دلفت شاهي خلف حسين وهي تنظر إلى سليم الذي الجمته الصدمة بخبث، ولما لا وقد علمت بأمر زواجه من تلك الخادمة وستكون فرصة ذهبية للخلاص منه للأبد. "ايه يا سليم مش هتقولنا اتفضلوا؟ " قال حسين بعتاب. "بتصل عليك مش بترد قلت آجي بنفسي اشوف السبب." اهتزت نظراته وحمحم قائلاً: "سوري اتفضلوا." دخل حسين وشاهي التي جلست على المقعد بأريحية، تضع قدم فوق الأخرى، وتتطلع إلى الشقة بإعجاب. وقالت بمكر:
"جميلة أوي شقتك يا سليم ومرتبة أوي، أكيد الخادمة اللي عندك ذوقها عالي أوي، أقصد نضيفة أوي." لم يحتاج لفطنة كي يعرف إلى ما ترمي، فقال بمغزى: "أعلىٰ مما تتخيلي." خرجت وعد وهي تشدد من وضع المئزر حولها: "مين يا سليم؟ الجمتها الصدمة عندما وجدتهم جالسين في البهو، وشاهي تنظر إليها باستهزاء. أما حسين فقد اتسعت عيناه بصدمة وهو يرى أمامها وعد خارجة من غرفة ابنه، تلك الخادمة التي خرجت من الملجأ تقطن بشقة ابنه الوحيد ووريثه.
فتمتم بعدم استيعاب: "الخدامة دي بتعمل ايه هنا؟ تطلع إليه سليم قائلاً بحنق: "مسمهاش خدامة." أشار لها بالتقدم تجاهه: "تعالي يا وعد رحبي بضيوفك، أقصد حماكي." استمتعت شاهي بتلك المواجهة وأخذت تهز قدميها وهي تشاهد ما يحدث في سكون تام. نهض حسين وقد تجمع غضب الدنيا أمامه وقال ساخطاً: "انت اتجوزت دي وحطيت راسنا في الطين؟ رد سليم بسخط مماثل: "قولتلك ماسمهاش دي، اسمها وعد حرم سليم النعماني، أي مسمى تاني مش مقبول."
انصدم حسين من رد ابنه الذي لأول مرة يقف أمامه ويتحدث معه بتلك الطريقة: "انت بتكلمني انا بالطريقة دي؟ رد سليم بتحدٍ وقد انتهى ثباته الذي أجبر نفسه عليه طوال عمره، وتقدم منه ليجيب بتأكيد: "لما تغلط في مراتي واللي شايلة اسمي واسم العيلة لازم اغلط، لما متحترمش وجودها في بيتها وتقول عليها خدامة يبقى طبيعي أرد عليك الرد ده." أمسكه حسين من تلابيبه وصاح به بغضب:
"انت لازم تطلقها، مستحيل ولادها يشيلوا اسمي طول ما انا عايش، حتى بعد ما أموت مش هيحصل." جذب سليم يدي حسين يبعدها عنه وقال بنفور: "صدقني أنا نفسي مش عايز ولادي يحملوا اسمك ولا حتى أنا، عارف ليه؟ توحشت نظرات حسين وهو يستمع له، فيتابع سليم: "لأنه هيبقى نقطة سودة في حياتهم زي ما هو نقطة سودة في حياتي، بلاش تحسس نفسك إنك حاجة كبيرة أوي لأنك ببساطة أصغر من كده بكتير أوي، عارف ليه؟ أشار على شاهي وتابع:
"لأنك خليت واحدة زي دي تلعب بيك وتدمر حياتك وحياة ولادك." همت شاهي بالدفاع عن نفسها لكنه منعها بصوته الهادر: "اخرسي ولا كلمة." تطلع إلى والده وتابع بسخط: "مش بس حياة ولادك، لأ دي دمرت مراتك لما عملت خطة دنيئة زيها ودخلت الراجل ده البيت." تطلع حسين إلى شاهي التي هزت رأسها بفتور: "محصلش." أكد سليم بانفعال: "لأ حصل، والشغالة اللي أكدت لجنابك إنه بيجيلها في فترة غيابك هي اللي اعترفتلي بكل حاجة قبل ما تموت، وإن دي...
