وقفت وعد أمام غرفته لكنها لم تملك الشجاعة للدخول إليها. فمازال يتجنبها منذ أن علم بمقابلتها لـ إيمي. يبدو أنها أخطأت حينما أخبرته بذلك، لكنها لا تحب الخداع، فكان عليها أن تصارحه. هي تحبه بل تعشقه، لكن لم تنسى جبروته وهو جاذبًا أخته ويلقي بها داخل السيارة بكل عنف، وهي مستسلمة لمصير محتم بالموت. لكنه أخلف ظنها ولم يستطع فعلها.
إذًا لم يعد ذلك عائقًا بينهما، لذا ستذهب إليه وتعتذر منه حتى يصفح عنها بعد أن عاد الأمان إلى قلبها. بيد مترددة ضغطت على مقبض الباب ودلفت إليه، فتجده واقفًا في شرفته ينظر للأضواء بسكون تام. أغلقت الباب خلفها وتقدمت منه تقف أمامه، لكنه لم يعيرها أي انتباه وظلت عيناه تنظر للفراغ أمامه. "سليم." لم يلتفت إليها، لكنها لم تيأس. مدت يدها إلى يده التي يضعها في جيبه واحتوتها بحب بين يديها وتابعت بخفوت: "أنا آسفة."
أخفض نظره إليها، والذي لاح به عتاب تارة، وتارة أخرى حب لن يمحيه شيء. سألها رغم معرفته بالإجابة: "على إيه؟ اخفضت عينيها بإحراج: "على أني اتهمتك... قاطعها بوجوم: "وبعدين؟ اهتزت نظراتها ولأول مرة تشعر بالجفاء بينهم. لا، لن تيأس وستتحمل عقابه كما تحمل هو عقابها، فقالت برجاء: "سليم خلينا ننسى اللي فات، أنا الفترة اللي فاتت دي كنت بتعذب أكتر منك، بس الموقف اللي شفته كان صعب أوي وخوفني منك."
لاح الغضب بعينيه لوهلة وهو يتذكر ذلك اليوم وكم كانت نيته قتلها بالفعل، لكنه لم يستطع. لم يستطع قلبه فعلها، لذا كان عليه أن يخفيها بعيدًا عن الجميع وبعيدًا عنه أيضًا. "بس أنا مغلطتش، هي كانت تستحق القتل فعلًا، كل الحكاية إني ضعفت أمامها... قاطعته وعد: "ده مش ضعف، ده حب أخوي مفيش حاجة في الدنيا تقدر تغيره. اللي حصل ده أكيد غصب عنها، كان لازم تسمعها الأول وتحكم. صدقني يا سليم، محدش يعرف قيمة الأخوة غير اللي محروم منها."
حاول سليم إخفاء حنينه لأخته والذي لاحقه منذ ذلك اليوم فيزيد من عذابه أكثر، لذا غمغم بألم: "صدقيني الموت كان أرحم لها في الوقت ده، بس مقدرتش وقتها. كنت كل ما أعاند وأضغط على نفسي عشان أعملها كنت بلاقي نفسي بضعف ومقدرش، فكان الحل الوحيد إني أبعدها. بس سبتها في إيد أمينة، عارف إنها هتحافظ عليها." تنهد بكل التعب الذي يكتنف بداخله وتابع:
"أسيل بالنسبة ليا كانت كل حياتي، بس أنا اتعودت إني مبينش مشاعري لأني زي ما فهمت من حسين بيه، المشاعر ضعف، وأنا مكنش ينفع أبقى ضعيف لأني لو ضعفت، شاهي هتدوس عليا زي ما عملت في أسيل. كنت عايز أعمل منها سليم تاني، بس هي كانت رقيقة أوي ومعرفتش تتأقلم مع الحياة اللي عاشتها معايا، عشان كدة كان سهل أوي يضحك عليها." سألته بحيرة: "طيب هي فين دلوقتي؟ تنهد بتعب وقال بتسويف:
"لسة مجاش الوقت اللي أصرح فيه بمكانها، ومن هنا لحد ما ييجي اليوم ده مش عايز أي كلام عنها، ده لمصلحتها هي." أومأت له بتفاهم وقالت بتمني: "بس أمتى اليوم ده هييجي؟ ابتسم برضا على تعلقها بأسيل والتي لم تصاحبها إلا لشهرين فقط: "قريب، قريب أوي كمان وهجبها تعيش معانا هنا." قالت بلهفة: "ياريت يا سليم، أسيل اتعذبت كتير أوي في حياتها وجه الوقت اللي لازم ترتاح فيه ونعوضها عن الحياة الصعبة اللي عاشتها." أومأ لها بتمني:
"إن شاء الله." تطلع إليها لحظات وعيناه بداخلها آلاف الأسئلة التي يريد طرحها، لكن ليس الآن. لقد ترك لها زمام الأمور وعليها أن تخطو هي إليه. تلاقت الأعين بحديث أبلغ من الكلام. وبلغة لا يفهمها سواهما. وكان مبتغاها بأنها هي من تركت بيده زمام الأمور.
