الفصل 31 | من 40 فصل

رواية جبل النار الفصل الحادي والثلاثون 31 - بقلم رانيا الخولي

المشاهدات
21
كلمة
4,200
وقت القراءة
21 د
التقدم في الرواية 78%
حجم الخط: 18

انقبض قلب داغر عندما وجد جسدها يهتز ثم يتشنج كما حدث من قبل. وقبل أن تسقط أرضًا، أسرع إليها لتسقط بين يديه. ثم حملها سريعًا ووضعها على الفراش. خلع نظارته وألقاها جانبًا وقلبه ينتفض رعباً مع انتفاضتها. ضغط على كتفها كي يتحكم في تشنجها، لكنها أقوى من قبله. لم يجد أمامه سوى أن يتصل بالطبيب. تركها واتصل على الفندق. "أريد طبيب حالاً بغرفتي." أغلق الهاتف دون أن يستمع لرده وعاد إليها سريعًا.

أنهى الطبيب معاينتها تحت نظرات داغر الملتاعة خوفاً عليها. سأله الطبيب: "هل النوبة هذه تتكرر كثيراً؟ تذكر داغر عدد المرات التي رآها، فقال بتأكيد: "نعم تحدث كثيرًا." دون الطبيب عنوان المشفى التي يعمل بها وقال: "لن أستطيع تأكيد تلك الشكوك إلا إذا قمت بعمل فحوصات طبية لها. سأنتظرك غدًا لنعرضها على طبيب مختص لحالتها." سأله داغر بتوجس: "هل تشك بشيء معين؟ الطبيب فمه بحيرة ثم سأله: "هل تعرضت لضرب مبرح على رأسها من قبل؟

لم يعرف داغر بماذا يجيب: "لا أعرف." "حسناً، سنعلم كل ذلك غدًا عندما نقوم بالفحوصات." أومأ له داغر ثم قال بروية: "لكن أريد أن يبقى ذلك في طي الكتمان، لا أريدها أن تعرف." أومأ له الطبيب بتفاهم ثم خرج. عاد داغر إليها وقلبه ينفطر قلقاً عليها. جثى على ركبتيه بجوار الفراش، ثم أمسك يدها يقبلها بحب. وقد تناسى كل شيء في تلك اللحظة. لا يريد أن يعرف شيء سوى أنه ما زال يعشقها، ومهما فعلت به سيظل عاشقًا لها. ملس بإبهامه

على وجنتها وتمتم بوله: "خلاص، من بعد النهاردة مفيش حاجة هتفرق بينا. بس هأجل المواجهة لحد ما أطمن عليكِ، وبعدها هحط النقط على الحروف." كان جسدها ساكنًا يبدو عليه التعب. فما كان منه سوى أن يستلقي بجوارها يتطلع إليها بعشق جارف. وقد قرر أن يغتنم تلك الفرصة ويحتفظ بها إلى الأبد. دَلفت هايدي غرفة أمينة لتضع إياد على الفراش بعد أن نام أخيرًا. ثم دثرته جيدًا وسألت أمينة: "محتاجة حاجة مني قبل ما أنام؟ ابتسمت

أمينة لها وقالت بمغزى: "عايزة سلامتك يا حبيبتي، روحي انتِ نامي." أومأت لها هايدي وهمت بالخروج، لكن أمينة استوقفتها: "هايدي، ومتطوليش في البعد لأنه عمره ما كان حل. مش بقول كدة عشان ابني، أنا بقول كدة نصيحة لبنتي." ابتسمت لها هايدي بتفاهم وقالت بثقة: "متقلقيش، أنا عارفة بعمل إيه." مالت على رأسها تقبلها بحب: "تصبحين على خير." "وأنتِ من أهله." دلفت هايدي غرفتها، فتجده جالسًا على الفراش ينتظرها.

