الفصل 21 | من 40 فصل

رواية جبل النار الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم رانيا الخولي

المشاهدات
21
كلمة
4,316
وقت القراءة
22 د
التقدم في الرواية 53%
حجم الخط: 18

كان بكاء الطفل يمزق نياط قلبه، ولا يعرف سبباً لذلك. فقام بتهدئته قائلاً بحنو: "هششش، خلاص أنا جنبك." اندهش داغر عندما وجده يتشبث به ولم يهابه. بل بدأ بكاؤه يهدأ قليلاً، ويندهش أكثر عندما وجده يضع رأسه على كتفه. زدرد لعابه بصعوبة، وقد شعر بسخونة جسده. وضع يده على ظهر الصغير يثبته على صدره، فتزداد ضربات قلبه المتسارعة بشعور عجيب يجتاحه لأول مرة. نادى على سائقه: "عم صالح." أسرع إليه صالح الذي كان ينتظره بالأسفل:

"خير يا ابني." رد داغر وهو يربت على ظهر الطفل: "هو ولد ولا بنت." دقق السائق بملامحه، مما جعله يندهش من تقارب الشبه بينهم. لم يرى عينيه جيدًا من شدة بكائه، لكن الشبه واضح. "ده ولد." "طيب، خده مني ويلا نروح بيه للمستشفى." السائق بتردد: "بس كدة أهله هيقلقوا لو رجعوا وملقوش ابنهم." رد داغر بعدم اهتمام: "لو بيقلقوا مش هيسيبوه لوحده بالحالة دي." وافق السائق وهم بأخذ الطفل، لكنه تشبث بداغر أكثر ورفض صالح الذي حاول أخذه.

منعه داغر: "خلاص سيبه، امشي قدامي عرفني الطريق." سار صالح أمامه يشرح له الطريق حتى وصلوا للدرج. كانت خطوات داغر حذرة، ليس خوفاً على نفسه بل خوفاً على ذلك الصغير. نزل أول الدرج دون أن يستند على السياج، وذلك جعل نزوله أصعب بكثير. كان يتنفس عد كل درجة، ويواصل صالح إرشاده.

تعركل في نزوله وكاد أن يسقط، لكن يد صالح أنقذته. ولأول مرة يسمح بأن تساعده يد أخرى، لكن عليه ذلك كي يصل بالطفل للأمان. تنفس بأريحية عندما انتهت معاناته عند آخر درجة. خرجوا من المنزل ثم توجهوا للسيارة التي انطلقوا بها للمشفى. وطوال الطريق والطفل يتشبث بعنقه وكأنه طوق نجاة له. كانت أنفاسه المحمومة على عنق داغر تقلقه أكثر عليه، مما جعله يشدد من احتضانه له حتى وصلوا للمشفى. ***

وقفت أسيل في الصيدلية تنتظر الدواء، والذي بدأ الطبيب بالبحث عنه ثم عاد إليها بأسف: "خلص للأسف، بس لو عايزاه ضروري استنى خمس دقايق بس." ترددت أسيل، لكنها وافقت مجبرة. فأشار لها بالجلوس والانتظار حتى يأتي به. لم تمضي ثواني وقالت بقلق: "ارجوك بسرعة لأني سيباه لوحده في البيت." رد بتفهم: "دقيقتين بالظبط وهيكون معاكي."

ظلت أسيل تنتظر حتى جاء الدواء وأخذته لتعود إليه مسرعة. لم تنتبه لتلك السيارة التي مرت بجوارها، ولم ترى أحد سوى الطريق الذي سيصلها لابنها. وصلت للمنزل، فحمدت ربها عندما لم تسمع صوت بكاءه، فظنت أنه مازال نائمًا. أخرجت المفتاح من حقيبتها وهمت بوضعه في مكانه، لكنها وجدته مفتوحًا. ظنت لوهلة أن أمينة قد عادت، فنادتها: "دادة." لم يجيبها أحد. فانتبهت للطاولة الساقطة على الأرض، فشعرت بالخوف وأخذت تنادي: "دادة أمينة."

