الفصل 22 | من 40 فصل

رواية جبل النار الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم رانيا الخولي

المشاهدات
23
كلمة
3,618
وقت القراءة
19 د
التقدم في الرواية 55%
حجم الخط: 18

جلس داغر على الجهاز أمام طبيبه الذي سأله باهتمام: _الأعراض دي جاتلك قبل كده؟ رد بنفي: _لأ، أول مرة تحصل معايا. دقق الطبيب النظر في الجهاز أمامه: _الضوء استمر مدته قد إيه؟ تذكر داغر ذلك الوميض ورد بايجاز: _ثانيتين بالكتير. _المرتين كانوا على تباعد ولا ورا بعض؟ مل داغر من أسئلته ومن تلك الجلسة التي تمنعه من الحراك: _بتباعد، دقيقة أو أقل. نهض الطبيب بعد أن أبعد الجهاز عن عينيه وقال: _دي بشرى كويسة.

عاد داغر للمقعد وسأله: _إزاي؟ رد الطبيب بعملية: _أنا قولتلك إن حالتك دي نفسية، لأن العملية الأخيرة كانت ناجحة جداً ومفيش أي سبب عرضي ليها. وأكبر دليل إنك لما اتحطيت تحت ضغط وكان دافع قدامك شوفت الضوء ده. وده بقى سبب رئيسي يخليني أقولك ابعد عن أي جراحة تانية وامشي على التمارين اللي قولنا عليها، وخلي عندك دافع إنك تشوف من تاني. أومأ داغر رغم عدم اقتناعه وخرج من العيادة متجهاً إلى منزله. وقبل أن يترجل

من السيارة قال للسائق: _بكرة الصبح تروح تجيبها في نفس الميعاد. أومأ صالح: _حاضر. _لو رفضت متمشيش إلا لما تتحرك معاك، فاهم؟ فتحت أسيل عينيها إثر تلك اللمسات الحانية على وجنتيها وصوت صغيرها بضحكته الرنانة والتي تطرب أذنها وتكتفي بها عن الدنيا بأكملها. _ما.. ما. ابتسمت أسيل لسماع تلك الكلمة والتي ظنت لوهلة أنها لن تسمعها مرة أخرى. ابتسمت بكل الحب الذي تحمله بداخلها حتى أدمعت عينيها.

وجذبته لحضنها فيستسلم صغيرها لها وشددت من احتضانه حتى بكت بكاءً يهشم القلوب. بكت بكل الآلام التي عاشتها. وذكريات من الماضي الأليم تقتحم مخيلتها وبقوة. لا تريد شيء من تلك الدنيا سواها. لا تريد سوى أن تتركهم هنيئين دون آلام. لكن يبدو أن الدنيا استكثرت عليهم ذلك وتحاول بكل الطرق إخضاعهم لرغباتها. توقفت عندما شعر طفلها بالخوف وبدأ يبكي بخوف. أبعدته عنها قليلًا كي تمسح دموعه وقالت بابتسامة تخفي بها بكاءها:

_متخافش يا حبيبي، أنا جنبك ومش هسمح لحد إنه يبعدك عني. نهضت أسيل وهي تحمله وسارت به إلى المطبخ تعد له طعامه. كانت تداعبه وهي تعد طعامه فيضحك هو بسعادة بريئة لها. ابتسمت أمينة عندما وجدتهم في المطبخ وضحكت إياد تملأ بهجة. _صباح الخير. تطلعت أسيل لأمينة التي دلفت المطبخ وبدأ إياد يهلل برؤيتها وألقى نفسه عليها. _تـ..ـيـ..ـتا. التقفته أمينة بسعادة وقالت بحب: _قلب تيتا أنت يا حبيبي. وضعت يدها على رأسه ثم قالت:

_الحمد لله الحرارة نزلت. نظرت إلى أسيل وسألتها: _وانتي عاملة إيه يا حبيبتي؟ ابتسمت أسيل تطمئنها: _أحسن بكتير، خدي إياد وأنا هحضر العشا بسرعة لأني بصراحة جعانة أوي. _طيب خليكي انتِ وأنا هحضره، انتِ لسة تعبانة. هزت رأسها بنفي: _لا خالص، أنا بقيت زي الفل. انتهت أسيل ووضعت الطعام على السفرة ونادتهم: _يلا يا دادة الأكل جاهز. جلست أسيل وأصرت على إطعام طفلها وأمينة تنظر إليها بتعاطف.

