مر اليوم ببطء شديد. أصبحت حياته خالية من كل شيء. فقط ظلام دامس وأصوات تخبره بأنه مازال على قيد الحياة. لكن أي حياة تلك التي يعيشها وقد انتزعت منه كل سبلها؟ يقف على الشاطئ يستمع لتلاطم المياه، والتي وحدها تشعره بأنه مازال حي يتنفس. كانت ليلة باردة تنذر بهبوط أمطار، مما صعب الأمر عليه. كانت تلك الليالي من أمتع الأوقات على قلبه، حيث يأخذ زورقه ويجابه تلك الأمواج الثائرة، غير عابئ بقسوتها.
عادت إليه الذكريات في تلك الليلة العاصفة. كيف وقفا وحدهما على سطح السفينة يشاهدوا الأمواج التي تعلو وتهبط وتهز السفينة، فتجعلها تتمرجح على سطح المياه متناغمة مع أمواجه. كانت سعادتها لا توصف عندما تساقطت الأمطار الغزيرة، وهي متشبثة بالحديد كي تثبت توازنها مع حركة السفينة. فتبلل خصلاتها وتخمد ثورتها التي لفحت وجهه مرات كثيرة. تطلعت إلى المكان حولها وتمتمت بشغف: _أنا مش مصدقة إني بعيش الأجواء دي وسط البحر.
استند بظهره على السياج يراقب شغفها، ثم تحدث بابتسامة عريضة: _لو عايزة تعشيها في قلب المياه معنديش مانع. قطبت جبينها بدهشة وسألته: _إزاي؟ مش فاهمة؟ اعتدل في وقفته ومد يده يجذب يدها: _تعالي معايا وأنا هعرفك. سحبت يدها مسرعة وأخفتها خلف ظهرها، مما جعله يعتذر قائلاً: _أنا آسفة، بس أنا شايف إنك مش متوازنة على السفينة ولو اتحركتي هتقعي. هزت رأسها بنفي وتحدثت بإحراج: _لأ، هقدر أتحرك عادي.
وما إن تركت يدها السياج حتى سقطت على الأرض، فيسقط قلبه معها. كانت ترتدي بنطال أسود وبلوزة شتوية ثقيلة، وعليها سترته التي غاصت بها لفرق الحجم بينهم. سألها بلهفة: _إنتِ كويسة؟ تبللت ملابسها إثر سقوطها، فاستندت على ركبتيها متمتمة بخجل: _آه، كويسة. مد يده وهو يومئ لها ألا تعاند. نظرت إلى يده الممدودة بتردد، وقد سرت البرودة في جسدها من ابتلالها بمياه الأمطار. أبت، لكن عندما وجدت صعوبة في النهوض، أرضخت له ومدت يدها مجبرة.
وما إن لامست يداه أناملها الرقيقة حتى شعرت بتدفق الدماء في جسده احتجاجًا على قوة هذه المشاعر التي شعر بها. لو كان يعلم أن هذا ما سيحدث له من هذه اللمسة، ما فعلها حتى إذا كانت أنفاسه الأخيرة بها، فقد جعلت وتيرة قلبه تزداد بقوة. وكم صعب عليه الأمر حينما اضطر إلى الاحتفاظ بها حتى تنزل الدرج، مما جعله يسحبها بتشتت. وضع حد لتلك المعاناة قائلاً:
_اسندي على السور الحديد وانزلي براحة وحاولي تكون حركتك متزنة عشان متقعيش. هستناكي قدام الممر لحد ما تغيري هدومك، وياريت تكون حاجة مناسبة للجو ده. خلعت سترته، لكنه رفض قائلاً: _خليها، أنا مش محتاجها. دلفت الغرفة وقامت بتبديل ملابسها بأخرى ثقيلة تحميها من المطر وارتدت حذاء مناسب. نظرت إلى هيئتها في المرآة، ثم شعرت برعشة تنتابها وهي تتذكر والده. ماذا سيفعل إن علم بما تفعله؟
ماذا إن كان هناك من يراقبها بدافع منه وينتظر وصولهم حتى يخبره بما تفعله؟ حاوطت جسدها بذراعيها وكأن المشهد يحدث أمامها. ضرب، تعذيب، حبس بأربع جدران، نظرات شامتة متشفية. وعند تلك النقطة قد تصل للق.تـ.ـلا. تـ.ـلا. زادت ارتعاشتها وهي تتذكر صوته الذي طنينه يظل بأذنها حتى يكاد يدفعها للجنون. سقطت على الأرض وأنزوت بأحد الأركان تصم أذنيها عن ذلك الطنين وجسدها يرتعش بخوف. لكن لم تفلح يديها في صد تلك الأصوات عنها.
