسرت قدم مهيرة وهي داخل رحمها وتسبب لها بهذه العاهة طوال حياتها. كيف كان سيقتل مهيرة وكيف جعلها ترجوه أن يترك صغيرتها. كيف طلقها ورماها، وكيف كان يشكك في نسبها له. وكم ذهبت إليه لتترجاه وتقبل قدميه حتى يقبل أن تراها ولو من بعيد، ولكنه كان دائمًا يهينها ويخرجها من القصر بأكثر الطرق إهانة.
أكملت آخر كلماتها وهي تبكي وتمسك بيد ابنتها كغريق يتعلق بآخر أمل له في الحياة:
- كنت بكلم زينب كل يوم أطمن عليكي، وكانت ساعات بتسيب الخط مفتوح عشان أسمع صوتك وضحكتك... كانت ديمًا تجيب لي صورك وأخبارك لحد ما عرفت إن أبوكي جوزك البودي جارد بتاعه. كنت هموت، كنت عايزة أجى أخطفك وأجري بيكي لأبعد مكان، بس زينب طمنتني إنه بيحبك وأنك هتكوني سعيدة معاه.
كانت مهيرة تستمع لكل ما تقوله أمها وهي لا تصدق. هي تعرف جيدًا بشاعة أبيها مما فعله هو معها، ولكن كل ما سمعته الآن كثير جدًا. هو سبب عاهتها، حاول قتلها، دمرها لسنوات وسنوات.
بكت وبكت وارتمت على قدميها أمام أمها، فضمتها مريم بقوة. ظلت مهيرة تقبل يد أمها بحب وشوق وهي تقول:
- آسفة يا أمي، أنا آسفة. آسفة على كل الوجع والألم... آسفة... أنا آسفة... أنا آسفة.
ظلوا على جلستهم تلك لوقت طويل دون أن تشعر أي منها بالوقت، حتى استمعت لصوت طرقات على الباب ودخول عادل بنظرات محرجة قائلاً:
- إحنا قلقنا عليكم وجوزك بره كان هيأكلني.
أشارت له مريم أن يقترب، حين وقفت مهيرة على قدميها فقالت مريم:
- أعرفك يا مهيرة، ده عادل ابن عمي وجوزي.
نظرت مهيرة لأمها بتركيز، فغمزت لها أمها. فبسطت يدها لتسلم عليه، وقال هو:
- أنا سعيد جدًا إني شفتك يا مهيرة... تعرفي المفروض تكوني بنتي أنا... بس هنقول إيه نصيب.
قالت مهيرة بصوت متقطع من البكاء:
- ويا ترى بقى ليا أخوات ولا إيه؟
اخفضت مريم رأسها حين قال عادل بصراحة:
- أنا ووالدتك كاتبين كتاب، بس يعني مراتي مع وقف التنفيذ.
اندهشت مهيرة من كلامه ونظرت لأمها باندهاش، فاخفضت مريم رأسها وهي تقول:
- مكنش ينفع أعيش حياتي وأتبسط وأنتِ بعيدة عني.
جثث مهيرة أمام والدتها من جديد وقبلت يديها وهي تقول:
- وخلاص يا أمي، أنا وأنتِ رجعنا لبعض. عيشي واتبسطي وعوضي كل اللي فات.
تكلم عادل حين لاحظ نظرات مريم الخجلة قائلاً:
- طيب خلينا نخرج للناس اللي بره ولا إيه.
تحركوا جميعًا خارج الغرفة، فوقف سفيان سريعًا ليتوجه إلى مالكة القلب. فابتسمت له بحب وقالت:
- شكرًا سفيان، شكرًا على كل حاجة.
ابتسم في سعادة وقبل أعلى رأسها، ثم ابتعد عنها لتتقابل عيناه مع عين مريم الباسمة. فقالت مهيرة:
- ده سفيان يا أمي، جوزي.
تقدم سفيان منها وقبل يديها وهو يقول:
- إزيك حضرتك؟ سعيد إني اتعرفت عليكي.
ربتت مريم على رأسه وقالت:
- وأنا كمان يا ابني... خلي بالك على مهيرة.
اخفض رأسه وقال:
- في عيوني.
تكلمت خديجة لتقطع هذه اللحظة العائلية وهي تقول:
- تعالوا يا جماعة اشربوا العصير.
نظرت مهيرة لأمها باستفهام، فقالت مريم بصوت هادئ:
- دي تبقى خديجة مرات عادل.
كانت الكلمات كسياط على قلب مهيرة وهي تنظر لأمها باندهاش. فقالت مريم بصوت خفيض:
- هبقى أفهمك كل حاجة.
حين اقتربت منهم خديجة وهي تقف أمام مهيرة قائلة:
- نورتي بيت والدتك يا مهيرة.
أجابتها مهيرة قائلة:
- شكرًا لحضرتك.
وجلس الجميع في جلسة عائلية صغيرة يملؤها الحب. حين مال عادل على أذن مريم قائلاً بصوت لا يسمعه أحد غيرها:
- نفذت وعدي وجمعتك ببنتك... وكمان خديجة موافقة تكوني زوجة حقيقية ليا... يا ترى هترضي عني بقى ولا لسه هفضل أتعذب.
رواية جاريتي الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم سارة مجدي
كانت الجلسة عائلية لطيفة تعرفت فيها على أبناء السيد عادل.
الصغيرة مريم، التي اندهشت أنه أسماها على اسم أمها، فكيف قبلت زوجته؟ يبدو أن القصة لها جوانب كثيرة هي لا تعرفها.
وتعرفت أيضاً على التوأمين محمد ومحمود.
رحلت مهيرة وقلبها يبكي بعدها عن أمها من جديد، ولكنهم اتفقوا على الزيارات المستمرة المتبادلة بينهم.
أوصل سفيان زينب إلى منزلها، وبدأت رحلة العودة للبيت.
كانت مهيرة تنظر إليه بتركيز شديد، تحاول نقش ملامحه داخل قلبها بحروف من ذهب.
انتبه لنظراتها فقال:
- بتبصيلي كده ليه؟
ابتسمت بسعادة ولم تجبه، ولكن في لحظة خاطفة أمسكت يديه لتقربها من فمها وتقبلها الكثير من القبلات وهي تقول:
- شكراً على كل حاجة... أنت حققتلي حلم عشت عمري كله أتمناه.
كانت قبلاتها مستمرة على بشرته السمراء تفعل به الأفاعيل. كان يشعر بأكثر من شعور: سعادة بسعادتها بلقاء والدتها، وتلك القبلات على يديه كلمسات فرشاة ناعمة تحرك مشاعره وتؤجج ناره. وأيضاً كان يشعر أنها تقبلها بشعور من الفضل عليها، وذلك ضايقه قليلاً.