وتساءلت هل جاء الوقت الذي تعترف فيه أسيل بالحقيقة؟ فما حدث اليوم جعل الأمور تتبدل. وهو أخطأ وهي تعلم ذلك جيدًا، لكن من حقه أن يعلم بطفله كما من حق ذلك الطفل أن يعلم من أبيه. فقالت بمغزى خفي: _هتعملي إيه يا أسيل لو أبوه عرف بوجوده؟ رغم علم أسيل بما تريد أمينة التوصل إليه لكنها قالت بمراوغة: _ليه السؤال ده؟ ردت أمينة بتسويف: _أنا بقول مثلاً. ردت أسيل وهي تتناول طعامها بشهية: _مش هيعرف، ولو عرف بوجوده مش هيلاقينا. عقدت

حاجبيها بعدم فهم وسألتها: _إزاي. تركت الملعقة من يدها ونهضت قائلة وهي تحمل طفلها: _هكون وصلت للي أنا عايزاه واسافر. تركتها ودلفت المرحاض كي تغسل يدي ابنها في صمت مطبق. لم تفهم أمينة مقصدها لكن عليها أن تخبرها بما حدث اليوم. وأثناء مكوثهم سألتها أسيل: _بس إيه اللي خلى هايدي تاخد إياد من غير ما تقولنا. لم تجد حل آخر سوى قول الحقيقة فقالت بمراوغة: _بس هايدي مش هي اللي أخدته. قطبت جبينها بدهشة وسألتها:

_اومال مين اللي أخد ابني ووداه عندها؟ ردت أمينة بعد تردد: _داغر جه هنا النهاردة وهو اللي أخد إياد للمستشفى. نزل الخبر كالصاعقة على أسيل ورمشت بعينيها تحاول استيعاب ما سمعت وكأنها أخطأت. بهتت، نظرت إليها وهي تسألها بعدم استيعاب: _جه فين مش فاهمة؟ أمينة باستسلام: _داغر كان جاي يسأل عنك وتقريباً لما سمع صوت ابنه كسر الباب هو والسواق وأخده على المستشفى ومن كرم ربنا أن هايدي كانت موجودة في المستشفى.

رمشت بعينيها مرات متتالية وعقلها يرفض ما تسمعه، فإذا علم داغر بوجوده فسوف يأخذه منها. انقبض قلبها خوفًا وسألتها بتوجس: _عرف حاجة؟ طمئنتها أمينة: _متخافيش معرفش حاجة، هو سابه مع حازم ومشي، تقريباً لما جه عشان يقنعك ترجعي كان إياد صحي وبيعيط عشان كده كسروا الباب ولما لقوه لوحده أخده على المستشفى هو قال كده لهايدي.

لم يرتاح قلبها لذا قررت أن تعود له غدًا كي تنهي ما أنوت فعله بأسرع وقت وبعدها ستأخذ طفلها وترحل دون عودة، الأهم أن تثبت طفلها حتى تستطيع السفر به. قالت أمينة: _أنا شايفة يا أسيل إنك تعرفيه بالحقيقة أفضل ده مهما كان ابنه. صرخت بها أسيل بغير وعي: _متقوليش ابنه. أومأت لها أمينة بتفاهم مع حالتها: _بس دي الحقيقة مهما أنكرتيها ومسيره في يوم هيعرف، دي حاجة عمرها ما هتستخبى. _قولتلك وقتها هكون اختفيت بابني ومش هيقدر يوصلنا.