أشار على شاهي. "... هي اللي أجبرتها تقول كده وهددتها بعيالها." كان حسين يستمع إليه بذهول، وتابع سليم: "دمرتنا كلنا مش بس أمي، عملت مني إنسان بارد معندوش أي مشاعر، وأكتر واحدة اتعذبت مني هي أسيل." "فاكر أسيل؟ "أسيل اللي خليت حياتها جحيم لدرجة إنها دورت على الحب اللي مفتقداه معانا مع حد تاني، ورغم كل ده خلتني أقتلها بإيدي." تقدم منه خطوة ليقول بازدراء:
"مرحمتش إحساسي وقتها، ومرحمتش إنها إختي وإني هعيش حياتي كلها أتعذب على قتلي لها." "بس لأ، مهمكش حاجة زي دي، ولا يهمك العذاب اللي عشته بعدها." تطلع إليه بسخط وقال: "انت إنسان تستحق بجدارة إنك تكون المغفل الوحيد في الليلة دي كلها، اللي مجرد ست قدرت تلعب بيه وتدمر حياته بالشكل ده." كانت وعد تستمع إليه وهي تبكي بحرقة على حال حبيبها.
أما شاهي فقد أخذت حقيبتها وانسحبت بهدوء، لا تريد شيئًا بعد الآن، فقد حصلت على مبتغاها، لذا ليست خاسرة بعد تلك المواجهة. تابع سليم: "ودلوقتي اتفضل، لأن وجودك غير مرغوب فيه." *** في منزل خليل، وقفت أسيل حائرة وقد طلب منها خليل أن تظل معه حتى عودته. كيف يطلب منها ذلك وهو يعلم حقيقة ما حدث منها؟ زدردت أسيل لعابها بوجل وتمتمت برهبة: "بس حضرتك مش هقدر أتأخر عن البيت فترة طويلة و... قاطعها خليل برجاء:
"عارف إنه صعب، بس مش هقدر آمن حد غيرك يبقى في البيت لحد ما أرجع، واوعدك إني هرجع في أسرع وقت." كان داغر يستمع لعمه وهو يضغط على الملعقة بغضب، فتمتم بغضب: "عمي... تطلع خليل لأسيل: "طيب اتفضلي انتِ دلوقتي." أومأت له وذهبت، تاركة ذلك الذي يزم فمه بحنق. سأله خليل: "في ايه؟ رد داغر بانفعال: "انت اللي في ايه يا عمي، انت هتترجاها عشان تقعد مع ابنك الصغير لحد ما ترجع؟
"لأ مش بترجاها عشان تقعد معاك، بترجاها عشان تفضل في البيت، ملهاش أي علاقة بجنابك." مسح داغر بيده على وجهه وقال باحتدام: "برضه متترجاش حد." لم يريد خليل الجدال معه، لذا تحدث بهدوء وهو ينهض: "تمام، أنا ماشي دلوقتي، وبلاش أسلوبك المستفز معاها، البنت دي ممرضة مش خدامة حضرتك." تنهد داغر بتعب وقال بروية: "حاضر، حاجة تاني؟ أخذ هاتفه ومفاتيحه: "خلي بالك من نفسك."
تركه وخرج من المنزل، مما جعل داغر تتيح له الفرصة كي ينتقم برتابة استعداداً للانتقام الأكبر. خرج خليل من المنزل فيجدها منتظرة في الحديقة، ويبدو عليها الارتباك. وفور رؤيته أسرعت إليه قائلة: "حضرتك ازاي عايزني أفضل معاه لوحدي، مستحيل أوافق." تعاطف خليل معها وقال بهدوء: "انتِ خايفة من ايه؟ تفتكري واحد في ظروفه دي هيقدر يعمل حاجة؟ ارتعشت أوصالها للذكرى وتمتمت برهبة:
"مش هيقدر، بس أنا كمان مش هقدر أفضل معاه في مكان واحد، ده إنسان... قاطعها خليل بحزم: "لازم تقدري عشان نكمل الخطة اللي اتفقنا عليها، وبعدين انتِ لازم تقدري وضعي أنا ده، مهما كان ابني ومش هقبل أبداً بأي حاجة تأذيه أو حتى تأذي مشاعره." فركت يديها ببعضها تحاول السيطرة على رجفتهم: "اللي انت بتطلبه مني ده صعب أوي أوي."