فأكملت هي قائلة:
- بعد ما رماني أبويا عليك وسافر، تخيلت إنك هتكون شايفني حمل تقيل. لكن أنت عاملتني كويس وحسيت في بيتك بالأمان، وأختك وماما نوال. عيلة حلمت بيها وبفضلك اتحققت. لأ وكمان ترجعلي أمي. أنا مش عارفة أردلك كل جمايلك دي إمتى وإزاي. شكراً.. شكراً على كل حاجة.
وختمت كلماتها بقبلة عميقة طويلة على باطن يديه.
كان قلبه يخفق بقوة مع كل كلمة تقولها، ما هذا الكلام؟ فضل وجمايل؟ إنها حقاً حمقاء! ألم يعترف بحبه لها؟ غير أحاسيسه التي تشتعل الآن من ملامسة شفاهها ليده. صاح بها بصوت عالٍ أن تتوقف وهو يسحب يديه من يدها قائلاً:
- خلاص كفاية.
نظرت له بخوف، لكن هو ظل ينظر إلى الطريق جيداً حتى وجد مكان مناسب، ثم أوقف السيارة بشيء من الحدة، ثم التفت إليها قائلاً:
- ينفع اللي أنتِ بتعمليه ده؟
كانت تنظر إليه بعدم فهم وخوف من أن تكون دون قصد أخطأت في حقه.
أكمل وهو ينظر إليها بتتمعن قائلاً:
- أنتِ عارفة عملتي فيا إيه؟ برفرفة الفراشات دي اللي بتوزعيها على إيدي وأنا سايق. آه لو كنت في البيت دلوقتي كنت وريتك بصحيح.
كانت مقطبة الجبين لا تفهم شيئاً، ولكنّه أكمل دون أن يهتم بنظرات الاستفهام في عينيها قائلاً:
- وبعدين أنتِ بتشكريني على إيه ها؟ وفضل إيه وجمايل إيه؟ هو أنتِ ليه ديماً بتنسي إنك مراتي وحبيبتي وكل دنيتي؟
ابتسمت وهي تضربه على كتفه وهي تهتف بحنق:
- خوفتني جداً... ممل.
نظر لها وهو يرفع حاجبيه قائلاً:
- هبلة.
أعجبتها اللعبة فقالت:
- قليل الأدب.
ضحك بصوت عالٍ وهي تقول وقد زاد حنقها منه:
- ممل وخنيق وقليل الأدب ورخم و... وبحبك.
اختفت الضحكة عن وجهه وظل ينظر إليها ثم قال:
- أنتِ قولتي إيه؟
لم تفهم ردة فعله، ففضلت الصمت.
فقال هو بصوت ضعيف:
- أنتِ قولتي إيه يا مهيرة؟ أرجوكي أنا مش حمل إني أطلع بتخيل... أرجوكي قولتي إيه؟
أجابته دون كلمات، نظرات عينيها تنطق بحب كبير. تنهد بصوت عالٍ، فهي لن تقوله مجدداً، ولكنه يريد تأكيد. فنظر لها وقال برجاء:
- طيب بلاش تعيديها... أنتِ فعلاً حساها؟
شعرت بالألم من أجله، فخفضت بصرها وهي تحرك رأسها بنعم. تنهد بصوت عالٍ وهو يحرك السيارة دون كلمة أخرى. وصل إلى تحت البناية التي يسكنون فيها، وقبل أن يترجل من السيارة، أخرج مفتاحاً من حامل مفاتيحه وأعطاه لها وقال:
- إحنا النهاردة هيكون أول يوم لينا في بيتنا وده المفتاح.
كانت تشعر بالخجل، فاليوم لا يوجد ماما نوال أو جودي. ماذا سيحدث؟ هي لا تعلم، خائفة، قلقة، ولكنها تشعر بالأمان أيضاً. كيف تجتمع كل تلك المشاعر سوياً؟
وقف يتطلع إليها وهي تخطو إلى شقته التي حلم كثيراً أن يراها هنا في بيته بجواره إلى الأبد.
كانت خطواتها العرجاء بخجلها الطبيعي تزيدها في عينيه حباً وشغفاً. كم تمنى أن يجلس أسفل قدمها المصابة ويقبلها مرات ومرات ويعتذر لها مرات ومرات. لا يعلم على ماذا سيعتذر بالتحديد، ولكنه دائماً يشعر أنه لابد أن يعتذر لها عن كل لحظة ألم عاشتها قبلاً. كم تمنى قربها ووجودها الدائم بحياته، وها هي الآن تقف في وسط بيته.
هو لا يصدق... ولكنه يسمع دقات قلبها الخائفة، فتحرك اتجاهها وقال:
- نورتي بيتك.
كررت الكلمة خلفه وكأنها تتذوقها، فاكمل كلماته قائلاً:
- تعالي أوريكي أوضتك.
مشت خلفه في صمت وهو يتجه إلى إحدى الأبواب المغلقة، فتحه ودخل خطوتين وأنار الغرفة وقال:
- يا رب ذوقي يعجبك.
ظلت تنظر إلى أركان الغرفة التي تشبه غرف الأميرات بألوانها المفرحة وسريرها الملكي الكبير.
وقف أمامها وقال بصوت رخيم وبهدوء شديد:
- دي أوضتنا، لكن دلوقتي مؤقتاً هتكون أوضتك لوحدك لحد ما ترضي عني وتسمحيلي أقرب منك.
أوعي تفكري للحظة إن أنا عايز قربك كزوجة لمجرد رغبة، لأ أنا أتمنى أكون ليكي كل شيء زي ما أنتِ عندي كل حاجة.
واقترب منها ليقبل أعلى رأسها قبلة طويلة، ثم قال:
- تصبحي على خير يا حبيبتي.
وتركها وخرج من الغرفة وأغلق الباب خلفه وهو يتنهد بصوت عالٍ داعياً الله أن يلهمه الصبر.
وقفت تنظر إلى الباب المغلق وهي تشعر بامتنانها له ولتفهمه، ودعت الله أن يعينها ويقربها من زوجها.
مرت أيام في روتينها المعتاد حتى أتى يوم الجمعة. اتصل حذيفة بسفيان ليؤكد معه معاد اليوم.
أجابه سفيان ببعض الضيق المصطنع:
- هو أنا معرفش أنام منك أبداً؟ عايز إيه؟
ضحك حذيفة بصوت عالٍ ثم قال:
- ماشي يا عريس، أنا بس حبيت أأكد عليك معاد النهارده.
نفخ سفيان بضيق وقال:
- عريس... ماشي يا أخويا، عارفين إن الكونت حذيفة هيشرفنا النهارده. فرشنا الأرض ورد وعلقنا الزينة. ممكن تسبني أنام بقى؟
عاد حذيفة يضحك وهو يقول:
- خلاص يا برنس، روح كمل نومك. أنا جاي بعد صلاة الجمعة.