في المشفى أنهت هايدي عملها وقامت بحمل حقيبتها كي تعود لمنزلها لكنها تفاجأت به يدلف مكتبها. كانت نظراته لها تحمل عتاب وكأنه هي المخطأة الوحيدة بذلك. أغلق الباب خلفه وتقدم منها يسألها: _ماشية؟ ردت بفتور رغم ذلك الحنين الذي يجذبها إليه: _آه ماشية، عندك مانع؟ لم يعجبه ردها لكنه تحلى بالصبر كي تعود معه: _مش هيبقى عندي مانع لو روحتي معايا. أشاحت بوجهها بعيدًا عنه فتقدم هو منها وقد شعر باشتياق شديد إليها. فتلاعب على

وتر عشقها له وقال بعتاب: _هتفضلي بعيدة عني كده كتير؟ التزمت بثباتها وردت باتهام: _أنت السبب مش أنا. ابتسم وهو يضع يديه حول خصرها يقربها منه وتمتم بحمية: _أنا مقولتش سيبي البيت وامشي. أبعد خصلاتها عن وجهها يضعها خلفها وتابع بهمس: _البيت وحش أوي من غيرك، متخيلتش إن يومين يعملوا فيا كده. عاندت قلبها الذي يطالبها بالرضوخ له لكنها واصلت فتورها: _عايز إيه؟ همس بجوار أذنها وهو يطبع قبلة حانية خلفها: _عايزك ترجعي معايا.

_ولو قولتلك لأ. تطلع إليها بنظرات عاشقة تراها بعينيه لأول مرة وتمتم بوله: _أنا عمري ما أجبرتك على حاجة بس المرة دي لو واصلتي عنادك غصب عني هجبرك. وضع وجهها بين كفيه وتابع بصدق: _أنا بحبك انتِ مش حد تاني، ده كان وهم وفوقت منه لما بعدتي ودقت مرارة فراقك، اكتشفت إن مفيش حياة من غيرك. لأول مرة تشعر بصدق كلماته والتي لامس صدقها قلبها لكن لن تعود بتلك السهولة فسألته بتوجس: _وحملي؟ بوغت بسؤالها مما جعله يبتعد قليلاً

كي ينظر إليها: _هايدي انتي ليه مصرة على الحمل ده؟ أنا شايف إن عمر وعلي محتاجين اهتمامنا أكتر من كده، محتاجين إننا نعوضهم غيابنا أغلب الوقت عنهم، ليه مصرة تشغلي نفسك بطفل تالت وفي الآخر تسيبيهم لمامتك. هزت رأسها بنفي: _ده مش سبب يخليك تجبرني أقتل ابني، لو عايزني أرجع يبقى تسيبني أحتفظ بيه. زم حازم فمه يحاول السيطرة على أعصابه: _ولو رفضت. نظرت إليه بخذلان وقالت: _يبقى تطلقني. ضيق عينيه مستفهماً:

_أفهم من كلامك إنك بتفضلي الحمل ده على جوزك. ابتسمت بسخرية لقلب الأمور لصالحه: _لأ مش ده السبب الأساسي يا دكتور حازم، وانت عارف كويس أوي أنا أقصد إيه. ابتعدت عنه وحملت حقيبتها لتتابع بقوة: _اللي عندي قولته ولو سمحت سيبني أروح عشان اتأخرت على الولاد. تركته وخرجت من المكتب محررة تلك الدمعة التي أسرتها داخل عينيها طوال مكوثها معه فقامت بارتداء نظارتها السوداء كي لا يرى أحد دموعها.

تعترف بأنها ضعيفة أمامه وأن حبها له لن يستطيع شيء ردعه. وذلك القلب الأهوج ينبض بقوة معترضاً على تركه. لكن عليها مجابهة ذلك العشق كي تحافظ على ما تبقى من كرامتها. عادت إلى المنزل ولم تجف دموعها فاتجهت إلى غرفتها قبل أن يراها أولادها بتلك الحالة. استندت بظهرها على الباب وأطلقت لدموعها العنان. لما عليها أن يكون بهذه القسوة معه؟ لما لا يلين قلبه أمام حبها؟ ماذا تفعل أكثر من ذلك كي يراأف بها ويعشقها كما تعشقه؟

لوهلة صدق قلبها الغادر كلماته المعسولة لكن بان كذبه الذي لم يستطيع مواصلته. فلما عليها أن تكون بذلك الضعف أمامه. مسحت دموعها بيدها عندما طرق الباب فابتعدت عنه قليلًا كي تفتحه فتجد والدتها أمامها. حاولت إخراج صوتها ثابتاً كي لا تشعر بشيء: _أهلاً يا ماما. لم تحتاج فايزة لفطنة كي تعلم سبب تلك الدموع المتعلقة بأهدابها فقالت بتعاطف: _وبعدين يا هايدي هتفضلي كده لحد أمتى. لم تريد شيء سوى الارتماء داخل أحضانها.