"واللي برضه بترفضيه ده صعب أقبله، ده حفيدي اللي بتلعبوا بمستقبله ده، طالما مش عايزاه يعرف يبقى لازم تنفذي اللي اتفقنا عليه." رمشت بعينيها وقد انتابها الخوف من القادم: "بس... بس... أنا خايفة." طمئنها خليل بثقة: "قلتلك أنا معاكِ متخافيش، وبعدين دي الطريقة الوحيدة اللي نقدر نثبت بيها إياد، وكمان تكون معاكِ قسيمة جواز لو حبيتي تكملي حياتك مع حد تاني." لاحت ابتسامة مغمزة بالمرارة وهي تتمتم: "حد تاني؟
أنا خلاص مبقتش أنفع لحد تاني ولا تالت." تأثر خليل بحالتها: "والله يا بنتي أنا مش عارف أقولك إيه، بس اللي واثق منه إن داغر مش كده أبداً، واللي واثق فيه أكتر إنه حقيقي بيحبك." تنهد وتابع: "على العموم أنا هسافر أخلص الإجراءات والأوراق اللازمة وهرجع على طول." أومأت له مرغمة، واستقل خليل سيارته وانطلق بها.
أما هي فقد وقفت تراقب ابتعاد السيارة وهي تخرج من البوابة الكبيرة، ثم أغلقت خلفه. وأمامها هي أيضاً، الآن أصبحت وحيدة معه، ماذا ستفعل لو انعاد من جديد؟ استدرت لتعود للداخل وهي تفكر، هل ما تفعله خطأ أم صواب؟ وإن كان ذلك، هل هو بهذه السذاجة حتى يتركها تهرب بفعلتها بعد أن يبصر ويعرف الحقيقة؟ ماذا إن عرف أن له طفل منها وقد فعلت تلك اللعبة لتسجله وتهرب به؟ ماذا إن حلقها حتى علم بمكانه؟ ماذا ستفعل حينها؟
تعبت من التفكير وقررت أن تثق في عمه كما طلب منها، ودلفت للداخل فوجدته جالساً في البهو وعينيه مصلبة على الفراغ أمامه. لا تعرف لماذا حزن قلبها على حاله. سمحت لنفسها أن تتطلع إليه وإلى ملامحه الواجمة، بل المخادعة، والتي ظهرت الآن على حقيقتها. حقيقة واحدة فقط، وهي أنها عشقت من قام بذ.بحها حد الجنون. قد تكون مشاعر متضاربة ما بين سخط عليه وبين حزناً على مصابه. وكلاهما مشاعر تؤكد شيئاً واحد لا غيره.
أنها في النهاية هي مازالت تعشقه. "هتفضلي واقفة بصالي كده كتير؟ بوغتت أسيل بسؤاله واندشت كيف باستطاعته معرفة مكانها، والأدهى كيف علما أنها تنظر إليه. تقدمت منه تسأله بثبات يتنافى تمامًا عما بداخلها من خوف: "عايز حاجة أعملها؟ قال بفتور وهو يضع قدم فوق الأخرى: "السجاير فوق، هاتيها." أومأت له رغم استيائها وصعدت لغرفته لتأتي بها، لكنها توقفت مكانها عندما عاد إليها الدوار وشعرت بأن المكان يلتف بها.
تحاملت على نفسها وأخذت تبحث عنها حتى وجدتها على المنضدة. ازداد الألم أكثر حتى كادت تسقط أرضاً عندما هاجمها بقوة، فأسرعت بالجلوس على الفراش وأخذت تتنفس بصعوبة من شدته. شعرت ببوادر نوبتها، لكنها قاومت. عليها أن تظل يقظة، هي وحيدة وستكون صيدة سهلة بالنسبة لها. أخذت تنظم أنفاسها الثقيلة وتحاملت على نفسها ونهضت مترنحة، لكن سقطت العلبة من يدها. همت بالميل عليها لتلتقطها، لكنها كلما فعلت ذلك كلما اشتد عليها.
