في المشفى دلفت هايدي مكتب حازم فتجده يتابع أحد العمليات على جهازه. تقدمت منه لتجلس على المكتب أمامه وأغلقت حاسوبه وهي تقول بدلال: _هتفضل شاغل نفسك كده طول الوقت؟ افضالي شوية. ابتسم حازم وتمتم بمكر: _أومال اليومين اللي فاتوا دول كانوا إيه؟ تلاعبت هايدي بنظارته التي يضعها على عينيه وقالت بغنج: _دي حاجة كده حلواني، إنما الاشتياق ده مستمر حتى وأنت في العيادة اللي جنبي. هزت كتفيها بدلال: _ولا إيه؟ لمع المكر
بعينيه وهو يقربها منه: _متأكدة إنك قفلتِ الباب كويس؟ أومأت وهي تقرب وجهها منه: _أوي. نظر لثغرها برغبة ومال عليه يلتقطه، لكن صوت الباب منعه من التكملة فأغمض عينيه بضيق وغمغم من بين أسنانه: _عجبك كده؟ ضحكت هايدي ونهضت من أمامه قائلة: _زي ما عجبك كده، أنا هرجع بدري النهاردة يا ريت أنت كمان متتأخرش، باي. خرجت هايدي ودلفت الممرضة تخبره بميعاد العملية. مرت على صديقتها في المختبر كي تعرف منها نتيجة التحليل.
وفور دخولها قالت بابتسامة وهي تشير لها بالنتيجة: _شكك طلع في محله، مبروك ياقمر إنتي حامل. تبدلت ملامح هايدي وأخذت منها الورقة كي تتأكد بنفسها فتجد النتيجة إيجابية كما أخبرتها فتمتمت بعدم استيعاب: _مش ممكن، أنا باخد الحبوب بانتظام. _عادي يابنتي بتحصل، وبعدين ده رزق من ربنا هنقوله لأ. لا تنكر تلك الفرحة التي شعرت بها، لكن خوفها من رد فعله جعل تلك الفرحة تتلاشى. ***
شعرت بالأرض تميل بها حتى أنها أمسكت بالمقعد قبل أن تفقد توازنها فسألها خليل بقلق: _مالك يابنتي إنتي كويسة؟ حاولت حور التحلي بالشجاعة وقالت بارتجافة غلفت صوتها: _لا أبدًا، أنا... اصل الطريق كان طويل شوية وأخدت وقت لحد ما عرفت البيت. توهجت عينيه الرمادية بوميض عجيب قبل أن يقول بصوت ثابت: _عشان كده أخرتي؟ انتفض قلبها بشدة عندما وجه حديثه لها وتمتمت برهبة: _عشان أول مرة، بس مش هتتكرر تاني.
أومأ لها بصمت ثم جلس على المقعد ويضع قدم على الأخرى قائلاً بتكبر: _طيب عرفتي دورك هيكون إيه؟ شعرت للحظات بأن الكلمات توقفت في حلقها لكنها جاهدت ليخرج صوتها ثابتًا: _آه عارفة، دكتور عاصم عرفني كل حاجة. رد بمغزى: _بس اللي عرفك بيه الدكتور عاصم غير اللي أنا هقوله دلوقتي، ولو عندك اعتراض تقدري تتفضلي. هم خليل بالاعتراض لكن داغر منعه: _لو سمحت ياعمي أنا وافقت عشان خاطرك سيبني بقا أعمل اللي يريحني. تقبلت حور
تلك الإهانة وقالت بثبوت: _اتفضل قول. التزم الصمت لبرهة وكأنه يختبر صبرها ثم تحدث بجدية: _إنتي هتكوني مسؤولة عن كل متطلباتي، مش بس مواعيد الأدوية أو التدريبات المطلوبة منكِ. يعني هتقومي بكل الأدوار، الممرضة والعاملة وحتى الأكل إنتي اللي هتكوني مسؤولة عنه. رغم رفضها لكل ذلك إلا إنها تقبلت إهانته، لن تستسلم بتلك السهولة. فمنذ أن علمت بعودته وهي تتوق لفرصة كهذه كي تنتقم منه أشد انتقام.
