الفصل 10 | من 20 فصل

رواية جبر السلسبيل الجزء الثاني الفصل العاشر 10 - بقلم نسمة مالك

المشاهدات
18
كلمة
2,076
وقت القراءة
11 د
التقدم في الرواية 50%
حجم الخط: 18

الغضب جمرة توقد في جوف ابن آدم. وحين جاء الأعرابي يسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن وصية قال له: "لا تغضب". وكررها ثلاث، تكرار من يشير إلى ضبط هذه الصفة، ضبطها فيما أحله الله، فالكل شيء حد لا يجب أن يزيد أو يقل عنه حتى لا يتعدى الحد المطلوب، وهو ألا يحملك غضبك على أن تكون ظالمًا، فتتبع السيئة بسيئة مثلها.

وبرغم أن عبد الجبار تمالك غضبه، إلا أن حمية الرجل بداخله كانت تثور بغضب عارم وهو يستمع لاعتراف خضرا زوجته، خاصةً حين قالت: "أني اتفاچأت ب حسان لما وافق ينقلي كل أخبارك مطلعش آمين يا عبد الچبار، ولو عليا أني معذورة الغيرة واعرة قوي ياخوي..و أنت لازم تغور حسان من أهنه.. ده خاين ملوش أمان أبدًا بعد اللي حُصل منه".

كان سيرد عليها يخبرها أنها السبب فيما فعله، هي من فتحت بابًا لدخوله منه بينهما، هي من ساعدته على الخيانة بحديثها معه في السر، لكنه جاهد نفسه حتى لا يعميه غضبه، وتحلى بالعقل والحكمة، والرشادة والفهم، فكان مثالًا حيًا على العقل الناضج. صامت لا يبدي أي رد فعل، يدرس ما كان وراء سلوك أنثاه حتى فعلت ما فعلت. عليه أن يستعمل الرحمة، عليه أن يراجع ذاكرته ليرى موازين أفعالها، وأن لا يطيح بما فعلته تحت ضعف الذات، وضعف النفس، ووسوسة الشياطين.

بيتا قائمًا، يُسمع فيه صوت ضحكات ابنتيه بفرحة غامرة فور علمهم بعودته، ركضوا تجاهه مسرعين ارتموا داخل حضنه! هذا أكبر انتصار للنفس بالنسبة له، إن أردت حياة سليمة عليك أن تحذف الغضب من قاموسك، ولكن العدل أن يأخذ كل إنسان حقه بلا جور.

"اتوحشتك يا فاطمة أنتي وخيتك قوي"، نطق بها وهو يضمهما لصدره بحنان العالم أجمع. تنعمت الفتاتان بحضن والدهما الدافيء الذي حاوطهما بحماية وأمان. فالأنثى يجب أن تكون أميرة في بيت زوجها، ومهرها ليس هذا الذي يعطيه إياها من أموال، مهرها معاملتها! فرمى وتجاوز ما مضى، واستبدل نبتة الغضب، بنبتة تُسقى بالحب والرعاية والاهتمام والعدل.

العدل الذي يمنعه من الذهاب لسلسبيل ليعتذر لها ويخبرها حقيقة شعوره فيما فعله معها. يود أن يعترف لها بأن الغضب قد أعمى عينيه، وحمية النفس عن رؤية العدل والإنصاف، فاخطأ حين رآها مجبرة على الزواج منه في باديء الأمر ووافق هو على إتمام هذا الزواج. أخطأ حين دفع زوجته خضرا لفعل ما فعلته بسبب عشقه الزائد لتلك الصغيرة، الضحية الوحيدة في لعبته على خضرا بشأن مرضها حتى يجبرها على الموافقة على زواجه منها، ولعبته خضرا عليه فالزواج من امرأة ظنت بأنها لن تقوى على الإنجاب!

أعترف بخطأه هذا أخيرًا، وقرر عدم الاستمرار في ظلم سلسبيل أكثر من ذلك، فأعطاها حريتها خوفًا من أن يأتي يومًا تفوق فيه على حقيقة وضعها معه وتكتشف بأن ما تحمله له بقلبها لم يكن حبًا على الإطلاق بل مجرد احتياج، حينها ستكرهه وتكره حياتها معه وستبتعد عنه للأبد بلا عودة. لذلك قام هو بإطلاق سراحها وأعطاها لأول مرة بعمرها حرية الاختيار. فكل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون، ولكن هو لن ولن يستطيع أن يتوب عن عشقها.

