الفصل 11 | من 20 فصل

رواية جبر السلسبيل الجزء الثاني الفصل الحادي عشر 11 - بقلم نسمة مالك

المشاهدات
21
كلمة
1,854
وقت القراءة
10 د
التقدم في الرواية 55%
حجم الخط: 18

بعد مرور 6 أشهر كاملة. وقت كان بالقدر الكافي لتغير كل شيء، هدنة للجميع ليتمكنوا من التفكير واتخاذ القرار الصحيح. داخل مبنى عملاق حديث الطراز يتكون من خمسة طوابق مصممة بعناية ودقة فائقة، بكل طابق مجموعة كبيرة من أكفأ العاملين والمتخصصين بمجال الدعاية والإعلان، الكل يعمل على قدم وساق، خاصةً حين علموا بوصول مديرتهم شديدة الطباع.

تأهب جميع العاملين، وانتصبوا واقفين في انتظار دخولها من باب المبنى الرئيسي الذي توقف أمامه سرب من السيارات، جميعهم من أحدث وأغلى الموديلات العالمية. هبط طاقم الحراسة وحاوطوا السيارة بحماية، تلك السيارة التي تجلس بداخلها المدير العام لهذا المبنى الفخم. هرول قائد الحرس نحو الباب وفتحه لتهبط منه امرأة في غاية الأناقة بثيابها التي تقوم بتصميمها هي بنفسها.

كانت ترتدي فستانًا أسود طويلًا منقوشًا بفرشات من اللون الأبيض يظهر قوامها الممشوق وبروز بطنها التي بدأت في الظهور رغم أنها أوشكت على إنهاء شهرها السابع، چاكت قصير من نفس لون الفراشات وحجاب من اللون الأسود، زينتهم بحذاء رياضي وحقيبة يد صغيرة، كلاهما من اللون الأبيض. تخفي عينيها الجميلة بنظارة شمسية من أشهر الماركات.

أسرع أحد أفراد الأمن بحمل حقيبة اللاب توب الخاص بها، بينما سارت هي بين طاقم الحرس بخطي واثقة، رافعة رأسها بشموخ يليق بها كثيرًا. هذا المكان الذي ذاع صيته خلال فترة قصيرة يقع تحت إدارة الديزينر المحترفة "سلسبيل القناوي". رغم حداثة سنها وخبرتها القليلة، إلا أنها استطاعت أن تثبت براعتها وتفوقها في مجال الدعاية والإعلان، فهي تقوم برسم جميع التصميمات بيدها مستغلة موهبتها الفريدة من نوعها. "صباح الخير".

قالتها "سلسبيل" وهي تمر من أمامهم متجهة نحو المصعد المؤدي لمكتبها. "صباح الخير يا فندم". نطق بها جميع العاملين بنفس واحد. خلعت نظارتها قبل أن تدلف لداخل المصعد لتتمكن من قراءة اليافطة المفضلة بالنسبة لها، والتي لا ولن تمل من قرائتها أبدًا. شركة "السلسبيل" للدعاية والإعلان. "جابر وصل؟ أجابتها "صفا" سكرتيرتها الخاصة والتي أصبحت صديقتها المقربة أيضًا قائلة بعملية:

"جابر بيه بلغني أنه هيوصل على ميعاد الاجتماع يا سلسبيل هانم". جلست "سلسبيل" على مقعدها الجلدي بأريحية، وانتظرت حتى انصرف الجميع بعدما وضعوا الكثير من الملفات أمامها على المكتب يردون توقيعها عليهم، وظلت هي و"صفا" بمفردهما. لتهرول الأخيرة تجاه ثلاجة موضوعة بإحدى الجوانب، وفتحتها على عجل، أخذت منها طبقًا من الفاكهة الطازجة وزجاجة من الماء وأخرى من العصير وذهبت بهم نحو المكتب.

