انقبض قلبه بخوف، وازداد الألم بعينيه عندما أغمضها سريعًا إثر رؤيته لذلك الضوء. يخشى أن يكررها وتفشل مثل سابقتها. ارتعشت أوصاله، وتحلى رغم خوفه بالشجاعة عندما ضغط على عينيه. ماذا إن فتحها ولم يرى؟ تضرع إلى ربه ألا يخذله تلك المرة، وقام بفتحها ببطء. فتتضح الرؤية شيئًا فشيئًا أمامه، وبدأ ذلك الظلام الدامس يتلاشى. ازدرد لعابه بصعوبة، وقد أخذ وجهها يظهر بروية. رويدًا رويدًا أخذت تتضح أكثر حتى ظهرت أمامه.
هل ما يعيشه حلم أم حقيقة؟ هل عاد نظره كما عادت حبيبته؟ أم كل ذلك مجرد أوهام. تطلع إليها بحب، وعيناه ترمقها بنظرات تحمل بين طياتها الكثير والكثير من العتاب. قطب جبينه بألم وهو يراها أخيرًا بعد ذلك الشقاء. سقطت دمعة منه على وجنتها، محاها هو بأنامله وبكل رقة، كأنه يعتذر لها على حدتها.
حملها وصعد بها الدرج، رغم أن الرؤية لم تتضح بقوة، لكنه مكتفٍ بها، لا يريد أكثر من ذلك. يكفي أنه يراها بعد مرور تلك الأعوام التي نحرته بدون رحمة. قربها أكثر من صدره وهو يصعد الدرج بخطوات مهتزة. يخشى عليها من السقوط. دلف غرفته ووضعها على الفراش بروية. حلم كثيرًا بتلك اللحظة الذي يحملها ويضعها على الفراش كما فعل الآن، لكن ليس هكذا ولا في مثل تلك الظروف.
أدار رأسها حتى يرى الجرح، لكن اطمأن قلبه عندما لاحظ أنه سطحي وبسيط. فتح الدرج بجوار الفراش وأخرج منه قطن ومعقم، وأخذ يعالجه. أعاد كل شيء في موضعه، وجلس على الفراش بجوارها يتطلع إليها بمشاعر متضاربة. تارة بحب، وتارة عتاب، وتارة بلوعة، وأخرى بإدانة، تلاها اشتياق وكمد. كل المشاعر المتناقضة تجمعت بداخله. لكن قلبه لا يبالي بكل ذلك، وأعلن بأن عشقه هو المنتصر الوحيد في تلك المعركة، وأنه ما زال عاشقًا لمعذبته.
شعر بالقلق عندما لم تعد لوعيها، فنزل للأسفل كي يبحث عن هاتفه، ثم اتصل بيحيى الذي عاد لتوه إلى منزله. "أيوه يا داغر عامل... قاطعه داغر: "أيوه يا يحيى، هات دينا وتعالى دلوقتي." دلف يحيى شقته وأغلق الباب خلفه قائلًا: "دلوقتي إيه؟ أنا لسه راجع من السفر." تحدث داغر بضجر: "يا ابني عايزها دلوقتي... قاطعه يحيى بغيظ: "وأنا مالي يا عم، بقولك لسه راجع، متشوف دكتور غيرها. دا أنا بقول عليك دماغ وبتفهم. بس قولي الأول عايزها ليه."
رد داغر باقتضاب: "لما تيجي هتعرف." أغلق داغر الهاتف دون أن يستمع رده، وصعد إليها، وما زال لا يصدق ما حدث معه حتى الآن. فتح درج المنضدة وأخرج منها نظارة سوداء وقام بارتدائها. عليه أن يظل ذلك الأمر في طي الكتمان حتى يعرف الحقيقة أولاً. ظل يتطلع إليها وهو لا يصدق أنها عادت إليه أخيرًا. لقد ظنت أنه لم يعرفها، ولا تعرف أنه يراها بقلبه لا بعينيه. لا يحتاج لنظره كي يعرفها.