كل أمورها تركتها بين يديه، فكانت الخطوة الأولى في طريقه إليها، رافعًا راية الاستسلام أمام عشق صبر كثيرًا حتى كتبه بأحرف من نور، فكان لقاءهم بالنهاية مليء بالورود وفقاعات وردية جمعتهم أخيرًا بعد ذلك الشقاء. تحدث القلب إلى القلب. وتلاقي المحبين يخيم على عرش حبهم فراشات ربيعهم الأول.
كانت مستسلمة له، وهو كان أحن عليها من نسمات الهواء التي اقتحمت غرفتهم والتي شهدت على لقاءهم الأول والذي أكد فيه بأنه لن يكون يومًا سببًا في إيلامها. قبلة ناعمة طبعها سليم على رأسها الذي تراخى على صدره العاري وسألها بحنو: "مش هتنامي؟ انتِ عندك جامعة الصبح." وضعت يدها على صدره وقالت برفض: "مش هروح بكرة، وانت كمان بلاش تروح خلينا نقضي يومين مع بعض." ابتسم سليم بحب: "وأنا تحت أمرك، يومين كمان مش النهاردة بس."
انتبه الاثنان لصوت الباب فسألته وعد بحيرة: "انت مستني حد؟ هز رأسه بنفي: "لأ، بس ممكن تكون دليدا محتاجة حاجة." جذب قميصه ليرتديه ثم نهض متوجهًا إلى الباب ليفتحه، فيتفاجأ بأبيه أمامه. ظلت أسيل طوال الليل تنظر إلى الخاتم بشرود. وتتساءل ما معنى ذلك؟ إذا كان يريد حقًا الزواج منها وانوى ذلك، فلماذا إذاً قام بفعلته؟ تذكرت حينما كان يستجديها أن توافق على الزواج منه. فلاش باك
كانت تقف أعلى اليخت تستند على سياجه وعيناها تتطلع إلى طيور النورس ترفرف في السماء تشدو بصوتها العذب أجمل الألحان. شعرت به يقف بجوارها فالتفتت إليه بابتسامتها التي تسحر قلبه، واندشت عندما وجدتته يرمقها بصمت أخجلها، فسألته بخجل: "بتبصلي كدة ليه؟ زم فمه بتردد دام للحظات وقال بخبث: "أقولك ومتزعليش؟ قطبت جبينها بحيرة وسألته: "هي حاجة تزعل؟ رد بنفي: "لأ خالص، بس بتزعلك انتِ مش عارف ليه." ابتسمت أسيل تطمئنه:
"بس انت عارف إني عمري ما هقدر أزعل منك." رفع حاجبيه بمكر: "أكيد مش هتزعلي؟ أومأت له ببراءة، فقال هو بدهاء: "هو حلم صغير بس بالنسبة ليا كبير أوي وهموت وأحققه." لم تستطع ببراءتها استنتاج ما يرمي إليه. حتى وجدته يقترب بوجهه من أذنها وقال بهمس: "عايز بوسة." شهقت أسيل بصدمة، وحينها تراجع هو للوراء مدعيًا البراءة: "ايه يا سيلا بتشهقي كدة ليه؟ أنا قلت حاجة غلط؟ رمقته بغضب وهي تسأله بغيظ: "واللي قولته ده مش غلط؟
