الفصل 1 | من 20 فصل

رواية جبر السلسبيل الجزء الثاني الفصل الأول 1 - بقلم نسمة مالك

المشاهدات
23
كلمة
2,616
وقت القراءة
14 د
التقدم في الرواية 5%
حجم الخط: 18

تسود حالة من الفزع داخل المقر الرئيسي لشركة المنياوي بالإسكندرية. الخوف يملئ القلوب، والجميع يعمل على قدم وساق، خاصة رؤساء الأقسام الذين يكثفون جهدهم أضعافًا مضاعفة حتى ينهوا عملهم على أكمل وجه، خوفًا من أن يطولهم غضب "عبد الجبار".

بينما يقف هو بطوله الشامخ أمامهم مولياً ظهره، ينظر من نافذة مكتبه بأنفاس مهتاجة من شدة انفعاله. يتناول سيجاراً تلو الآخر وينفث دخانه كما لو كانت نيران متوهجة تخرج من فتحتي أنفه. رغم جمود وصلابة ملامحه، فهو كعادته بارع في إخفاء مشاعره وما يؤلم قلبه. إلا أن عينيه بدت مخيفة وقد اختفت منها بريق العشق الذي كان يزينها مؤخراً.

تبدل حاله للنقيض بعدما تعرض لصفعة خذلان من أحب وأقرب البشر لقلبه، زوجته وطفلته "سلسبيل". ارتكبت خطأ فادحاً بحقه جرحت به رجولته جرحاً مميتاً. ما يشعر به الآن إحساس لن تستطيع الكلمات وصفه، يشعر بخيبة الأمل وما أصعب هذا الشعور. اعتذارات العالم أجمع لن تكفيه. لا شيء يستطيع تعويض قلبه الذي خُذل من شخصه المفضل. قلبه!

أسفاً عليه بعد فراقه عن نبع الحياة بالنسبة له، أخذت معه روحه، مهجة فؤاده، ابتسامته. ذلك النابض باسمها وحدها صدأ كالحديد، لا يئن ولا يحن. غلفته قسوة وجبروت جديد كلياً عليه، بعدما كان يتميز بالرأفة في معاملته مع العاملين داخل وخارج شركاته. "كده ملف القضية مبقاش ليه وجود زي ما سيادتك طلبت يا عبد الجبار باشا." قالها أحد الجالسين بصوتٍ يملؤه الفخر، وكأنه حقق أعظم انتصاراته حين نفذ ما طلبه منه.

أطبق "عبد الجبار" جفنيه بقوة، واصطك على أسنانه بعنف كاد أن يهشمهم حين تذكر تلك اللحظة التي تمزق بها قلبه أشلاء. ... فلاش باااااااااااك ... أرغم نفسه على الابتسامة حين رأى "جابر" مقبلاً عليه ممسكاً بيد جده العجوز. ظن أنها إحدى زياراتهم لابنته التي تكررت أكثر من مرة منذ وصولهم إليها. أصبح جدها يأتي لها باستمرار برفقة ابنته "سعاد". وإذا جاء برفقة "جابر" حفيده، لابد أن يكون في وجوده. "يا مُرحب يا عم الحاج.. نورت الدار."

قالها "عبد الجبار" بترحاب وهو يأخذ بيده الأخرى وسار بجانبه نحو الداخل مكملاً. "عفاف.. قولي لسلسبيل هانم إن جدها وصل بالسلامة.. وجهزوا الوكل قوام." "أحنا هنمشي على طول.. مش جاين المرادي نضايف يا عبد الجبار بيه."

قالها "فؤاد" بأسف وصوت بدا مرتبكاً للغاية. تملك القلق من قلب "عبد الجبار" خاصة حين تنقل بنظره بينهما، ليجد نظرة "جابر" تتراقص فرحاً لأول مرة منذ وقت ما دلف لمنزله. كل مرة يأتي بها كانت نظرته يملؤها الحسرة والألم.

فتح "عبد الجبار" فمه وكاد أن يستفسر منه عن مقصده، إلا أنه انتفض فجأة كمن لدغته عقرب حين رأى زوجته تهبط الدرج بعباءتها السوداء ساحبة خلفها حقيبة كبيرة وعيناه منتفخة أثر بكائها الشديد. سقط قلبه أرضاً وهو يهرول نحوها بخطوات راكضة.