أغمض سفيان عينيه بيأس وقال:
- ماشي يا حذيفة، في انتظارك. سلام بقى يا بارد.
وأغلق الخط وهو يستمع لضحكات صديقه.
كانت السيدة نوال تعمل بالمطبخ على أصناف الغداء وما يحبه حذيفة، وأيضاً أرادت أن يكون غداء استثنائي لأول مرة لسفيان ومهيرة بعد أن انتقلا إلى شقتهما.
كانت جودي بغرفتها ترتبها حين سمعت صوت حركة في المطبخ، فتوجهت إليه لترى أمها تعمل بنشاط وسعادة. أطلقت صفيراً عالياً وهي تقول:
- إيه النشاط ده كله يا نونا؟ صباحك ورد.
ابتسمت نوال في سعادة وقالت:
- صباحك عسل لون عيونك.
جلست جودي على الكرسي المقابل لأمها وهي تقول:
- أيوه بردوا صاحية بدري وعلى المطبخ على طول كده ليه؟
أجابتها دون أن تنظر إليها:
- حذيفة هيتغدى معانا النهارده هو وأواب وأخوكي ومراته.
قطبت جودي حاجبيها وهي تشعر بالضيق من تلك الزيارة، ولكنها لم تقل شيئاً لأمها عن ذلك.
نحت ضيقها جانباً وقالت:
- تحبي أساعدك في حاجة؟
رفعت أمها عينيها عما تفعل وقالت:
- هنا لأ، بس مهمتك ترتيب البيت.
هزت جودي رأسها بنعم وتوجهت لخارج المطبخ وهي تسب حذيفة في سرها. لماذا يحضر اليوم؟ ما زالت تلملم شتات نفسها وروحها بعد ما حدث بالجامعة.
مر الوقت سريعاً، وذهب سفيان لأداء الصلاة، ومهيرة جلست مع السيدة نوال بالمطبخ بعد اتصالها بوالدتها لتطمئن عليها.
كانت جودي بحالة ضيق واضحة جعلت مهيرة تخرج عن خجلها وتسألها ما بها.
نظرت إليها جودي وقالت:
- حاسة إني تايهة يا مهيرة، مش عارفة أرسى على بر. ولأول مرة أحس إني خايفة.
لم تفهم مهيرة من حديث جودي أي شيء، ولكنها اقتربت منها وربتت على كتفها قائلة:
- أنا مش عارفة إيه سبب الخوف والتوهة، بس أكتر حاجة تريحك هي الصراحة يا جودي. اتكلمي يمكن تفهمي اللي جواكي.
وتركتها وعادت إلى المطبخ. ظلت جودي على جلستها حتى استمعت لصوت طرقات على الباب، فوقفت على قدميها ودخلت غرفتها وأغلقت الباب.
كانت الجلسة مرحة بسبب مزاح حذيفة مع سفيان وردود سفيان الباردة.
كانت جودي في عالم آخر مع أواب يلعبان ويتحدثان، ولم تلاحظ نظرات حذيفة لها. كل ما كان يشغل بالها هو ذلك الطفل بعقله الكبير وروحه الشفافة.
حتى استمعت لصوت حذيفة يتكلم بجدية ولأول مرة:
- سفيان، ماما نوال، كنت عايز أتكلم معاكم في موضوع كده.
انتبهت نوال إليه، ونظر سفيان باهتمام، وأيضاً مهيرة دون مبالغة وبخجل. حتى جودي انتبهت حواسها لما سيقول.
تكلم مباشرة قائلاً:
- أنتم عارفينى كويس، ومع ذلك أنا مش متوقع الموافقة، بس أنا هطلب اللي أنا عايزه. أنا يشرفني إني أطلب إيد الآنسة جودي.
صمت تام. سفيان ينظر لصديقه بتمعن دون أن يظهر على صفحة وجهه أي شيء، ونوال على وجهها ابتسامة بسيطة. مهيرة تنظر لتلك الجالسة أرضاً، حتى قطعت جودي ذلك الصمت حين وقفت صارخة:
- أنا مش موافقة.
رواية جاريتي الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم سارة مجدي
أنا مش موافقه.... ومحدش يسألني ليه، عندي أسبابي.
وانحنت تقبل رأس الصغير وغادرت دون كلمة أخرى.
جلس الجميع وعلى رؤسهم الطير. اخفض حذيفة رأسه وهو يتنفس بصوت عالٍ، ها هو الحلم أصبح حقيقة ورفضتك يا حذيفة. ولكن ما أسبابها؟ هل هي لا تشعر به؟ لكنه شعر في رفضها بشيء غريب، عيونها تحكي عذاب، رفضها يغلفه حب. هل يتخيل تلك النظرات؟ هل وجود أواب بحياته هو السبب؟ أنها تحب طفله ومن وقت حضورهم منشغلة معه عن أي شيء آخر. ما حدث بالجامعة شعر بالحيرة ولا يعلم ما عليه فعله. وقف سريعا واتجه إلى ابنه وحمله وقال سريعا وهو يتحرك باتجاه الباب دون أن ينظر لأحد:
- تصبحوا على خير.
وخرج سريعا.
كان سفيان ينظر إلى صديقه بتمعن، يحتاج أن يفهم ما هو شعوره الحقيقي تجاه جودي. هل هو حب حقيقي أم بسبب حادثة الجامعة؟ كان يشك في أمر حذيفة بعد أن رأى الصور الحقيقية لزوجته، أنها تشبه جودي بشدة، لا يفرق بينهم سوى لون العينين. ولدى زوجته شامة أسفل ذقنها. فكر كثيرا ولم يستطع أن يصل لحل. ولكن طلبه اليوم يدل على أن حذيفة كان يبحث عن جودي في زوجته.
نظر لأمه ليجدها تبتسم وبعينيها نظرة لم يفهمها. اقترب منها وجثى على ركبتيه أمامها وقال:
- لو فاهمه، ارجوكِ فهميني.
ربتت على وجنته وقالت:
- أختك بتحب حذيفة بس مجروحة. خليك جنبها وفي ظهرها. ولو على الجواز أكيد مفيش أحسن من حذيفة.
ظل ينظر إليها ثم هز رأسه بنعم ووقف أمامها ينظر إلى الأمام في محاولة لتجميع أفكاره. وتحرك في اتجاه غرفة جودي، لكنه ألمه قلبه على تلك الجالسة تنظر إليهم بألم وعيونها تملأها الدموع. مهيرة لم تجد من يقف خلفها ويدعمها، لم تعش جو الأسرة والاهتمام العائلي. اقترب منها وقبل أعلى رأسها وقال:
- بحبك.
وربت على وجنتها وتحرك ليرى أخته ويفهم ما بها.
حين طرق باب الغرفة سمعها تسمح له بالدخول.