لم تعره انتباه وتوجهت إلى الخزانة لتأخذ ملابس لها لترتديها، ودلفت المرحاض. تركها تفعل ما تشاء، يحق لها ذلك ولن يسأم مهما فعلت. ظل منتظرها وعينيه على باب المرحاض حتى خرجت منه. ولم تعره انتباه. وقفت أمام المرآة تمشط خصلاتها، تتحاشى النظر لصورته المنعكسة أمامه. لم يعد يطيق صبرًا. ودون إرادته وجدته يتقدم منها وهو يرى انعكاس نظراتها في المرآة، والتي ما زالت تدينه. وضع يده على كتفها ومال على عنقها يقبله وهو يتمتم بشجن:

"وحشتيني." ازدردت لعابها بصعوبة وعينيها تهتز أثر تلك المشاعر التي اقتحمتها. عندما مرر أنامله على ذراعها ليصل إلى يدها كي يأخذ منها الفرشاة ويلقيها على الطاولة أمامه. ثم جذبها لتنهض وأدارها إليه متطلعًا إلى عينيها قائلاً برجاء: "أوعي تبعدي عني تاني، بعدك والموت واحد." ملس بأنامله على وجنتها قبل أن يطبع قبلة ناعمة عليها. "بحبك يا هايدي، بعشقك." انهارت قوتها التي كانت في الأصل واهنة، لكنها قاومت عندما هم بتقبيلها.

فوضعت يدها على فمه تمنعه من الوصول إليها وقالت برفض: "خلينا نتكلم الأول ونصفّي اللي بينا." أومأ لها ولم يعترض، فقام بجذبها من يدها وتوجه بها إلى الأريكة وجلسا عليها ليسألها: "قولي اللي جواكي ومتخبيش حاجة." رمشت بعينيها وهي لا تعرف كيف تصيغ حديثها، لكنه علم بما تود التحدث بشأنه فقال بجدية:

"شوفي يا حبيبتي، أنا بابا الله يرحمه مات وأنا عمري ست سنين وحور كان عمرها سنتين. ماما اضطرت وقتها إنها تشتغل عشان تصرف علينا. فكانت بتسيبها معايا، بس أنا كنت لسه صغير ومعرفتش آخد بالي منها. كان عمرها تلات سنين لما غرقت في البحر وده لأني معرفش آخد بالي منها وأحافظ عليها. ماما مقدرتش تفضل في البيت وواحدة جارتنا كانت شغالة عند والد أسيل بس سابتهم عشان ولادها وطلبت من أمي تشتغل مكانها. والدة أسيل رحبت بينا جدًا وكانت

بتعاملني زي ابنها سليم بالظبط. لما شفت أسيل كانت في الوقت ده بعمر حور، حسيت كأني شايفها قدامي. اتعلقت بيها لأنها قدرت تملى الفراغ اللي سابته حور ومحت على إحساس الندم اللي جوايا. بقيت أنا اللي بهتم بها وهي اتعلقت بيا أكتر. مكنش فيه غيرها قدامي ولا كان في غيري قدامها. كان حبنا أخوي ومتبادل، بس لما كبرت ودخلت الجامعة كان لازم أسيب الفيلا وأسكن لوحدي. وقتها حسيت بالفراغ اللي كانت هي ملياه وافتكرت وقتها إني حبيتها، وفضلت

عايش في الوهم ده. ولما صارحتها بمشاعري قالت إني زي أخوها، وبعدها سافرت إيطاليا وأنا اتعرفت عليكي واتجوزنا. وفضلت معيش نفسي في الوهم ده. لما رجعت وعرفت إنها حبت، غيرت عليها كأخ حقيقي وكنت عايز أحميها منه، بس لما شفت قد إيه هي بتحبه ومتعلقة به سبتها تخوض التجربة."

