بداخل كل أنثى جانب شرس، متوحش لا يظهر إلا إذا شعرت بالغيرة على زوجها، وصدق من قال أن الغيرة قاتلة، تستنزف الروح بلا رحمة، تُعمي القلب قبل العين، تُلغي العقل وتُجبرنا على اتخاذ قرارات مصيرية بلحظة اندفاع تصل أحيانًا إلى فعل كوارث لعلها تطفئ تلك النيران المتآججة بقلبها غير عابئة بعواقبها الوخيمة. بمنزل عبد الجبار.
كانت "بخيتة" تدور حول نفسها تارة، وحول "خضرا" زوجة ابنها تارة أخرى، مستندة على عكازها تلكم به الأرض، كادت أن تهشمه من شدة غيظها. "مافيش غيرك ورا شقلبة حال البنتة الصغيرة يا خضرا." صاحت بها "بخيتة" بغضب عارم وهي تنغزها بعكازها في كتفها بضربة قوية لم تتأثر بها "خضرا" على الإطلاق، بل أنها أثارت غضبها أكثر حين نظرت لها بملامح تُشع فرحة، وتحدثت بحزن مصطنع قائلة:
"وه، وأني مالي عاد.. هي اللي رفعت على ولدك قضية خلع.. يعني ما ريدوش بعد كل الهنا والدلع اللي شفته على يده، رايد تخلعه بعد ما وصلت لأهل أمها.. كأنها كانت مغصوبة على العيشة وياه!!! حركت "بخيتة" رأسها بالنفي، ورمقتها بنظرة سامة، وهي تقول بثقة:
"سلسبيل عشقت عبد الجبار كيف ما هو عشقها، وأنتي خابرة أكده زين، ومتكدرش تعمل العملة العفشة دي إلا لو حد ابن مركوب لوي دراعها وهددها بحاجة واعر لو مبعدتش عن جوزها اللي بتتكحل بتراب رجليه وبتخاف عليه أكتر من روحها!!! كانت تستمع لها "خضرا" بملامح بدت جامدة عكس ما بداخلها من قلق تحول إلى خوف جعل الدماء تنسحب من وجهها حتى شحب لونه تمامًا حين تابعت "بخيتة" بابتسامة زائفة ونبرة شامته:
"يا ويلك من عبد الجبار يا خضرا لو طلعتي أنتي بت المركوب اللي وعّت البنتة الصغيرة على قصة الخلع المقندلة دي.. لأنك متأكدة أنه يستحيل كان هيطلق سلسبيل مهما حصل." استطاعت "خضرا" السيطرة على خوفها، وضحكت ضحكة ساخرة وهي تقول: "مبقاش في حاجة مستحيل يا حماتي، وأهي سلسبيل أطلقت من عبد الجبار." صمتت لبرهةً وتابعت محدثة نفسها: "هي خابرة زين لو فضلت على ذمته أكتر من أكده.. كانت هتبقى أرملته." ***
كانت "خضرا" تحيا أبشع أيام حياتها بعد خروجها من المستشفى، بالتزامن مع نفسيتها السيئة، ترى زوجها يعيش قصة حب ملتهبة مع زوجته الثانية أمام عينيها المتحسرة على حالها وما وصلت إليه، كانت ستنهي حياتها من شدة حبها وغيرتها عليه، لعله يتأثر بفعلتها هذه ويرأف بقلبها ويحقق لها أمنياتها بابتعاده عن "سلسبيل".
لكنه وللمرة الأولى خذلها حين تمسك بزواجه من غريمتها، رغم أنه لم يقصر بحقها، ويسعى جاهدًا لينال رضاها، إلا أنه كلما اختلى بالأخرى يجن جنونها، كل لحظة يقضيها برفقة "سلسبيل" تكون بمثابة طعنات متفرقة تمزق قلبها حتى قتل كل الصفات الحسنة التي كانت تتمتع بها، تحولت شخصيتها تحويل جذري وعقدت عزمها على استرجاع زوجها لها مهما كلف منها الأمر.
