"عبد الجبار".. مر بطريقه على متجر من أشهر المتاجر المخصصة ببيع جميع الأغراض الرجالي. خلال دقائق معدودة كان انتقى قميص أبيض اللون، سروال من الجينز الغامق، حذاء رياضي من اللون الأسود، نظارة شمسية سوداء من الماركة الشهيرة Tom Ford Ace، ساعة حول معصمه من Tag Heuer. ارتداهم على عجل، ومن ثم نثر عطره المفضل Dior Sauvage بغزارة وغادر على الفور غير عابئ بدفع ثمن ما أخذه، فهذا المكان من ضمن ممتلكاته الخاصة.
صدح صوت هاتفه برقم رئيس الحرس الخاص بمعذبة فؤاده "سلسبيل"، خفق قلبه بشدة وهو يضغط على زر الفتح قائلاً بلهفة: "إيه الأخبار عندك؟! أتاه صوت الآخر يتحدث بأسف: "عبد الجبار باشا.. محمد القناوي والد سلسبيل هانم وصل هنا في الشركة وصمم يقابل الهانم وهو فوق عندها في المكتب دلوقتي." "چابر وصل عندك ولا لاء؟ " قالها وهو يقفز داخل سيارته، وقادها بأقصى سرعة ممكنة. "لا يا باشا مش هنا وأنا لسه مابلغتهوش، بلغت سيادتك الأول."
زمجر "عبد الجبار" بصوت مخيف يدل على غضبه العارم، وقد شعر بالذعر على صغيرته وجنينه من بطش والدها الظالم. "اسمعني زين.. لو قناوي مَس شعرة منها طُخه بالنار.. واللي خلق الخلق لو حاجة حصلت للهانم مهيكفنيش رقباتكم كلكم." أنهى حديثه وألقى الهاتف من يده، وزاد من سرعته أكثر يتمنى لو يستطيع التحليق ومسابقة الرياح حتى يصل إليها. ليرن الهاتف من جديد هذه المرة برقم "جابر". "أنت فين يا بني آدم أنت؟!
" قالها "عبد الجبار" بعدما لكم الهاتف بكف يده لكمة كادت أن تهشمه لأشلاء من قوتها. أجابه "جابر" بأنفاس لاهثة: "أنا داخل الشركة أهو." أردف "عبد الجبار" بلهجة جادة: "بلغ قناوي أني چاي في الطريق، ولو لقيته عندك هضربه بالنار.. سامعني يا چابر.. هضربه بالنار." "سلسبيل".. مع مرور الوقت كل شيء يتحول إلى ماضي إلا اللحظة التي ينكسر بها قلبك تبقى حاضرة إلى الأبد. والآن يقف أمامها أول شخص كسرها وخذلها طيلة حياتها.
تلك المقابلة كانت تتهيأ لها منذ خمسة أشهر. وافقت "عفاف" حين اقترحت عليها الذهاب إلى دكتورة نفسية حتى تتمكن من التغلب على جميع مخاوفها، وأولهم خوفها الأكبر من المسمى بوالدها. كان "قناوي" في قمة غضبه، مما جعله يهجم عليها دون سابق إنذار مغمغماً بوحشية: "أطلقتي يا هملة.. عملتي اللي على كيفك وأطلقتي من غير علمي يا واكلة ناسك؟!
كاد أن يصفعها على وجنتيها بمنتهى القسوة، لكنها كانت أسرع منه وقامت بنثر رزاز على وجهه عبر بخاخة صغيرة، شوشت رؤيته وسببت له دوار قوي للغاية كاد أن يسقط أرضًا بسببه، أجبره على الجلوس على أقرب مقعد ممسكًا رأسه بكف يده. "مرحب يا بوي!! " تفوهت بها "سلسبيل" ببرود ثلجي تُحسد عليه. لم تتحرك من مكانها ولو انش واحد، ظلت جالسة على مقعدها خلف مكتبها، وأشارت لجميع الواقفين من الحرس بالانصراف مرددة:
"أخرجوا واقفلوا الباب وراكم ومحدش يدخل عندي هنا دلوقتي خالص." نفذ الجميع أوامرها في الحال، وخرجوا واحد تلو الآخر حتى بقت هي ووالدها بمفردهما. تراخى جسد "قناوي" على المقعد، وشعر بالدنيا تومض من حوله، فرمقها بنظرة زائغة، وهمس بصوت مرتجف قائلاً: "أنتي عملتي فيا أيه يا بت المركوب القديم؟! ابتسمت له ابتسامة مصطنعة، بدت مخيفة أثارت الريبة بنفس "قناوي"، وتحدثت بهدوء ما قبل العاصفة قائلة:
"دفعت عن نفسي من ظلمك لأول مرة في عمري.. أصل اللي قاعدة قدامك دي سلسبيل تانية غير اللي كنت أنت بتضربها بالكرباج." "ااه مقدرش. مقدرش أقوم على حيلي واصل.. انطقي عملتي فيا أيه يا بت الك**.." قالها بصعوبة وحين شعر بثقل لسانه الشديد. "أنا معملتش فيك أي حاجة.. من يوم ما شوفتك وعرفتي إنك أبويا وأنت اللي بتعمل فيا حاجات." رفعت يدها، وبدأت تعد على أصابع يدها:
"ذلتيني.. كسرتيني.. هنتيني.. ضربتيني.. غصبتيني على الجواز.. ورتيني العذاب على كل شكل ولون، وجاي دلوقتي فاكر إنك هتقدر تضربني تاني.. فاكرني هفضل ضعيفة ومدفعش عن نفسي؟! نظر لها بأعين شبه مغلقة وقال بضعف: "أني عملت فيكِ أكده لاجل ما أربيكي زين.. كيف ما أهلنا علمونا وتقاليدنا بتقول أكسر للبنتة ضلع يطلع لها أربعة وعشرين."