تنهد بتعب وتابع: "لحد ما جاه اليوم المشؤوم ده ولقيت سليم بيسلمهالي وبيطلب مني أخليها معايا. وطبعًا انتي عارفة الباقي. ولما سبتي البيت ومشيتي لقيت نفسي بموت حرفيًا من بعدك. وقارنت بين معزتي لأسيل وحبي ليكي." وضع وجهها بين كفيه وتابع: "لقيت إنك أغلى من نور عينيه، وإن بعدك والموت واحد. يعني أسيل هي العوض عن اختي، وانتي العوض عن الدنيا كلها." لم يكن هناك شك في صدق حديثه، فافتَرت ثغرها عن ابتسامة أشرقت روحه. فسألها بحب:

"لسة عندك شك في حبي ليكي؟ هزت رأسها بنفي وقالت: "بس كان غصب عني... قاطعها حازم: "مش عايز أسمع حاجة عن اللي عدى، إحنا بنبدأ صفحة جديدة مع بعض، مش عايز أي حاجة تتكتب فيها غير حبنا وبس." مال على ثغرها يقبلها بحب، ولم تعارضه، بل استسلمت له كي تتأكد بنفسها. وقد كان لها ما أرادت وهي تسمع منه كلمات الغزل مرددًا اسمها بعشق جارف. استيقظت أسيل في الصباح على ألم حاد في رأسها.

وقد أصبح ملازمًا لها في الآونة الأخيرة حتى أصبح غير محتمل. انتبهت لتلك اليد التي أحاطت خصرها بتملك، فأدارت رأسها ناحيته فتجده نائمًا بجوارها ويحيطها بذراعه. تطلعت إليه بمشاعر مختلطة. باشتياق تارة، وبعتاب تارة أخرى. لكن الأقوى هو العشق الذي لازمها منذ أن رأته على الباخرة وظل يلازمها حتى الآن. واهمة هي إن ظنت ولو لوهلة أن باستطاعتها مجابهة ذلك العشق.

ظلت تتطلع إليه وهو نائمًا بهدوء، من يراه يظنه ملاكًا لا يجرح ولا يظلم. تصلب جسدها عندما وجدته يتمتم باسمها: "أسيل." تصلب جسدها وازدادت وتيرة دقاتها لسماعها اسمها من بين شفتيه، وهي ظنت أنه محاها من حياته. تجمعت العبرات بعينيها وهي تنظر إليه، وقد عاد أمامها ذلك المحب الذي أطربها بأجمل الكلمات. ليته يعود ويمحي ذلك المتجبر الذي أصبح عليه الآن. أغمضت عينيها تتظاهر بالنوم عندما وجدته يتحرك في الفراش.

لم تبالي بمسح دموعها، هو عامة لن يراها. لكن من قال ذلك؟ وقد فتح عينيها ليرى تلك الدموع التي بللت وجهها. علم أنها مستيقظة وتتظاهر بالنوم، وكم أراد أن يمحي تلك الدموع، لكنه أحجم تلك الرغبة وظل يتطلع إليها للحظات. وقد تلاشى كل شيء من داخله ولم يبق سوى الحب. اليوم سيأخذها ليطمئن عليها، وبعدها لن يتركها لحظة واحدة. نهض من الفراش وتوجه إلى المرحاض كي يتركها تنهض وتمحو دموعها.

وما إن أغلق الباب حتى نهضت لتمسح دموعها وتلعن ذلك القدر الذي جعلها تعشق مهلكها دون عن باقي البشر. نعم، ما زالت تحبه وما زال القلب ينبض فقط لعشقه. لم تستطع وقف دموعها، بل شعرت بها تزداد حتى وصلت للنحيب الذي تحاول كتمه بشتى الطرق. وهو بالداخل يستمع لبكاءها المكتوم بقلب ينفطر ألمًا عليه. لما هذا البكاء؟ هل تبكي لأنها اقترنت به؟ أم لأنها ندمت على تركها له وتريد العودة له؟

كلاهما ينكوي بنار الفراق، وكلاهما يعاتب كلاً منهم الآخر، لكن في صمت مطبق. ظل داخل المرحاض حتى هدأت نحيبها واستكان الهدوء في الغرفة. خرج وهو يحاول بصعوبة أن يبعد عينيه عنها، وتكتشف أنه عاد يبصر من جديد. لكن ثباته انتهى عندما وجدها تمر من جواره لتدلف المرحاض. وحينها لم يستطع منع نفسه، ووجد يده تسحبها إليه ليحتويها بحضنه ويشدد من احتضانه لها كأنه يريد أن يسحب أحزانها ولا يترك لها سوى الفرح. احتياجها أكثر من ذي قبل.