وقف أمامها ينظر لها بتساؤل وأعين منذهلة بعدما رآها تتهرب بعينيها الدمعة منه، وترسم الجمود على ملامحها التي كساها الحزن ثانيةً. لم يسعفه لسانه بالنطق بحرف واحد، ظل يحلق فيها منتظراً إجابة لهيئتها هذه. ساد الصمت طويلاً إلى أن قطعه "فؤاد" قائلاً:

"إحنا جاين انهارده عشان ناخد بنتنا معانا من غير مشاكل.. سلسبيل قالتلي أنها مش قادرة تسامحك على لعبك عليها بخصوص مرضها وعايزة تطلق منك.. فياريت يا ابني زي ما دخلنا بالمعروف ننفصل بالمعروف." ربااااه!!! ماذا يقول هذا الرجل على لسان زوجته؟!

هي بنفسها أخبرته من قبل عن عفوها عنه، وتناست هذا الأمر تماماً. ضحك فجأة ملء فمه أمام أعينهم المندهشة، فقد أقنع نفسه أنهم يمزحون معه. كان الموقف حقاً مخيفاً، خاصة حين دلفت "بخيتة" التي كانت تتجسس على ما يقال كعادتها. اقتربت من "فؤاد" مستندة على عكازها، وتحدثت بغضب عارم قائلة: "طلاق إيه اللي بتتحدت عنه.. معندناش حريم تطلب الطلاق.. ده راجلها يدفنها حية بيده في جبرها أهون ما تخرج من داره مطلقة."

أصبح الجميع على يقين أن ما يحدث الآن لا ولن يمر مرور الكرام بعد حديثها هذا الذي كان بمثابة سكب الزيت على النيران، جعل "جابر" يكاد أن ينفجر بوجهها هي وابنها، إلا أنه لجم غضبه بشق الأنفس، وظل ملتزماً الصمت بأمر من جده. بينما "عبد الجبار" كان في حالة من الذهول وعدم الاستيعاب. "سلسبيل رايدة تطلق مني؟!

أردف بها وهو يغمز لها في الخفاء. تفهمت هي أنه يذكرها أنهما منذ دقائق كانت تعترف له وهي بين حنايا صدره عن مدى عشقها له الذي فاق كل الحدود، أخبرته أنها تمثل له الدنيا وما عليها، وأن وجودها بجواره هو كل ما تتمناه. ابتلعت غصة مريرة بحلقها قبل أن تطلع له بقوة زائفة. "أيوه أنا عايزه أطلق منك يا عبد الجبار." أردفت بها بصراخ مقهور، وهي تندفع من أمامه نحو جدها وتابعت بنبرة متوسلة:

"ياريت تسبني أمشي مع جدي وأنا هتنازل ليك عن كل حقوقي.. حتى شنطة هدومي مش عايزاها.. مش عايزة منك غير ورقة طلاقي وبس." أنهت جملتها، ومدت يدها أمسكت يد جدها، وتابعت بأنفاس متقطعة. "يله بينا من هنا يا جدي." شهقت بقوة حين لف "عبد الجبار" ذراعه حول خصرها فجأة وسحبها عليه بلهفة حتى أصبحت خلف ظهره. لا تعلم كيف ومتى قطع المسافة بينه وبينها. وقف أمامها كالسد المنيع صائحاً بصوته الأجش:

"سلسبيل مراتي.. مرات عبد الجبار المنياوي، ومافيش قوة على وجه الكون ده كله تقدر تاخدها مني." "بنتنا هناخدها لو مش بمزاجك هيبقي غصب عنك." كان هذا صوت "جابر" الذي كسر كلمة جده، وخرج عن صمته. أشعل غضب "عبد الجبار" أكثر حتى وصل لزرواته، جعله يهجم عليه ويكيل له لكمات متتالية دون سابق إنذار.