رن هاتفه، وكان المتصل يحيى. أجاب مسرعًا: "أيوه يا يحيى، انت فين؟ "أنا تحت، انزل افتحلي لأني بخبط محدش بيرد." أغلق الهاتف ونزل لأسفل ليفتح لهم. سألته دينا بقلق: "خير يا داغر، في إيه؟ انت كويس؟ رد داغر بثبوت وهو يتظاهر بالعمى: "مش أنا اللي تعبان." سأله يحيى بقلق: "يا ابني في إيه، طمنا. مين تعبان." "خليك هنا، أنا راجعلك حالاً."
صعدت دينا معه حتى وصلت لغرفته، وحينها توقف قائلًا: "أسيل جوه، وقعت من على السلم ومن وقتها وهي فاقدة الوعي. ادخلي طمنيني عليها." قطبت جبينها بحيرة: "أسيل؟! أومأ لها: "أيوه أسيل. واجل أي استفهامات دلوقتي لأن أنا معنديش إجابة ليها. طمنيني بس." أومأت له بتعاطف ثم دخلت الغرفة. ووقف هو منتظرها بوجوم، وعينيه الغائمة تنظر إلى الفراغ أمامه. كل ما يشغله هو ما تخفيه وراءه. ماذا حدث بعد أن ذهبت معه إلى القاهرة؟
لما فجأة غاب عن الوعي ولم يفق إلا في المستشفى ضريرًا؟ وهي لما تركته؟ ولما قامت بتغيير اسمها؟ هل هربت من أهلها وتخفت بذلك الاسم؟ وحازم أيضًا، ما دوره بحياتها؟ انتبه فجأة على صوت دينا وهي تستنجد به: "داغر، تعالى بسرعة." دلف داغر مسرعًا، وقد توقف قلبه عن النبض عندما وجد جسدها متشنجًا بصورة تدعو للذعر. لم يبالي بشيء سواها، وأسرع إليها يسألها: "في إيه، مالها؟ تناست دينا عماه
في تلك اللحظة وقالت بقلق: "معرفش، أنا فجأة لقيت جسمها بيتشنج كده. حاول تسيطر على الرجفة لحد ما أديها الحقنة دي." اهتزت نظراته ومشاعر كثيرة متضاربة، ما بين خوفه عليها ومشاعر ستحيا ما أن يلمسها. ازدرد لعابه بصعوبة، وقد ضغط على قبضته يحاول التماسك وألا يضعف حين يلمسها. تنهد براحة عندما هدأ جسدها وتوقف نشيجه. لكنها مصرة ألا ترحمه: "إيه يا داغر، بقولك إمسكها عشان أديها الحقنة دي."
اهتزت نظراته، وبيد مرتعشة تقدم منها، يضغط على كتفها كي يسيطر على رجفتها. وقد حدث ما كان يخشى منه، لكنه حاول السيطرة على مشاعره وانشغل مع دينا بالتحكم في حركتها حتى تنتهي من حقنها. قالت دينا براحة عندما هدأ جسدها: "الحمد لله عدت على خير." خرجت معه من الغرفة وهي تقول: "التشنجات اللي حصلتلها دي ملهاش علاقة بالوقعة، لأنه باين أنه مرضي. لازم تعرضها على تخصص مخ وأعصاب."
هز رأسه لها، ولم يستطع الرد من شدة الخوف التي تملكت منه. هم بتوصيلها، لكنها منعته: "أنا عارفة الطريق، خليك بجانبها لأنها هتفضل نايمة للصبح." أومأ لها، وذهبت لزوجها الذي سألها: "أومال داغر فين؟ "تعالى نروح وأنا هحكيلك كل حاجة." ***
عاد داغر للغرفة، وضربات قلبه تهدر بقوة. كانت كل خطوة تقربه منها تزيد من وتيرته. ولما لا وهو يراها بعد عامين وأكثر من الشقاء. كانت نائمة في سكون، وذلك الضوء الخافت بجوارها يضفي عليها سحرًا ألهم مشاعر ظن أنه تناساها. لكن يبدو أنها كانت خامدة لا أكثر، وقد عادت لتثور من جديد.