انتظرت حتى ذهب زوجها لعمله، وهرولت تجاه المطبخ صنعت أشهى الحلويات ووزعت منها على الجميع حتى العاملين بالمنزل، فور انتهائهم من تناولها غرقوا بنوم عميق، لم يظل أحد مستيقظ سواها هي وسلسبيل فقط. "إيه اللي بيحصل ده يا أبلة خضرا؟! قالتها "سلسبيل" وهي تتنقل بعينيها بين حماتها "بخيتة"، و"عفاف" وحتى ابنتي زوجها، جميعهم ناموا فجأة وهم جالسين بمقاعدهم. "أني حطيت لهم منوم."
هكذا أجابتها "خضرا" بهدوء، دب الرعب بأوصال "سلسبيل" التي تطلعت لها بأعين متسعة على آخرها، وتحدثت بصوتٍ مرتجف يظهر مدى خوفها قائلة: "ليه عملتي كده بس." ابتلعت لعابها بصعوبة وتابعت متعجبة: "وإيه أنا ما نمتش زيهم؟! "لأني رايدة أتحدت وياكِ بكلمتين ومعوزاش مخلوق يسمعنا." أردفت بها وهي تقترب منها، وجلست بجوارها.
كان الذعر واضح على مرأى تعابير وجه "سلسبيل" من ملامح "خضرا" التي أصبحت متوحشة بعدما كانت تتميز بطيبتها وحنانها، هيئتها الآن توحي بأنها على وشك ارتكاب جريمة قتل. "مقدرش، ورب العباد مقدرش أتحمل شوفتك مع راجلي أكتر من أكده." أطلقت صرخة مقهورة انتفضت على آثارها "سلسبيل" وبدأت تبكي بنحيب حين تابعت "خضرا" بصوتٍ مخيف:
"نار.. نار واعر بتحرق جلبي حرق، معتش قادرة أتحملها خلتني قطعت شرايين يدي اللي جوزتك بيها لـ جوزي لاجل ما اخلص من الوجع اللي بينهش في روحي كل ما تبقي في حضنه." لم تجد "سلسبيل" شيئًا تقوله لها، وقد زاد وتضاعف بداخلها شعور الذنب تجاهها الذي يُلزمها، ظلت تستمع لها وتبكي بصمت. "ببجي نفسي أقطعك بـ سناني تقطيع، بس خابرة زين إني لو عملت فيكي أكده عبد الجبار مهيملنيش على ذمته دقيقة واحدة، وأني عندي الموت أهون من بعدي عنه."
"يبقى هبعد أنا يا أبلة خضرا.. هطلب الطلاق وهبعد أنا لو ده هيريحك." همست بها "سلسبيل" بتقطع من بين شهقاتها الحادة. "اممم.. إن جيتي للحق طلاقك هيريحني صح.. بس هو عبد الجبار هيسيبك تبعدي ولا هيطلقك بسهولة أكده إياك؟! دمدمت بها "خضرا" ورمقتها بنظرة تحمل حقد وكرهه عرفوا طريقهم لقلبها الملتاع، وتابعت بنبرة ساخرة: "ولا أنتي يا كهينة هتقدري على بعده؟!
أجهشت "سلسبيل" بالبكاء، وحركت رأسها بالنفي تخبرها أنها بالفعل أصبحت غير قادرة على الابتعاد عن زوجها مرددة بنبرة راجية:
"متزعليش مني يا أبلة خضرا، أنا ما صدقت لقيت راجل بجد أتحامي فيه ويبقى ضهر وسند ليا في الدنيا القاسية دي.. أنا والله العظيم مش قصدي أضايقك ولا آخد جوزك منك.. بس جوزك ده بقى جوزي أنا كمان وبرضاكي، وأنتي اللي جوزتيني ليه بنفسك.. وأنا آه وعدتك إني مش هكون ليه زوجة بس مكنتش أتخيل إنه هيخليني أحبه بالشكل ده لدرجة إني هموت لو بعدت عنه."