"وأنت مش بس كسرت ضلوعي كلهاااا.. لا أنت قتلتني بالحيا.. دمرتني وكرتني في نفسي وفي الدنيا كلهاااا." قالتها بصراخ مقهور دون بكاء، كانت متماسكة لأقصى درجة. أخذت نفس عميق زفرته على مهل قبل أن تتابع:
"أرجع البلد يا بوي وقول للناس بنتي سلسبيل ماتت وخد عزايا لأني مش هعمل اللي في دماغك وأرجع لعبد الجبار.. طلاقي منه اللي مزعلك أوي ده أحسن حاجة حصلت لي لحد دلوقتي.. هو السبب وصاحب الفضل أني أقوى بالشكل ده وأحقق هدفي وحلمي اللي عمري ما تخيلت إني أحققه." صمتت لبرهة وأكملت بغصة يملؤها الأسى: "ولازم تبقى عارف كمان أني عمري ما هسامحك على اللي عملته في أمي وفيّ.. عمري ما هسامحك يا بوي."
كانت آخر جملة وصلت لسمع "قناوي" زلزلت قلبه قبل أن يغلق عينيه ويغرق في نوم عميق. تطلعت له قليلاً بأعين تحجرت بها العبرات، ومن ثم ضغطت على زر بجواره، فهرولوا رجال الأمن إليها مسرعين: "شيلوه من هنا وأخرجوا بيه من باب الشركة الخلفي وبلغوا حد من السواقين يوديه الصعيد، ولما يفوق في أي وقت ابقوا طمنوني."
حملوه في التو واللحظة، وساروا به لخارج المكتب تزامنًا مع دخول "جابر" مندفعًا، ليتسمر مكانه بصدمة حين وقعت عينيه على "قناوي" المحمول على أيدي أفراد الأمن، يبدو أنه فاقد الوعي تمامًا. بقي مكانه للحظات، يقف بصمت يتنقل بعينيه بين "سلسبيل" ووالدها حتى اختفى من أمامهم. "اممم.. فاضل على الاجتماع 3 دقايق.. كويس إنك متأخرتش يا جابر." دمدمت بها "سلسبيل" وهي تنهض بتمهل من مقعدها وسارت بخطي جاهدت حتى تجعلها متزنة.
"إيه اللي حصل يا سلسبيل؟! " تساءل "جابر" بقلق جم. تنهدت "سلسبيل" وهي تجيبه بجمود: "مش وقته من فضلك يا جابر.. العملاء على وصول ولازم نكون في استقبالهم بنفس." قطعت حديثها فجأة حين داعبت حواسها رائحة عطر تحفظها عن ظهر قلب. رباه!!! من المؤكد أنه هنا، تشعر بأنفاسه تحاوطها، دقات قلبه يصل صدى صوتها إلى أذنها، تلاحقت أنفاسها، وانتفض بدنها كله دفعة واحدة حين سمعت صوته المدمر ينطق اسمها بلهفة من بين أنفاسه المتقطعة: "سلسبيل!!!
كتمت أنفاسها قبل أن تستدير ببطء، وتقابلت أعينهما بعد فراق دام لشهور، حينها شعرت بانصهارها كالشمعة من شدة اشتياقها له. يقف أمامها بطوله المهيب، جاذبيته الساحرة، هيبته، ووقاره كان مثالاً حيًا للإغواء والفتنة. "أهلاً مستر عبد الجبار." نطقت بها "سلسبيل" بعملية بحتة، وملامح نجحت في إخفاء مشاعرها تجاهه ببراعة، لكن قلبها خذلها ولم يتوقف عن الارتجاف بين ضلوعها.
بينما وقف "عبد الجبار" مشدوهًا، يتطلع لها بصدمة من تغيرها الذي أذهله مرددًا بتعجب وهو يتنقل بعينيه بينها وبين "جابر" الذي لم يستطع السيطرة على ضحكاته: "مستر!! بقى أنا يتقالي مستر عبد الجبار؟! "الصراحة مستر وعبد الجبار مش لايقين على بعض خالص." قالها "جابر" وهو يقهقه بصوت عال، جعل "عبد الجبار" يرمقه بنظرة سامة. "اتفضلوا على قاعة الاجتماعات." قالتها "سلسبيل" مقاطعة إياهم بلهجة صارمة وهي تشير لهما على غرفة مقابل مكتبها.
كان "عبد الجبار" يتطلع لها بفم مفتوح على وسعه من شدة ذهوله من طريقتها الجديدة عليه وعليها كليًا، وتحدث مستفسرًا: "وإنتي عرفتي كيف أني جاي أحضر الاجتماع وياكم؟! "وهو في شريك أساسي يملك أكتر من نص أسهم الشركة ميحضرش اجتماع مهم زي ده؟! " قالتها دون النظر له، مثلت انشغالها بالنظر في ملف موضوع أمامها على المكتب، ومن ثم رفعت رأسها وأبتسمت له ابتسامة خبيثة مكملة: "نورت شركتك يا عبد الجبار باشا!!!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!