وكذلك هي، لأول مرة تسمح له أن يراها بذلك الضعف، وأطلقت لدموعها العنان تبكي على كتفه. تبكي على كل شيء. تطالبه أن يعود كما كان وليس ذلك المتجبر. فهي ما زالت تعشقه وتريده، فقط يعتذر عما بدر منه وحينها قلبها سيسامح ويغفر. أما هو، فكان ينتظر منها أن تعترف له. أن تخبره بأنها أسيل حبيبته، لكن يبدو أنه سينتظر كثيرًا، وربما لن يأتي ذلك اليوم. بوغت عندما وجدها فجأة تبتعد عنه وتمسح دموعها بظهر يدها وتتمتم بارتباك:

"أنا آسفة إن كنت أزعجت حضرتك بس... قاطعها بلهجة حاول بها إخفاء عتابه: "عادي، كلنا بييجي علينا وقت بنكون محتاجين فيه لحضن يخفف عنا، بس للأسف مش بنلاقيه." لا تعرف لماذا شعرت بعتاب خفي خلف حديثه، وكأنه يطلب منها أن تقرأ ما بين السطور. انسحبت بهدوء دون أن تتفوه بكلمة ودلفت المرحاض. خرجت أسيل من المرحاض فتجده انتهى من ارتداء ملابسه. سألته: "إحنا هنروح المستشفى دلوقتي؟ أومأ لها:

"آه، اجهزي بسرعة عشان يارين هتعدي علينا دلوقتي." عادت الغيرة تحتل قلبها، لكنها حرصت على ألا تبدي ذلك. ثم أخرجت من الخزانة سترة لها تلاها الحذاء وارتدتهم في صمت. شعرت بعودة الألم برأسها، لكن تلك المرة أشد. لاحظ داغر ذلك الألم الواضح عليها فيشعر بالقلق أكثر. رن هاتفه باسم يارين، أجاب مسرعًا: "يارين وصلتي ولا لسة؟ أجابت من الجانب الآخر: "آه يا حبيبي، وصلت. أنا مستنياكم تحت والدكتور مستنينا في المستشفى." تطلع إليها وقال:

"تمام، إحنا نازلين حالاً." أغلق الهاتف وقال: "يارين وصلت، يلا." أومأت له وأخذت حقيبتها وخرجت من الغرفة معه. وشعور الألم يزداد معها. كانت يارين تنتظرهم داخل سيارتها، وعندما وجدتهم ترجلت منها وتوجهت إلى داغر لتقبله: "كيف حالك؟ ابتسم داغر بود: "الحمد لله بخير، يلا بسرعة عشان ميعاد الدكتور." جلس داغر بجوارها وجلست أسيل في المقعد الخلفي للسيارة وظلت تراقبهم بغيرة جعلتها تنسى ذلك الألم.

كان داغر يتحدث معها بالإنجليزية كي لا تفهم أسيل حديثهم. "هل تثقين بذلك الطبيب؟ ردت يارين بثقة: "بكل تأكيد، فهو الأشهر هنا وقد تحدثت معه وتفهم الوضع." زم فمه بحيرة ثم تحدث: "لم يطمئني الطبيب أمس وأخشى أن يكون الأمر أكبر بكثير مما يظن." ربتت على يده تطمئنه: "اطمئن، ستكون بخير إن شاء الله." "لكن لما لم تخبري أبي بمجيئك؟ تنهد بتعب شديد وقال:

"لا أريد مواجهات، ليس الآن على الأقل، فأمامي مواجهة مصيرية وبعدها سيعود كلا إلى نصابه." توقفت السيارة أمام المشفى وترجلوا جميعاً متجهين للداخل. كانت تنظر ليد يارين التي تحيط ذراع داغر بغيرة. مما جعلها تندهش. لم تكن تغار بتلك الشدة وهما معاً في بداية عشقها له، فلما تغار الآن وهي على وشك تركه للأبد. لكن هل باستطاعتها تركه؟ تعلم جيدًا مهما حاولت الإنكار أنها لن تستطيع، لكن ليس هناك بد من الفراق. في مكتب الطبيب.