ساد الصمت طويلاً حتى قطعته "خضرا" التي ربتت على كتف "سلسبيل" بعنف، ابتسمت لها ابتسامة يملؤها الشرر، وتحدثت بجملة كاد قلب "سلسبيل" أن يتوقف بسببها: "لأ.. مش أنتي اللي هتموتي لو مبعدتيش عنه." تلاحقت أنفاس "سلسبيل" وهي تسألها عن مقصدها مستفسرة: "قصدك إيه بكلامك ده؟! "خضرا" بذهول مصطنع: "وه.. كأنك مسمعتيش عن المثل اللي بيقول الوحدة تشوف راجلها في المجبرة ولا إنها تشوفه مع مرة." توحشت نظرتها القاسية أكثر وتابعت بوعيد:
"لو فضلت على ذمة عبد الجبار هنبقى أرامل أنا وأنتي يا سلسبيل." "أنتي بتقولي إيه، وبتهدديني بإيه؟! .. انتي عايزة تقتلي جوزك أبو بناتك؟! قالتها "سلسبيل" بصدمة بصوتٍ أشبه بالصراخ. أجابتها "خضرا" بلهجة حادة شديدة الجدية لا تحمل أي جدال قائلة: "أيوه عندي أقتله ولا إنك تاخديه مني، واديكي شوفتي بعينك كيف خدرت كل اللي في الدار.. المرة الجاية مش هيبجي منوم.. لأ.. هيبقي سم هاري بطيء المفعول.. يموت قصاد عينيكي بالبطيء."
زاد ذعر "سلسبيل" جعل ارتجاف جسدها يتحول إلى تشنجات حين تخيلت مجرد تخيل أنها فقدت زوجها، خوفها عليه جعلها تقول بلا تردد: "طيب خلاص أنا هبعد.. والله هبعد عنه يا أبلة خضرا.. بس قوليلي هبعد إزاي وأنتي لسه قايلة إنه مش هيطلقني بسهولة؟! "تخلعيه." قالتها "خضرا" ببرود ثلجي وهي تتنهد بارتياح بعدما وصلت لهدفها، وبأمر تابعت حديثها: "توكلي جدك يرفع لك قضية خلع في أقرب وقت.. وقتها عبد الجبار هو اللي هيطلقك بالتلاتة." ***
"كنت مجبرة على إفلات يداك، ولكن قلبي مازال بك، فإذا تنعمت بلقياك ثانيةً فلا تتركني أبدًا أرجوك، استعمرني بشمسك ودفء أنفاسك إلى الأبد." يومان فقط قضتهم "سلسبيل" في منزل جدها، والذي هو بالأساس ملك لـ "جابر"، لكنها لن تبقى ليوم آخر بعدما استمعت لحديث خالتها التي تريد إرسالها لوالدها حتى تبعدها عن ابنها.
دون ذرة تفكير منها قررت الفرار هاربة خوفًا من مجيء والدها أو عودة "جابر" بأي لحظة الذي بالتأكيد لن يتركها تذهب، اندفعت فجأة دون سابق إنذار راكضة من غرفتها ومن ثم لخارج الشقة بأكملها بـ أسدالها البيت، أمام أعين خالتها وجدها اللذان لجمتهما الصدمة للحظات، وحين استوعبت "سعاد" ما حدث هرولت خلفها صارخة باسمها: "سلسبيل.. بتجري رايحة فين كده يا بنتي!!!
"أجري وراها الحقيها يا سعاد.. البت أكيد سمعتك وأنتي بتقولي هتكلمي أبوها عشان يجي ياخدها." قالها "فؤاد" بغضب عارم، وهو يضرب كفيه ببعضها، تحرك تجاه شرفة المنزل، ونادى بصوتٍ عالٍ للغاية لتتمكن من سماعه: "يا سلسبيل.. ارجعي يا بنتي متخافيش." صوته وصل لسمع "سلسبيل" لكنها لم تعد، أكملت ركضها بلا توقف، تركض بالطرقات بلا هوادة، لم تستطع "سعاد" اللحاق بها، كانت كالطائر الحبيس وطلقوا سراحه أخيرًا، تشعر بالحرية لأول مرة بعمرها.