جلس على حافة الفراش وهو ما زال لا يستوعب ما حدث. عاد نظره وكذلك هي، لكن بينهم أسوار لا يمكن تخطيها. بيد مترددة وأنامل ترتعش، رفع أنامله إلى وجهها، يرفع عن عينيها تلك الخصلة التي عانى كثيرًا من تمردها. وعاد معه العذاب بأشده عندما تحسس ملمسه الناعم. وبدون إرادته، ترجلت أنامله رغماً عنه على وجنتها الرخوة، يتحسسها بشوق وحنين. أغمض عينيه عندما هاجمته تلك المشاعر وعادت من جديد تأرقه كما أرقت لياليه وجافت النوم عنه.
كم حلم بتلك اللحظة التي يراها بها على فراشه. قد جاءت، لكن ليس كما أراد، بل مرغمة. شعر برغبة ملحة بالاستلقاء بجوارها، ولم يستطع الوقوف والاعتراض أمام قلبه الذي عانى من ويلات العذاب، لذا أراد أن يريحه قليلًا. استلقى بهدوء ووضع ذراعه أسفل رأسه، يتأمل تلك الملامح التي عشقها حد النخاع. يتساءل ماذا سيفعل بعد أن عاد إليه بصره؟ هل يخبرهم ويواجهها بالحقيقة؟
أم يتريث قليلًا حتى يعرف كل شيء بنفسه. ظل يفكر حتى وصل لقرار جعله يغمض عينيه باستسلام وينام بجوارها. *** في غرفة سليم. رفعت وعد رأسها عن صدره وتطلعت إليه، فتجده متظاهرًا بالنوم. نادته بخفوت: "سليم." "امم." عادت برأسها على صدره وتمتمت: "ندمان؟ قطب جبينه بحيرة: "على إيه؟ "إنك اتجوزتني."
أبعدها عنه قليلًا ليستلقي على جانبه وينظر إليها قائلًا: "شوفي عشان منتكلمش تاني في الموضوع ده. أنا اخترتك بإرادتي، ولو رجع بيا الزمن كنت اتجوزتك في اليوم اللي قلبي حبك فيه. مكنتش هستنى المدة دي كلها. لا أبويا ولا أي حد في الكون ده هيخليني أندم لحظة واحدة إني اتجوزتك. خليكي واثقة من حاجة زي دي لأني مش بحب أكرر كلامي، فهمتي؟ "أنا خايفة عليك، الست دي مش سهلة وخايفة تأذيك." ملس بابهامه
على وجنتها وقال بثقة: "شاهي كل اللي يهمها الشركة والفلوس وبس. أي حاجة تانية مش هتفرق معاها، لا جوازي ولا اللي حصل مع أسيل. كل اللي يهمها إنها تبعدنا وخلاص، وطالما بعدنا مش هيفرق معاها حاجة. الشركة مكتوبة باسمها والفيلا مبقاش حد فيها غيرها، ومظنش إننا هنرجعها في يوم من الأيام، يبقى كل حاجة أصبحت ملكها." أبعدها عنه لينهض قائلًا: "بما إننا واخدين إجازة النهارده، إيه رأيك نخرج ونقضي الليلة في فندق."
