الفصل 14 | من 20 فصل

رواية جبر السلسبيل الجزء الثاني الفصل الرابع عشر 14 - بقلم نسمة مالك

المشاهدات
21
كلمة
3,322
وقت القراءة
17 د
التقدم في الرواية 70%
حجم الخط: 18

داخل غرفة الاجتماعات انقضى وقت طويل، كان الجميع منهمكين بالعمل بكل ما يملكون من تركيز، لكنهم لم يستطيعوا الوصول لاحترافية "عبد الجبار" التي أدهشتهم وأبهارتهم في آنٍ واحد، فتمكنه في مجال إدارة الأعمال فاق الحدود. كل منهم يحاول إظهار أفضل ما عنده حتى ينال إعجابه، خاصةً "سلسبيل". عرضت تصميماتها التي قامت برسمها بدقة وإتقان شديد. ومع مرور الوقت بدأت تشعر بالإرهاق والجوع معًا، فمسحت على بروز بطنها بكف يدها بمنتهى الرفق.

أطلقت آهة خافتة لم تصل لسمع أحدٍ سواه، فتفهم على الفور ما تشعر به رغم أنه لم ينظر لها ولو لمرة واحدة. بينما هي استغلت انشغاله بفحص الملفات المقدمة له، وظلت تتأمل كل تفصيل فيه بملامح جامدة عكس الاشتياق واللهفة اللتان يملآن قلبها المتيم به، تحفر بداخلها ملامحه وقسمات وجهه الوسيم بأعين يتطاير منها الفرحة الغامرة بوجوده هنا معها. لتداهمها ذكرى يوم طلاقها منه، وحديثه معها أثناء طريقهم نحو منزلها في الإسكندرية.

"اسمعي حديتي وافهميه زين يا سلسبيل." نظرت له باهتمام تنتظر سماع باقي حديثه بنفاذ صبر. "أني طلقتك مش عشان قولتيلي يا أنا يا أم بناتك لع، أنا خابر زين إنك قولتي أكده وصممتي على الطلاق من خوفك عليا من تهديد خضرا اللي قالتلك هتقتلني لو فضلت على ذمتي." رباه! أنه على علم بكل شيء حدث بينها وبين ضرتها! كيف علم؟ من أخبره؟ ولما طلقها إذن؟ دارت هذه الأسئلة برأسها لكنها لم تستطع النطق بحرف واحد، بقيت تطلع له بأعين جاحظة، منذهلة.

"أنت عرفت كل ده إزاي؟ ولما عرفت طلقتني أنا ليه وسبت على ذمتك اللي عايزة تقتلك؟! "عرفت من بتي فاطمة.. شافت أمها وهي بتحط منوم ليكم في الوكل. عملت أنها أكلت ونامت زي أختها وأمي بس هي كانت صاحية وسمعت كل حديتها وياكِ وقالتلي على كل اللي حصل بعد ما وعدتها ما أذيش أمها." صمت لبرهة يلتقط أنفاسه ونظر لها بعينيه التي تذوب بتفاصيلها مكملاً بصوته الأجش.

"وسبت اللي عايزة تطلقني على ذمتي لخاطر بناتي، وطلقتك أنتِ يا سلسبيل عشان ده الصُح اللي كان لازم أعمله من الأول. أنتي ضحية لينا كلنا.. أبوكي، أمي، أخوي الله يرحمه ويساامحه، خضرا، وإني كمان صممت أتجوزك وأني خابر إنك مبتحبنيش ومجبرة على جوازك مني." "ومين بس قالك إني مبحبكش؟! أردفت بها وهي ترفع يدها وتضم وجهه بين كفيها الصغيران، وأصابعها تتحسس لحيته بشغف مكملة بعشق.

"ده أنا أعترفلك إنك كنت حلم بالنسبالي، وأمنيتي اللي مكنتش أتوقع أنها تتحقق. أنا مش بس بحبك.. أنا بعشقك يا عبد الجبار." ختمت حديثها ومالت برأسها على صدره بعدما عانقته بذراعيها.