وحين دخل إليها قالت:
- كنت عارفه إنك هتيجي تتكلم معايا، بس ما تحاولش تغير رأيي.
أبتسم وهو يقول بعد أن أغلق الباب:
- هو أنا لسه قلت حاجة؟ أول مرة تبقي هجومية كده.
جلست على طرف السرير وهي تنفخ بملل مصطنع.
جلس بجانبها وقال:
- اسمعيني للآخر يا جودي. وبعد كده لو عايزة وقت تفكري، أو لو عايزة نتناقش دلوقتي على طول.
هزت رأسها بنعم. فتكلم بصراحة ومباشرة دون مراوغة:
- أنت بتحب حذيفة يا جودي؟
ألتفتت إليه بعصبية. فأشار لها بيده حتى تهدأ وأكمل قائلا:
- أيوه يا جودي ومن زمان كمان، من قبل ما يسافر كمان. ورفضك ليه دلوقتي غضب منه عشان سافر وسابك واتجوز.
قطبت بين حاجبيها بضيق. فأكمل قائلا:
- بس اللي أنت متعرفوش إن هو كمان بيحبك. ولو كنتي ركزتي شوية كنتي لاحظتي إن مراته الله يرحمها كربون منك. حذيفة كان بيدور عليكي فيها. ممكن لأسباب كتير جداً مقدرش إنه يعترفلك بحبه. وممكن يكون خاف.
وخاف دي حطي تحتيها مليون خط لأن الأسباب كتير.
أنا بحط كل الخيوط بين إيديك وأنت حرة. وأنا موجود ومستعد أسمعك.
ربت على كتفها وتركها وخرج. تجمعت الدموع بعينيها. فاغمضت عينيها لتنساب دموعها على خدها مع خروج آه حارقة من قلبها المجروح.
كان حذيفة يقود سيارته وعقله معها يحاول أن يتفهم رفضها. من حقها ولكنه يتألم بشدة. انتبه لهمهمات ابنه. نظر إليه وقال:
- بتقول إيه يا أواب؟
نظر له أواب وعينيه يملأها الدموع قائلا:
- أنت زعلت جودي.
قطب حذيفة جبينه وهو يقول:
- أنا؟ ليه بتقول كده؟
تكلم أواب وهو يبكي:
- لأنك خلتها تعيط. بابا أنت وحش وحش.
وفي لمح البصر أصاب الطفل تشنجات قوية لم تحدث له منذ عودتهم من الخارج.
غير مسار السيارة ليتوجه لأقرب مستشفى وهو يتصل بسفيان ليلحق به.
حين اتصل به حذيفة شعر أنه سيتحدث معه فيما حدث. لكنه فجأة أن الطفل الصغير مريض. ارتدى ملابسه سريعا وهو يهاتف جودي حتى تستعد وتذهب معه. لا يعرف لما فعل ذلك ولكنه شعر أن الطفل بحاجتها كما هي بحاجته الآن.
حين وصلا إلى المستشفى كان حذيفة يقف يستند إلى الحائط في حالة قلق واضحة. ناده سفيان. فنظر إليه بألم وخوف. ينظر له بحاجة لأحد يطمئنه، يخبره أن أواب سيكون بخير. سيعبر تلك الأزمة بخير. اقترب سفيان ليرتمي حذيفة بين ذراعي صديقه وجملة واحدة يرددها:
- أواب هيضيع مني. هيروح وهو زعلان مني يا سفيان.
ثم رفع عينيه إلى جودي وتحرك ليقف أمامها وقال:
- كان زعلان مني عشان زعلتك. سامحيني ارجوكي سامحيني. يمكن هو كمان يسامحني ويرجعلي. ارجوكي يا جودي سامحيني.
كانت على وشك الرد عليه حين خرج الطبيب من الغرفة. ركض إليه حذيفة سائلا:
- ابني أخباره إيه دكتور؟
ظل الطبيب صامت لبعض الوقت حتى كاد قلب حذيفة أن يتوقف. حين قرر الطبيب أن يرحمه قائلا:
- الطفل كويس دلوقتي. بس ممكن أعرف آخر مرة جاتله التشنجات دي؟
اجابه حذيفة سريعا:
- من أكتر من ثلاث شهور.
هز الطبيب رأسه قائلا:
- التشنجات دي نتيجة حزن شديد. ياريت نبعده عن الحاجات اللي بتزعله. ويلتزم طبعاً بالأدوية. وإن شاء الله هيكون بخير.
تنفس سفيان أخيرا وهو يستمع لكلمات الطبيب المطمئنة. عينيه تحركت مباشرة إلى جودي مع كلمات الطبيب.
كانت عينيها تبكي ولكنها صامتة. وحين سمح الطبيب بدخولهم للاطمئنان على أواب.
وقفت جودي على الباب خائفة من الدخول. قلبها يؤلمها بشدة. تشعر بالمسؤولية تجاه ذلك الملاك. ولكنها لا تفهم سبب ذلك الإحساس.
حين فتح أواب عينيه شعر حذيفة وكأن روحه ردت إليه من جديد. ظل يقبل يديه الصغيرة وهو يعتذر له.
ضحك أواب وهو يقول:
- خلاص يابابا.
أبتسم حذيفة وهو يعتذر مرة أخرى:
- أنا آسف يا حبيبي خوفتني عليك.
تكلم سفيان قائلا بمرح:
- الله يكون في عونك يا ابني من أب زي ده.
ضحك أواب بصوت عالٍ جعل قلب حذيفة يرقص فرحا ويتنهد بارتياح. وعاد يقبل يده الصغيرة من جديد.
حينما لمح أواب جودي الواقفة عند الباب فأشار لها. فاقتربت ببطء ووقفت في الجهة الأخرى من السرير وقالت:
- كده تخوفنا عليك. حمد الله على سلامتك يا حبيبي.
أبتسم أواب وهو يقول:
- أنت بتحبي أواب مش كده؟
هزت رأسها بنعم واجابته:
- طبعاً بحبك جداً ومين مش بيحب أواب.
صمت الطفل قليلا ثم قال:
- طيب ليه أنت مش موافقة تكوني ماما لأواب؟
شعر حذيفة بالحرج وحاول أن يقول أي شيء. لكن جودي سبقته وهي تقول:
- ومين قال أني مش موافقة؟ هو أنا أطول إني أكون ماما أواب؟ طبعاً ده شرف ليا.
كان الزهول على وجه حذيفة يثير الضحك. ولكن سفيان كان يعرف جيدا ما تفكر به أخته.
رواية جاريتي الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم سارة مجدي
كان حذيفة يشعر وكأنه قد ضرب على رأسه، هل وافقت جودي على زواجها منه منذ قليل؟ نظر إلى سفيان يستنجد به، فاقترب منه ووقف أمامه ووضع يديه في جيب بنطاله وقال:
- صحيح هي وافقت، بس معتقدش إنها وافقت عليك أنت.