فقد أصبح في الآونة الأخيرة يتكرر معها هذا الأمر. تحاملت على نفسها أكثر وخرجت بها من الغرفة. ترجلت الدرج بأقدام متعثرة، والرؤية مشوشة، لكنها تجاهد كي تبقيها واضحة. توجهت إليه لتناوله إياها وهي تتمتم بتيهة: "اتفضل." أخذها داغر وقام بإشعال واحدة منها، ينفث دخانها ببزخ، وسألها: "كنتو عايشين فين قبل ما تسكنوا هنا من سنتين؟ بغتت بسؤاله وقد اشتد الألم برأسها وردت بثبوت: "كنا عايشين في القاهرة." سعلت عندما وجدته ينفث
الدخان من قربها وعاد يسأل: "رجعوا ليه؟ استندت على المقعد عندما هاجمها الدوار مرة أخرى وحاولت الرد برتابة كي لا يشعر بشيء: "عادي زي أي حد بيرجع لبيته." افترى فمه عن ابتسامة ساخرة وقال بتهكم: "غريبة." "هو إيه اللي غريب؟ نهض بعد أن ألقى السيجارة على الأرض ودعسها بقدمه: "أصل أنا برضه عملت كده، بعد ما قلت مش راجع تاني لأن مبقاش ليا حد هنا، بس الحنين اللي رجعني غصب عني." سار بخطوات ثابتة حتى وصل للشرفة الزجاجية وتابع:
"صحيح مش شايفها بس حاسسها، كل حاجة حواليا ريحتها بتفكرني بذكريات سعيدة عشتها هنا في البيت ده، بس رغم كده تركت ندوب مستحيل حاجة تمحيها." "عرفت إني غلطت غلط كبير أوي لما رجعت." كانت تستمع إليه بحيرة لا تفهم ماذا يقصد. هل ضحية أخرى غيرها أم يقصدها هي ويعاتبها على ابتعادها بعد ما فعله؟ فقالت بمغزى: "بس ذكريات السعادة عمرها ما بتترك ندوب طالما حافظنا عليها." ابتسم بسخرية واستدار إليها قائلاً:
"عندك حق، بس لو رفضنا دخولها حياتنا من الأول كانت حاجات كتير أوي اتغيرت، ويمكن مكنتش اتعميت ولا سبت شغلي." "يعني وجود السعادة دي في حياتي كان أكبر خطأ." عاد الألم يقتحم رأسها بقوة فلم تعد تستطيع الثبات أكثر من ذلك. كم تود الاستلقاء الآن، لكن هي تعلم جيدًا بأنه لن يتركها، لذا تحاملت على نفسها وسألته: "تحب تأكل إيه على الغدا؟ "هي الساعة كام دلوقتي؟ تطلعت في ساعتها وردت: "الساعة أربعة." تحدث وهو يجلس على المقعد:
"أي حاجة، مش هيفرق النوع كله أكل في الآخر." *** اخفضت وعد عينيها عندما رمقها حسين بسخط يليه توعد. لكن يد سليم التي دعمتها جعلتها تخفي وجهها بحضنه. هانتفضت بوجل عندما قام بصفق الباب بقوة. لكنه شدد من احتضانه لها وتمتم بشغف: "متخافيش، ده كابوس وانزاح خلاص." رفعت وعد عينيها إليه وتمتمت بخوف: "خايفة يبعدنا عن بعض." ملس بأنامله على وجنتها وتمتم بثقة:
"ولا الدنيا كلها هتقدر تفرقنا عن بعض، شاهي أهم حاجة عندها إنها خلصت مننا، ميفرقش إحنا فين ولا عملنا إيه." "أما هو مبقاش يهمني في حاجة." تطلع إلى عينيها وتمتم بقوة: "إنتِ مراتي غصب عن الجميع، ومفيش حاجة في الدنيا هتغير ده، فاهمة؟ أومأت له بصمت ثم عادت تختبيء داخل أحضانه. في أحد الفنادق، جلست شاهي وهي تضع قدم فوق الأخرى تهزها بكل أريحية. تراقبه وهو يزرع الغرفة ذهاباً وإياباً بغضب عارم.