لكن ما من مجيب. صعدت الدرج وقلبها ينبض بشدة حتى وصلت لغرفتها، فوجدتها مفتوحة على مصراعيها. أخذ قلبها يهدر بعنف وتطلعت للداخل، فتجد الغرفة فارغة. رمشت بعينيها مرات متتالية وعقلها يرفض ما تفكر به. أخذت تنادي مرة أخرى: "دادة أمينة، انتي هنا؟ لكن لم يجيبها أحد. بأرجل كالهلام، أخذت تبحث في الغرف لكنها لم تجد أحد. فتتصلب أرجلها عندما وجدت أمينة تدلف وحيدة من الباب وهي تقول بحيرة: "مين اللي كسر الباب كدة."

لم تستوعب الصدمة، وكل شيء حولها يؤكد لها بأن ابنها قد تم خطفه، فسقطت أسيل مغشياً عليها. *** دلف داغر المشفى وقد غفى الطفل على صدره. لم يستطع استخدام عصاه وهو يحمل الطفل، فترك أمر الإرشاد إلى صالح حتى وصلوا للطوارئ. تقدمت منه إحدى الممرضات وهي تسألهم: "خير، في حاجة؟ قال داغر: "الطفل جسمه سخن أوي، وجاي أسأل على دكتور أطفال." ردت الممرضة: "دكتورة هايدي لسة جاية من شوية، اتفضلوا معايا."

لم تنتبه الممرضة لإعاقة داغر إلا عندما وجدت من معه يخبره بالتحرك ويرشده للطريق. تحصرت عليه وقالت في نفسها: "يا خسارتك في العمى." دلت غرفة هايدي وهي تقول: "دكتورة هايدي، في حالة برة بس إيه حاجة من الآخر." ابتسمت هايدي وسألتها: "هو مين بقى؟ الطفل ولا أبوه." ضحكت الممرضة: "أنا لما شفت أبوه مأخدتش بالي من أي حاجة تانية، بس الحلو ميكملش كفيف." "طيب يا ستي، دخليه." ***

فتحت أسيل عينيها على صوت حازم الذي يحسها على الاستيقاظ. لم تنتبه لنفسها للحظات ولا تعرف أين هي أو ماذا حدث، لكن ألم قلبها الذي شعرت بغصته جعلها تنتبه لنفسها ولما حدث، فتمتمت بتيهة: "ابني فين؟ لم يفهموا منها شيء. وقالت أمينة بقلق: "فوقي يا بنتي وفهمينا في إيه. وفين إياد؟ ازداد شعور الدوار عندما سمعت أمينة، والتي تؤكد بأن ابنها لم يكن معهم وقد تم بالفعل اختطافه. فهزت رأسها برفض وتمتمت بتيهة: "ابني راح مني… ابني فين."

نهضت أسيل بوهن وهي تتلفت حولها: "ابني رجعت ملقتهوش… ابني راح مني… إياد…" سألها حازم بحيرة: "اهدي بس وفهمينا اللي حصل." نهضت أسيل وهي تتلفت حولها: "إياد… رد عليا… إياد حبيبي…" أخذت تتخبط في سيرها وحازم خلفها يحاول إيقافها وفهم ما حدث: "انتي رايحة فين؟ اهدي يا أسيل وفهمينا إيه اللي حصل." أجابت أسيل وهي تتخبط في كل شيء حولها: "ابني مش… موجود… اتخطف… حد خطف ابني." التفتت إلى أمينة وتمتمت بتوهان:

"ابني خرجت… أجيبله الدوا…" (هزت رأسها بضياع) "رجعت ملقتهوش." اهتزت نظراتها وهي تتابع بوهن: "هاتلي ابني يا حازم… هاتولي ابني." تطلعت لحازم وتمتمت برجاء: "حازم… ابني ياحازم… ابني ارجوك… إلا أبني لو جراله حاجة… أموت فيها… ارجوك." تعذب حازم لرؤيتها بتلك الحالة ووقف عاجزًا لا يعرف ماذا يفعل. فلا أحد يعلم بوجوده، ولن يستطيع الذهاب إلى أقسام الشرطة. وما يقلقه أكثر أن يكون والدها قد علم بوجودهما وهو من وراء اختفائه. تطلعت