وتركه وخرج.
كانت جودي تقف بالخارج تنتظر أخيها وهي تفكر، ما هذا الذي قالته بالداخل؟ هل وافقت على زواجها من حذيفة بعد عدة ساعات من رفضها له؟ كيف ذلك ولماذا؟ هل حبها لأواب يجعلها تقدم على هذه الخطوة بتلك الطريقة؟
كانت تنتظر خروج سفيان بنفاذ صبر حتى تعرف رأيه ويخبرها هل ما حدث الآن صواب أو خطأ. كان يقف عند الباب ينظر إليها سارحة، ولكن عقلها يعمل وبقوة... خائفة، حائرة. اقترب منها وضمها إلى صدره قائلاً:
- صح اللي حصل جوه ده صح، بس كمان حذيفة لازم يحس إنك وافقتي عشان أواب وبس، حتى لو عندك أسباب تانية.
قال ذلك وهو يغمز لها.
وتحركا ليغادرا المشفى في هدوء.
كانت تشعر بالقلق. غادر سفيان سريعًا دون أي كلام. استمعت إليه وهو يخبر جودي أن تستعد سريعًا. هل حدث شيء للسيدة نوال؟ كانت تخشى أن تحادثه في الهاتف فيصرخ في وجهها أو ينهرها على اتصالها. لو كان يريد إخبارها لأخبرها. كيف ظنت أنها زوجته حقًا ولها حقوق؟ وهل أعطته حقه أولاً حتى يعطيها ذلك الحق؟
استمعت لصوت الباب يفتح ثم يغلق، وخطواته. أغلقت إضاءة الغرفة سريعًا، ولكنها استمعت لصوت طرقات على الباب وصوته يقول:
- مهيرة، أنتِ صاحية؟ ممكن أدخل؟
أنارت الغرفة من جديد وفتحت الباب لتجده يبتسم وهو يقول مباشرة:
- حذيفة كلمني، أواب تعب جدًا وراح بيه على المستشفى، وأنتِ عارفة هو متعلق بجودي إزاي، فأخدتها معايا.
شهقت بصوت عالٍ وهي تسأل:
- حصله إيه؟ وبقى كويس ولا لأ؟
أمسك يديها وقال:
- زعل شوية فحصلتله شوية تشنجات. أنتِ عارفة ظروفه. بس هو كويس دلوقتي.
صمت قليلاً ثم قال:
- جودي وافقت على حذيفة، بعد ما أواب طلب منها إنها تكون مامته.
ضحكت قليلاً وهي تقول:
- يعني عايز تفهمني إنها وافقت عشان أواب بس؟
نظر لها بتمعن وهو يرفع حاجبه الأيسر قائلاً:
- تفتكري فيه حاجة تانية يا آنسة مهيرة؟
ثم أكمل قائلاً:
- على الرغم من إن كلمة آنسة دي جارحة لرجولتي، بس هي الحقيقة في الأول وفي الآخر. يلا هنقول إيه، ربنا يصبرني.
ثم دفعها برفق من كتفها وهو يقول:
- يلا يا بنت الناس ادخلي واقفلي الباب عشان الشيطان بيلعب في دماغي دلوقتي. تصبحي على خير.
وأغلق الباب وهو يتنهد بصوت عالٍ وهو يستمع لصوت ضحكتها.
كان جالسًا بسيارته يشرب شيئًا ما من زجاجة غريبة وهو يتوعد كل من أهانه وأخطأ في حقه من وجهة نظره.
ألقى الزجاجة من النافذة وقاد السيارة بسرعة عالية. كان يرى كل ما حدث معه، ضرب أخيها له، كلمات رئيس الجامعة، ضحك زملائه ولومه، وأخيرًا فصله من الجامعة وضياع مستقبله. كان يمر بين السيارات لا يرى أمامه سوى تلك الفتاة التي دمرت كل شيء، هي المسؤولة عن ما هو عليه. هو حازم العامري، كل الكون تحت قدميه، تأتي فتاة رخيصة مثلها وتسخر منه وتأخذ منه كل شيء. كانت قدمه تضغط على دواسة البنزين ليزيد من سرعته. كان يتحرك سريعًا في محاولة لتفادي السيارة التي أمامه ليجد ضوءًا ساطعًا ضرب عينيه، لم يعد يرى شيئًا، وبعدها وفي لمح البصر، كان كل شيء قد انتهى.
في صباح اليوم التالي، استيقظت زهرة على رنين هاتفها الملح. لماذا لا تستطيع النوم براحة؟ ليس لديها محاضرات صباحية، لذا لما الهاتف الآن؟
أمسكت الهاتف ووضعته على أذنها دون أن ترى الاسم، وقالت بعصبية قليلة:
- نعم.
ضحك بصوت عالٍ على نبرة صوتها الحانقة. يعلم أنها نائمة وليس لديها محاضرات صباحية، ولكنه أراد أن يسعدها بشكل مختلف وأن يقوم بتنفيذ خطته.
فقال لها وهو يبتسم:
- اصحي يا كسلانة، أنا جعان وعايز أفطر.
قطبت جبينها وهي تحاول استيعاب نبرته المرحة التي اشتاقت لها، فقالت:
- طيب هو حد قالك إن هنا مطعم حضرتك؟ النمرة غلط يا فندم.
ضحك بصوت عالٍ وهو يقول:
- طيب اصحي عشان نروح المطعم اللي بجد نفطر. عشر دقايق فاهمة؟ عشر دقايق وتكوني قدامي.
وأغلق الهاتف وهو يبتسم، ولكنه تذكر أنها هي من ستمر عليه لا هو. نغزة قلبه، كل شيء يعتمد عليها، هي من المفروض أن يذهب هو إليها لا العكس.
نفض عن رأسه كل هذا وابتسم من جديد وهو يقول لنفسه:
- زهرة تستحق المحاولة. وتستحق إني أحاول بكل طاقتي. لازم أستحمل أي حاجة عشانها.
كان جالسًا في المطعم الخاص بالفندق يتناول إفطاره، يفكر أنه حضر إلى هنا كي يهرب من الشهواي وما تم بينهما، ومن زواجه من ندى. لكن بعد ذلك التهديد الذي وصله أمس، اتصل برجاله بالقاهرة ليصل لسفيان ويخبره بكل شيء. وها هو ينتظر الرد، لا حول له ولا قوة. يشعر بالعجز. راجي الكاشف ينتظر من ينجده ويحل له مشاكله.
كان الشهواي يجلس في غرفة مكتبه يتكلم عبر الهاتف وكان يضحك بصوت عالٍ وهو يقول لمحدثه:
- خلاص نهايته قربت.
صمت لثوان ثم قال:
- بنتوا ما تهمنيش في حاجة، بعد ما رماها للبودي جارد بتاعه.