هز كتفيه بعدم اهتمام: "أنا قلت بس منفذتش، انتِ اللي مصرة تعرفي أنا ببصلك كدة ليه واديني عرفتك." وبعدين أنا قصدي شريف، أنا بقول بوسة أخوية مش الشمال إياها." زمت فمها بغيظ: "والله؟ أكد لها: "اه طبعًا، أومال إيه، بالنسبة للشمال اللي في دماغك لأ دي أول ما نكتب الكتاب هتتنفذ فوري." اغمضت عينيها تحاول ضبط أعصابها وقالت بحنق: "تصدق، أنا غلطانة إني وافقت آجي معاك تاني، يلا رجعني." رفع حاجبيه بذهول: "أرجعك فين؟
انتِ فاكرة نفسك راكبة تاكسي، وبعدين يا قلبي أنا بس بصارحك بمشاعري وأحاسيسي ناحيتك مش أكتر." ردت بغيظ: "لا احتفظ بها لنفسك، متقولهاش تاني." تحولت لهجته لتحمل مزيدًا من العشق وهو يقول: "طيب ما انتِ نفسي، يبقى يحقلي احتفظ بيكِ ولا إيه؟ أين لها من ذلك الماكر الذي يعرف جيدًا كيف يأسر قلبها وروحها أكثر وأكثر. فتابع: "ما تيجي نختار الدبل مع بعض بحيث لما باباكي يوافق نلبس على طول." باك عادت لواقعها وعادت معه أحزانه.
تذكرت الحب الذي كان يغدقها به.. تذكرت تلك الليلة وحالته قبل أن يعتدي عليها. لقد دخلوا المنزل بسعادة لا توصف، ثم بعد ذلك تبدلت حالته لسكون تام قبل أن تهب عاصفتهم. تطلعت لابنها الذي غفى بجوارها وأخذت تملس على وجنته الناعمة. لأجله ستفعل المستحيل، وأوله أن ترضخ أمام ذلك القاسي، وبعدها ستكون المواجهة التي ستقضي عليه، وسترحل حينها دون عودة. استيقظت في الصباح على صوت الباب. تطلعت في ساعتها فتجد أنها الثامنة صباحًا.
تطلعت إلى مكان طفلها فلم تجده. علمت أنه استيقظ وأخذته أمينة وهي نائمة. نزلت للأسفل وقامت بفتح الباب فتتفاجأ بخليل أمامها. ارتبكت أسيل وقالت بوجل لم يخفَ عليه: "خليل بيه." ابتسم خليل قائلاً: "أيوه يا ستي، خليل بيه إيه مش هتقولي اتفضل." اهتزت نظراتها وتمتمت برهبة: "أهلاً بحضرتك، اتفضل." دلف خليل وهو يتفحص ذلك المكان المتواضع التي تسكن به أسيل وقال: "أنا عارف إني جيت من غير ميعاد، بس كان لازم أتكلم معاكِ بعيد عن داغر."