هزت رأسها بإيماءة تحمل سعادة الدنيا بداخلها، لكن نظراته تحولت لمكر وهو يحملها قائلًا: "أنا بقول نخلينا في الأوضة أحسن." ضحكت وعد ليكتم ضحكتها بفمه الذي التهم فمها بكل الحب الذي يحمله لها. *** استيقظت أسيل في الصباح على ألم شديد برأسها. فتحتها بتثاقل، فتتفاجئ عينيها بوجودها في ذلك المكان. نهضت مسرعة، فينقبض قلبها عندما وجدته نائمًا بجواره. ماذا حدث؟ وما الذي جاء بها إلى هنا؟
تأكدت من ملابسها قبل أن تنهض مسرعة وتخرج من الغرفة. وضعت يدها على قلبها تهدئ من نبضاته وهي مستندة بظهرها على الباب. هل غابت عن الوعي مرة أخرى؟ كل ما تتذكره صعودها على الدرج وألم شديد اجتاح رأسها. وضعت يدها مكان الألم، فتجد إصابة صغيرة خلف رأسها. لابد أنها سقطت على الدرج عندما جاءتها نوبة الإغماء. لكن من الذي جاء بها إلى غرفته؟ هو لن يستطيع فعله. من إذاً؟ ولما غرفته بالأخص؟
تذكرت طفلها وأمينة التي لابد أنها قلقت عليها. أسرعت للمطبخ كي تبحث عن هاتفها، حتى وجدته على الطاولة. أسرعت بفتحه، فتجد اتصالات كثيرة من أمينة، فقامت بالاتصال عليها. "إنتي فين يا أسيل ومش بتردي ليه؟ ردت أسيل باعتذار: "غصب عني والله، حالة الإغماء جانتني تاني ومفقتش غير دلوقتي." "اوعى يكون... قاطعتها أسيل بثقة: "هيعمل إيه يعني وهو بظروفه دي. أنا مش هقدر أرجع دلوقتي غير في ميعادي، متقلقيش عليا، خلي بالك من إياد."
أغلقت الهاتف قبل أن تعترض أمينة. وهمت بالخروج، لكنها تسمرت عندما وجدته أمامها. *** دلف خليل المصنع الذي تولى إدارته، وشعور عجيب يكتنفه. هو لا يريد ذلك العمل، لكن وافق لأجل من استغاثت به. جلس على مقعده وتحدث بثبوت لمديرة مكتبه: "الأول، اسمك إيه؟ ردت المديرة بابتسامة مجاملة: "شروق يا فندم." "طيب يا شروق، عايزك تجمعيلي كل الملفات الموجودة حاليًا واتصلي على مدام سيلين خليها تجيني دلوقتي." "حاضر يا فندم، تؤمر بحاجة تاني؟
"لأ، اتفضلي انتِ." خرجت المديرة وعادت بعد قليل وهي تحمل مع الساعي الملفات التي طلبها، ووضعتها على الطاولة: "اتفضل، دي كل الملفات الموجودة حاليًا. وفي ملفات تانية في الأرشيف تحت لو احتجتها بلغني وأنا ابعت أجيبها لحضرتك." نهض خليل من مكتبه وتقدم من الملفات وهو يقول بثبوت: "طيب اطلبيلي فنجان قهوة، ومتدخليش حد لأي سبب، ولما مدام سيلين تيجي دخليها."
أومأت المديرة وخرجت من المكتب. ارتدى نظارته وبدأ في تصفح الملفات بدقة متناهية. واندهش من تلك الثغرات التي كانت تمر دون أن يهتموا بها. هل ذلك عن عمد أم أنهم لم يكونوا بخبرة كافية لإدارة مثل تلك المشاريع؟ طرق الباب ودخلت شروق وخلفها سيلين: "السلام عليكم." خلع نظارته ليضعها على الطاولة أمامه ورد بترحيب: "وعليكم السلام، اتفضلي." تطلع إلى شروق وقال: "شوفي مدام سيلين تشرب إيه." رفضت بتهذيب: "لأ، متشكرة أوي."