"أني وأنتي أفضل عقاب لبعض يا خضرا"، نطق بها بعدما تأكد من مغادرة ابنتيه الغرفة. وقف أمامها بطوله المهيب، ينظر لها نظرة جامدة خالية من المشاعر فبدت مخيفة للغاية بالنسبة لها، وتابع بابتسامة مصطنعة زادت من خوفها. "الطعنة تچيني منك أنتي يا أم بناتي! .. كنتِ رايدة حسان يقتلني لو مطلقتش سلسبيل؟! بهتت ملامح خضرا وفتحت فمها لترد عليه لكنه لم يُتح لها الفرصة، وتابع بلهجة لا تخفي غضبه المشحون أبدًا:

"و الخاين كان ناوي يقتلني حتى بعد ما طلقتها لولا أني سبقت وكشفت خيانته.. بس لازم تعرفي إن طلاقي لسلسبيل مش خوف منك لع.. ولا حتى خوف عليها.. أنتي خابرة زين إني أقدر احميها حتى بعد ما بقت مش على ذمتي.. أني طلقتها بس عشان مظلمهاش بنا أكتر من أكده.. لو في ضحية واحدة في كل اللي حُصل لغاية دلوجيت فهي سلسبيل.. ضحية لعبتنا القذرة أني وأنتي، وعشان أكده خرجتها من حياتي قبل ما يجي اليوم وأشوف في عنيها كرهها ليا وندمها على چوازها مني.. ده اللي مهقدرش عليه واصل.. عندي ابعادها عن قلبي و هي عشقاني ولا تفضل چاري و هي كرهاني".

صمت لبرهةً وتابع بأسف شديد: "وهي لسه صغيرة واللي عاشته في حياتها واعر قوي فقبلت بجوازها مني مغصوبة واديني عطاتها حريتها لاچل ما تفكر زين هي رايدة أيه ورايدة مين يكون في حياتها اللي واثق أننا هنبقي براها أني وأنتي". قبض على عنقها فجأة بقبضة يده ودفعها بقوة حتى ألصقها بالحائط خلفها، كادت أن تلفظ أنفاسها من شدة خوفها وقوة ضغطه على عنقها، ليتحدث هو بغضب عارم قائلاً:

"أني أقدر اقتلك وادفنك بيدي على عملتك المهببة دي يا خضرا ومافيش مخلوق هيلوم عليا.. لكن اللي منعني عنك بناتك.. بناتي بس اللي مربطين يدي وحيشني عنك". "حقك عليا يا خوي.. الغيرة مرارها واعر ونارها حرقت قلبي وعمت عنيا وخلتني اطلب من حسان الطلب العفش ده.. متزعلش مني يا عبد الچبار"، قالتها بتقطع بنبرة متوسلة وهي تجاهد لتلتقط أنفاسها.

"اللي عملتيه يأكد إنك محبتنيش واصل.. أنتي بتحبي نفسك يا خضرا.. اللي بيحب حد يفديه بروحه مش يتفق على قتله!! تركها على مضض بعدما رأى تدهور حالتها للاعياء الشديد وكادت أن تفقد وعيها أثر خنقه لها، لتشهق هي بقوة ساحبة أكبر قدر ممكن من الهواء تملأ به رئتيها، ليتابع هو بأمر:

"هتفضلي على ذمتي لخاطر بناتك.. لكن أنتي محرمة عليا ولو مش عچبك هطلقك دلوجيت بس لازم تعرفي زين إن طلاقك مش هيكون في مصلحة البنتة الصغار اللي كلها كام سنة وهيبقوا عرايس ويسألوكي عن سبب طلاقنا فكري هتقولي لهم كنتِ رايدة تقتلي أبوهم ليه.. ولو هما مسألوش الناس هتسأل ولو ملقوش إجابة هيخترعوا إجابة من عندهم وكلام الناس ياما ومهيخلصش.. القرار ليكِ وأي إن كان أني هنفذه".

"طلاق لا.. أحب على يدك طلاق لا يا عبد الچبار.. هملني على ذمتك يا خوي واني هعمل المستحيل لاچل ما ترضى عني وتساهلني على اللي عملته في حقك". لم ينظر لها، اكتفى بالصمت المطعم بالتنهيد وهو ينظر للفراغ بشرود وحزن ظاهر بعينيه بعدما تأكد أنه كُتب عليه يعيش وجع الفراق عن معشوقة فؤاده.