واستطاعت ببراعة نفي تلك التهمة التي اتهمها بها سليم. لا يهمها سوى أنها تخلصت أخيراً منهم وبدون عودة. فقالت بفتور: "وبعدين يا حسين هتفضل رايح جاي كده ما تهدى بقا." زم فمه بغضب ثم تحدث بحنق: "ابني أنا يتجوز خدامة؟ أقول للناس إيه؟ تلاعبت بأظافرها وهي تجيب: "ولا حاجة، هي الناس أصلاً هتعرف منين." نهضت لتتقدم منه وتضع راحتيها على كتفه لتنفث سمها:
"أنا كل اللي مخوفني إن كل أملكانا تروح لبنت الملاجئ، والاقيها واقفة قصادي في يوم من الأيام وتقولي إنها ليها زي ماليا وتعمل راسها براسي، ووقتها اللي ميعرفش هيعرف." قطب جبينه بحيرة وتابعت هي: "أنا بفكر لو ده حصل هنعمل إيه في الفضيحة دي وهنلمها إزاي، وخصوصاً إن البنت دي كانت بتظهر قدام الناس على إنها الخدامة بتاعتنا." "فالحل هنا في إيدك." ضيق عينيه مستفهماً: "تقصدي إيه؟
"أقصد إن سليم مبقاش بتاع زمان اللي ماشي على نهجك، ده بقى واحد تاني خلاص، وبكرة هيكون زي الخاتم في صباع بنت الملاجئ، وبعد عمر طويل لك هتلاقيها جاية تطالب بحق جوزها، فـ انت مش قدامك غير حل واحد... "هو إنك تكتب وصية إن كل حاجة هتتكتب باسمي." تطلع إليها بشك وسألها: "وأنا إيه اللي يخليني أعمل كده وأحرم ابني؟ هزت كتفيها بلؤم وهي تبتعد قليلاً لتوليه ظهرها كي لا يرى الخبث بعينيها:
"ابنك واديته الفرع اللي أسسته هنا وهو كبره ودخل بيه شراكة مع شركة أكبر، وده طبعاً مش هنتكلم فيه." استدارت إليه وتابعت: "بس اللي هنتكلم فيه تاني وتلات هو الفيلا الكبيرة اللي والدي ووالدك الله يرحمهم عاشوا مع بعض فيها، فمتجيش واحدة تربية ملاجئ تقف قصادي وتساوي راسها براسي وتقولي أنا ليا في الفيلا دي زي ما ليكِ ولا إيه." أقنعته بدهاءها فقال موافقاً: "خلاص أول ما ننزل مصر هكتبلك الفيلا باسمك."
عادت شاهي لتجلس على المقعد باسترخاء، وتركته هو بصدمته. *** استيقظت هايدي لتلاحظ أن الغرفة معتمة إلا من إضاءة خافتة. شعرت بشيء يجثم على يدها فتطلعت بوهن إليه، فتجده نائماً على المقعد مستنداً برأسه على يدها. رق قلبها له، لكن مازال ذلك الجرح تركه حيٌ في القلب لا يندمل. تعلم جيداً بأنه ما فعل ذلك إلا لأجلها، لكن أن يجبرها على فعل ذلك قطع الخيط الوحيد بينهم والذي عملت كثيراً على الحفاظ عليه.