أمينة لحازم وقالت بقلق: "اتصل على هايدي تكون رجعت تاني وأخدته." "هايدي هتاخده إزاي من غير ما تقول." لم تستمع أسيل لحديثهم، ولا شيء سوى عينين تبحث في كل مكان وقلب تزداد وتيرته بغصة مؤلمة. هل ضاع ابنها منها؟ ذلك العوض الوحيد الذي خرجت به من ذلك الزمن الغادر. هو وحده من جعلها تتشبث بالحياة بعد ما زهدتها. لا، لن تتحمل فقده. إن حدث له شيء لن تستطيع العيش لحظة واحدة. أخذت تبحث في كل ركن بالمنزل ولا أمل لإيجاده. تمتمت

بضياع وهي تنظر إليهم: "ابني لقى الباب مفتوح وخرج لما ملقاش حد فينا." ساقتها قدماها للخارج، فتصادف البحر الهائج في طريقها، يثور وترتفع أمواجه بشموخ وعلو، كأنه يخبر الجميع بأن واهم من فكر في مجابهة ثوراته. لم تبحث معهم بالخارج، ولم ترى شيء سوى صورة ابنها وهو يسير باكيًا على الرمال حتى وصل للبحر وخطفته أمواجه الغادرة. هزت رأسها برفض. محال أن تسمح له بأخذه. فإن أخذ طفلها فليأخذها معه، فليس لها حياة بدونه.

بأقدام واهنة تقدمت منه. لم تتراجع ولم تخف، تلك الموجة العاتية التي لن ترحم من يجابهها. ولا يتحدى قوتها إلا من جاء يبحث عن الموت. أغمضت عينيها عندما وجدتها تقبل عليها، مستسلمة لمصير محتم بالموت. يكفي ما عاشته من عذاب حتى الآن، وقد راح الداعم الوحيد لها. تطلعت إلى الموجة العالية التي تتقدم منها تنذرها بعدم الوقوف أمامها، فالغدر من طباعها وليس بوسعها شيء.

لكن كان للقدر رأي آخر، وانتشلتها يد قوية وسقطت معها أرضًا. فلم تستطع الموجة أن تسحبهم وهم ثابتين على أرضهم، فاستحت الموجة أن تعود إليهم. "أنتِ مجنونة، كنتِ عايزة تموتي نفسك؟ لم تجبه، بل استسلمت لصمت مطبق ولم تنتبه ليدي أمينة التي تساندها كما تفعل دائمًا. فقط مستلقية على الأريكة تضع رأسها على ساق أمينة تهدئها بكلماتها الحانية. خرج حازم كي يبحث عنه ويتساءل. هل حقاً كما ظنت أسيل بأن وقع في البحر؟

لكنه لن يستطيع الوصول للباب ولا فتحه. إذاً، فقد تم اختطافه. لكن من؟ ولما؟ هل علم والدها به وبعث من يقوم بأخذه؟ لم يكن أمامه سوى الاتصال بهايدي. *** دلف داغر المكتب وهو مازال يحمله وقال: "السلام عليكم." ردت هايدي بابتسامة: "وعليكم السلام، اتفضل حضرتك الكرسي على شمالك." تحسس داغر وجلس على المقعد فسألته هايدي: "خير حضرتك؟

لم يعرف داغر ماذا يقول أو بماذا يخبرها، فهو حتى لا يعرف اسمه ولا والديه، ولا يعرف مما يشكو ذلك الصغير. ولا يعرف أيضاً سببًا لفعلته، سوى مشاعر عجيبة حسته على المجيء به هنا. فأشار على طفله وهو يقول: "الولد جسمه سخن أوي." نهضت هايدي قائلة: "طيب خليني أعاينه."