ولم تجد أفضل من حضن والدتها ولا أحن منه ليحتويها في تلك المحنة. …….. أغلقت فايزة الباب خلفها ووضعت العصير أمام ابنتها وهي تقول بحب: _اشربي العصير ده هيهديكي شوية. تناولت منها الكوب لتحبسه بين يديها فقالت فايزة بحكمة: _أنا عارفة إن الكلام اللي هقوله ده مش هيعجبك بس لازم تسمعيه. الواحدة منا لما بتحب بتدي من غير حساب. وكل ما حبت جوزها أكتر كل ما ادته أكتر حتى لو على حساب نفسها.

وده اللي انتِ عملتيه اديتي بزيادة لدرجة إنك خليتيه ميطلبش وهنا ده افتكر إنه حق مكتسب. معلمتيهوش يحتاج أو يطلب ولا حتى يشتاقلك لأنك في البيت والشغل قدامه. والحب أساسه اشتياق يا حبيبتي. وهو عمره مشتاقلك عشان يتعلق بيكي. العطاء لازم يكون بحدود وحتى حبك لازم تكوني متحكمة فيه وتكوني مسيطرة عليه. عارفة إن كلامي بيجرحك بس دي الحقيقة اللي لازم تعرفيها. أنا أمك وأدرى واحدة بمصلحتك.

اثبتي على قرارك وخليه يحس بغيابك، خلي حبك اللي مش حاسس بيه جواه يخرج لما يحس فعلاً إنك بتضيعي منه. هزت هايدي رأسها دون أن ترفعها عن الكوب الذي بيدها وتمتمت بخفوت: _بس هو عمره ما حبني. ردت فايزة بنفي:

_مش حقيقي، حازم بيحبك بس زي ما قولتلك مفيش حاجة بتعمليها تشغله بتدي ومكفية وناسية إن البُعد لو بحدود بيعمل اشتياق، ولما تتقابلوا عوضيه بزيادة خليه طول ما هو في الشغل يتكوي بغيابك ويتمنى يخلص بسرعة ويرجعلك ولما يرجع ادي بزيادة عشان يكون دافع أكتر أنه يرجعلك، خليه ليلة ينام لوحده ويحس بنار غيابك. فكري بكلامي ونفذيه ومش هتندمي، بس حطي في بالك البعد بزيادة بيعلم القسوة.

وعايزة تجننيه أكتر اتعاملي معاه في المستشفى عادي بحكم عملكم عادي جدًا كأنه مجرد زميل. فهمتيني. أومأت هايدي: _فهمت يا ماما. ربتت على يدها وقالت: _أنا هقوم أحضر العشا عشان بابا زمانه جاي. خرجت فايزة وظلت هايدي تفكر في حديث والدتها لتعرف بالأخير بأنها وحدها المخطئة. استلقى داغر على فراشه مستنداً بظهره على الوسادة وأخذ يفكر بما حدث اليوم. تذكر ذلك الطفل وتشبثه به والذي دون إرادته تعلق به بشيء مهيب.

تذكر كيف تعلق بعنقه وكيف نام على كتفه. وبكاءه الذي هدئ ما إن حمله بين يديه. ابتسم رغمًا عنه وشعر بحنين إليه. لو لم تهرب منه لكانا الآن ينعمان بطفل بعمره. لكن الغريب في الأمر. لما ترك حازم طفله عندهم وهو بهذه الحالة؟ وأين والدته من كل ذلك. تذكر أن أسيل أخبرته بأنه متزوج من طبيبة مثله. تذكر أيضاً أنها أخبرته باسمها لكنه لا يتذكره جيدًا. مد يده على المنضدة يتحسس علبة سجائره لكن يده تعثرت في كوب الماء وسقط على الأرض.