تطلعت أسيل إلى غرفة أمينة حيث يقبع ابنها، ثم تمتمت بارتباك: "متقولش كده، البيت بيتك تشرف في أي وقت." لاحظ ارتباكها والخوف الظاهر عليها، لكنه لم يعرف سببًا لذلك، وقبل أن يتحدث سبقته هي: "ثواني هعمل لحضرتك القهوة." أومأ لها وأسرعت هي بالدخول لغرفة أمينة فتجدها على سجادة الصلاة وإياد نائمًا على الفراش في سكون. تنهدت براحة ثم دلفت المطبخ تعد القهوة وعادت إليه: "اتفضل حضرتك." أخذ منها القهوة وهو يقول:
"متشكر يا ستي، اقعدي بقا خلينا نتكلم في الموضوع اللي جاي عشانه." انتبهت له أسيل فتابع هو: "شوفي يا بنتي، أنا فكرت كويس ولقيت إنه انسحب حل إننا نواجهه بالحقيقة، أنا شاكك إن داغر ممكن يكون اتعاطى حاجة هي اللي وصلته لكده." "لأ." قالتها أسيل باقتضاب، لكنها كانت حازمة. لن تطاوع قلبها وتبحث عن مبررات لفعلته. لكن خليل تحدث بعقل:
"يا بنتي داغر مكنش بيبطل كلام عنك، تفتكري لو كان عايز يعمل كده من الأول إيه اللي يخليه يطلب مني نروح نخطبك؟ ردت بعناد لقلبها الذي يؤيده: "يمكن كانت خطة عشان يبعد أي شبهة عنه مش أكتر." "نفترض زي ما بتقولي، وبإيدنا دلوقتي إننا نصلح اللي انكسر، ليه نعاند و... توقف خليل عن الحديث عندما انفتح باب الغرفة وخرجت أمينة وهي تسأل: "مين يا بنتي اللي كان بيخبط."
نقلت أسيل نظرها بينها وبين خليل، وقبل أن تتفوه بكلمة وجدت إياد يظهر من خلف أمينة ويتقدم منها يلقي نفسه بحضنها وهو يتمتم ببراءة: "ما..ما.." فتحت هايدي عينيها بتثاقل وهي تشعر بألم شديد في جوفها. وضعت يدها عليها، لكن يد أخرى منعتها: "متحركيش إيدك." أغمضت عينيها بألم من سماع صوته، فهو آخر شخص تريد رؤيته. لا تريد منه تماساً، لا تريد شيئاً سوى أن يختفي من أمامها.
جذبت يدها منه وأشاحت بوجهها بعيدًا عنه، ثم تساقطت عيناها بألم وهي تتمتم بصوتها الواهن: "اطلع برة." تأثر حازم بدموعها حتى أنه شعر بقلبه يعتصر حزنًا عليها، فتمتم بأسف: "اهدي يا هايدي عشان صحتك." هزت رأسها بألم: "اطلع برة، مش عايزة أشوفك." أخذ نفسًا عميقًا يهدئ به مشاعره التي تثور عليه، وتمتم برجاء: "هايدي أنا... قاطعته بانفعال رغم وهنها: "قولتلك اطلع برة، مش عايزة أشوفك، اخرج من حياتي كلها."
مسح حازم على وجهه وقلبه يعتصر حزنًا عليها، ثم تمتم بروية: "حاضر، هخرج بس اهدي." أخذت تبكي بانهيار وتطلب منه الابتعاد عنها، فلم يجد أمامه سوى حقنها بمخدر كي تهدئ من ذلك الانهيار. رفضت أن تستسلم له، لكنه استدعى إحدى الممرضات كي تساعده. فهي لا تعرف أن حالها ليس أفضل من حاله، وكم صعب عليه الأمر، لكن ليس بوسعه فعل شيء. لن يتركها تدمر حياتها ويقف مكتوف الأيدي يشاهدها وهي تقضي على حياتها أمامه.
بدأت تهدأ رويدًا حتى أغمضت عينيها ونامت. أما هو فقد ظل بجوارها لا يستطيع مفارقتها أو ترك يدها لحظة واحدة. كيف لم يكتشف حبه لها سوى الآن؟ كيف سمح لنفسه أن يعيش نفسه في وهم حبه لأخرى وناسيها. هيفاء أسيل عوضته عن أخته التي فقدها في نفس عمرها، ولذلك ظن أن ما يشعر به تجاهها حب، وهو أبعد ما يكون عن ذلك. تلك هي محبوبته الوحيدة، هكذا صرح بها قلبه وعقله، ولن يقبل بغيرها بديلاً. ملس على وجهها وتمتم بوله: "آسف، آسف بجد."