سئم داغر من الانتظار وتطلع إلى غرفتها فلم يجد إشارة لخروجها. انتظر أكثر حتى شعر بالقلق عليها، فتقدم من الغرفة وطرق الباب فلم يجد رداً. ازداد شعوره بالقلق أكثر فسألها: _أسيل، انتِ كويسة؟ لم تجيبه، فاسترق السمع أكثر لكن لم يسمع شيء. طرق الباب بقوة أكثر: _أسيل، ردي عليا.. لم يجد منها إجابة مما جعل شعور القلق بداخله يزداد. فلا بد من فتح الباب والدخول، لكن كيف ذلك؟ لمح عامل النظافة يمر داخل الممر فناداه قائلاً:
_عم طلال، تعالى أفتح الباب ده. تقدم العامل منه وهو يقول: _من عينيه يا غالي. أخرج العامل الكارت ووضعه في مكانه فانفتح الباب، ثم شكره: _متشكر يا عم طلال. انصرف الرجل ودلف داغر ليجدها منزوية في أحد الأركان تنتفض بخوف. أسرع إليها يجثو أمامها ويسألها بلهفة: _في إيه؟ كانت تضع يدها على أذنها بشكل مهيب، فمد يده كي يبعد يدها عن أذنها لكي تسمعه، لكن حينها صدرت منها صرخة خوف وأخذت تنزوي أكثر. رفع داغر يديه وتمتم بهدوء:
_طب إهدي، إهدي متخافيش، انتِ في أمان معايا. أعادها صوته الحاني إلى رشدها قليلًا، لكن تلك الأصوات مازالت تقتحم أذنها. تمتم داغر بحنو: _قولتلك متخافيش، انتِ في أمان معايا، مفيش داعي لخوفك ده. مد يده بروية كي يبعد يديها وهو يتمتم بحيطة: _خلاص، اهدي. بهدوء وروية، أبعد يدها عن أذنها واستسلام تام منها، ثم رفعت أهدابها بتباطؤ كأنها تخشى مما ستراه أمامها. وعندما لاحظ ذلك تمتم بخفوت:
_متخافيش، طول ما انتِ معايا متخافيش من أي حاجة. قومي متخافيش. ولم يستوعب ذلك الذعر الذي يراه بعينيها والذي يدل على أن هذه الفتاة لاقت من الدنيا أشد العذاب. شعر بغصة تهز قلبه، لكنه أخفاها بابتسامة بثت الأمان بداخلها عندما لاحظ ترددها: _قولتلك طول ما انتِ معايا متخافيش. قومي معايا.
عاد داغر إليها وهو يحمل عصير الليمون الذي أصر أن يعده بنفسه. فيجدها جالسة على حافة الفراش في شرودها المعتاد. جذب المقعد ليجلس عليه أمامها ثم قدم لها الكوب قائلاً بابتسامة: _اشربي الليمون ده، هيهديكي شوية. مدت يدها التي ما زالت تنتابها رعشة خفيفة وتمتم بخفوت: _متشكرة. _لا شكر على واجب يا ستي، المهم تخلصي العصير بسرعة عشان ننفذ اللي وعدتك به. قطبت جبينها متسائلة، فرد قائلاً: _نسيتي ولا إيه؟ تذكرت أسيل وتمتمت بخفوت:
_لأ، منستش، بس خليها مرة تانية. رد بإصرار: _أنا مش ضامن أنها تتكرر تاني وانتِ معايا، يلا وأنا هخليكي تنسي اسمك. وافقت أسيل مرغمة، لكنها أرادت أن تسرق لحظات سعيدة من الزمن، ربما تظل ذكرى سعيدة بحياتها ولا تكون نقمة سقطت عليها. أخذها وذهب للمركب الملحق بالسفينة، مما جعلها تندهش وتسأله بحيرة: _هتعمل إيه؟ رد بابتسامة يطمئنها بها وهو يحل وثاقه: _هعيشك مغامرة عمرك ما هتنسيها.