أومأ لها بالانصراف، ثم تطلع إلى سيلين قائلًا: "واضح أوي إن كان فيه تلاعب جامد أوي في المصنع. ومنها مشاريع تقدري تقولي عليها وهمية، ونصب واحتيال كتير. يعني مصنع زي ده مكنش ينفع يكون بإدارة ضعيفة زي دي." خفضت عينيها بحزن: "للأسف في الفترة الأخيرة محمد كان تعبان أوي وكان سايب الشركة أغلب الوقت للموظفين، وخصوصًا بعد سفر ولاده وتخليهم عنه." عاد
بظهره للوراء وتمتم بجدية: "على العموم، أنا عندي عرض يمكن يكون كويس ليكي لو وافقتي عليه. هيكون منفعة ليا وليكي، ولو معجبكيش في غيره مرضي برضه ليكي." انتبهت لحديثه وسألته: "اللي هو إيه؟ رد بثبوت: "هدفع مديونية البنك وهكون شريك معاكي. وإن رفضتي هفضل برضه معاكي، وفي خلال سنة إن شاء الله هكون سددت المديونية." تطلعت إليه بحيرة وسألته: "بس إنت إيه اللي يخليك تدفع مبلغ كبير زي ده في مصنع محتاج وقت ومجهود عشان يقف على رجليه؟
"شوفي عشان نكون واضحين من البداية. أنا لما قررت أسيب القضاء فكرت إني أفتح شركة صغيرة، وفعلاً كنت هبدأ أمشي في الإجراءات لحد ما حضرتك شرفتيني وحكيتيلي على ظروفك. ولما جيت واطلعت على الملفات لقيت إن المصنع ماشي كويس جدًا، بس لولا التلاعب اللي حصل فيه. أنا كان ممكن أقولك اشتغل عليه لحد ما أعوض الخسارة، بس البنك حطني هنا عشان أوقع المصنع أكتر مش عشان أوقفه على رجله من تاني، وممكن بكل سهولة يستبدلوني. وعشان كده عرضت عليكي العرض ده. ولو رفضتي ده مش هيغير أي حاجة وهفضل معاكي."
"وأنا معنديش أي مانع، بالعكس أنا مبسوطة أكتر بالعرض ده، ومن النهارده نكلم المحامي ونخليه يمشي في الإجراءات." "لأ، مش هنتسرع. خلينا نصبر ونشوف رد فعلهم إيه الأول." *** ازدردت جفاف حلقها عندما وجدته أمامها ويسألها بحيرة: "مين إياد ده؟ انقبض قلبها خوفًا وحاولت أن تكون ثابتة حتى لا يشك بأمرها، وقالت: "دا... ابن... أخويا." قطب جبينه بتذكر: "هو ده الطفل اللي كنتوا سايبينه لوحده وهو مريض؟ اهتزت
نظراتها بوجل وتمتمت برهبة: "آه هو، لأن مامته بتعدي تسيبه عندنا وهي رايحة المستشفى." كان يتابع ملامحها التي بان عليها الخوف من خلف النظارة، وهو لا يعرف لما. فقال بأمر: "اعملي فنجان قهوة وهاتيه على المكتب." "مش هتفطر الأول." تطلع إليها قليلًا ثم تحدث بروية: "هستنى عمي زمانه على وصول." تركها وسار اتجاه المكتب. أما هي فقد وضعت يدها على صدرها وتنهدت براحة. عاد رنين هاتفها، وكان تلك المرة عمه.
فتحت الهاتف لتجده يقول: "أنا في الجنينة بره، اطلعي." أغلقت الهاتف وتوجهت حيث ينتظرها خليل. وقفت أمامه وسألته بعتاب: "ليه حضرتك مجتش امبارح؟ تنهد خليل بتعب: "كان لازم أستنى لما الورق يخلص." أخرج من
سترته بعض الأوراق وتابع: "دي البطاقة وكل الأوراق اللي تثبت إنك أسيل حسين النعماني، وبرضه عملتلك جواز سفر زي ما اتفقنا. النهاردة هفاتح داغر في موضوعك بحيث إننا نكتب الكتاب آخر الأسبوع ده، وعلى يوم الأحد تسافري معاه ومنها لإيطاليا زي ما وعدتك." أخذت منه الأوراق وهي تقول بامتنان: "متشكرة أوي لحضرتك، بس أهم حاجة ابني."