لن تترأف به ولن ترحمه، ستجعل حياته بين يديها وتدمرها كما دمر هو حياتها. فقط عليها التحمل في البداية وبعدها ستنفذ ما انتوت فعله وخططت له. _ودلوقتي تقدري تدخلي المطبخ تحضري الفطار. اكتفت بهز رأسها وأخذت تبحث بعينيها عن مكانه فأشار لها خليل: _هتلاقيه على إيدك الشمال وإنتي داخلة من الباب ده. انصرفت حور ونظر خليل له بانفعال: _ممكن أفهم ليه بتعامل البنت بالأسلوب ده؟ رد داغر مدعي عدم الفهم: _بعاملها إزاي مش فاهم.
_داغر إنت فاهم أنا أقصد إيه كويس، مش هفهمك إن دي بنت ناس وعاصم وصاني عليها لأنها بنت صاحبه فياريت تخلي أسلوبك مهذب معاها. _ربنا يسهل، إنت هتسافر إمتى؟ علم خليل أنه يغير مجرى الحديث فقال بانفعال: _متغيرش موضوعنا ومش هقولها تاني، لو ضايقت البنت أنا اللي هقفل لك.
نهض خليل ليدلف مكتبه وترك داغر يضغط على أسنانه بغضب جحيمي ثم أخرجه في الطاولة الزجاجية أمامه وهو يطيحها بقدمه جعلها تصطدم في المقعد المقابل فتتهشم محدثة صوت ليس عاليًا لسمك السجادة التي سقطت عليه. انهض بغضب وصعد إلى الغرفة وحينها شعر بأنه لا يستطيع التنفس بأريحية وكأن العواء سحب من المكان. وعادت إليه الذكريات بأشدها ولم يرحمه الظلام الذي أحاط به من قسوتها. عودة للماضي
ارتدت أسيل بنطال أبيض وبلوزة زيتونية ثم نظرت لصورتها في المرآة تتأكد من تحشم ملابسها. فرغم حياتها التي قضتها في الخارج إلا إنها التزمت بمعايير بلدتها. خرجت من الغرفة وذهبت حيث ينتظرها. قال لها تتبعي قلبك ليدلك على مكان وجوده. رسالة عجيبة وكأنه يستشف إذا كانت تحبه أم لا. وللحقيقة هي لا تعلم حتى الآن. كل ما تعرفه أنها تشعر بالسعادة كلما رأته عيناها. والوقت الذي تمضيه معه يمر كأنه حلم جميل.
ذهبت للمكان التي رأته به أول مرة لكن لم تجده. إذًا أين هو؟ ظلت تتجول على سطح الباخرة حتى صعدت على متنها فوجدته بالفعل واقفًا ينتظرها بزيه الذي يعلم جيدًا بأنه يسلب أنفاسها به. وقفت مكانها على أعلى الدرج ولم تستطع التقدم خطوة واحدة. فلأول مرة تجد من يحاول بشتى الطرق إسعادها. كان واقفًا أمام طاولة صغيرة بجوار السياج تحمل بعض الأطعمة الخفيفة وضوء شموع خافت موضوع عليها. تقدم منها بخطوات ثابتة وكأنه يعلم صداها داخل قلبها.
توقف أمامها متطلعًا إلى عيناها التي توهجت على ضوء الشموع. وشعرها الثائر بفعل الهواء يحجب وجهها عنه فترفع أناملها الرقيقة لتبعده وتحكمه خلف أذنها. كم تمنى أن يفعلها يومًا ويضعها هو خلف أذنه. لكنه أحكم تلك الرغبة وتمتم بثبات: _أخرتي أوي. اهتزت نظراتها وقالت بروية: _وإنت واقف وشايفني وأنا بدور على المكان وساكت. رفع حاجبيه بمكر: _مكنش ينفع أغششك، كان لازم تيجي بقلبك.