لاح على محياها التردد وهي تنظر للأمواج المتلاطمة وشعرت بالخوف. ليس خوفًا على نفسها، فالموت أهون بكثير من الحياة المقبلة عليه. لكن هي لا تريد أن تكون سببًا في حادث قد يؤدي بحياته. وعندما لاحظ ترددها قال بثقة: _تعالي ومتخافيش. بعد تردد دام للحظات، استسلمت ليده التي مدها إليها وساعدها كي تصعد على متنه، ثم ساعدها للجلوس على المقعد المخصص بجواره، وأخذ هو يتولى تشغيله وسألها: _جاهزة؟
تطلعت بعينيها البنية إلى عينيه وأومأت له بصمت. تحرك المركب ببطء في البداية، ثم بدأ يسرعه رويداً رويداً، وهي تتشبث بخوف بكل ما تجده. _كابتن داغر، أرجوك هدي السرعة شوية. تمتم داغر بامتعاض: _إيه كابتن دي؟ في وقت زي اللي بنعيشه ده، مش عايز أي ألقاب. أومأت له بابتسامة، لكنها اختفت عندما وجدت أنهم ابتعدا كثيرًا عن السفينة. ظل يقود المركب بسرعة حتى ابتعد عن الباخرة، فقالت بوجل: _لأ، بلاش نبعد أكتر من كده.
تطلع إليها بعينيه التي لم يخفِ الظلام حلاوتها وقال بلهجة بثت الاطمئنان بداخلها: _طول ما أنا معاكي متخافيش. طمئنها بجملته، لكنه لا يعرف أنها لا تخاف على حياتها، بل حياته هو. ظل ملتزم الصمت منتبهًا فقط للمياه أمامه، وتركها تتأمل الأجواء بانبهار. صرخ عندما يرتفع الزورق بهم وينزل، لكن صرختها تكون بفرحة وانبهار، وقد تناست كل شيء في تلك اللحظة، فقد تريد أن تتعايش مع لحظاتها التي من المؤكد أنها لن تعيشها مرة أخرى.
قذفت موجة مياهها عليهم، فقالت أسيل: _كابتن، إحنا كده هنغرق. ضحك داغر: _هو أنا هقولها كام مرة (شدد على كلمته) انتي معايا. وبعد مرور لحظات، وجدت المركب يتوقف أمام جزيرة ليست كبيرة، ويوجد بها منارة عالية يلتف ضوءها بروية. أوقف المركب بجوار الممر، ثم ترجل هو أولاً وقام بربط المركب كي لا ينجرف مع التيار، ثم مد له يدها كي يساعدها على النزول. لكنها أبت وسألته: _إحنا فين؟ _ثقي فيا وتعالي.
رفضت يده التي يمدها لها وأبت أن تكررها، وتماسكت جيدًا، ثم خرجت منها رغم صعوبتها. توقفت أسيل مكانها وهي تنظر إلى المكان بعدم استيعاب. الأشجار المثمرة والأرضية الخضراء تبث الراحة في قلب من يراها. كانت الإضاءة خافتة وضوء المنارة يدور في المكان مشكلًا هالة من السحر. خرج رجل من كوخ صغير وهو يشير له متحدثًا: _كنت أنتظر مجيئك. تطلعت إلى داغر الذي أشار له بدوره ورد قائلاً: _تعلم جيدًا بأني لن أفوت مثل تلك الفرصة.
ثم نظر إلى أسيل: _تعالي يا سيلا، هنفضل هنا شوية لحد العاصفة ما تهدى لأن شكلها هتزيد. وافقت وهي لأول مرة تتصرف بتهور. فهي تدرس كل خطوة قبل أن تخطيها، إلا منذ ولوجها لتلك السفينة. كل شيء تبدل، حتى هي. سارت بجواره حتى تقدموا من ذلك الرجل واحتضن داغر، ثم قال بمزاح وهو يبتعد عنه: _أوووه، أرى ملابسك قد تبللت، لديك الكثير من الملابس بالداخل. ادخل أنت وحبيبتك كي تبدلها.
لم تفهم أسيل ما يقول، لذا التزمت الصمت. فنظر إليها قائلاً: _تعالي نغير هدومنا عشان متبرديش. ازدردت لعابها بوجل وقالت: _لأ، أنا كده كويسة. علم أنها شعرت بالخوف من ذلك المكان، ولا يلومها على ذلك، فلم يمر عليهم سوى يومين. فقال بلهجته الحانية: _لو خايفة من حاجة، فأنا بطمنك إن المكان هنا آمن ومفيش داعي لخوفك.