ظلت تركض إلى أن شعرت بأنفاسها تتلاشى كأن روحها تنسحب منها، توقفت بجوار شجرة كبيرة تستظل بأوراقها من أشعة الشمس الحارقة. أخذت بضعة دقائق تستعيد أنفاسها المسلوبة، وتحدثت عبر الهاتف الذي كان موضوعًا على أذنها أثناء ركوضها: "هربت.. هربت يا دادة عفاف.. قوليلي أجيلك إزاي." "عفاف" بلهفة:
"خدي نفسك الأول يا حبيبتي.. وبعدين شاوري لـ تاكسي وقفيه قوليله وصلني إسكندرية وأنا هفضل معاكي على التليفون لحد ما أقابلك بعربيتي على الطريق." انصاعت لها "سلسبيل" على الفور. قامت بالإشارة لأول سيارة أجرة ظهرت أمامها. "ممكن توديني إسكندرية من فضلك." "هاخد 500 جنيه ومقدم يا ست." أردف بها السائق قبل أن تصعد "سلسبيل" السيارة، هنا تذكرت أنها تركت كل شيء حتى حقيبة ملابسها ونقودها، لم تأخذ معها إلا الهاتف، فشهقت بخفوت قائلة:
"أنا مجبتش معايا أي فلوس يا دادة." "عفاف": "اركبى يا سلسبيل وقوليله هحاسبك لما أوصل." انطلق السائق بسيارته من أمامها في الحال وهو يسب ويلعن بعدما استمع لجملتها هذه، بدأ الخوف يداهمها من جديد وعادت تختبئ بظلال تلك الشجرة الكبيرة، تجمعت العبرات بعينيها وبصوت ظهر به الخوف قالت: "السواق مشي قبل ما أركب لما سمعني بقولك مش معايا فل؛؛؛ آآآآه."
قطعت حديثها فجأة، وصرخت صرخة مدوية حين مرت من جانبها دراجة بخارية وبلمح البصر خطف سائقها الهاتف من يدها بمنتهى القوة أفقدها توازنها فسقطت على وجهها مصطدمة بجبهتها بالأرض الصلبة بعنف. كل هذا حدث في غمضة عين ولسوء حظها المعتاد كان الطريق خالي من المارة بسبب أجواء الجو شديد الحرارة.
تحاملت على نفسها، واعتدلت جالسة بوهن تتحسس جبهتها بأصابع مرتعشة، شعرت بسائل لازج يهبط على حاجبيها نزولاً بعينيها فعلمت أنها أصيبت بجرح ليس هين، كلما حاولت النهوض تشعر بدوار شديد يجتاحها بقوة. زحفت بضعف متراجعة للخلف حتى وصلت لجذع الشجرة ارتمت عليه بظهرها مستسلمة لمصيرها مهما كان فهي على يقين أن الله لن يتركها. بينما عفاف كادت أن تفقد عقلها، وسقط قلبها أرضًا حين سمعت صرخة "سلسبيل".
"سلسبيل.. مالك يا بنتي.. ردي عليا إيه اللي حصل لك يا ضنايا." صرخت بها "عفاف"، لم يأتيها منها رد رغم أن الخط ما زال مفتوح، ظلت تصرخ باسمها لعلها تجد رد حتى انغلق الخط، حاولت إعادة الاتصال بها مرارًا وتكرارًا ولكن الهاتف تم غلقه. لم تفكر مرتين وطلبت رقم الشخص الوحيد الذي بأمكانه هدم الدنيا لأجل "سلسبيل". *** "عبد الجبار."
يجلس داخل سيارته بالمقعد الخلفي، ممسكًا بيده ورقة طلاق "سلسبيل" الواقفة على توقيعه، يتمنى لو كان ما يعيشه الآن كابوس، وسيفوق منه يجدها نائمة على صدره، تختبئ بين ضلوعه، تبتسم له ابتسامتها التي تنير حياته.
تنقل بعينيه على مكان توقيعها، حينها تأكد أن ما يعيشه الآن لم يكن كابوسًا، بل حقيقة. أسوأ حقيقة حدثت له، فضل عدم إمضاء توقيعه إلا بعدما يذهب إليها خصيصًا من الإسكندرية إلى منزل جدها بالمنصورة ليسألها للمرة الأخيرة عن سبب مقنع لما فعلته، يحاول إيجاد مبرر واحد يدفعها للابتعاد عنه بهذه الطريقة المهينة لرجولته. صدح صوت رنين هاتفه جعل قلبه ينقبض دون معرفة السبب حين لمح اسم "عفاف"، ضغط زر الفتح وأجابها بلهفة
ظهرت بنبرة صوته الأجش: "خير يا عفاف؟! أتاه صوتها الباكي كاد أن يصيبه بسكتة قلبيه من شدة فزعه على معذبته حين سمعها تقول بتقطع: "ألحق سلسبيل يا عبد الجبار بيه."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!