رفعت عيناها إلى عينيه التي تاهت بغيومها فوجدتها تتطلع إليها بشغف لم ترى مثله من قبل. _أنا قلت الليلة دي آخر ليلة لينا مع بعض. تطلع في ساعته وتابع: _قدامي ساعتين بس اللي مسموح بيهم وقلت أقضيهم معاكي. أشار لها على الطاولة فتقدمت منها تجلس عليها وجلس هو قبالتها ثم قال: _بما إنك بتحبي البحر تبقي بتحبي السمك، وصيت الشيف إنه يعملنا حاجة كده من الآخر يارب يعجبك. نظرت إلى الأصناف الموضوعة على الطاولة وغمغمت باحراج:
_بس للأسف أنا مليش في النوع ده من الأسماك. هم بالنهوض وهو يتمتم: _خلاص هكلم الشيف يجيب لك غيره. منعته أسيل مسرعة: _لا مفيش داعي، أنا أصلًا مليش نفس. _طيب خلاص دوقيه، أنا متأكد إنه هيعجبك. أومأت بصمت وشرعت في تناوله. لم تتقبل مذاقه في البداية وعندما لاحظ ذلك تطرق في الحديث كي لا تركز به. انتهوا من تناول طعامهم وسألها حينها: _ها إيه رأيك؟ ردت باحراج: _بصراحة متقبلتوش في البداية بس بعد كده عجبني.
مسحت يدها بالمنديل المعطر وكذلك فعل هو ثم وقفوا على السياج يتحدثوا في أمور عدة. حتى جاء موعده. تطلع إليها باستياء: _معلش أنا لازم أمشي دلوقتي وممكن معرفش أشوفك إلا وإحنا نازلين من السفينة. أومأت له وقالت بتفاهم: _ده شغلك ومينفعش تتأخر عنه، وبجد أنا سعيدة جداً إني اتعرفت على حضرتك. قطب داغر جبينه بدهشة مصطنعة: _إيه شغل الوداع ده، محسساني إننا مش هنشوف بعض تاني. لاح الحزن على قسماتها لكنها أخفته مسرعة بملامح مبهمة:
_أكيد طبعًا، كلها ساعتين بالكتير وكل واحد هيرجع لحياته. لم ينتبه داغر لمثل ذلك الأمر ولم يفكر به. ولم يعد يملك الوقت كي يقرر فسألها: _في حد هيكون مستنيكي؟ عاد الحزن على ملامحها وهي تجيب باقتضاب: _لأ. _خلاص خليني أوصلك في طريقي بدل ما تسافري لوحدك. اهتزت نظراتها من شدة الخوف والذي ظهر واضحًا على محياها وتمتمت بريبة: _لأ مش هينفع. عقد حاجبيه باندهاش وسألها: _مالك خوفتي كده!
أظن إن الليلة اللي قضيناها في الجزيرة يخليكي تثقي فيا. ازدردت لعابها بوجل وتمتمت برهبة: _مش قصدي بس أهلي لو عرفوا مش هيعدوا الموضوع بالساهل. تأفهم مع خوفها وقال بتروي: _أنا برضه مش هأمن عليكي تركبي مع حد غريب وخصوصًا إننا هنوصل بالليل، خليني أوصلك لحد القاهرة وبعدها هطلب لك أب يوصلك لحد البيت. أومأت بعينيها وأومأ هو بابتسامته التي تسحرها ثم انسحبت بهدوء وعاد هو لعمله. *** في مكان آخر خرج حسين من مكتبه فيجد سليم
يصعد لغرفته فنادى عليه: _سليم. استدار له سليم وتمتم باقتضاب: _نعم. تقدم منه يسأله بجمود: _هي فين؟ _السفينة وقفت الليلة ومش هتوصل غير بكرة آخر النهار. _طيب غير هدومك وتعالى عشان عايزك. أومأ سليم وأبدل ملابسه ونزل إليه: _خير؟ أشار له بالجلوس ثم تحدث: _أنا فتحت فرع للشركة في أمريكا، شاهي هناك وخلصت كل حاجة بتوكيل مني، لو شايف إنك... قاطعه سليم بلهجة لا تقبل نقاش:
_لأ مش شايف، إنت عارف كويس إني رافض أبعد بره مصر، لو هي شايفة إن الفرع ده هيرفع من شأن الشركة يبقى تتابعه هي إنما أنا لأ. كالعادة لا يقول كلمة واحدة لابنه، ليس من باب التعلق به، ولكن حتى لا يهدم ما بناه بداخله. أن يكون بكلمة لا يمكن الرد عليها، وإنسان لا يمكن أن يهزه شيء. وخاصة حينما تابع: _أنا مش هسيب الشركة اللي تعبت فيها وأروح أبدأ من الأول في فرع ممكن يفشل، عايز حد يديره يبقى شوف غيري. ثم تركه وغادر.