وضعت الممرضة العصير أمامهم فشكرها داغر بابتسامة بادلها بها، وأسيل تتظاهر بالانشغال بهاتفها. تطلعت إليها يارين لتسألها: "حور، مالك ساكتة ليه؟ هزت كتفيها قائلة: "عادي، بس أنتم بتتكلموا بالإنجليزية وأنا مش بفهمها." تظاهرت يارين بالجهل وقالت بأسف: "أوووه، مكنتش أعرف." "عادي ولا يهمك." أخذت يارين كوب العصير لتناوله إياها وقالت: "طيب اتفضلي اشربي العصير ده، هيعجبك أوي." أخذت منها الكوب وكذلك فعل الجميع كي لا تشك بشيء.

ولم تمضي لحظات حتى غرقت بثبات. لحق داغر الكوب قبل أن يسقط من يدها ووضعه على الطاولة ثم قال ليارين: "نادي الدكتور بسرعة." أومأت له وخرجت. وقام هو بحمل أسيل ووضعها على السرير (الشازلونج) ينتظر مجيء الطبيب. دلفت يارين ومعها الطبيب الذي تقدم منه يسأله: "هل نامت بفعل المخدر؟ أجاب داغر بقلق: "نعم." "حسناً، احمها واذهب بها إلى قسم الأشعة." وقف داغر أمام الغرفة ينتظر الانتهاء.

يدعو من قبله أن تكون بخير وهو يوعدها بأن يطوي صفحات الماضي دون الرجوع إليها مرة أخرى. تقدمت منه يارين عندما لاحظت مدى قلقه وقالت بتعاطف: "متخافش عليها، إن شاء الله خير." أومأ لها بصمت. فخرجت الممرضة لتقول له: "لقد انتهينا، بإمكانك أخذها." دلف داغر ليحملها ويخرج بها من الغرفة. فقال للممرضة: "أين الغرفة؟ أشارت له على نهاية الممر: "الغرفة مئة وعشرون في نهاية ذلك الممر." أومأ لها ثم توجه بها إلى الغرفة.

قامت الممرضة بدفع مقعده لتقربه من النافذة كما يفضل دائمًا وسألته: "محتاج حاجة تاني؟ نفى حسين بعينيه، فانسحبت الممرضة وخرجت من الغرفة. أخذ هو ينظر لحديقة المكان الذي أصبح حبيسًا بداخله. ولا يرى أحد سوى الحقيقة المرة التي ستلازمه طوال عمره. وهو أنه ظلم كل ما هو جميل بحياته. تلك الحبيبة التي ظلمها بأبشع التهم وصدق تلك اللعبة التي حكتها عليه شاهي. وبعد ذلك ابنته. أذاقها أشد العذاب رغم أنها كانت ضحية أخرى لشاهي.

وفي النهاية ألقت به داخل دار مسنين بعد أن أصيب بشلل نصفي أثر تلك الجلطة التي أصابته عند معرفة الحقيقة. يستحق ما وصل إليه بسبب حماقته، فليتذوق ما أذاق أباه أولاده وحبيبته. في غرفة أسيل. سحب داغر يده التي تحتوي يدها عندما شعر بها ترمش بعينيها. ارتدى نظارته سريعًا وابتعد بكرسيه للوراء قليلًا. فتحت أسيل عينيها وما زال ذلك الألم يفتك برأسها.