بعد قليل طرق الباب ودلف والديها. اسرعت فايزة إليها: "هايدي حبيبتي." تطلعت لحازم بانفعال: "انت عملت فيها إيه؟ مسح حازم على وجهه يهدئ من أعصابه. فرد فريد: "عمل الصح يا فايزة، ولا كنتِ عايزاه يسيبها تموت نفسها." ردت فايزة بحدة: "برضاها مش غصب عنها." (تطلعت لحازم وقالت) "كده ضيعت آخر خيط بينكم يا حازم." لم يستطع حازم الصمود أكثر من ذلك وانسحب بهدوء خارجًا من الغرفة والمشفى بأكمله.
لا أحد يشعر به ولا بالنار المشتعلة بداخله. من قال إن الأمر هين عليه؟ بل أصعب منها بكثير، لكن لا يريد شيئًا سواها. الآن فقط علم كم يعشقها. الآن فقط بعد فوات الأوان. ضاع كل شيء منه ولم يعد يملك شيء. لا يوجد سوى وحدة قاتلة سيعاني منها وحيدًا. أراد أن يصرخ ويخرج تلك النيران التي تلهب قلبه، لكن لم يعد حتى باستطاعته فعلها. "ماما؟
ردد خليل الكلمة بذهول وهو يرى تلك النسخة المصغرة من ابن أخيه يتعلق في عنق أسيل، والتي بدورها اهتزت نظراتها وكأنها تريد أن تنشق الأرض وتبتلعها. فسألها بذهول: "الولد ده ابنك؟ لم تستطيع أسيل النطق بحرف، فكان الصمت هو ردها الوحيد، فعاد يسألها: "ردي عليا." تدخلت أمينة قائلة: "مين ده يا أسيل؟ تطلعت إليها أمينة باستنجاد ولم تستطيع النطق، فعادت تسألها عندما وجدتها بتلك الحالة: "في إيه؟ ردي عليا." رد خليل باستنكار:
"ما تردي يا أسيل وقولي لها أنا مين." اهتزت نظراتها أكثر وغمغمت بتلعثم: "ده خليل بيه اللي بشتغل ممرضة عنده." انقبض قلب أمينة بدوره وتطلعت إليه بتوجس: "أهلاً وسهلاً بحضرتك، اتفضل اقعد." نظر إلى الطفل الذي تطلع إليه ببراءة وكأنه يشاهد داغر وهو بسنه. فقال بأمر: "اقعدي يا أسيل خلينا نتكلم." تطلعت إلى أمينة باستنجاد، لكنها أومأت لها بأنها بجوارها ولن تتخلى عنها.
جلسوا جميعًا، لكن إياد أخذ يتطلع إلى خليل بابتسامة شقية مما جعل خليل يبتسم له وأشار له قائلاً: "تعالى يا حبيبي، اسمك إيه؟ تقرب منه إياد بخطوات متعثرة، فحمله خليل وأجلسه على ساقه قائلاً: "اسمك إيه؟ ردت أمينة بدلاً منه: "إياد." "عمره قد إيه؟ لم تستطيع أسيل التفوه بكلمة وهي ترى كل شيء ينكشف رغماً عنها، فأجابت أمينة: "سنة وتلات شهور." نظر إلى أسيل التي مازالت تتهرب بعينيها، ثم تحدث برتابة:
"أنا مش هقولك ليه خبيتي عليا حاجة مهمة زي دي، بس كل اللي هقوله إن كفاية أوي لحد كده وداغر لازم يعرف الحقيقة." اتسعت عينيها بصدمة وشعرت بأن الدنيا تلتف بها، لكنها أبت أن تظهر ضعفها وقاومت كي تظل يقظة، وقالت برفض: "مستحيل." سألها بحيرة: "ليه؟ ده حقه إن يعرف إن له ابن." صرخت به أسيل وهي غير واعية: "لأ مش من حقه، (علىٰ صوتها غير منتبهة لما تتفوه به ولا تستطيع أن تجمع الحديث)
مش من حقه أبدًا بعد اللي عمله فيا، محدش أحق بيه غيري أنا." تفاهم خليل مع عصبيتها، لكن عليه أن يكون حازمًا معها لاجل ذلك الطفل الذي شعر بالخوف وأسرع إلى أمينة يختبئ بحضنها: "أهدي شوية عشان ابنك. وبعدين أنا عارف كل ده ومقدره، بس خليكي واقعية، انتِ قدرتي تسجلي ابنك؟ اهتزت نظراتها، فعلم بأنه لم يسجل حتى الآن، فقال بامتعاض: "طبعاً متسجلش." "ومستنية إيه بقا لما يكبر ويخرج للناس ويسألوه عن أهله؟ أشاحت بوجهها وهي تقول بتعند:
"هسجله باسمي." رد خليل باستنكار: "ليه؟ عشان إيه تحرميه من اسم أبوه وعيلته." رددت جملته بتهكم: "اسم أبوه؟ هو فين أبوه ده، ده حتى مفكرش يسأل راحت فين ولا إيه اللي حصلها." رد خليل بثقة: "داغر فضل شهرين بين الحياة والموت، وأول ما فاق سأل عليكي. لما طلبنا من حد يعرف لنا أخبارك قالوا إنك سافرتي ومش هترجعي تاني، أنا عارف إنه غلط وغلط كبير أوي كمان، بس هو أكيد كان ناوي يصلح غلطه، عشان كده سأل عليكي أول ما فاق."