كان "جابر" متوقعاً رد فعله هذا، ومستعداً للدفاع عن نفسه باحترافية شديدة. بغمضة عين نشبت بينهما معركة دامية، لتصدح صرخات "سلسبيل" وعويل "بخيتة" وحتى "خضرا" التي أتت على الصراخ من داخل المطبخ. "كفايا يا عبد الجبار بالله عليك." نطقت بها "سلسبيل" وهي تحاول الوصول إليه، لكن يد "عفاف" التي جذبتها داخل حضنها أوقفتها. تتبع "فؤاد" مصدر الصوت، واستطاع الوصول لهما. أمسك يد حفيده الذي تعرف عليه من رائحة عطره، وتحدث بأمر قائلاً:

"بس يا جابر.. أبعد عنه بقولك!!! .. سيبه يا عبد الجبار بيه ميصحش كده إحنا في بيت جدك." لم يكمل جملته بسبب لكمة قوية لكمها له "عبد الجبار" دون قصد منه، سقط على أثرها أرضاً. "جددي." صرخت بها وهي تركض تجاهه، وجلست بجانبه على ركبتيها تتفحصه بلهفة، وأعين تفيض بالدموع. ليزيد الأمر سوءاً حين دوى صوت طلق ناري صم الآذان. رفعت رأسها ونظرت تجاه مصدر الصوت بعينين مذعورتين، لتجد زوجها مصوب سلاحه الناري على موضع قلب "جابر".

"بتضرب نار علينا وإحنا في بيتك.. دي مش أخلاق أهل الصعيد أبداً." قالها "فؤاد" وهو يستند على حفيدته، وانتصب واقفاً بضعف. "أنت اللي مخابرش أخلاق رجالة الصعيد زين." صاح بها "عبد الجبار" بصوته القوي هز جدران المكان من حوله، وتابع بلهجة لا تحمل الجدال: "أني بدافع عن سلسبيل.. مراتي.. اللي حفيدك قال هياخدها غصب عني.. وده لو حصل و سلسبيل خرجت من داري الليلة هيبقي على جثة حد منا."

"مش هخرج.. مش هخرج يا عبد الجبار بس نزل السلاح وسبهم هما يمشوا عشان خاطري." قالتها "سلسبيل" من بين شهقاتها الحادة. حاولت السيطرة على بكاءها، وتابعت حديثها بقلة حيلة: "خد جابر وامشي يا جدي.. أنا خلاص هفضل مع جوزي." "هتفضلي معاه غصب عنك!! .. هي دي الرجولة يا عبد الجبار بيه.. تجبر واحدة على العيشة معاك." قالها "جابر" بمشاعر مشحونة تعصف بقلبه المعذب بحبها. ليصيح "عبد الجبار" فيه بلهجته الصلبة قائلاً:

"مش عبد الجبار المنياوي اللي يغصب حرمة على العيشة وياه.. أني رايد أتكلم مع مراتي.. أفهم منها أيه السبب الحقيقي اللي مزعلها مني أكده، ولو لقيت عندها حق.. هرضيها وأحب على راسها ويدها كمان لحد ما ترضى وتصفى من جهتي." قال "فؤاد" بتعقل: "ولو مرضيتش.. وفضلت مصرة على طلاقها منك يا عبد الجبار بيه هتعمل إيه ساعتها؟!

نظر "عبد الجبار" لزوجته التي توقفت عن البكاء، وتنظر له نظرة متوسلة ترجوه بها أن يطلق سراحها، لكنه أشاح بعينيه عنها ونظر لـ "خضرا" وتحدث بأمر: "خدي سلسبيل على أوضتها." وجهه نظره لـ "عفاف" مكملاً: "طلعي شنطة الهانم ورجعي حاجتها كيف ما كانت." تنهد بارتياح حين رأى زوجته تصعد الدرج مرة أخرى، فتحدث بثقة قائلاً: "متقلقش يا حاچ فؤاد.. أني خابر كيف هراضي مراتي من غير ما حد يدخل بنتنا."

بعد حديثه هذا لم يجد "فؤاد" أمامه سوى أخذ حفيده بالقوة وعادوا حيث أتوا. عقب رحيلهم هرول "عبد الجبار" مسرعاً تجاه زوجته، دفع باب الغرفة ودلف للداخل، لتخرج "خضرا" التي كانت تقف بجوار الفراش الجالسة عليه "سلسبيل" تربت على ظهرها كمحاولة منها لتكف عن البكاء.