أزاحت الملفات برفق ووضعتهم أمام "سلسبيل" التي تتابع ما تفعله بملامح جامدة. تغيرت شخصيتها تغيرًا جذريًا، حتى أن ابتسامتها الرقيقة قد اختفت تمامًا وأصبحت شفتيها للحديث فقط. "اممم.. أسيب ماما عفاف في البيت أجي هنا ألقيكي يا صفا؟! . أنتي وهي مش وراكم أي حاجة غير أنكم تأكلوني ولا إيه!! بدأت "صفا" في تقطيع ثمرة من التفاح، وسكبت كوبًا كبيرًا من عصير المانجو وأعطتهم لها وهي تقول:

"ماما عفاف قالتلي إنك مرضتيش تاكلي أي أكل في البيت عشان كده جبتلك شوية فاكهة وعصير فرش". ظهر التوتر على ملامح "سلسبيل"، وأبت أن تتذوق أي شيء مغمغمة بأسف: "أنا مش هقدر أكل ولا أشرب أي حاجة طول ما أنا قلقانة.. فمتغصبيش عليا علشان متعبش وأنتي عارفة إن اجتماع النهاردة مهم أوي ومش هينفع أعتذر عنه خالص". تنهدت "صفا" بقلة حيلة فهي على يقين بأن "سلسبيل" لن تتراجع بكلمة تفوهت بها.

"يا سلسبيل أنا عارفة إن التيم اللي هيحضر اجتماع النهارده يبقوا أهم وكلاء لأكبر شركات في الشرق الأوسط وبدعيلك من قلبي والله ربنا يوفقك وشغلك يعجبهم عشان لو ده حصل هنبقى كسبنا أقوى صفقة في تاريخ الشركة خلال وقت قياسي، بس كل ده مش هيبقى أغلى عندك من اللي في بطنك!! مسدت "سلسبيل" على بطنها بكلتا يديها تتحسس حركة جنينها بلهفة وهي تقول: "مافيش في الدنيا كلها أغلى من اللي في بطني.. أنا كل اللي بعمله ده بعمله عشانه هو وبس".

صوت طرقات على الباب جعلت "سلسبيل" تتأفف بضيق. "صفا مش عايزة أشوف حد دلوقتي.. مدخليش أي حد عندي لغاية ميعاد الاجتماع.. عايزة ألحق أراجع على التصميمات مراجعة أخيرة قبل وصول العملاء". غمغمت بها وهي ترتدي نظارتها الطبية التي زادتها وقارًا وهيبة. مدت يدها نحو حقيبة اللاب توب وتناولته وبدأت تتصفحه باهتمام وملامح جادة، صارمة جديدة عليها كليًا.

انصرفت "صفا" من أمامها في الحال، غالقة الباب خلفها، لتسند "سلسبيل" بظهرها على المقعد، وتطلعت حولها تتأمل مكانها المفضل. انتصبت واقفة وسارت تجاه النافذة الزجاجية الفاصلة بينها وبين العاملين تحت يدها. فور رؤيتهم لها، تأهب الجميع وظهر الخوف عليهم وبدأوا يعملون بجهد تجنبًا لنوبة غضبها المدمر.

كانت تطلع لهم بملامح خالية من المشاعر، فقط البرود، البرود التام أصبحت تتحلى به في الفترة الأخيرة، بينما بداخلها جمرات صغيرة من نيران حارقة خامدة أسفل الرماد. كانت يدها تمسد بمنتهى الرفق على بطنها، وقلبها يتراقص فرحًا كلما شعرت بركلة من صغيرها. لفت ذراعيها حول نفسها، وكأنها تحتضن طفلها بحنان العالم أجمع مرددة بفرحة غامرة: "يا روح وقلب وحياة سلسبيل". *** بمنزل عبد الجبار.

الأجواء أسوأ ما تكون، تبدل حال "عبد الجبار" للنقيض، كأن روحه تركت جسده بعد فراقه عن من ملكت قلبه. رغم أنه بارع في التحكم والسيطرة على مشاعره، إلا أن لسانه ينطق دائمًا بما يشغل عقله وقلبه دون أدنى إرادة منه، وهذا يثير جنون "خضرا" كثيرًا، خاصةً بعد هجره لها منذ ما يقارب السبعة أشهر.