استمع إلى محدثه بتركيز ثم قال:
- أكيد طبعًا. هيرجع ويبوس الأيادي كمان. وهيتجوز ندى غصب عنه. والباقي عليك.
أغلق الهاتف ثم نظر أمامه وعلى وجهه ابتسامة انتصار. لقد حقق حلمه الكبير بالقضاء على راجي الكاشف، الرمز الكبير الذي لا ينكسر. الآن هو في قبضته. كانت ندى الكاشف تنظر إليه بتركيز تحاول معرفة ما حدث.
وترجمت حيرتها في سؤالها:
- هتقول لي إيه اللي حصل ولا لسه فيه أسرار؟
ضحك بصوت عالٍ وقال:
- خلاص كل حاجة هتم زي ما إحنا عايزين، وخلال يومين هتلاقي راجي تحت رجليكي بيترجاكي تقبلي تتجوزيه.
كانت ملامح ندى الشهواي يكسوها الانتصار والسعادة.
كانت مريم تجلس في مكانها المعتاد حين استمعت لطرقات على الباب. ليست طرقات عادل، هي تحفظها عن ظهر قلب. وقفت على قدميها وتحركت في اتجاه الباب وفتحته لتفاجئ بوجه خديجة.
قطبت جبينها وهي تسألها باهتمام وقلق:
- خديجة، أنتوا كويسين؟ فيه حاجة حصلت؟
رجعت خديجة خطوة للخلف وهي تهز رأسها بنعم.
فتنهدت مريم بارتياح، ولكن كلمات خديجة قبضت قلبها:
- للدرجة دي مجيئك ليا يقلق؟
لوت مريم فمها وهي تقول:
- بالعكس، بس دي أول مرة يا خديجة. هو أنتِ ناسيه إنك مقاطعانى ومبتبصيش في وشي، مش بس مش بتكلميني؟
نكست خديجة رأسها وقالت:
- معاكي حق. طيب ممكن أدخل؟ عايزة أتكلم معاكي في موضوع.
تحركت مريم خطوة واحدة لتستطيع خديجة المرور، ثم أغلقت الباب وقالت:
- تشربي إيه يا خديجة؟
نظرت لها وكأنها لم تتوقع ذلك السؤال، فقالت لها:
- وهتضيفيني كمان؟ بعد كل اللي عملتيه فيا يا مريم؟
ابتسمت مريم بشجن ثم قالت بحب حقيقي:
- عاملة عصير برتقال، هجيبه وأيجي.
ظلت خديجة تنظر حولها لتلك الشقة البسيطة التي تبتعد عن كل مباهج الحياة، مجرد الأساسيات لا أكثر. تذكرت وقت أخبار عادل لها أنه قرر الزواج من مريم وأنه يسكنها في الشقة الصغيرة بالدور الأول. ووقتها بيوم واحد كان قد فرشها وانتهى. كانت تغلي غيظًا، كانت تفكر أنه أتى لها بكل شيء، وكل تلك السنين لم تدخل تلك الشقة غير الليلة التي أتت بها مهيرة، وكانت الصدمة من بساطة الشقة وافتقادها للكثير من الرفاهيات. عادت من شرودها على جلوس مريم أمامها بعد أن وضعت كوبي العصير على الطاولة.
ابتسمت مريم وهي تقول:
- مريم الصغيرة فين؟
شربت القليل من كوب العصير وهي تجيب:
- نايمة. مش ملاحظة الهدوء اللي في البيت؟
ضحكت مريم وهي تقول:
- كان حلم إنه يكون عندك ولاد، ولما ربنا رزقك هتتبطري.
ضحكت خديجة وقالت:
- معاكي حق. سنين بحلم بظفر عيل. يلا الحمد لله.
صمتت قليلاً ثم قالت:
- اسمعيني يا مريم من غير ما تقطعيني.
ظلت مريم تنظر إليها بصمت وهي تتذكر كلمات عادل لها بعد مغادرة مهيرة وزوجها بموافقة خديجة على جعل زواجهم حقيقة. حينها لم تصدقه رغم معرفتها الجيدة والواثقة أن عادل لا يكذب أبدًا مهما كان السبب، ولكنها رفضت حتى تشعر من خديجة بالقبول، وهو احترم ذلك لمعرفته لها جيدًا، ولأن وجودها بحياته كان أكبر معجزة.
أفاقت من شرودها على صوت خديجة وهي تقول:
- أنا عمري ما حبيتك من قبل ما أقبلك وتتجوزي عادل لأنه مكنش شايفني، أنتِ اللي في باله وخياله وقلبه وعقله. كان معايا بجسمه لكن كل ذرة فيه كانت ملكك أنتِ. فعلشان كده مقدرتش. كنت فاكرة كده بحافظ على كرامتي وبخليه ليا أنا بس، لكن أنا كنت غبية. عمر عادل ما كان ليا، عادل ليكي أنتِ وبس من يوم ما وعى على الدنيا. وأنا سألت شيخ وقالي إن كده عادل عند ربنا ظالم لأنه مانع عنك حقك عشان يرضيني، وإنه يوم القيامة هيقف قدام ربنا ونصّه مايل. وأنا بحب عادل أوي يا مريم ومحبش إنه يكون ظالم ولا إن ربنا يغضب عليه. وكمان هو نفسه في قربك يا مريم. وأنا... أنا... موافقة.
وتركت الكوب على الطاولة وغادرت سريعًا. ولكنها وقفت عند الباب وقالت:
- أنا مش ملاك، أنا بشر وهفضل أكرهك. بس استعدي النهارده عادل هيبات عندك. وجهزي عشا كويس.
وتركتها وغادرت ودموعها تغرق وجهها، ومريم تشاركها الدموع.
رواية جاريتي الفصل الثلاثون 30 - بقلم سارة مجدي
ذهبت زهرة إلى والدها وأخذت الإذن منه للذهاب إلى صهيب. من الواضح كان لديه خبر مسبق، ولكنها طلبت منه السيارة فوافق أيضًا دون شروط.
في خلال دقائق كانت تركن السيارة أسفل بيت عمها، وهي تشعر بسعادة كبيرة. إنها المرة الأولى لصهيب منذ أكثر من أربع سنوات اعتزل فيهم العالم أجمع. صعدت السلم سريعًا لتقف أمام الباب، وقبل أن تطرقه استمعت لما جعلها في حالة ذهول. هل ما تسمعه الآن حقيقي؟
سمح الطبيب لأواب بالخروج من المشفى بعد اطمئنانه عليه، وأوصى بالاهتمام بالوصفات الطبية، وأيضًا تجنب كل ما هو مقلق ومحزن. كان حذيفة في قمة سعادته بعودة ابنه إليه سالمًا. يشعر دائمًا أن أواب هو علامة من الله برضاه عليه، غير أنه متعلق به بشكل مرضي، فهو عائلته الوحيدة وتميمة الحظ الخاصة به، فرحة قلبه الأولى.