أخفضت عينيها للحظات، ثم رفعت وجهها إليه لتومئ له بصمت. أشار لها بالتقدم وسارت معه حتى دلفوا إلى الكوخ. كان منظمًا رغم قدمه والحياة به تبدو جميلة. أشار لها داغر على أحد الغرف: _ادخلي الأوضة دي. دلفت الغرفة فوجدته يدلف خلفها، وقبل أن تعترض وجدته يتقدم من الخزانة وأخرج ملابس منها ووضعها على الفراش أمامها: _معلش بقى لبس رجالي لأن مفيش حد بييجي هنا غيري أو عمال الصيانة لو في عطل في المنارة.
تطلعت إلى الملابس التي تبدو خاصة به هو لعلامتها التجارية المطبوعة عليها، لن يرتديها واحد مثل جاك في ذلك المكان. خرج داغر من الغرفة بعد أن أخذ ملابس له أيضًا، وقامت هي بتبديل ملابسها. ارتدت ملابسه الفضفاضة، وكان مثل ما كانت ترتدي بنطال أبيض وبلوزة بيضاء. لاحت ابتسامة على ثغرها، ثم خرجت من الغرفة لتجده هو أيضًا قد بدل ملابسه لمنامة قطنية. ووقف يحضر الطعام مع جاك. كانت رائحة الطعام جيدة مما جعلها تشعر بالجوع أكثر.
تركتهم وخرجت من الكوخ، فتجد أن الأمطار توقفت لكن البحر مازال ثائر. ظلت تتمشى حتى وصلت للشاطئ، ولم تعلم بأنه يراقبها. كانت ترتدي غطاء رأس صوفية مما حدد وجهها أكثر. سار كالمسحور خلفها حتى وقفت عند الشاطئ، وعندما شعرت بخطوات خلفها استدارت مسرعة فوجدته
هو بابتسامته الجميلة: _متخافيش، المكان هنا آمن. عادت تنظر للأمام وقالت بإعجاب: _كل حاجة هنا حلوة، الهدوء والطبيعة والبحر. بتخيل المكان ده بالنهار بيكون شكله إيه. استمتع بانبهارها: _بيكون ساحر أكتر وملفت أكتر. جالت الذكريات في مخيلته وهو يتابع:
_من تلات سنين فكرت أعمل اللي عملته النهاردة، بس المركب كان فيها عطل ومنتبهتش له. كنت بعيد عن السفينة ومكنش قدامي غير جزيرة المنارة. نطيت في المايه وفضلت أعوم لحد ما وصلت لها، ووقتها كنت خلاص جسمي اتشنج من البرد والعوم المسافة دي كلها. جاك أنقذني وفضلت عنده لحد ما الفريق اللي معايا لاحظ تأخري وبدأوا يدوروا عليا لحد ما وصلوا للجزيرة. ومن وقتها وأنا وجاك أصدقاء وبنتقابل كل فترة. أشار لها بالجلوس:
_تعالي نقعد لحد جاك ما يجهز العشا. جلسا على الأعشاب المبتلة، ثم سألها: _أنا معرفش حاجة عنك غير اسمك وإنك من أم إيطالية. عاد الحزن يغلف عينيها كأنه ذكرها بما تود نسيانه، لكنها رغم ذلك قالت بشرود:
_أنا أسيل حسين النعماني، عمري اتنين وعشرين سنة. اتعلمت في مصر بس دخلت الجامعة في إيطاليا آخر سنتين، عشان أكون جنب ماماليا. أخ وحيد وبابا بعد ما طلقها اتجوز بنت عمه بس مش بيخلف وهو ما اهتمش إنه يخلف تاني. كانت علاقتي بيها سطحية ومكنش فيه كلام بينا، وعشان كده هي اللي أقنعت بابا إني أسافر لأمي عشان تخلص مني. ولما ماما ماتت كنت خلصت الجامعة وبابا طلب مني أرجع مصر. هي دي كل حكايتي. _تعرفي إن قصتنا متشابهة.