مال قليلاً كي ينتشل الزجاج من الأرض فيصاب إصبعه. لم يهتم له وظن أنه جرح طفيف حتى عندما شعر بذلك السائل ظن أنه ماء لذلك واصل جمع الزجاج ووضعه بسلة المهملات الموضوعة بجانبه. نهض ليدلف المرحاض يغسل يده كي يتأكد من عدم تعلق أي زجاج بيده. ولم يلاحظ الدماء التي تسيل من يده والتي طبعت على مقبض الباب ومقبض المياه حتى المنشفة التي جفف بها يده. وعاد إلى فراشه.

كان يشعر بوخز بسيط لكنه لم يبالي به واستلقى على فراشه لينام لكن ذلك الشعور جعل النوم يهرب منه. استلقت على الفراش بجوار طفلها تناشد النوم بعد يوم شاق مليء بالمآسي. تطلعت لطفلها بحب وأخذت تملس على وجنته الناعمة. رن هاتفها فنظرت إليه فإذا بها هايدي تتصل لتطمئن عليه: _إزيك يا أسيل إياد عامل إيه دلوقتي؟ ابتسمت وهي تنظر إليه بحب: _أحسن بكتير. _الحمد لله أنا قولتك إن كل ده عادي عشان سنانه المهم هتعملي إيه مع أبوه.

لم تندهش أسيل لمعرفتها بالحقيقة فهي كانت تشك بذلك فردت بهدوء: _مش هعمل حاجة، هو ميعرفش إنه له طفل وأنا مش هعرفه. تحدثت هايدي بعقل:

_بس ده مش بمزاجك للأسف يا أسيل، هو من حقه إن يعرف بوجود ابن له زي ابنك ما من حقه يعرف، بلاش تفكري في ده دلوقتي فكري في بعدين لما يكبر ويسألك مين أبوه، وحطي احتمال إن ابنك يعرف الحقيقة وتلاقي نفسك متهمة قدامه، مفيش قدامك حل تاني، المرة دي عدت وأحمدي ربنا إنه كفيف لأنه لو شافه مكنش هيشك لحظة واحدة إنه ابنه. تنهدت أسيل بتعب: _عارفة كل ده وهشوف له حل بس بعيد عن إنه يعرف، مستحيل أجازف وأخليه يعرف إنه له ابن ويحرمني منه.

_ما يمكن يطلب يتجوزك عشان يثبته ويعتذر عن اللي حصل، وبعدين يا أسيل الشخص اللي أنا شوفته النهاردة ده شكله ابن ناس ومحترم اللي خلاه يتأثر بطفل ميعرفوش وياخده بظروفه دي ويوديه المستشفى ده مستحيل يكون بالحقارة اللي حكيتي عنها. ابتسمت أسيل بمرارة: _حكيت عنها؟! أنا عشتها وجربتها. ارتعشت أوصالها للذكرى:

_انتي مش متخيلة اللي عمله معايا ولا الطريقة اللي أخدني بيها، ده لو بنت ليل كان هيرأف بيها شوية، إنما ده مرحمنيش وأنا بترجاه يسيبني. تفتكري واحد زي ده ممكن يرحم ويسيبلي ابني. تأثرت هايدي بقصتها لكنها حقاً لا تتقبل أن يكون ذلك الرجل الذي رأته اليوم بتلك القسوة:

_ما يمكن بعد اللي حصل ده اتغير، ويمكن برضه بيدور عليكي عشان يطلب منك تسامحيه، بصراحة طنط النهاردة حكتلي كل حاجة وحكتلي إنك بتشتغلي عنده دلوقتي وأكيد لاحظتي أي تغير فيه. _التغيير الوحيد اللي حصل إنه ظهر على حقيقته مش أكتر. لم تريد هايدي الضغط عليها فقالت بتروي: _فكري كويس في ابنك لأن الأولاد هما اللي يستاهلوا إننا نحارب عشانهم. أغلقت أسيل الهاتف وأخذت تفكر فيما انتوت فعله. في منزل حسين