"عشقك ليا ده وهم وهيجي عليكي الوقت وتوفقي منه، ووقتها هتكرهيني وتكرهي اليوم اللي شوفتيني فيه، وأني الموت أهون عندي من نظرة كرهة ألمحها في عيونك يا بت جلبي، عشان كده بحرم روحي منك دلوقتي قبل ما ييجي الوقت اللي تحرميني أنتِ فيه منك للأبد، لأني واثق إنك لما تفكري في حديتي ده زين هتلاقي عندي حق، وقتها هتحترميني ومش هتقطعي الوصل بيننا. لكن لو لقيتي قلبك وعقلك متعلقين بيا كيف ما أنا متعلق بيكي، ورايداني أردك على ذمتي مرة تانية لازم تكون بإرادتك الكاملة، من غير ضغط وإجبار من أي مخلوق يا سلسبيل."

ابتعدت عنه وتطلعت له بأعين دامعة، وبهَمْسٍ عاتبته قائلة. "بعد كل اللي عشناه سوا، بتشكك في حبي ليك يا عبد الجبار؟! حرك رأسه لها بالنفي سريعًا، وجذبها من خصرها داخل حضنه بلهفة. "أني واثق من حبي ليكي.. لكن اللي جواكي من ناحيتي مجرد احتياج وبس مش حب، وأنا وفرتلك كل سبل الحماية والأمان اللي أنتِ محتاجهم، لما تتعودي عليهم هتقدري ساعتها تعرفي إحساسك من جهتي إيه بالظبط، وأي إن كان قرارك أني هحترمه وهقدر يا سلسبيل."

فاقت من تلك الذكرى على صوته ينادي عليها بقلق حين لمح العبرات تترقرق بعينيها الفاتنة التي تسحره بجمالها. "سلسبيل أنتِ زينة؟! "آه كويسة.. كملوا شغل."

قالتها باقتضاب وهي تنظر لملف موضوع أمامها. فرحتها الغامرة بحضوره التي تزين ملامحها أصبحت ممزوجة بالغضب والغيظ، أخفت فرحتها هذه حين تذكرت رفضه القاطع بردها على ذمته بعد علمه بأنها حامل منه، لا يريد أن يكون بينهما رابط يجبرهما على العودة لبعضهما، يريدها كما قال بكامل إرادتها، حتى وصل به الأمر يطلب منها تقولها له صريحة، تخبره بكل ما تملك من جرأة أنها تريده زوجًا لها، وهذا لا ولن تسمح لها كرامتها ولا كبرياؤها بفعله.

كل هذا تحت نظرات "جابر" الذي يتابعها بصمتٍ، وابتسامة دافئة. لا يريد أي شيء آخر غير أن يراها قوية، وتحيا حياة سعيدة حتى لو كانت سعادتها هذه مع غيره. منذ اللحظة التي أخبرته فيها بحملها وهو أيقن أنهما لن يتقابلا على طريق الحب أبدًا، ورغم هذا تعهد بحمايتها ودعمها لأنها ستظل صغيرته "سلسبيل". "خلينا ناخد ساعة راحة، ونعاود للشغل مرة تانية."

قالها "عبد الجبار" وهو يرفع رأسه أخيرًا وينظر تجاه معذبته التي ابتعدت مسرعة بعينيها عنه ومثلت انشغالها بالأوراق أمامها. نهض جميع الحضور، من بينهم "جابر" الذي تحدث بعملية وهو يتنقل بين "سلسبيل" و"عبد الجبار" قائلاً. "مدام الشغل مطول كده يبقى نطلب غدا.. تحبوا تاكلوا حاجة معينة؟ "عايزة بيتزا ميكس جبن يا جابر لو سمحت."

قالتها "سلسبيل" بصوتها الهامس الرقيق، وهي تعتدل على مقعدها بوضع أكثر راحة، ورمقت "عبد الجبار" بنظرة خاطفة مكملة بابتسامة مصطنعة. "ووصل مستر عبد الجبار لمكتبه الجديد اللي صممت كل ديكوره بنفسي." زادت ابتسامتها اتساعًا، وتطلعت له بنظرة بدت باردة وتابعت بثقة. "تصميمه مش هيعجبك.. بس هو عاجبني أنا وده المهم."

كتم "جابر" ابتسامته على طريقتها التي تثير جنون ذلك العاشق الملتزم بالصمت. لم يتفوه بكلمة واحدة، اكتفى بالنظر للعاملين المرافقين لهم نظرة يخبرهم بها أن يتركوهم بمفردهم، وبالفعل بدأ الجميع يغادرون المكان واحدًا تلو الآخر. "طيب يلا بينا يا عبد الجبار أوصلك لمكتبك وبعدها هطلب الأكل.. أطلب لك بيتزا أنت كمان ولا تقضيها سندوتشات زيي؟ قالها "جابر" الذي نهض من مكانه وسار تجاه الباب. "أطلب أي أكل مش هيفرق."