اشتد الألم برأسها، لكن الخوف من خسارة ابنها جعلها لا تبالي به، لذا عارضت بإصرار: "ميهمنيش كل اللي بتقوله ده، لو كان يهمني صحيح مكنش عمل فيا كده، انت متعرفش اللي حصلي بعدها ولا العذاب اللي شوفته، فأرجوك مش عايزة كلام تاني في الموضوع ده." "بس يا بنتي، إحنا دلوقتي الظروف بتحكمنا والطفل ده له حقوق علينا لازم نلبيها مهما كانت قسوتها." لم تلين قيد أنملة، فقال بعد تفكير: "طيب اسمعيني في الاقتراح ده ولو مش هيعجبك ارفضيه."
استيقظ داغر وهو يشعر بألم حاد في رأسه، وخاصة عينيه، لا يستطيع رفع جفنيه من شدة الألم. نهض وهو يضع يده على رأسه الذي شعر به سينفجر من حدة الألم. تحسس المنضدة بجواره، ثم ضغط على الزر فتدلف في ثواني سلوى: "صباح الخير يا كابتن داغر." يستطع فتح عينيه وقال بتعب: "عمي صحي ولا لسة؟ "صحي من بدري وخرج، قالي أبلغك إنك تستناه على الفطار." "وهي جت ولا لسة؟ ضيقت عينيها بحيرة: "هي مين؟ انفعل داغر ومازال يخفي عينيه بيده:
"الممرضة، هيكون مين غيرها." "آه تقصد حور؟ لأ لسة مجتش، عايز حاجة أعملهالك؟ رد بحنق: "لأ، روحي انتِ." همت بالخروج، لكنه أوقفها: "أول ما توصل خليها تجيني." أومأت له وأضافت: "طيب، أنا مش هكون متواجدة النهاردة عشان هعمل أوراق السفر، وبعد أسبوع هسافر لجوزي." زفر بضيق وسألها: "هترجعي إمتى؟ "بكرة إن شاء الله." أومأ لها برأسه. فخرجت سلوى وتركته هو بألمه الذي يكاد يفتك برأسه.
عاد يستلقي بهدوء على الفراش وضغط على ساعة يده كي يعرف الوقت. فقد تعدت التاسعة ولم تعود حتى الآن. هل تأخر عليها صالح أم أنها هي من أخرته؟ حاول رفع جفنه فيجد صعوبة بالغة في ذلك. تحامل على نفسه ونهض من الفراش ليدلف المرحاض واضعاً رأسه أسفل المياه، ربما يخفف من ذلك الألم ولو قليلاً. رفع رأسه عن المياه ثم حاول فتح عينيه، فينتفض قلبه بوجل عندما تفاجأ بضوء واهن، لكنه لم يدوم سوى لبرهة واحدة.