بدأ حسين يشعر لأول مرة بالوحدة وقد فارقه الجميع. وبدأت شاهي تسيطر على كل شيء من حوله. فعلم أن أولاده كانوا له حصن منيع لكنه لم يعلم ذلك إلا بعد فوات الأوان. حاول كثيرًا مع سليم وطلب منه العودة لكنه يأبى الرجوع فعلم أنه لم يغفر ولن يسامح. لكن ما الذي ينتظره منه وقد رأى بعينيها أنها عادت من هروبها محملة بالعار. تذكر رجاءها وهي تقسم له بأن ما حدث لم يكن بإرادته. لكنه لم يستمع إليها ولم يرحمها بل واصل تعذيبها بكل جبروت.

أما سليم فقد ظل يمنع ذلك الحنين الذي يطالبه بأن يطمئن عليه. لكن غضبه منها يرفض ذلك. هو يعلم جيدًا بأن ما حدث رغمًا عنها لكن أيضًا هي من وضعت نفسها في طريق الهلاك. لقد ابتعد وأصر على البقاء هنا كي لا يضعف أمامها ويذهب إليها. حتى عندما عاد إلى مصر حارب شوقه لها بكل الطرق وخاصة عندما وجدها بالمصعد. هل ظنت أن بإخفاء وجهها عنه لن يعرفها! ابتسم بحزن للذكرى. فقد رآها بقلبه قبل عينيه.

حتى ضربات قلبها المتسارعة كان يسمعها بوضوح ولذلك أوهمها بأنه لم يراها ولم يعرفها كي لا تفزع منه. يعلم جيدًا بأنه لن يستطيع مواصلة عناده وخاصة عندما أصبح ذلك الفرع خاص به وحده وأصبح واقفاً على أرض صلبة. استيقظت أسيل من نومها على صوت طرق الباب. نهضت بصعوبة فقد ظلت مستيقظة حتى الفجر. فتحت الباب فتتفاجأ بصالح أمامها: _صباح الخير يا بنتي، اتفضلي غيري هدومك ويالا قبل داغر بيه ما يصحى.

_صباح النور يا عم صالح، حاضر دقيقة بالظبط وهكون جاهزة. صعدت أسيل وهي تنوي ما قررت خوضه دون تردد. قامت بتبديل ملابسها ودلفت غرفة أمينة: _صباح الخير يا دادة. نهضت أمينة من على المصلى وقالت باستياء: _يعني مصرة تكملي؟ أومأت بتأكيد: _آه مصرة، أنا ماشية دلوقتي ولم نرجع هيكون بينا كلام تاني، بعد إذنك. خرجت أسيل من المنزل واستقلت السيارة. وأثناء ذهابهم أرادت أسيل أن تستفسر عما حدث فسألته: _هو إيه اللي حصل امبارح يا عم صالح؟

رد صالح وهو ينعطف تجاه المنزل: _كابتن داغر أصر أنه يجيلك امبارح لما رفضتي تيجي ولما قربنا من البيت سمعنا صوت طفل صغير…… انتهى من قص ما حدث وهي تستمع إليه بقلب منقبض. _بس يا بنتي الغلط عليكم الولد كان سخن أوي وغير كمان إنه صغير على إنكم تسيبوه لوحده في البيت. تنهدت أسيل وقالت بشرود وهي تنظر من نافذة السيارة: _كان غصب عني بس مش هتتكرر تاني.

توقفت سيارة خليل أمام المنزل وترجل من السيارة بوجوم تام ثم دلف المنزل وكأنه يتوعد لمن يراه أمامه. صادفته سلوى التي قالت بابتسامة: _صباح الخير يا خليل بيه احضر الفطار دلوقتي؟ رد خليل باقتضاب وهو يصعد الدرج: _لأ. صعد لغرفة داغر فيقتحمها دون أن يطرق بابه فيجده نائمًا في فراشه وكعادته يترك الضوء يملأ الغرفة.

تطلع إليه باستياء وهم بالخروج لكن لفت انتباهه الدماء المطبوعة على الفراش الأبيض ويده التي تغطت بالدم بصورة تدعوا للريبة.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...