سبحان الله العظيم. سلسبيل. أجرت للتو اختبار حمل منزلي، وتأكدت أنها تحمل طفل عبد الجبار داخل أحشائها، ثمرة عشقها منه، فرحتها الحقيقية التي جعلتها تبكي وتذرف الدموع بغزارة، دموع الفرحة التي نادرًا ما تحياها. "أنا حامل يا ماما عفاف؟ .. بالله أنتي متأكدة أن ده كده حمل؟! "، همست بها بتقطع من بين شهقاتها الحادة، وهي تطلع لاختبار الحمل الصغير الذي يظهر به شرطتين دليل على وجود جنينها.

"اه والله حمل يا بنتي.. مبروك.. ألف مبروك يا حبيبتي"، أردفت بها عفاف وهي تقبلها بحب من وجنتيها، وتضمها بلهفة لحضنها. ربتت على ظهرها بكف يدها كمحاولة منها لتهدئة حدة بكائها الذي كان يشق سكون المكان من حولها حتى أنه وصل لسمع جابر الذي كان ينتظرها في الخارج، مقدرًا حالتها وغيابها عليه كل تلك المدة. "سلسبيل!!

"، نطق بها بصوته المتلهف قبل أن يدلف لداخل غرفة عفاف الخاصة عبر بابها المفتوح. ابتعدت سلسبيل عن حضن عفاف وتطلعت تجاه مصدر الصوت، لتشهق بخفوت من هيئة جابر التي بدت مزرية للغاية. "أنتي كويسة؟!

"، قالها بأنفاس لاهثة أثر ركضه على الدرج وقطع المسافة بينه وبينها في خطوتين فقط حتى توقف أمامها مباشرةً، يتطلع لها بنظراته المتيمة التي يملأها العشق والاشتياق الأبدي لها. تأملت هيئته، لحيته الكثيفة الغير منمقة على غير عادته، عينيه الذابلة الحزينة، الإجهاد على ملامحه وكأنه لم يرى النوم منذ تركها لمنزله. "أنا كويسة الحمد لله.. أنت اللي مالك يا جابر.. شكلك مش طبيعي.. في حاجة حصلت؟!

"، غمغمت بها سلسبيل بعدما سيطرت على حدة بكائها، رفعت يدها وزالت دموعها من علي وجنتيها. حاول هو السيطرة على ضعفه أمامها إلا أن حزنه وألمه لم يمهله، فتجمعت العبرات بعينيه أفزعتها وجعلتها تعاود البكاء من جديد متمتمة بصوتٍ مرتعش. "جابر في أيه؟! "، ابتعلت لعابها بصعوبة وتابعت بخوف. "جدي جراله حاجة؟ حرك رأسه لها بالنفي، وهمس بصوتٍ اختنق بالبكاء قائلاً: "أمي.. أمي ماتت يا سلسبيل".

شهقت بقوة وهي ترفع كفها تضعه على فمها، وتطلعت له بأعين جاحظة منذهلة غير مصدقة ما ألقاه على سمعها. "أنت بتقول أيه.. خالتي ماتت!! .. إزاي و أمتي.. ده أنا سيبها كانت كويسة ومافيهاش أي حاجة!

لم يرد عليها، كان ينظر لها نظرة احتياج يملؤها الحزن، هو الآن في أصعب وأضعف حالته، أظهر ضعفه هذا لها هي وحدها، نظرته لها كانت تستجديها أن تتركه يضمها، ولو لمرة واحدة ويموت بعدها لن يمانع على الإطلاق. تفهمت هي نظرته جيدًا وما يدور في خاطره، فتوترت وحاولت الفرار من أمامه إلا أنه لم يترك لها فرصة هذه المرة، وخطفها من خصرها دون سابق إنذار في عناق محموم دافنًا وجهه بعنقها، عينيه تذرف الدموع دون بكاء.

"سبيني أحضنك عشان خاطري يا سلسبيل"، همس بها وهو يحتوي جسدها الصغير بين ذراعيه حتى رفعها عن الأرض تمامًا حين شعر بمحاولتها لأبعاده عنها. "جابر!! "، زاد من ضمها له، وأخذ نفس عميق يملأ رئتيه بعبقها قبل أن يجيبها بلهفة قائلاً: "يا عيون وقلب جابر". "أنا حامل". شعرت بتصلب جسده حولها، ابتعد عنها ببطء حتى تقابلت أعينهما في نظرة طويلة كانت بالنسبة لها بمثابة نظرة النهاية، نهاية لقصة عشقهما التي لم تبدأ بعد.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...