عقدت حاجبيها متسائلة، فتابع: _ماما برضه ماتت وأنا عمري تلات سنين، وبابا برضه اتجوز، بس اتجوز أختها من الأب، ولأنها كانت بتغير منها رفضت وجودي في حياتها. ولما بابا قرر يعيش بره مصر، رفضت أكون معاهم، وأنا طلبت إني أعيش مع عمي ومش بشوفه غير كل تلات سنين وأكتر كمان. تأثرت أسيل بقصته والتي شابهت قصتها هي أيضًا. جاء جاك وهو يحمل الطعام ووضعه أمامهم، ثم قال لداغر:
_سوف أنام بالمنارة، وبعد الانتهاء من طعامكم بإمكانكم النوم في الكوخ. أومأ له داغر وتركهم متجهاً إلى المنارة. تطلعت إليه أسيل بامتعاض: _إحنا هنبات هنا؟ _لا طبعاً، لأني لازم أرجع شغلي. أول العاصفة ما تهدى هنمشي على طول. كانت رائحة الطعام شهية، فقال داغر وهو يضع الطبق أمامها: _عايز أقولك إني باجي هنا مخصوص عشان آكل السمك ده من إيد جاك.
بدأوا بتناول طعامهم وكل واحد منهم يحكي للآخر ما يفضله أو يبغضه، حتى هدئت العاصفة واضطروا للعودة. تناسوا تمامًا أمر ملابسهم وعادوا بالملابس التي ارتدوها، ولم تنتبه لها أسيل إلا فور دخولها الغرفة. أما هو فلم يبالي، فقد أقسم أن يعودوا إليها مرة أخرى مهما مرت الأعوام.
دلفت أسيل غرفتها وأبدلت ملابسه التي ترتديها. استلقت على فراشها بعد أن أشعلت المدفأة وأخذت تفكر في لحظات لم ترى مثلها من قبل، حتى إنها لأول مرة تسعد بقرار اتخذته عندما قررت السفر بالباخرة كي تماطل في سفرها. تطلعت لملابسه التي وضعتها بعناية على المقعد وأخذت تتذكر أوقاتهم معًا وذلك الشعور العجيب الذي يراودها كلما وقعت عيناها عليه. أما هو فلم تترك مخيلته لحظة واحدة، ولا يعرف سببًا لذلك. هو هو العشق الذي سمع عنه؟
لكن كيف أتى إليه بتلك السرعة؟ أخذ هاتفه من فوق المنضدة وقام بفتحه والنظر إلى صورها التي التقطها دون أن تدري. كانت واقفة مستندة بمرفقيها على السياج، وأخرى وخصلاتها تتطاير بفعل الهواء. وأخرى أظهرت عينين لاح بها حزن الدنيا. وأخرى التقطها وقت غروب الشمس، فظهر وجهها واضحًا بجوار قرص الشمس المستدير، فلم يفرق بينهما. هي هي شمسه التي اعترف أخيرًا بأنها وحدها من استطاعت بنورها إضاءة عتمة قلبه.
أشرق الصباح عليهم ولم يستطع أحد منهم النوم. كان كل تفكيرهم في وصولهم لمصر، ماذا سيفعل كلاهما؟ وهي ستعود لمصير محتوم، وهو لحياته وعمله. كانت أجازته تلك المرة ثلاث أيام فقط وسيسافر بعدها برحلة تستمر أسبوعين. خرجت لسطح السفينة كي تتناول إفطارها رغم عدم وجود شهية لديها، لكنها أرادت أن تراه مرة أخرى قبل أن يعودوا الليلة إلى الإسكندرية. أخذت تتلاعب بطعامها بشرود حتى يأست من مجيئه، فعادت إلى غرفتها كي تحاول النوم.