انتظرت "سلسبيل" حتى تأكدت من ذهاب "خضرا" ورفعت رأسها ببطء، ثم عينيها ونظرت لزوجها نظرة مشفقة على حالته المزرية، الدماء المتناثرة على وجهه وثيابه، دماء مشتركة بينه وبين "جابر". أجهشت بالبكاء وهي تقول: "بتضرب جدي.. الراجل العجوز العاجز في بيتك يا عبد الجبار!!

.. أنا بعد عملتك دي بقيت مصرة أكتر على طلاقي منك.. طلقني يا عبد الجبار أبوس رجلك.. لو مش هتطلقني يبقي تدفني صاحية زي قالت أمه بخيتة وخليني أخلص من العذاب اللي مش عايز يسبني في حالي ده." شعر أنه أخطأ في حقها بفعله المتهور هذا، ولكن الأمر لا يستحق أنها تصر على الطلاق هكذا، أسبابها ليست مقنعة على الإطلاق. تيقن أن هناك شيئاً ما يرغمها على طلب الطلاق منه.

كانت حالتها لا تحتمل أي جدال الآن، فضل عدم طرح أسئلة عليها بالوقت الحالي، وقرر أن يحتويها حتى لا تتدهور حالتها أكثر. فتنهد بقوة مغمغماً بخفوتٍ: "خابر أن غلطي في حقك واعر." قالها بعدما قطع المسافة بينه وبينها، جثى على ركبتيه أرضاً أمامها، احتضن يدها الصغيرة بين كفيه ضاغطاً عليها برفق، وهمس بصوت جاهد على جعله طبيعياً لكنه خرج مرتجفاً بعض الشيء: "بس طلاق لا.. أحب على يدك طلاق لا يا سلسبيل."

أغمضت عينيها ببطء لتنهمر عبراتها على وجنتيها بغزارة، تعالت شهقاتها وبصعوبة بالغة همست بغصة مريرة يملؤها الأسى: "مش هينفع.. صدقني مش هينفع أفضل على ذمتك بعد النهارده." فتحت عينيها ونظرت لعينيه نظرة أرتعش منها قلبه وتابعت بابتسامة حزينة: "لو فضلت مراتك هموتلك نفسي يا عبد الجبار!! "موتيني أنا فيكِ يا بت قلبي."

قالها بصوته المزلزل قبل أن يخطفها ذراعه كالخطاف لداخل صدره، يضمها بلهفة، ويمطرها بقبلاته الدافئة التي تذيب عظامها. هدأت نوبة غضبها، وبدأت تتجاوب معه قلباً وقالباً، هامساً لها بأجمل كلمات الغزل. قضوا ليلة غرام ملحمية لن تنمحي أبداً من ذاكرتهما. بعد وقت ليس بقليل، كانت "سلسبيل" تنعم بالدفء ونوم هنيء فوق صدر زوجها الذي يداعب خصلات شعرها المشعثة بفيضية مثيرة بفضل أصابعه.

صدح صوت رنين هاتفه، فمد يده والتقطه بتكاسل. عقد حاجبيه بتعجب حين لمح اسم "شهاب نور الدين" من أشهر المحامين. تنحنح قبل أن يضغط زر الفتح، وتحدث بلهجته الصارمة قائلاً: "خير يا متر.. متتصلش بيا غير في المصايب!! "شهاب".. بأسف: "المرادي مش أي مصيبة يا عبد الجبار باشا!!! .. أنا في إيدي توكيل لرفع قضية على جنابك." "قضية عليّ أني؟! .. قضية إيه، ومين اللي رفعها يا شهاب؟! أجابه "شهاب بجملة أصابته بصدمة عمره:

"قضية خلع.. رفعها مراتك مدام سلسبيل هانم." ... نهاية الفلاش باااااااااااك ... فاق من شروده على صوت المحامي يقول بعملية: "ورث الست سلسبيل هانم من المرحوم أخوك اتحول لحسابها، وورق الطلاق المدام وقعت عليه، مش فاضل غير توقيع سيادتك بعدها نقدر نحول لها كل مستحقاتها زي ما حضرتك أمرت."

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...