انتبهت لاستلقاءها على الفراش ثم التفتت بجوارها فتجد داغر جالسًا على المقعد بجوارها. هل أصابها الإغماء مرة أخرى؟ أغمضت عينيها وخرجت منها آهة خافتة جعلت داغر يسألها: "إنتِ صحيتي؟ حاولت النهوض لكنها لم تقوى على ذلك فقالت بألم: "إيه اللي حصل؟ "مفيش، تعبتي شوية وخلاص. حاسة بأي ألم؟ وضعت يدها على رأسها وقالت بوهن: "صداع شديد أوي." ازداد قلقه عليها وقال: "ثواني هنده للدكتور يديكي أي حاجة مسكنة." منعته قائلة:

"لأ، خليك. أنا هروح آخد علاجي وهكون كويسة." نهضت وهي تتابع: "لو خلاصت كشف خلينا نروح." أومأ لها قائلاً: "تمام." ترجلت أسيل من السرير لكنها شعرت بأن قدميها كالهلام لا تقوى على حملها مما جعل قلب داغر يزداد خوفًا عليها. تناسى كل شيء في تلك اللحظة ولم يرى أمامه سوى أسيل حبيبته. فسألها بقلق: "هتقدري تمشي؟ تحاملت أسيل على نفسها: "آه هقدر." لكن مع أولى خطواتها كادت تسقط، لكن يد داغر لحقتها ومنعتها من السقوط. وقال بقلق:

"خليني أنده للدكتور... قاطعته برجاء: "لا، أرجوك خليني أروح. لو أخدت العلاج هرتاح." أومأ لها ثم مال عليها ليقوم بحملها. شهقت أسيل بتوجس، لكنه طمأنها: "متخافيش." بعد كلمته تلك دون إرادتها استسلمت له، ولم ترَ أمامها الآن سوى ذلك الحبيب الذي كانت تشعر معه دائمًا بالأمان. ها هو الآن عاد إليها من جديد. وقبل أن يخرجوا من الغرفة دلفت يارين وهي تقول: "إيه، مالها أسيل؟

"مفيش، بس دايخة ومش هتقدر تمشي. عرفيني الطريق وخلينا نروح." أومأت له وسبقت خطواته تدله على الطريق كي لا تشك أسيل بشيء. حتى وصلوا للسيارة. ووضعها برفق داخلها. استقل مقعده بجوار يارين وهو يسألها: "التقارير طلعت؟ "لا، هتطلع كمان ساعة والدكتور چون قال أنه هيستلمها بنفسه ويشوف الحالة وهيكلمك على طول." أوما لها بثبات رغم القلق الذي يعتمل بداخله. والتزم الصمت حتى وصلوا للبناية.

أما أسيل فظلت نظراتها معلقة عليه، وقد أعاد إليها ذكريات الماضي بذلك الحنان الذي أغدقها به. هل تعود تلك الأيام؟ أم أن هذا هو السكون الذي يسبق العاصفة؟ هل تسمح لقلبها بأن يُخدع مرة أخرى؟ أم أنها الآن أصبحت على أرض صلبة ولا يوجد ما تخشى منه؟ توقفت السيارة أمام البناية مما جعلها تندهش. من مجيئهم هنا. همت بسؤاله لكن انعقد لسانها عندما رأت سليم أخاها يخرج من البناية المجاورة لتلك التي وقفوا قبالته.

لم تنتبه لداغر الذي يحدثها ولا ليارين التي تناديها. فقط سليم الذي سار باتجاه سيارته وانطلق بها مارًا بجوار سيارتهم. أصبحت الرؤية أمامها غير واضحة، حتى صوت داغر الذي يناديها ولا ليده التي تربت على وجنتها. ولأول مرة تشعر برغبة بأن يلفها ذلك الظلام. لم تعد تستطيع التحمل والصمود أكثر من ذلك. تركت نفسها ليد داغر التي حملتها ودلف بها المبنى. نادت ظلامها لكنه لم يلبيها. فقط دموعها التي واسيتها وهي تنزل بغزارة.