نظر إلى طفله الجالس بجانبه وقال:
- وحشتني جدًا يا صاحبي.
ضحك أواب بصوت عالٍ وقال:
- ليه هو أنا كنت مسافر؟
ابتسم حذيفة ليجيبه قائلًا:
- لا، بس كنت خايف إنك تسيبني وتسافر.
أجابه الطفل قائلًا:
- أكيد في يوم هسيبك وأسافر على فكرة.
وكأن يدًا من حديد قبضت على قلبه فتوقف عن العمل. كلماته البسيطة المؤلمة جعلته يشعر بالألم الشديد، ولكنه حاول تجاهل ذلك قائلًا بمرح مصطنع:
- على فكرة دي بتاعتي أنا، بلاش تقلدني على فكرة.
ضحك أواب، ولكنه كالعادة، أجابته دائمًا أكبر بكثير من سنه:
- لازم الابن يمشي على نفس خطوات أبوه.
نظر إليه حذيفة بحب حقيقي وابتسم بسعادة لعودة روحه من جديد للحياة.
كانت جالسة أمام أمها منكسة الرأس، لا تعلم كيف تخبرها عن موافقتها على حذيفة. كان عقلها يعمل بكل الاتجاهات ولا تجد طريقة لإخبارها، فقررت أن أقصر الطرق بين نقطتين الخط المستقيم سوف تقص عليها كل ما حدث أمس دون رتوش.
رفعت نظرها إليها لتجد أمها تنظر لها بتتمعن صامت، فقصت عليها كل ما صار. كانت تشاهد كل انفعالات والدتها التي تظهر على وجهها مع كل كلمة، تحاول تخمين ردة فعلها، ولكنها لم تستطع. أنهت كلماتها بأنها وافقت على الزواج من حذيفة من أجل أواب فقط.
ابتسمت السيدة نوال وهي ترفع حاجبها الأيسر قائلة:
- يعني أنتِ قررتِ تكوني بيبى ستر لأواب فوقفتِ تتجوزي حذيفة.
تحولت نظرات جودي للغضب من استخفاف أمها من كلماتها وقالت:
- مش شرط كل اتنين يتجوزوا علشان بيحبوا بعض، فيه أسباب تانية كتير على فكرة.
لوت السيدة نوال فمها باستهزاء وهي تقول:
- تعرفي إن هو كمان بينهي معظم كلامه بـ "على فكرة" زيِك.
صدمة هي أقل ما يقال عن ملامح جودي الآن، إنها في حالة صدمة، ولكن أمها لم ترحمها فأكملت قائلة:
- ولا أنتِ اللي زيه.
حركة عينيها هي كل ما يدل على أن تلك الجالسة كائن حي.
وهي تتذكر أنها كانت دائمًا وهي صغيرة تقلد حركاته وكلماته حتى أصبحت جزءًا منه، وهناك أشياء مشتركة بينهم دون قصد من أحدهم. ولكنه لم يطلبها لشخصها، هو يريد أمًا لأواب، هكذا قال الصغير لها يوم تقدم لخطبتها. عادت بذاكرتها لقبل أن يتحدث حذيفة حين قال لها أواب:
- جودي ينفع تبقي ماما؟
نظرت له باندهاش وقالت:
- أنت عايزني أبقى ماما؟
هز رأسه بنعم، فطارت قلبها من السعادة، ولكنه وقع على الأرض ليتفتت إلى قطع صغيرة:
- أنا قولت لبابا جودي تكون ماما، قالي أوك.
وبعد لحظات تقدم هو لخطبتها. كيف هذا؟ هل حبي الكبير له يختصره هو في أم لأواب أو مربية؟ هو لم يخبرني يومًا. هل أحبني؟ هل شعر يومًا بتلك الدقة التي تحيي قلبي لأنها له هو؟ حتى لم يعلق أو يتخذ ما حدث في الجامعة ذريعة لطلبه، ولكنه حضر إلى سوق الجواري ليختار الجارية المناسبة التي تلائم ظروفه دون تذمر.
أفاقت من شرودها على صوت أمها تخبرها بموافقتها، مهما كانت أسباب جودي هي معها فيها.
كانت مهيرة واقفة بالمطبخ تحاول تجهيز إفطار خفيف لسفيان، ولكنها لا تعلم ماذا عليها أن تفعل. لم تقف يومًا بالمطبخ ولم تحاول من قبل. ورغم محاولاتها التعلم من السيدة نوال، لكن هذه أول مرة لها بمفردها وتريد أن تسعده ولو قليلًا. تعلم أن الطعام آخر اهتمامات سفيان، لكن على الأقل تجعله يرى فيها سيدة منزل مناسبة تستطيع الطهو والتنظيف. هي حقًا تعرف قدر نفسها، وإذا فكر قليلًا سوف تكون خارج هذا المنزل. فلابد من المحاولة. نحت أفكارها جانبًا.
وخرجت من المطبخ ترى إذا كان سفيان استيقظ أم مازال نائم. تنهدت براحة حين وجدته نائم.
عادت إلى المطبخ وأمستكت هاتفها واتصلت بمريم:
- صباح الخير يا ماما.
صمتت لثوانٍ ثم قالت:
- وأنتِ كمان وحشاني جدًا، وهستناكي تزوريني.
ابتسمت وهي تستمع لرد أمها ثم قالت:
- بصراحة كده، عايزة أعمل فطار لسفيان ومش عارفة أعمل إيه، محتاسة.
قطبت جبينها وهي تقول:
- أنتِ بتضحكي عليا؟ يعني أنا غلطانة إني اتصلت بيكي؟
صمتت تستمع بتركيز لكلمات والدتها، ويدها تتحرك للتنفيذ. في دقائق معدودة كانت تضع على طاولة المطبخ صحون الجبنة البيضاء والمربى وعسل نحل وطبق سلطة متوسط وطبق من البيض والبسطرمة، والأهم من كل ذلك طبق الفول، ووضعت الخبز الساخن. ووضعت كوبين من العصير وابتسمت في سعادة، شكرت أمها وأغلقت معها وتحركت لتخرج من المطبخ لتنادي سفيان.
قبل ذلك بقليل استيقظ وهو يشعر بسعادة. يكفي وجودها بقربه، يكفي أنها في بيته. تحرك ليخرج من الغرفة، استمع لصوتها في المطبخ تتكلم مع أحد. تحرك بهدوء ليقف عند الباب ليبتسم وهو يسمعها تتكلم مع أمها حتى تحضر له وجبة إفطار. طار قلبه سعادة. سوف يتناول من يدها إفطاره اليوم، سيسجل ذلك التاريخ ويحتفل به كل عام. كان يتابع تحركاتها المتوترة وهو يبتسم، وحين شعر بانتهاءها عاد إلى غرفته بهدوء حتى يرى ماذا ستفعل. تمدد مجددًا على السرير وأغلق عينيه. وبعد ثوانٍ قليلة استمع لصوت طرقاتها الخجولة على الباب. لم يجب، ففتحت الباب بهدوء وتحركت خطوة واحدة إلى الداخل تناديه بصوت ضعيف جعل قلبه يرقص من سماعه لاسمه من بين شفتيها.