صعد إلى غرفته وهو يشعر بضيق حقيقي من تلك الحياة وذلك المنزل الذي برغم وسعه إلا أنه يشعر دائمًا أنه ضيق حد الاختناق. خلع رابطة عنقه وفتح الأزرار العلوية ووقف في شرفته ربما يخف ذلك الاختناق. الحياة في ذلك المنزل أصبحت لا تطاق لكن عليه التحمل لأسباب عدة وأولهم ألا يترك الساحة لزوجة أبيه التي تود الخلاص منه بأي شكل. والسبب الآخر هي أسيل التي ستكون دمية في أيديهم يفعلوا بها ما يشاءوا.
والأهم من كل ذلك هو قلبه الذي عشق وعشقه حكم عليه بالعذاب منذ مولده. حكم عليهم أن يكونوا تحت سقفٍ واحد ويتعاملوا كالأغراب. لذا عليه البقاء مهما ازداد بداخله ذلك الشعور. *** في اليوم التالي رست السفينة في الميناء البحري وبدأ الجميع بالخروج منها وعين داغر تراقبها وهي تسير على الممر. شعر برغبة ملحة في التقدم منها وحملها بين يديه والسير بها على ذلك الممر لكن ليس هنا. سيكون في ممر منزله.
وإلى يخته الذي ينتظره بالإسكندرية وخصلاتها الثائرة موضوعة بأريحية بعض منها على كتفه وأخرى على صدره. حمحم باحراج من نفسه على تلك الأفكار التي يفكر بها ثم توجه إلى سيارته بعد أن أنهى الإجراءات وانتظر مجيئها. ها هي تخرج تسحب حقائبها وبقى هو منتظرها داخل السيارة كما طلبت منه. لكن انتهت أحلامه عندما وجد شاب يقترب منها يقبل وجنتيها بفتور وآخر تقدم منهم ليحمل الحقائب. توقفوا لثواني معدودة ثم رحلت معه. عودة للحاضر
تنهد بتعب من تلك الذكريات التي لا تترك مخيلته لحظة واحدة وكأنها لعنة سقطت عليه. أخرج هاتفه من جيب بنطاله وقام بالنطق على الرقم المنشود حتى جاءه الرد: _أمر يا كابتن. _ساعتين بالضبط وتكون جايب لي كل المعلومات المطلوبة عن حور وجدي حمدان. أغلق الهاتف دون أن يستمع لرد وأعاده لجيبه. عليه أن يعرف كل شيء عنها.
أما هي فقد تحججت بحاجتها للمرحاض وأسرعت بالولوج إليه لينتهي ذلك الثبات التي تمسكت به قدر الإمكان كي لا تنهار أمامه وأخذت تنتفض بخوف. وذكريات تلك الليلة تهاجمها بشراسة. عادت بأشدها وكأن المشهد يعاد أمامها. تستنجده، تستجديه، ترجوه لكن لم يراف ولم يلين، ازدادت انتفاضتها وهي تتذكر عيونه وقتها وكيف كانت بنفس الصلابة التي تراها الآن. وقفت أمام الحوض لتغسل وجهها مرات عديدة كي تنتهي تلك الرجفة لكن لا فائدة.
أسندت رأسها على الجدار وأخذت تبكي وتنتحب، لما عادت إليه. من أخبرها أن باستطاعتها مجابهة ذلك الرجل بعد ما حدث. عن أي انتقام تتحدث وقد انتهت كل قوتها الزائفة التي أتت بها لذلك المكان. ذلك المكان الذي شهد يومًا لحظات سعيدة قضتها معه، على ماذا سيشهد الآن. بكت وانتحبت بشدة وذكريات الماضي التي علقت بذهنها لا تراف بها. لا ترحمها. حتى شعرت ببوادر نوبتها لكنها قاومت. عليها أن تقوى كي لا تظهر بذلك الضعف أمامهم.