طرق الباب مما جعلها تندهش. ارتدت مئزرها وفتحت الباب فتجد أحد عمال المطعم يحمل بين يديه طاولة طعام صغيرة وقال باحترام: _آسف على إزعاج حضرتك، بس الكابتن داغر طلب مني أبعتلك الفطار ده وقالي مرجعش إلا لما تاخديه مني. حاولت اخفاء ابتسامتها وقالت بامتنان: _متشكرة أوي، تقدر تدخله. دلف العامل وقام بوضعه على الطاولة ثم انصرف. تقدمت من الطعام تنظر إليه برضى، فتلاحظ ورقة مطوية داخل زجاجة صغيرة. امسكتها بحيرة ثم فتحتها واخرجت
منها الورقة وكان محتواها: _لاحظت إنك مأكلتيش شيء من فطارك، فقلت أبعتلك فطار على ذوقي. أما الغدا فهيكون برضه على ذوقي، بس في المكان اللي يعجبك. طوت الورقة ووضعتها مرة أخرى في الزجاجة، ثم اخذت تنظر إليها بسعادة. رفرفت بقلبها لأول مرة. احتضنتها بشدة قبل أن تضعها داخل الحقيبة، ثم جلست تتناول الإفطار بشهية حتى انهته. عادت حور إلى المنزل كي تستعد لتلك المهمة. لكن كيف تقنع حازم وأمينة بذلك العمل الجديد؟
تعلم جيدًا بأنه يرفض مثل ذلك النوع من العمل، وخاصة إن كان رجلًا. هي لا ترى ضيرًا في ذلك، كما أنها ستعود في المساء. دلفت المنزل فتندهش أمينة من عودتها فسألتها بقلق: _حور، مالك يابنتي؟ إيه اللي رجعك؟ وضعت حور الحقيبة على الأريكة وجلست بجوار أمينة وهي تقول بثبوت: _غيرت الشيفت وبعد كده هشتغل بالنهار. _أحسن برضه، أنا كنت ببقى قلقانة عليكي طول الليل. هقوم بقى أسخنلك العشا اللي هايدي بعته لكِ بس لقيتك مشيتي قبل ما أوصل.
منعتها حور من النهوض: _خليكي، أنا هقوم أجهزه بنفسي. نهضت حور وتبعتها أمينة بعينيها وقد اندهشت من حالتها. أمس كانت بحالة يرثى لها، أما الآن فالأمر مختلف تمامًا. تبدو أمامها وكأنها كانت تعاني حملًا ثقيلًا وانزاح أخيرًا عن كاهلها. أخذت تراقبها وهي تتناول طعامها بشهية لم تراها من قبل، مما جعلها تسألها بحيرة: _حور، انتي كويسة؟ أومأت دون النظر إليها، وهذا جعلها تقلق أكثر، فعادت تسألها:
_طيب، في حاجة حصلت إمبارح في المستشفى؟ أجابت دون أن ترفع عينيها من الطبق: _شوفت بابا وسليم إمبارح في المستشفى. ضربت أمينة بيدها على صدرها وقالت برعب: _حد منهم شافك؟ _تؤ، محدش أخد باله مني. رفعت عينيها أخيرًا وأردفت: _بس كان ممكن يشوفوني بسهولة، فقررت إني أبعد عن المستشفى الفترة دي. قطبت أمينة جبينها بدهشة وسألتها: _إزاي بتقولي هتشتغلي بالنهار، وانتي هتبعدي عن المستشفى الفترة دي زي ما بتقولي؟ تركت الملعقة
من يدها وقالت ببساطة: _لأني ناوية أشتغل ممرضة خاصة لواحد أعمى. قالت كلمتها الأخيرة وهي تحاول ضبط أعصابها، لكن يبدو أنها فشلت في ذلك وبدأ الشك يتلاعب بقلب أمينة، فتسألها: _ومن إمتى بتوافقي على الشغل الخاص؟ مسحت يدها بالمحرمة وألقتها بأهمال على الطاولة وهي تجيب: _من وقت ما شفتهم في المستشفى، عايزة أبعد عن أي حاجة تفكرني بيهم. _مختلفناش، بس مش بالطريقة دي، ومع راجل كمان. بدأ يصعب عليها التحكم في أعصابها وقالت باحتدام:
_بقولك أعمى. ردت أمينة بصبر عندما لاحظت تعصبها: _برضه راجل ياحبيتي، وأنا مش هآمن عليكي وإنتي مع ناس. قاطعتها حور بإصرار: _أنا مش صغيرة وأعرف أحافظ على نفسي كويس. لم تشأ أمينة أن تجادل معها أكثر من ذلك كي لا تنهار وتفقد وعيها، لذا قررت أن تهاودها: _طيب، إنتي تعرفي الناس دي؟ يعني ناس كويسة؟ أآمن عليكي معاهم. اهتزت عينيها قبل أن تجيب: _الدكتور عاصم يعرفهم، قالي إنه ابن واحد صاحبه. اتسعت عين أمينة وقالت باندفاع:
_كمان شاب؟ تنهدت حور بتعب وقالت: _إيه المشكلة لما يكون شاب؟ وبعدين هو مش لوحده وهكون معاه بالنهار بس وهرجع أبات معاكي، يبقى فين المشكلة. ردت أمينة بحدة: _المشكلة اللي مش واخدة بالك منها هو حازم، مستحيل يوافق على المهزلة دي. _وإيه اللي هيعرفه؟ عقدت حاجبيها بدهشة وسألتها: _يعني إيه؟ عايزة تخبي عليه؟ نهضت حور تنهي ذلك الجدال، لكن أمينة لم تتركها وذهبت خلفها إلى غرفتها:
_كلميني زي ما بكلمك وعرفيني إيه اللي في دماغك بالظبط. لو كان على أبوكي وسليم، فده شيء عادي، يومين بييجوهم كل سنة عند عاصم بيه وبيرجعوا تاني. شغلك ده مش سبب أبدًا. علمت حور أن الجدال لن يجدي نفعًا معها، لذا قررت أن تتحدث باللين:
_دادة، قولتلك أنا عارفة أنا بعمل إيه وعمري ما هعمل حاجة تسيء ليا، وإنتي عارفة كده كويس. الشغل ده أنا محتاجاه بجد ومش هسيبه تحت أي ظرف من الظروف. ده هيكون لمدة شهر واحد وبعدها هيسافر يكمل علاجه. أرجوكي بلاش حازم يعرف حاجة. _يعني مفيش حاجة هترجعك عن اللي في دماغك؟ هزت رأسها بنفي، فاضطرت أمينة على الموافقة: _خلاص، إنتي حرة، بس لو حصل. قاطعتها حور بثقة وقد ظهر بريق عجيب بعينيها: _مش هيقدر يعمل حاجة، متقلقيش.
_استيقظ داغر من نومه على صوت الباب، مما جعله يستاء من الطرق. لم ينم تلك الليلة جيدًا. مسح على وجهه يحاول محو النوم، ثم سمح للطارق بالدخول. دلفت سلوى قائلة: _صباح الخير يا داغر بيه. خليل بيه تحت وبيقولك إن الممرضة زمانها على وصول ولازم تنزل تشوفه. تنهد داغر بضجر وقال بثبات: _طيب، انزلي إنتي وأنا جاي وراكي.
خرجت سلوى وضغط على ساعته التي أنبهته بأن الوقت العاشرة صباحًا. أزاح عنه الغطاء ثم أخذ يتحسس عصاه حتى وصل لها وهم بالنهوض بها، لكنه تراجع وقذفها جانبًا، ثم توجه إلى المرحاض.
وقفت أمام ذلك المنزل الكبير القريب من الشاطئ والذي يتمتع بموقعه الفريد وبنيانه الفاخر. تقدمت من آمن الباب الرئيسي والذي أخذ يستجوبها ويتأكد من هويتها قبل الدخول. دلفت للداخل فتجد الخادمة تنتظرها في الحديقة وأخذتها لتصلها للداخل حيث ينتظرها خليل. تقدمت منه لتقدمها العاملة قائلة: _الممرضة وصلت يا فندم. رفع خليل عينيه عن هاتفه وتطلع إليها لحظات قبل أن يرحب بها: _أهلًا يابنتي، اتفضلي.
ازدردت جفاف حلقها بصعوبة وتقدمت لتجلس على المقعد بجواره وقال بهدوء: _دكتور عاصم شكر لي فيكي وقالي إنك ممرضة ممتازة، وإن شاء الله تتبسطي معانا.
لم تستطع الرد سوى بإيماءة من رأسها، وقد بدأ ثباتها يتلاشى عندما وقعت عينيها عليه وهو ينزل الدرج، فيعاد أمامها المشهد بقسوته وجبروته. ازدردت لعابها بصعوبة وهي تراه ينزل الدرج بكل جبروت، ولا تتخيل أنها تقف أمامه الآن. ودون إرادتها أحاطت جسدها بذراعيها عندما تقدم صوبها، فتزداد وتيرة تنفسها وضربات قلبها تهدر بعنف. انتهى ثباتها وضاعت القوة الزائفة التي دلفت بها. ارتجفت أوصالها عندما سمعت صوته الغادر يقول:
_صباح الخير يا عمي.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!