نطق بها "عبد الجبار" وهو ينهض أيضًا. سار خلفه بخطوات هادئة أثارت الريبة بقلب تلك الجالسة، جعل قلبها ينتفض أكثر بين ضلوعها خاصةً حين وجدته يغلق الباب عليهما بعدما خرج "جابر" مباشرةً. "وده اسمه إيه ده إن شاء الله يا مستر؟! قالتها بثبات تُحسد عليه عكس انصهارها وذوبان عظامها. "أني طلقت خضرا يا سلسبيل."

قالها بغصة مريرة يملؤها الوجع. جملته هذه هزت كيانها كله، وأصابتها بصدمة للحظات قليلة، رسمت بعدها الجمود على محياها وهي تقول بلامبالاة. "طلاقك لأبلة خضرا ميخصنيش.. دي حياتك وأنت حر فيها." قطع المسافة بينه وبينها في خطوتين فقط، حتى توقف أمامها مباشرةً، المسافة بينهما لا تُذكر لكنهما لا يتلامسان. "اتوحشتك قوي قوي يا حبة القلب." قالها وهو يرمقها بنظراته التي يشتعل بها نيران شوقه إليها.

أنهارت كل قوتها المزيفة بلمح البصر، تورّدت وجنتيها بحمرة الخجل، ونظرت له نظرة يملؤها الحب مرددة بتنهيدة كالمغيبة. "وأنت؟! لم تُكمل حديثها، وكأنها استعادت وعيها سريعًا. "وأنت لا.. موحشتنيش خالص يا عبد الجبار." رفع حاجبيه معًا وتطلع لها بابتسامة عابثة، ومن ثم رفع أكمام قميصه عن معصميه، وفتح أول أزراره ليظهر بداية صدره العريض أمام عينيها المتيمة به. حينها تردد بقلبها سؤال واحد فقط: كيف حال الدفء على صدره؟

شهقت بصوتٍ خفيض حين جثى فجأة على ركبتيه أرضًا أمامها، وجذبها بمقعدها عليه حاصرها بجسده. شعرت بمدى ضآلتها بين ذراعيه الضخمة. لم يعطيها الفرصة حتى للاعتراض ومد يده حاوط بطنها الصغيرة بكفيه يتحسس حركة طفله بلهفة شديدة. "من حقي أطمن على ولدي اللي في بطنك." قالها بابتسامة لعوب وهو يتفرس ملامحها بافتتان لا يخلو من الاشتياق.

تنحنحت "سلسبيل" كمحاولة منها لإيجاد صوتها، ورفعت يدها دفعته بكتفه تبعده عنها بعنف لكنه كالصخر لم يتزحزح من مكانه ولو أنش واحد، بل التصق بها أكثر. "وأنت مين قالك إن اللي في بطني ولد أصلًا؟! تطلع لها بفرحة غامرة حقيقية وهو يقول بتساؤل. "بنت؟ حامل في بنت يا سلسبيل؟ رمقته بنظرة يتطاير منها الشرر وصاحت في وجهه بغضب قائلة. "ولا بنت." نظر لها بحاجب مرفوع، ومال بوجهه على وجهها حتى تلامست أنفهما مغمغمًا بحرارة.

"يعني لا واد ولا بت!! أمال حامل في إيه عاد؟ خطف قبلة من أرنبة أنفها مكملاً. "نوع الكائن اللي عمال يخبط شمال ويمين وبيجري تحت يدي ده إيه؟! "ملكش فيه.. لما أولد إن شاء الله أكيد هتعرف وقتها اللي بيجري ده نوعه إيه." أردفت بها وهي تكافح بضراوة لتتخلص من حصاره هذا. كانت عينيه مثبتة على شفتيها، وهمّ بغمرها بقبلة جامحة. ضيّقت عينيها وقد تفهمت ما يدور بذهنه، فضحكت بصوتها كله وهي تقول.