مسحت دموعها بظهر يدها وعادت تغسل وجهها جيدًا كي يختفي ذلك الاحمرار بعينيها. عليها أن تثبت كي لا يشك أحد بأمرها. أخذت نفس عميق ثم جففت وجهها وخرجت كي تعد طعام الإفطار كما طلب منها. دلفت المطبخ فوجدت سيدة في عقدها الثلاثين تجلس على المقعد وتقوم بتجهيز الطعام على الطاولة أمامها. وعندما رأت حور ابتسمت بترحيب وقالت: _إنتي الممرضة مش كده؟ أومأت لها بصمت ثم تقدمت منها قائلة: _أنا كنت عايزة أعمل الفطار. اندهشت
سلوى وسألتها باستفهام: _مين اللي طلب منك تدخلي المطبخ؟ اهتزت نظرات حور وهي لا تستطيع نطق اسمه: _ال.. الكابتن. تركت سلوى الطعام من يدها وهي مندهشة ونهضت قائلة: _ده الأكل بتاعه بما إنه طلب منك يبقى كمليه. أشارت لها على المبرد: _هتلاقي كل حاجة موجودة في التلاجة ولما تخلصي الأكل ابعتيلي أفهمك التقديم هيبقى إزاي. شرعت حور في تحضير الطعام حتى أنهته سريعًا ثم وضعته على الحامل وتطلعت إلى سلوى لتسألها: _أنا خلصت في حاجة تاني؟
ردت سلوى بتأكيد: _آه طبعًا، تعالي أفهمك. أخذتها عند طاولة المطبخ وتابعت: _الأكل مش هيتقدم عادي كده، الطبق قدامه بيكون نظام الساعة. بمعنى اللحوم بتكون على الساعة 12، الأرز بيكون على 6. السلطات بيكون على 3. لو خضار بيكون على 9. إن كان شوربة بتكون في طبق عميق عادي، تمام؟ أومأت حور بتفاهم ثم تابعت سلوى: _بس كل ده بيتعمل على السفرة. _هو فين؟ تعجبت من سؤالها: _هو مين؟ شعرت بصعوبة في نطق اسمه ولكنها أجبرت نفسها على نطقه:
_داغر بيه. _آه، أكيد طلع أوضته أو على البحر. دلفت فتاة أخرى فسألتها: _داغر بيه فين يا لبنى؟ _طلع أوضته من شوية. تنفست الصعداء عندما عرضت الفتاة أن تصعد هي بالطعام إليه. جلست هي بجوار سلوى التي سألتها: _تحبي تشربي حاجة؟ هزت رأسها برفض فعادت تسألها: _إنتي منين يا حور؟ رمشت بأهدابها وأجابت بعد برهة: _من إسكندرية. _عارفة إنك من إسكندرية بس بسألك من أي مدينة فيها؟ _من******. _بس دي بعيدة أوي وصعب إنك تروحي وتيجي كل يوم.
_عادي أنا متعودة على كده لأن المستشفى اللي شغالة فيها برضه بعيد عن البيت. سألتها سلوى بفضول: _متجوزة؟ هزت رأسها سريعًا: _لأ. اندهشت سلوى من طريقة ردها. وقاطعهم دخول لبنى وهي تحمل الطعام ويبدو عليها الخوف سألتها: _رجعتي ليه بالأكل. ردت الفتاة وهي تنظر لحور: _أنا معرفش إيه اللي حوله كده، أول ما دخلت وبقوله الفطار جاهز اتعصب عليا وقالي أنا مطلبتش منك فطار أنا طلبت منها هي.
تلاعب الخوف بداخلها وشعرت بأن ما مضى سيتكرر مرة أخرى لكنها حجبت ذلك الخوف وأخذت منها الطعام وصعدت به. تطلعت إلى الطعام الذي وضعت به تلك المادة التي ستقضي عليه بتروي. ثم دلفت الغرفة بعد أن سمح لها بالدخول. كان واقفًا أمام النافذة والتي تطل على الشاطئ ويخته يتراقص مع الأمواج أمامه. شعرت بالتشفي به وهو واقفًا أمامها بذلك العجز لكن ذلك لن يشفي غليلها.