التفت وتقدمت من داغر كي تأخذه منه لعدم استطاعته السير جيدًا، واندشت كيف لوالدته أن تأمن عليهما. مدت يدها تأخذ ذلك الغافي منه، وتركه داغر لها. لكن تسمرت أرجلها عندما وجدت إياد ابن أسيل بين يديه. تطلعت لداغر الذي يجلس ثابتًا ولا يظهر أمامها بأنه خاطف. لكن ما لفت نظرها أكثر هو مدى الشبه الذي بينهما، وخاصة الأعين، وكأنها ترى صورة مصغرة له. تطلعت لإياد الذي كان غافيًا بين يديها. ماذا حدث؟ هل هذا حقاً والده؟

هل علم بمكان أسيل وقام بأخذ طفله منها عنوة؟ حاولت إيجاد صوتها لكنها لم تستطع التفوه بكلمة. ازدردت لعابها بصعوبة وتمتمت: "اومال…. مامته… فين؟ وجدته يقطب جبينه ويتمتم قائلاً: "ليه؟ لم تعرف بماذا تجيب، فغمغمت بارتباك: "اقصد يعني … إن والدته هفهم منها… حالته أكتر." رد بوجوم: "هو قدامك اتفضل شوفيه." أومأت بوجل ثم وضعته على (الشزلونج) وهي لا تعرف ماذا تفعل. هل تبعث رسالة لأسيل تخبرها، أم تخبر حازم وتطلب منه الإسراع إليها؟

لكن كيف ذلك؟ فإن علم بأنها كشفته، فربما يأخذه ويرحل قبل مجيء حازم. أسبلت عينيها براحة عندما رن هاتفها، فعلمت دون أن تنظر إليه بأنه حازم. تركت إياد وتحججت قائلة: "ثواني هرد على الفون." ازدردت لعابها بوجل عندما وجدته حازم بالفعل، ولم تستطيع الخروج من المكتب كي لا يشك بأمرها. فأجابت بحرص: "أيوه." سألها حازم بلهفة: "هايدي، إياد معاكي؟ تطلعت هايدي إلى داغر بتوجس وأجابت: "اه موجود." تنهد براحة، لكنه اندهش عندما سمعها تقول:

"لو وصلت دلوقتي هتقدر تلاقيه." سألها بحيرة: "يعني إيه مش فاهم، انتي جيتي وأخدتيه؟ "لا هو اللي جاه، تعالى وانت تشوفه." أغلقت الهاتف ونظرت لداغر بعينيه المتصلبة، ثم عاينت إياد الذي كان نائمًا وآثار الإعياء واضحة عليه. لم يفهم حازم شيء، لكن الأهم الآن أنه وجده وعليه أن يطمئنها. اتصل على والدته والتي أجابته مسرعة: "خير يا حازم، لقيته؟ اعتدلت أسيل وخطفت الهاتف من يدها. سألته أسيل برجاء أن يكذب عليها ويطمئنها:

"لقيت إياد يا حازم؟ تفادى حازم تلك السيارة التي مرت من أمامه، ولم ينتبه أنه يسير في الطريق المعاكس، فقال: "اه الحمد لله لقيتها." غمضت عينيها براحة وتمتمت بشكر: "الحمد لله." قال حازم وهو يحاول تفادي السيارات التي تقابله: "طيب أنا هقفل معاكي لأني لازم أروح المستشفى دلوقتي." قالت بلهفة: "في إيه؟ إياد حصله حاجة؟ طمأنها حازم بروية: "لأ كويس، بس هو عند هايدي وهروح هناك وأطمنك." "طيب خدني معاك؟ "هتروحي بصفتك إيه؟

سيبيني خليني أشوف في إيه." بوغتت أسيل برده، والذي يؤكد حقيقة مرة مهما حاولت الهرب منه. من هو؟ ومن هي بالنسبة له؟ لا شيء يثبت ذلك. ربتت أمينة على كتفها وقالت بتعاطف: "الحمد لله إن إياد بخير." تنهدت أسيل بشرود وهي تجيب: "للأسف يادادة، إياد عمره ما هيكون بخير." انتهت هايدي من معاينته، وحمحمت كي يخرج صوتها طبيعي ولا يشك بشيء، ثم جلست على مكتبها وضغطت على الزر فتدلف الممرضة: "نعم يا دكتورة؟ قالت هايدي بثبوت لداغر:

"هو ابنك محتاج يتحجز الليلة دي في المستشفى لأن الحرارة مرتفعة أوي ولازم يكون تحت الملاحظة." رد داغر بنفس ثبوتها: "اكتبي كل الحاجات اللي محتاجها وأنا هبعت السواق يجيبها، لكن حجز لأ." ازدردت لعابها بوجل، ثم رفعت عينيها للممرضة وقالت: "طيب يا هدى، هاتيلي كانيولا أركبها عشان المحلول." أومأت هدى وخرجت من المكتب، ثم قامت بإرسال رسالة إلى حازم: "تعالى بسرعة مفيش وقت الولد في خطر." ثم أغلقت الهاتف. سألها داغر:

"الموضوع هيطول؟ ردت بنفي: "لأ خالص، خمس دقايق وهتروحوا." أومأ لها، وأخذت هايدي تنظر إليه بتوجس. ماذا حدث؟ وكيف عثر عليهما؟ وما قصة بصره ومتى فقده؟ بوغتت عندما تحدث داغر: "هتفضلي مركزة معايا كتير؟ ولا بتضيعي وقت لحد ما حد منهم يوصل." اهتزت نظراتها بوجل وسألته: "ليه بتقول كدة؟ ابتسم داغر بسخرية وقال:

"صوتك اللي اتغير لما شيلتي الطفل وأخدتي بالك منه، المكالمة اللي بتأكدي فيها إن الطفل عندك، وطلبك إن الطفل يتأخر لحد ما حد من أهله ييجي." نهض متابعًا: "أنا مش خاطفه ولا حاجة، بس أنا كنت رايح للممرضة بتاعتي وسمعت صوته، فاضطريت أخده وأجيبه المستشفى لما لقيته بالحالة دي. بعد إذنك دوري انتهى لحد كدة." اندفع الباب ودلف منه حازم، والذي تسمر بدوره عندما وجده أمامه. لم يصدق ما يراه. لم تتركه هايدي يفكر كثيراً وقاطعته قائلة:

"تعالي يا دكتور حازم، ابنك بخير متقلقش." تدفقت الدماء بعروق داغر عند نطق اسمه واشتعلت نيران الغيرة بقلبه، لكنه استطاع ببراعة أن يتحلى بالثبات وتحدث بهدوء: "بما إن والده جاه، استأذن أنا." خرج داغر تاركًا حازم في صدمته. لا يعرف ماذا يحدث. تطلع إلى هايدي وسألها: "إيه اللي جاب ده هنا؟ تأكد شك هايدي فقالت بهدوء:

"يظهر إنه المريض اللي حور اشتغلت عنده، ولما مراحتش النهاردة جاه عشان يطمن عليها، لقى إياد في البيت لوحده وتعبان بالشكل ده، قام بدوره وجابه هنا عشان يكشف عليه." ابتلع ريقه بصعوبة بالغة وتطلع إلى إياد الذي بدأ يعود لوعيه. فتقدم منه يحمله وقال بثبات: "أنا هروحه لحور لأنها قلقانة عليه، وارجعلك تاني لأن في بينا كلام كتير لازم نخلصه." أوقفـته هايدي ودونت بعض الأدوية وهي تقول: "هات الدوا ده بسرعة لأنه السخونة عالية أوي."

أخذ منها الورقة وقال: "تمام، متروحيش إلا لما أرجعلك." خرج حازم من المكتب دون أن يستمع لردها، وأخذ يسرع بخطواته كي يلحقه ويتأكد أكثر، ربما يكون أخطأ. وبالفعل وجده ينزل الدرج وقد لفت نظره تلك العصا التي تساعده في النزول بقياس المسافة. متى حدث ذلك؟ نزلت الدرج حتى وصل قبالته، وهنا تمتم الطفل دون قصد: "با.. بارد." حازم بصوت مسموع وهو يمر من جواره: "انت مع بابا متخافش." شعر داغر بأنه تعمد ذلك، لكنه لم يهتم واستقل مقعده

بالسيارة وقال للسائق: "اطلع بينا على عيادة دكتور منتصر." *** دلف حازم المنزل فيجد والدته جالسة على الأريكة منتظرة عودته. وعند رؤيته حمدت ربها على عودته: "الحمد لله." تقدم منها حازم ليضعه بين يديها وسألها: "أومال أسيل فين؟ "أدتها حباية مهدئة ونامت، خفت لو فضلت صاحية يجرالها حاجة." "طيب نيمي إياد جنبها وانزلي عشان عايزك ضروري." صعدت أمينة ووضعته بجوار أسيل التي نامت بفعل المهدئ، فلا تدري بشيء حولها. عادت إلى حازم