نعم مازالت تعشقه وتهيم به، لكن لن تعود إليه حتى تشفى جروحها منه. حاولت سحب يدها بروية كي لا تقلقه، لكنه شعر بها ورفع رأسه إليها بنعاس وسألها بقلق: "حبيبتي انتِ كويسة؟ هزت رأسها بإيماءة خفيفة ولم تجب. تطلع إليها لحظات يرجوها فيه أن تغفر، ثم تمتم بغصة: "نروح بيتنا؟ أشاحت بوجهها بعيدًا عنه، وقد كان الصمت أبلغ من الكلام، لكنه لم ييأس وسيتحمل كما تحملت هي من قبل. فقال برجاء:
"البيت وحش أوي من غيرك انتِ والولاد، محتاجلك أوي يا هايدي، ارجعي عشان خاطري." أغمضت عينيها بألم ثم تمتمت بوهن: "مش هينفع، لأني مبقتش هايدي بتاعت زمان، مش هقدر أقدم تنازلات زي الأول ولا... قاطعها بإصرار: "مش عايز تنازلات، انتقمي مني زي ما انتِ عايزة، بس وانتِ في حضني، مش بعيد عني." هزت رأسها بألم شديد وقالت: "قلتلك مش هينفع." رد بإصرار نبع عن صدقه:
"هينفع وهعوضك عن كل جرح ألمتك به من غير ما أحس، بس ارجوكِ ارجعي، لأن فراقك والموت واحد." أخذت نفس عميق تهدئ به من روعها: "جيت متأخر يا حازم، لو كنت سمعت منك الكلام ده قبل ما يحصل اللي حصل ده كان زماني أسعد واحدة في الدنيا، بس للأسف اتأخرت أوي." تحدث بتخبط: "مش متأخر، بس أنا مكنتش أتخيل إن الحياة من غيرك هتكون صعبة أوي كده." ابتسمت بمرارة:
"ودي غلطتي، فضلت أقدم وأتنازل لحد ما خليتك متحدش بأي اشتياق، ولما حسيت به كانت كل حاجة انتهت." غمغم برجاء أقرب للتوسل: "منتهتش يا حبيبتي، أنا هصلح كل حاجة وهعوضك عن كل اللي استه معايا." تطلعت إليه برجاء: "أرجوك يا حازم، سبني أرجع برغبتي، بلاش تضغط عليا، وأنا إن لقيت أي أمل لعلاقتنا هرجع معاك، بس بلاش تضغط عليا دلوقتي أرجوك." أومأ لها مجبراً كي لا يضغط عليها الآن. وبعدها سيفعل المستحيل كي تعود إليه. ***
مر اليوم بطيء وطلباته لا تكل حتى ازداد التعب عليها. وضعت القهوة أمامه وهي تقول بضجر: "حاجة تاني؟ تحسس داغر علبة السجائر فوجد أنها قد فرغت: "اه، هاتي علبة السجاير التانية من أوضتي، وبعدها ممكن تدخلي ترتاحي شوية." أسدلت أسيل جفنيها بوهن وقد طفح بها الكيل منه. بمجرد أن تحركت خطوة واحدة، زاد التعب عليها. تمالكت نفسها وصعدت الدرج، لكنها شعرت بعينيها تهتز علامة على بوادر أزمتها، لكن تلك المرة تختلف عما قبلها.
حاولت تنظيم أنفاسها كي تمر تلك الأزمة، لكنها حقاً مؤلمة. اشتد الدوار عليها حتى لم تتمكن من الوصول إلى درابزين الدرج لدعمها، وألم رأسه يفوق التحمل مع رغبة ملحة في التقيؤ. همت برفع قدمها للوصول للأمان بآخر درجة، لكن قبل أن تخطوها قام الظلام بخطفها بعيداً، لتفقد الوعي، فانزلقت قدماها وتدحرج جسدها على الدرج حتى انهارت على الأرضية الصلبة بلا حراك. انقبض قلب داغر عندما سمع ارتطام شيء ما بالأرض فنهض بقلق وهو يسألها:
"في حاجة؟ لم يجد رد سوى الصمت. مما جعل قلبه يهدر بعنف، ما الذي حدث؟ انتبه لآهة خافتة واختفت بعدها. ازدادت وتيرة دقاته بخوف وتحركت قدماه يبحث عنها، لكن تاهت الأماكن من ذهنه ولم يعد يميز الخطوات. زاد الخوف بداخله فعاد نداءه: "في حاجة وقعت؟ لم يجبه سوى الصمت وضربات قلبه التي ازدادت وتيرتها. بخطوات متعثرة اخذ يتحسس الطريق إلى الدرج وقد تاه كل شيء من ذاكرته.