ستقف تراقبه وهو يضعف أمامها بفعل تلك المواد التي شرعت في وضعها داخل طعامه. تلك الطريقة التي ستشفي صدرها من الغصة التي تؤرق لياليها وهو يعيش حياته وكأنه لم يظلم أحد. _هتفضلي واقفة كده كتير؟ أخرجها من شرودها بلهجته الحادة والتي ذكرتها بذلك الحادث فحاولت التحكم بتلك الرجفة التي عادتها وردت بفتور: _الفطار جاهز. غمغم وهو على نفس وضعه: _مليش نفس دلوقتي، خليه كمان ساعة. زمت فمها تحاول السيطرة على ثباتها وقالت:
_تمام اللي تشوفه. سارت إلى الباب كي تهم بالخروج من الغرفة لكنه أوقفها: _استني عندك، أنا مسمحتش إنك تخرجي. استدار إليها فوقع نظرها على عينيه الرمادية التي كانت تنهش بجسدها في ذلك اليوم هي الآن ثابتة لا تتحرك وكم أرادت في تلك اللحظة أن ترمي بتعقلها عرض الحائط وتقوم بقتله لكنها أحجمت تلك الرغبة. لن تجعله يموت بتلك السهولة تنهدت باستياء وقالت بنفور: _نعم.
جلس بثقة على المقعد المجاور للنافذة وأخرج سجائره متناولًا واحدة يشعلها ثم ينفخ دخانها بقوة وقال بفتور: _سيبي الفطار واعملي فنجان قهوة. تطلعت إليه بازدراء لبرهة وهي لا تصدق حقيقة ذلك الرجل الذي استطاع خداعها بهذه السهولة. عادت هايدي للمنزل بعد أن تركت الأولاد عند والدتها فاليوم قررت أن تخبره بحملها. تعلم جيدًا بأنه سينفعل من ذلك لكن هي على ثقة بأن غريزة الأبوة ستغلب عناده. قامت بترتيب شقتها بعناية فائقة كما اعتاد.
وأخرجت منامته ووضعتها على الفراش. كل شيء مرتب كما تحب أن يكون، نظيف ومرتب. أنهت الطعام. ودلفت غرفتها لتخرج منامة حريرية من الخزانة ودلفت المرحاض كي تأخذ حمامًا دافئ قبل عودته. عليها دائمًا أن تظهر أمامه بأبهى صورها كي لا يشعر بأي تقصير ومع مرور الوقت سيعلم أن راحته معها هي. تلك الفتاة لم تقدم له شيء أما هي فقد قدمت إليه الكثير والأهم من كل ذلك قلبها.
عاد حازم من الخارج فينتبه لتلك الرائحة العطرة فأخذ يبحث عنها بعينيه. ألقى المفاتيح على الطاولة ونادى عليها: _هايدي. تطلعت برأسها من المطبخ وهي تجيب: _أنا هنا ياحبيبي ادخل خد شاور ويلا عشان الغدا جاهز. ألقى هاتفه على الأريكة وخلع سترته وهو يسألها: _الولاد برضه عند مامتك؟ أجابت وهي تحمل الأطباق للطاولة: _آه بس بصراحة ماما اللي طلبتهم النهاردة لأنها كانت موعداهم توديهم الملاهي. أومأ لها مبتسمًا وتقدم منها يحاوطها
بذراعيه وسألها بمكر: _بس كده؟ هزت كتفيها بدلال: _لأ في أسباب تانية. داعب وجنتها بأنامله وهو يسألها: _إيه هي؟ _تؤ مش دلوقتي، خليها بعد الغدا. انسلت من بين يديه كي تكمل الطعام ودلف هو للغرفة كي يأخذ حمامه. استلقى حازم على الفراش ووضعت هي رأسها على صدره تستمع لنبضاته المتسارعة. ملس على خصلاتها وهو يسألها: _مقولتيش إيه المفاجأة. رفعت وجهها من فوق صدره وقالت بمكر: _هي ممكن تضايقك شوية بس أنا واثقة أنها هتسعدك.
ضيق عينيه بحيرة: _مش فاهم. أخرجت النتيجة من درج المنضدة بجوار الفراش ثم قدمتها له: _اتفضل شوف بنفسك. اعتدل حازم واخذ منها الورقة ليرى ما بها فتتصلب ملامحه لحظات قبل أن ينظر إليها وغضب الدنيا تجمع حممًا نارية في عينيه.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!