تسأله وهي تجلس بجواره: "إيه اللي حصل وهايدي أخدته إمتى؟ تنهد حازم وقال بدون مقدمات: "انتي كنتي عارفة إن أسيل بتشتغل عنده؟ لم تفهم سؤاله في بادئ الأمر، لكنها انتبهت لمقصده، فلا داعي للكذب، لذا ردت بروية: "معرفتش غير امبارح." سألها بحدة: "وليه مقولتيش يا أمي؟ "ما تفهمني إيه اللي حصل الأول." رفع حاجبيه متسائلاً: "اللي حصل؟ تعرفي اللي حصل ده خلاه يتجرأ ويدخل بيتي وياخد إياد ويمشي بكل بساطة." قطبت جبينها بدهشة وسألته:

"إزاي؟ قص عليها ما حدث وأمينة تستمع إليه بصدمة: "معقول ده؟ رد حازم بلهجة حادة: "اه معقول، لما تخبوا عليا حاجة زي دي يبقى مستغربش أي حاجة تحصل بعد كدة." علىٰ صوته بإدانة: "إزاي يا أمي توافقيها على حاجة زي دي، وهي وافقت تشتغل عنده بناءً على إيه؟ ردت أمينة بقلة حيلة: "أعمل إيه بس يا ابني، أنا معرفتش غير امبارح ولما سألتها قالت إنها وافقت عشان تنتقم منه." قاطعه حازم باحتدام:

"يبقى لسة بتحبه يا أمي، لسة جواها والانتقام حجة عشان تشوفه. معقول نسيت اللي عمله فيها." قالت أمينة بدفاع: "محصلش صدقني، أسيل منسيتش ولا عمرها هتنسى، كل الحكاية إنها عايزة تنتقم منه زي ما قالت." "هتعمل إيه يعني؟ هتقتـ.ـله مثلاً؟ ما هو أصلًا بقى شبه ميت، إيه اللي عايزاه غير إن قلبها حن له وعايزة تكون جنبه، لا وكمان شغالة عنده ممرضة." نهض من مقعده وتابع:

"أنا ماشي دلوقتي ولما تفوق هيكون في كلام تاني، هبعتلكم حد يصلح الباب." خرج حازم واستقل سيارته عائدًا إلى شقته كي يبدل ملابسه المبتلة، ثم عاد إلى المشفى. *** عادت وعد إلى شقتها وهي تشعر بالارهاق. فقد تأخر السائق عليها، فاضطرت لركوب الحافلة. جلست على المقعد ثم نظرت بساعتها فتجدها قد تعدت الثانية مساءً. ميعاد عودته. وبالفعل قبل أن تقوم من مقعدها وجدته يدلف من الباب. "مساء الخير."

قالها سليم بلهجته الهادئة وهو يضع مفاتيحه على الطاولة ويجلس على المقعد، فترد هي بفتورها المعهود، وخاصة بعد أن استيقظت ووجدته بجوارها على الفراش: "مساء النور." تابعت وهي تنهض: "ثواني هقوم أجهزلك الغدا." منعها سليم: "خليكي أنتِ، شكلك لسة راجعة." لم تخبره بأن السائق تأخر عليها كي لا يعاقبه على ذلك، فقالت بنفي: "لأ مش تعبانة."

نهضت لتدلف غرفتها كي تبدل ملابسها، ثم خرجت فتجده دلف غرفته كي يبدل ملابسه بدوره. دلفت المطبخ واخرجت الأشياء من المبرد وبدأت بإعداد الطعام. انتبهت لصوته خلفها يسألها: "تحبي أساعدك في حاجة؟

كانت تود الرفض، لكنها حقاً متعبة وتريد مساعدة. أومأت له وبدأ هو يساعدها في إعداده. كانت نظراته لها تحمل اشتياق شديد، لكنها ما زالت تعاقبه على ما فعله بأخته. كان باستطاعته أن يخبرها بالحقيقة، لكنه لا يريد عودتها إليه بتلك الطريقة. يريد أن تعود إليه وهي تتقبله بكل مساوئه. وحينها سيخبرها بكل شيء.