"أنت فاكر إني كنت رافضة أرجعلك بسبب أبلة خضرا، ودلوقتي ممكن نرجع عشان طلاقها؟! .. اللي بتفكر فيه ده مستحيل يحصل لأن أنت كنت على حق في كل كلمة قولتها ليا، وأنا اللي غلطانة.. شعوري نحيتك كان مجرد احتياج للحماية فعلاً.. مش حب ولا عشق زي ما خيالي المريض صورلي." نظرت داخل عينيه بعمق وتابعت بقسوة نابعة من جروحها التي مازالت تنزف.

"يعني أنا مبحبكش ياريت تفهم ده كويس، وبما إني اتعلمت أحمي نفسي بنفسي والفَضل في ده يرجع ليك الحقيقة فأنا بعترفلك إني مديونة ليك بالشكر لأنك صممت على انفصالنا يا عبد الجبار، وأنت كنت قولتلي إنك هتحترم قراري." كلماتها أصابته بمقتل، شعرت بتصلب جسده حولها، أيقنت الآن أنها خسرته للأبد من نظرته لها المملؤه بالحسرة والوجع. طعنته في قلبه بسكينٍ بارد، أبتعد عنها ببطء وانتصب واقفًا بطوله المهيب وتحدث بصلابة قائلاً.

"وأني عند كلامي.. قرارك هنفذه ومش هردك لعصمتي ومن انهاردة اللي بنا هيكون اللي في بطنك سواء بنت أو ولد، والشغل وبس يا سلسبيل هانم." بالخارج.. وقف "جابر" مستندًا بكفيه على مكتب "صفا" يتأملها بشغف، تلك الفتاة الخلوقة، وصية والدته التي اكتشف أنها يتيمة الأبوين وأن زوج والدته يكون صديق والدها الذي لم يُرزق بأطفال فتخذها ابنة له بعد وفاة والدها ووالدتها في حادث أليم نجت هي منه بمعجزة إلهية.

ابتلعت لعابها بصعوبة من نظراته الجديدة كليًا عليها، يتطلع لها بابتسامة دافئة لا تخلو من الإعجاب مردفًا. "أطلب لي بيتزا معاكِ." "بيتزا!! .. بس أنت قولت قبل كده إنك مبتحبهاش؟ همست بها "صفا" بستحياء متجنبة النظر له، ليميل هو برأسه قليلاً عليها، فنظرت له بأعين متسعة على آخرها من تغيره المفاجئ معها، ليزيد هو من دهشتها حين قال. "أصلي المرة دي واثق إني هحبها زي ما هي بتحبني وأكتر كمان."

رمشت بأهدابها مرات متتالية مدمدمة ببلاهة. "هي مين دي اللي بتحبك؟! نظر لها نظرة مصطنع البراءة وهو يجيبها. "البيتزا يا صفا.. هيكون أنتِ مثلاً اللي بتحبيني؟! ومش بس كده ده أنا كمان هطلب ايديها للجواز انهاردة.. بس تفتكري هي هتوافق على طلبي ده؟ تجمعت الدموع بعينيها جاهدت للسيطرة عليهم تمنعهم من الهبوط، وتحدثت بابتسامة متألمة قائلة. "لو عليها هي أكيد هتوافق على طلبك يا جابر بس معتقدتش إن أنت اللي هتوافق عليها لو عرفت إيه؟!

صمتت لوهلة، واعتدلت بمقعدها أظهرت إحدى قدميها، رفعت ثوبها بضعة أنشات لتظهر أمام عينيه طرف صناعي ترتديه بقدمها اليمني. "رجلها مبتورة." "بس أنا عارف يا صفا.. عرفت عنك كل حاجة وبتمنى توافقي على طلبي." هنا انهمرت عبراتها على وجنتيها بغزارة، وحركت رأسها بالنفي مرددة بأسف. "أنا سمعت الكلام ده قبل كده من خطيبي الأولاني، وفي الأخر سبني قبل الفرح بأسبوع.. وأنا معنديش استعداد يحصل فيا كده تاني يا جابر."

مسحت دموعها بعنف، ونهضت من مكانها مكملة بأسف قبل أن تسير من أمامه بخطى شبه راكضة. "طلبك مرفوض." "خضرا." بعد أن تأخر "عبد الجبار" للعودة إلى المنزل عدة ساعات طويلة، كانت تظن أنه لن يتردد في ردها كل هذا الوقت، لكن من الواضح أنه لن يتراجع عن يمينه. هداها تفكيرها إلى لملمة ما تبقى من كرامتها، قررت أن تعود للصعيد. بدأت تجمع ثيابها وثياب ابنتيها. "أنتِ بتعملي إيه يا أماي؟!