اليوم قررت أن تكسر الحاجز الذي بناه بينه وبينها، ووقفت تنتظره على باب الحمام المواجه للغرفة التي كانت تمكث بها غريمتها والتي أصبحت غرفة "عبد الجبار". فُتح باب الحمام وخرج هو بثيابه الداخلية، ممسكًا بيده منشفة قطنية يجفف بها خصلات شعره الفاحم. "خير؟ واقفالي كيف الغفير ليه أكده عاد!! قالها متعمدًا عدم نطق اسمها، فكلما نادى لأحد، لأي شخص كان لا ينطق لسانه سوى اسم ابنة قلبه "سلسبيل".

مر من أمامها دلف لداخل غرفته، لتهرول "خضرا" خلفه مسرعة غالقة الباب خلفها، ودون سابق إنذار كانت ألقت نفسها داخل حضنه مرددة ببكاء: "بكفياك.. بحلفك بالله بكفياك جفا وبعد لحد أكده يا عبد الچبار". قبلت كتفه مرات متتالية صعودًا لعنقه مكملة بتوسل: "كفاياك زعل مني يا خوي". كان "عبد الجبار" يقف كالصنم، ينظر للفراغ بشرود، فانهت "خضرا" حديثها وأطبقت بشفتيها على شفتيه مستغلة شروده هذا.

في بادئ الأمر كان لا يبادلها قبلتها هذه، ولكن بعد وقت ليس بقليل إنهال عليها فجأة بقبلة جامحة، غالقًا عينيه، ويده تجذبها نحو الفراش. لحظات من الحميمية مرت عليهما، كانت "خضرا" تظن أنها قد استرجعت رجلها أخيرًا.

لكن بكل أسف حتى بغيابها ستظل هي الحاضرة، رائحتها تملأ رئتيه، أنفاسها الساخنة تلفح بشرته تزيد لهيب عشقه وجنونه بها، خصلات شعرها الحريرية الطويلة تداعب وجهه تُرغم شفتيه على غمرها بسيل من القبلات المتلهفة، ملمس بشرتها الناعمة أسفل أنامله الخشنة تُطير اللب من عقله تجعله يهمس اسمها بتنهيدة حارة دون أدنى إرادة منه، وكأنه فقد الكلام بأكمله ولا يتذكر منه سوى حروف اسم "سلسبيل!!! " فقط.

"أني خضرا جولتلك مليون مرة أني خضرا مش سلسبيل". نطقت بها "خضرا" التي انتفضت مبتعدة عنه بعنف، ساحبة الغطاء عليها، تطلعت له لبرهة بأعين جاحظة وملامح يملؤها الوجع والحسرة. بينما هو كانت ملامحه جامدة غير مبالي كعادته معها مؤخرًا. كان غضب "خضرا" آخذًا في التفاقم أساسًا منذ مدة، حتى فقدت السيطرة الآن فجأة فصرخت قائلة بغصة يملؤها الأسى: "طلقني.. طلقني يا عبد الچبار!!!!

وكأنه استوعب للتو أن حبيبته ليست هنا، فنتفض هو الآخر كمن لدغه عقرب مبتعدًا عن الفراش بأكمله، لتطل له "خضرا" بأعين تذرف الدمع مرددة بإصرار: "طلقني يا عبد الچبار". نظر لها نظرة طويلة، ومن ثم قال بهدوء يُحسد عليه: "مصاريفك ومصاريف بناتي وكل حاجة تحتاجيها هتكون عندكم قبل حتى ما تطلبوها، وأنتي والبنات هتفضلوا هنا في بيتكم، وأني هاخد أمي ونمشي". صمت لبرهة وتابع بصوته الأجش: "أنتي طالق يا خضرا".

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...