لا يعرف كيف الوصول إليه، ولا يعرف إن كان الطريق إليه فارغ أو أمامه أساس. فناداها ربما تجيبه: "أسيل." تمتم باسمها وقلبه ينفطر خوفاً عليها. ماذا حدث لها؟ لما لا تجيبه؟ هل تآذت؟ هل أصيبت؟ خلع حذاءه كي يستطيع تمييز الطريق وسار بأقدامه العارية على الأرض الباردة يتحسس الأماكن. كان يشعر بالتشتت وكأنه يسير في ذلك المنزل لأول مرة. وأخذ يلعن ذلك العمى الذي جعله بذلك العجز.
أخذ يلعن ويلعن عجزه وهو يتخبط في كل ما يقابله، لا يعرف أين وجهته إلى الدرج. حاول وحاول لكن يتوه في الأروقة ولا يعرف كيف يصل إليها. أغمض عينيه بشدة ثم فتحها على أمل الإبصار كما قال له الطبيب، لكن لا فائدة. فليعود فقط ولو لدقيقة واحدة يراها ويطمئن عليها. لكن تبوء محاولته بالفشل. سقط على ركبتيه عندما تعثر في أحد المقاعد الجانبية.
فازداد شعور العجز بداخله وأراد أن يصرخ في تلك اللحظة بكل ما أوتيّ من قوة، لكن عليه أن يصمد كي ينتبه لخطواته ويصل إليها. نهض متثاقلاً ووقف على قدميه وأخذ يتذكر الأماكن. يعلم أن عمه كان بتغيير كل شيء كي يسهل عليه الطريق، وحتى لا يعرف أين هو الآن. عاد يخطو بخطوات حذرة حتى استطاع أخيراً الوصول إلى الدرج. ازدرد جفاف حلقه عندما لامست قدمه العارية يدها الملقاة على الأرض.
جثا مسرعاً على ركبتيه ورفع ظهرها مسنداً إياها على قدمه، ثم أخذ يتحسس وجهها وهو يناديها بخوف: "أسيل انتِ كويسة؟ انقبض قلبه أكثر عندما شعر بمادة لزجة على جانب رأسها. لقد أصيبت وهو وحيد في المنزل. ماذا يفعل الآن؟ حاول الربت على وجهها: "أسيل فوقي يا حبيبتي." لم تجبه فازداد خوفه عليها مما جعله يحملها وينهض بها، لكنه وقف عاجزاً. هو لم يعد يميز الطريق ولا يعرف كيف يتحرك وهو يحملها.
أغمض عينيه وقد تجمعت الدموع بها عندما عاد بها إلى الأرض محتضناً إياها بقوة. ليس بوسعه فعل شيء، هو لا يستطيع مساعدة نفسه كي يساعد غيره حتى لو كانت حبيبته. بكى كما لم يبكي من قبل. وسمح لنفسه أخيراً بالانهيار. ينهار ببكائه كما انهار كل شيء من قبل. خسارة تليها خسارة وألم يفوقه ألم، هذه هي حياته. الآن فقط بأمكانه أن يبكي ويصرخ، ليس على حاله فقط بل على حبيبته التي تقبع بين يديه ولا يستطيع فعل شيء لها.
رن هاتفه الذي أعلن عن اتصال من عمه. لا يعرف ماذا يفعل. يستطيع الوصول للهاتف وهو متتبع صوته، لكن لن يستطيع العودة إليها. ولن يجازف ويعرضها للخطر وهو يحملها إليه. أغمض عينيه وقد عاد الألم إليه بقوة. ألم يفوق ما شعر به في الصباح. لكن عليه أن يتحمله كي ينجد حبيبته. بصعوبة بالغة قام برفع جفنيه، فتهتز أوصاله عندما لاحظ ذلك الضوء الواهن يعود من جديد.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!