وقف بجوارها أمام الموقد، مما جعل أكتافهم تتلامس دون قصد بالنسبة له، لكنه كان يحترق بنارها كلما تلامسوا. أغلقت وعد الموقد ووضعت الطعام على السفرة الصغيرة في المطبخ، وكذلك فعل هو. كان الصمت سيد الموقف، لكن قلوبهم تحكي الكثير. سألها سليم: "عاملة إيه في الجامعة؟ ردت بعدم اهتمام: "في حاجات كتير بتسقط مني، بس بحاول أفهمها من أصحابي." قطب جبينه بحيرة وسألها: "أصحاب مين؟ وساكنين فين؟ ردت وهي تتظاهر بعدم الاهتمام:

"عرب وساكنين قريب من الجامعة." ترك الملعقة من يده وسألها بغيرة: "أقصد بنات ولا شباب؟ رفعت نظرها إليه لترى مدى غيرته، فأرادت إشعالها حقاً كما يفعل معها ويتناول طعامه مع نساء بحجة عشاء عمل. "كدة وكدة." ازدادت عقدة جبينه وغمغم بانفعال: "وازاي حضرتك تسمحلي لنفسك تكلمي شباب حتى لو بدافع الدراسة." تركت هي أيضاً الملعقة من يدها وقالت بفتور: "زي ما حضرتك بتتعشى مع ستات بحجة عشاء عمل والكلام الفاضي ده." انفعل

أكثر من ردها وقال باحتدام: "بس ده شغل." ردت بتحدي: "ودي دراستي." ضيق عينيه مستفهماً رغم علمه بأنها تستفز غيرته: "يعني إيه؟ "يعني زي ما انت بتحلل لنفسك بدافع الشغل، أنا كمان بيكون بدافع الدراسة." رغم سروره بغيرتها عليه، إلا إنه لم يقبل طريقتها بالحديث معه ولا بتحديها له، فقال بلهجة حادة وحازمة: "الكلام اللي أقوله يتنفذ من غير نقاش، مفيش كلام تاني مع أي شاب حتى لو كان دكتور الجامعة نفسه، فاهمة؟

تطلعت إليه بعتاب ورأت نفسها أسيل أخرى، وهي ما لن تسمح به. فليتركها تعود لعالمها البسيط، لا تريد تلك الحياة بقيودها حتى وإن كانت قيود ألماس. هزت رأسها برفض: "وأنا مش هقبل أكون أسيل التانية." ضربته بمقتل عند ذكر أخته وما عانته معهم. ماذا تعرف هي عمّ عاشته أسيل كي تقارن وضعها به؟

تقدم منها خطوة، عادت هي للوراء حتى صدم ظهرها بالموقد خلفها. ورغم غضبه الشديد منها ورغبته في معاقبتها، إلا إن رؤية الخوف بعينيها جعلته يتراجع عمّا انتواه، وخاصة عندما تابعت بعتاب أحرق قلبه: "مش عايزة الحياة دي، مش دي الحياة اللي اتمنيتها معاك، أنا بحبك واتمنيت أكون من نصيبك بس انت دمرت كل حاجة باللي عملته في أختك، خلتني أفقد إحساسي بالأمان اللي محستوش إلا معاك."

استطاعت بكلماتها أن تنهي على ما تبقى من غضب، وعاد العشق يأخذ موضعه داخل عينيه وتمتم برق: "وأنا اتمنيت أعيش حياة أفضل من دي معاكي، لا إنتِ ادتيني حبك ولا حسيتي معايا بالأمان، يعني كل واحد منا مستني التاني يبدأ. ملس بأنامله

على خدها وتابع بهمس: بس أنا حقيقي اديت كل حاجة، اديتك قلبي وحبي وعمري واديتك اسمك، مفكرتيش تدي حاجة واحدة من دول حتى قلبك استكترتيه عليا. بقيت بدور عليكي وانتي قدامي، لأنك ببساطة مبقتيش البنت اللي حبيتها. بقيتي واحدة تانية شكاكة ومتطلبة حتى فقدت ثقتها في نفسها. متستنيش مني أديك لأني اديت كتير."

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...