لم يجيبها، فقربت لتقف أمامه تتأمل ملامحه، ثم جلست بجانبه تنظر لذلك الجرح فوق عينيه ومدت يدها تتلمسه برفق وهي تتأمله بتركيز. كان قلبه يضرب في صدره بقوة لمستها الحنون على جرحه. انتبهت على ما تفعله فأبعدت يديها سريعًا، ثم وقفت من جديد وهي تنادي عليه مجددًا. فقرر أن يستيقظ، ففتح عينيه ببطء لتبتعد خطوة للخلف وهي تبتسم بخجل.
فابتسم بسعادة حقيقية وقرر التعامل براحة وسلاسة معها فقال لها:
- صباح الخير يا مهيرة.
ابتسمت وقالت:
- صباح النور. أنا جهزت لك الفطار.
اعتدل في جلسته وقال:
- بجد؟ هغسل وشي وهاجي فورًا. هو أنا أطول أن الآنسة مهيرة الكاشف تعمل لي فطار بإيدها.
خرجت سريعًا تشعر بالخجل. ووقف هو وتوجه إلى الحمام. وبعد عدة دقائق كان يقف في المطبخ ينظر إلى الطاولة وهو يبتسم بسعادة وقال:
- أنتِ اللي عملتي كل ده بإيدك؟
هزت رأسها بنعم وقالت:
- أنا أول مرة أعمل حاجة زي كده، فلو فيه أي حاجة عرفني، أرجوك. أنا عارفة إني فاشلة.
ليقاطعها قائلًا:
- فاشلة إيه بس؟ أنتِ مش واخدة بالك من الفطار الملكي ده؟
وجلس سريعًا وهو يبعد الكرسي لها لكي تجلس.
جلست بهدوء تنظر له يمسك الخبز ويأكل. كانت تنتظر أن يقول أي شيء.
كان يأكل دون أن يظهر شيء على وجهه حتى يلعب معها قليلًا.
وأكل لقمة أخرى وأخرى دون كلمة. فلوت فمها كالطفال وقالت:
- هو الأكل معجبكش؟
ابتسم لها بحب حقيقي وسعادة كبيرة ومسك يدها ليقبلها وهو يقول:
- أحلى فطار أكلته في حياتي، تسلم إيدك يا حبيبتي.
فرحت كثيرًا وصفقت بيديها في سعادة وأمسكت قطعة خبز لتتذوق هي الأخرى لتندهش من الطعم. حقًا لذيذ، ولكنها نظرت له وهي تقول:
- بس عايز شوية ملح.
قال وهو يأكل بسعادة:
- حلو كده، أنا حبيته وكفاية أنه من إيدك.
أغلقت مريم الهاتف مع ابنتها وابتسمت في سعادة ودعت الله أن يسعدها ويجعل زوجها خير عوض لها عن كل ما رأت في حياتها.
عادت إلى الغرفة لتجد عادل استيقظ وجالس على السرير يستند على ظهره.
ابتسم لها وهو يمد يده لها، فلبت نداءه وجلست بجانبه لياخذها بين أحضانه وهو يقول:
- كنتِ بتكلمي مهيرة؟
هزت رأسها بنعم ثم قالت:
- كانت عايزة تحضر فطار لسفيان ومش عارفة تعمل إيه.
ابتسم بسعادة وقبل يديها ووجنتيها وقال:
- صباحية مباركة يا عروسة.
احمرت وجنتاها وهي تتذكر ما حدث بالأمس.
حين عاد من العمل بعد أن حادثته خديجة وأخبرته بما حدث، وحذرته من الصعود إليها لأنها حينها لن تجعله يخرج من البيت مرة أخرى.
فنفذ كل ما قالته وما أحب ذلك إلى قلبه.
ومع روتينه اليومي، طرقتان على الباب ثم يفتح الباب. ولكن حين دخل الشقة لم يجد مريم على نفس جلستها، ولكن استمع لصوت يصدر من المطبخ. ليدخل إليها ليفاجئ بها ترتدي منامة حريرية فيروزية تظهر جمالها الذي اشتاق له، وعاش عمره كله يحلم بها.
اقترب منها بهدوء وحاوط خصرها فانتفضت قليلًا، ولكنها ابتسمت وهي تقول:
- حمد لله على السلامة، ثواني والغداء يكون جاهز.
أدارها إليه وهو يقول:
- هو فيه أحلى من كده غدا؟
ابتسمت وقالت:
- أنا فرحانة أووي إني بطبخ لك بإيدي أول مرة يا عادل.
ألمه قلبه يعرف أنها كانت مجروحة بتنفيذه رغبة خديجة والابتعاد عنها. صحيح هي كانت تتألم لبعد ابنتها، لكنها كانت بحاجة لقربه. الآن سيعوضها عن كل شيء، لتطبخ له وكل ما تريده مجاب. أخرج من جيب سترته علبة زرقاء وقدمها لها وهو يقول.
يارب ذوقي يعجبك.
ابتسمت في سعادة وفتحتها لتجد خاتم زواج وبجواره دبلة فضية. نظرت له ثم ليده لتنتبه أنها لم تره من قبل يرتدي خاتم زواج.
ابتسمت في سعادة حقيقية. أمسك الخاتم وألبسها إياه ثم قبل يديها بتقديس. ثم ألبسته هي الأخرى خاتمه.
تناولوا غداهم بنقاشات ومجادلات انتهت بضحك هستيري ذكرهم بأيامهم قديمًا. وبعد انتهائهم من تناول الطعام أصر هو على غسل الصحون وحضرت هي كوبان من الشاي.
وبعد تناولهما، أمسكها من يدها ليدخلا معًا عالمًا كانا يحلمان به عمر طويل. حلم كم تمنوا تحقيقه ولكن كانت هناك دائمًا عقبات. ولكن لكل شيء معاد.
وحتى ساعات الصباح لم يخرج أحد من الغرفة. كان كل منهم يعوض حرمان سنوات وسنوات. حب يتدفق يقابله حب جارف.
كانت خديجة تستمع لصوت ضحكاتهم قلبها يتلوى ألمًا ولكنها تتذكر يوم وقوفهم أمام الملك الجبار. يوم يحاسب كل منهم على نواياه وأخطائه. يوم تحاسب عن منع الحق عن صاحبه. توضأت وصلت وظلت طوال الليل تصلي وتدعو الله أن يقوي قلبها.