ازدردت وتيرة دقاته، وقد أغمض عينيه يضغط عليها بشدة، ثم فتحها بروية، لكن لم ير شيئاً. تسارعت أنفاسه وحاول إغماض عينيه وفتحها مرة أخرى، لكن لم يتكرر ما حدث. وازدادت حدة الألم بعينيه. عاد يضع رأسه أسفل المياه الباردة، ربما تخفف ذلك الألم، لكن لا فائدة. فتح عينيه على أمل أن يعاود إليه ذلك الضوء، لكن لم يتكرر. ضرب الحوض بقبضته وهو يلعن ذلك العمى الذي دمر حياته وجعله بذلك العجز.
حياته أصبحت غير محتملة ولم يعد بوسعه الصبر أكثر من ذلك. حتى قلبه الخائن لم يعد باستطاعته الصمود. رغم تخليها عنه، إلا إنه ما زال يريدها ويشتاق إليها، يريد أن يبصر فقط ليرى محياها الذي مازال يشتاقه حد الجنون. خرج من المرحاض ووقف أمام الخزانة ليخرج ملابس له ويرتديها. غضب شديد يكتنفه من نفسه ومن كل شيء حوله. جلس على مقعده وقد هدأ الألم قليلاً، لكن لم يهدئ غضبه.
طرق الباب فسمح للطارق بالدخول، فإذا به قلبه يهدر بعنف عندما شعر برائحتها تخترق دواخله. كانت خطواتها رتيبة، لكنها كانت قاسية على قلبه الذي مازال عاشقًا لها. وقفت بالقرب منه تسأله بوجوم: "نعم؟ رفع حاجبيه متسائلاً: "نعم إيه؟ حاولت الرد بثبات: "سلوى قالتلي إن حضرتك عايزني." تذكر ذلك بالفعل، ثم سألها: "عمي جه ولا لسة؟ "آه جه تحت، أحضر الفطار دلوقتي؟ نهض داغر ليمر من جوارها متجهاً للباب: "عشر دقايق ويكون جاهز."
نزل الدرج وشعر بخطواتها تمر من جواره تسبقه إلى الأسفل، لكن بقيت رائحتها التي حركت مشاعر بداخله، ظن لعامين أنها تلاشت من داخله، فتعيدها هي بلا رحمة. ولا رأفة به. ناده عمه: "داغر تعالى، أنا هنا." تقدم داغر من عمه الذي علم مكانه بمصدر الصوت، ثم تقدم منه ليجلس على المقعد: "صباح الخير يا عمي." تطلع إليه خليل بخذلان، لكنه رد بهدوء: "صباح النور، ايدك عاملة إيه دلوقتي؟ رد داغر بعدم اكتراث: "كويسة."
هم داغر بسؤاله عن سبب فتره معه منذ عودته، لكن قاطعته أسيل التي تقدمت منه تقول: "الفطار جاهز." أومأ لها خليل وقال بحنو: "تمام يا بنتي جايين حالاً." انصرفت أسيل، وقال عمه: "أنا النهاردة عندي مشوار مهم في القاهرة واحتمال أتأخر شوية، هطلب من حور تفضل موجودة لحد ما أرجع... تابع بتحذير: "... بلاش تضايقها وتبطل حركاتك دي، هي مش عبدة عندك، فاهم؟ رد داغر بكل هدوء: "أكيد فاهم، متقلقش."
"طيب قوم خلينا نفطر لأن يادوب الحق أسافر." نهض داغر وجلس مع عمه على السفرة، وتقدمت منه لتخبره بأماكن الطعام. همت بالذهاب، لكن خليل أوقفها: "استني يا حور." التفتت إليه تسأله: "نعم." "النهاردة هتتأخري شوية لأن سلوى مش هتكون موجودة النهاردة وأنا مسافر ضروري وهاجي متأخر، هتستني بس لحد ما أرجع وهخلي السواق يوصلك."
اتسعت عينيها بصدمة وتطلعت إلى داغر الذي اخذ يتناول طعامه بعدم اكتراث، مما جعلها تهز رأسها بنفي وكأن المشهد سيعاد أمامها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!