رد بثقة: "متقلقيش، أنا بنفسي اللي هوصله لحد عندك بعد ما أسجله باسم أبوه، مع إني مش موافق على اللي بتعمليه." "أنا كمان مش موافقة حضرتك على اللي أصرت عليه، بس وافقت عشان خاطر ابني، ولولا كده مكنتش فكرت في يوم من الأيام أربط حياتي بواحد زيه بعد اللي عمله فيا." ما زال عقله لا يستوعب ما فعله ابن أخيه،
فقال بالتماس: "والله أنا لحد دلوقتي مش قادر أستوعب اللي شوفته، وبحاول أدور على أي عذر بس مش لاقي. على العموم، كل اللي يهمنا دلوقتي زي ما قولتي مصلحة الولد، وإنتي برضو هتكون معاكي قسيمة جواز." تبسم في وجهها وأردف: "يلا بقا جهزي الفطار لأني واقع من الجوع، وأنا هروح أغير هدومي وأفتح الموضوع مع داغر." كان داغر يشاهدهم من نافذة المكتب بعينين حائرة. ما الذي بين عمه وبينها حتى يتحدثا بعيدًا هكذا؟
وما هي الأوراق التي أعطاها لها؟ ارتدى نظارته سريعًا عندما وجدهم يدلفون المنزل. عاد ليجلس على المقعد وانتظر عودة عمه. أسئلة كثيرة بداخله يريد لها إجابة. بعد دقائق دلف خليل المكتب: "السلام عليكم." رد داغر وهو يحاول تثبيت نظراته التي تاقت لرؤية عمه: "وعليكم السلام، قلت راجع آخر النهار، رجعت تاني يوم." جلس
خليل على المقعد قبالته: "كنت بستلم المصنع يا سيدي، ومقدرتش أرجع إلا الصبح. حتى اتصلت عليك مردتش، قلت يبقى أكيد نايم." تذكر داغر أحداث الأمس، فظهرت ابتسامة لكنها حزينة: "كنت نايم فعلاً." "طيب أنا كلمت الدكتور امبارح واتفقت معاه على معاد العملية، يعني هنسافر خلال الأسبوع الجاي." توقف خليل عن الحديث عندما دلفت أسيل تقول بارتباك: "الفطار جاهز."
استطاع داغر أن يتطلع إليها بحرية من خلف نظارته، وقد رأى أخيرًا عينيها التي تاق لها عامين وأكثر. لكن لم تبقى كثيرًا وانصرفت، فتنصرف روحه معها. يبدو أن القادم أصعب بكثير.
جلس على السفرة مع عمه، وتقدمت أسيل لتضع الطعام في طبقه، فتهفو رائحتها تعطر دنيته. سقطت خصلاتها تحجب وجهها عنه، فتسلب قلبه منه عندما رفعتها لتضعها خلف أذنها بحركة عفوية منها. كانت تشرح له ما يحتويه طبقه، لكنه لم ينتبه لما تقوله، وغير مبالٍ سوى بتلك العيون الغادرة التي خدعته فيما مضى برقتها، وما زالت تفعل. تغيرت ملامحها كثيرًا، لكنها ما زالت بنفس الجمال الذي خطف أنفاسه منذ الوهلة الأولى. ونفس الملابس المحتشمة التي لا ترتدي غيرها. ابتعدت عنه، لكن ما زالت رائحتها تملأ جوارحه. لم يتخيل يومًا أن يغض نظره كما حدث الآن، فقد أعاد معه ضعفه أمامها، ولن يستطيع مجابهة ذلك القلب الغادر الذي ما زال عاشقًا لها.
أخرجه من شروده صوت عمه: "ها، قلت إيه؟ حمحم بإحراج وسأله: "عفوًا يا عمي، كنت بتقول إيه؟ "لأ، إنت مش معايا خالص." قال باعتذار: "معلش سرحت شوية، كنت بتقول إيه؟ "بكلمك عن العملية، أنا جهزت أوراق السفر وإن شاء الله هنسافر خلال الأسبوع الجاي." شرع داغر في تناول طعامه بعد أن قال بهدوء عجيب: "بس إنت مش هتسافر معايا." قطب جبينه بحيرة وسأله: "ليه؟ "بكرة هتعرف، بس النهارده رايح مشوار مهم مع يحيى، ولما أرجع هعرفك ليه."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!