قالتها "فاطمة" بتساؤل وهي تتنقل بنظرها لحقائب الثياب الكثيرة من حولها. "هنمشي من هنا يا فاطمة.. خلاص لحد كده.. أبوكي طلقني ومبقاش رايداني." بكت "فاطمة" وهي تقول. "لا يا أماي أحب على يدك خلينا هنا في دار أبوي وهو هيعاود.. مش هيعوق علينا هو واعدني إنه هيسامحك ومهيأذكيش واصل." نظرت لها "خضرا" بلهفة، وتحدثت مستفسرة. "وعدك إمتى ووعدك ليه؟! ظهر الخوف على ملامح الصغيرة، لتطمئنها "خضرا" وتربت على ظهرها بحنو قائلة.

"في إيه يا بتي.. في حاجة مخبياها عليا؟ حركت "فاطمة" رأسها بالإيجاب، وتحدثت بصوتٍ مرتعش قائلة. "أني شوفتك يا أماي.. شوفتك وأنتِ بتحطي حاجة في الوكل لجدتي وأختي وبعد ما أكلوا ناموا طوالي.. عملت حالي نمت أني كمان وسمعت حديتك عن قتل أبوي اللي قولتيها لسلسبيل.. خوفت تعملي كده في أبوي فقولتله لأجل ما يدافع عن نفسه ولما قولتله كده قالي أمك عمرها ما هتعمل فيا كده وطمني ووعدني إنه مش هيأذيكي ولا هيملك تأذيه."

أجهشت "خضرا" في نوبة بكاء مرير، تذرف دموع الندم، نادمة على ما أوصلت نفسها إليه. كانت حياتها مثالية قبل أن تُشجع زوجها على الزواج من امرأة أخرى، من المفترض كانت رفضت الفكرة من بادئ الأمر وأغلقت باب تلك الرياح القوية التي هدمت حياتها. بموافقتها على فكرة الزواج من الأساس شجعت زوجها على اتفاقه مع الطبيب ليتمكن من إقناعها أكثر. "هنمشي يا أماي؟! أطبقت "خضرا" جفنيها بعنف، وبتنهيدة متألمة قالت. "أيوه يا فاطمة.. هنمشي!

قطعت حديثها وشهقت بذعر حين استمعت لصوت رجل يتحدث بفحيح كفحيح الأفاعي قائلاً. "هتمشي يا خضرا بس هتمشي من الدنيا كلها يا وش الخراب." استدارت على الفور تنظر تجاه مصدر الصوت، لتجحظ عينيها بصدمة حين وجدت "حسان" يدلف داخل الغرفة ممسكًا بيده ابنتها "حياة" كاتم فمها بكف يده، ويده الأخرى واضعًا سلاحه الناري على رأسها.

انقطعت أنفاسها، وكاد أن يتوقف قلبها المرتعد من شدة الخوف، وهرولت بإخفاء ابنتها "فاطمة" خلف ظهرها، وتطلعت له بأعين زائغة مرددة بذهول. "حسان!! .. أنت دخلت هنا كيف؟! "وه نسيتي إياك إني كنت حارس البيت هنا وخابر زين كل شبر فيه قبل ما أطرد منه بسببك وأتشرد بالشوارع ملقيش شغل واصل بعد ما الكل خد صف الكبير ورفضوا يشغلوني عندهم، هملني ومقتلنيش عشان خابر إني هموت بالحيا من الجوع وقلة الفلوس."

قالها "حسان" بغضب عارم، وحقد دفين ظاهر على قسماته المتوحشة. بينما "فاطمة" استغلت اختفاءها خلف والدتها، وأخرجت هاتفها من جيب منامتها، وطلبت رقم والدها الذي أجابها في الحال. "فاطمة.. في حاجة يا بتي؟! أتاه همسها الباكي تقول بصوتٍ مكتوم. "إلحقنا يا بوي هيموتنا." برغم أن جملتها كانت غير واضحة، إلا أنه انتفض من مكانه فجأة وركض بكل ما يملك من سرعة حين وصل لسمعه صوت "خضرا" تقول ببكاء وتوسل.

"همل حياة يا حسان.. البنتة ملهاش صالح.. أقتلني أنا وهمل بناتي أحب على جزمتك...

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...