فأغمضت عينيها لا تريد رؤية أحد بعد الآن. شعرت أمينة بالسرور وهي ترى سعادة ابنها بعودة زوجته له. وضعت هايدي باقي الأطباق على الطاولة ثم جلست على مقعدها المجاور لمقعده. خرج حازم من غرفته فتكتمل سعادته وهو يرى عائلته متجمعة على السفرة تنتظر مجيئه. مال على رأس والدته ليقبلها: "صباح الخير يا ست الكل." ردت أمينة: "صباح النور يا حبيبي." مال على هايدي ليقبل وجنتها قائلاً بحب: "صباح الورد." ابتسمت له بحب:

"صباح النور، يلا بقا افطر عشان تحلق تودي الولاد الحضانة." جلس على مقعده وقال برفض: "لأ، خليهم اليومين دول عشان إياد ميزهقش لوحده." تلفت حوله: "أومال هو فين؟ قالت أمينة: "نايم، فضل يعيط طول الليل عشان أسيل. ربنا يعدي اليومين دول وترجع بقا." "هي لسة مصرة إنها تسافر؟ رد حازم بجدية: "أنا شايف إن كده أفضل. داغر لما يعرف إنها سابته وهربت وإنها كانت بتخدعه الفترة دي كلها مش هيسكت، فالأفضل إنها تسافر هناك مش هيقدر يوصلها."

قالت هايدي بتأثر: "أسيل صعبانة عليا أوي، زي ما يكون انكتب عليها التعب طول عمرها." أومأت أمينة بمرارة: "إنتِ كمان مشوفتيش حاجة، ولا شوفتي اللي كانت بتعمله فيها شاهي ولا حتى أبوها." "بكرة تلاقي اللي يعوضها عن التعب اللي شافته ده." ردت أمينة باستياء: "هتلاقيه إزاي وهي يعتبر متجوزة." قالت هايدي: "تطلب الطلاق." رد حازم بتهكم: "بالسهولة دي؟ مفتكرش إن واحد زي داغر هيعدلها اللي حصل ولما تطلب الطلاق هيطلقها بالسهولة دي."

"خلاص تطلب من عمه إنه يساعدها ويطلقها منه." "كل ده كلام سابق لآوانه، خلينا نستنى عمه يثبت إياد وبعدين نتكلم في كل ده." "هو احتمال ييجي ياخد إياد النهاردة أو بكرة بالكتير وأنا هحاول أفضي نفسي وأروح معاه." فتحت أسيل عينيها وقد اكتفت من التظاهر بالنوم. كانت الغرفة معتمة إلا من ضوء خافت. وكان هو جالسًا على الأريكة في سكون تام. أخذت تتطلع إليه وقلبها الخائن يتلهف على قلبه. هل ما زال يفكر بها؟

أم كانت مجرد فتاة عابرة مرت من أمامه ولم يعد يلتفت خلفه ليراها؟ أما هو، فقد ظل ثابتًا أمام نظراتها التي تراقبه وعينيه تتلهف لرؤيتها. لكنه أبى ذلك كي لا يضعف أكثر أمام مشاعره التي تطالبه بها. مسح بكفيه على وجهه ثم سألها: "مش هتاكلي؟ علمت أنه شعر بها فاعتدلت لتنهض قائلة: "مليش نفس." وما أن وضعت قدمها على الأرض حتى شعرت بألم رأسها يزداد بشكل عنيف ونظراتها تهتز دون إرادتها. عادت للفراش وقد انتابتها رغبة في التقيؤ.

وضعت يدها على فمها وتحاملت على نفسها لتذهب إلى المرحاض لتتقيأ ما بجوفها. وقلب داغر ينبض بعنف لعدم استطاعته الذهاب إليها. ستكشف أمره إذا سألها. ظل ملتزم الصمت وهو واقفًا على باب المرحاض يستمع لها بقلق زائد. لم يستطع منع نفسه فدفع الباب فيجدها تستند بيديها الواهنة على الحوض وتتقيأ بألم. دنا منها ليسند رأسها ويبعد خصلاتها للخلف حتى انتهت. فتح المياه وقام بغسل وجهها. وعندما حاولت الاعتراض طمأنها بحب:

"مكسوفة من إيه، إنتِ مراتي." تركت نفسها له بعد تلك الكلمة حتى عندما حملها وعاد بها للفراش لم تمانع. بل عادت تترك له زمام أمورها كما كانت تفعل من قبل.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...