في بعض الأحيان يأتي علينا وقت نكون فيه كالمغيبين، نسير وراء ما نريد دون النظر في عواقبه، حتى تأتي ضربة قوية على حين غرة تعيد لنا وعينا، ضربة تكاد تكون قاتلة، ولكنها وبكل آسف تركننا أحياء، لنقر ونعترف بأنها أعطتنا درسًا قاسيًا نخرج منه بقوة لم نكن نظن إننا نمتلكها ذات يوم.
"جابر".. يقود سيارته بسرعة الرياح، وقد انقبض قلبه قبضة مخيفة، عينيه كانت على الطريق بتركيز شديد، وعلى المرآة أيضًا في آنٍ واحد، ينظر للهدايا القيمة الخاصة بالرسم والكثير من الورود الرائعة التي أحضرها لـ"سلسبيل" ولم يجد فرصة مناسبة لأعطائهم لها. وبرغم تركيزه هذا إلا أنه لم ينتبه لـ"حسان" الذي يتابعه منذ خروجه من المستشفى بأمر من "عبد الجبار".
دقائق معدودة وكان يصف سيارته أمام منزله، تزامنًا مع وصول "صفا" التي قفزت راكضة من سيارة أجرة، متوجهة نحو المنزل التي كانت تأتي إليه دومًا برفقة زوجة والدها "سعاد" لزيارة "فؤاد" التي تعتبره في مقام جدها. كانت تركض نحو الدرج بهرولة، ليلحق بها "جابر" بخطواته الواسعة، وقد زاد خوفه حين لمح ذعرها الظاهر على ملامحها ذات الجمال الهادئ.
تصعد الدرج كل درجتين معًا لتفلت إحدى قدميها وكادت أن تسقط على وجهها، إلا أن يده التي قبضت على ذراعها منعتها. استدارت وتطلعت له بلهفة فقد كانت على يقين أنه هو حين حاوطتها رائحة عطره المميز. "جابر.. خد علاج ماما سعاد وأطلع أنت اديها حقنة الأنسولين بسرعة". قالتها بأنفاس مقطوعة وهي تمد يدها له بالحقيبة الخاصة بأدوية "سعاد".
أخذهم منها "جابر" وركض بهم من أمامها مسرعًا دون أن يرد عليها بحرف واحد، وصل لشقته في لمح البصر بسبب سرعته الشديدة، بينما هي كانت تجاهد بأنفاس متهدجة لتصعد الباقي من الدرج. فتح الباب بأصابع مرتعشة، وأندفع للداخل يبحث عن والدته وجده وهو يصيح بصوتٍ يملؤه الخوف. "يا أمه.. يا جدي!! توقف عن الحديث، وحجظت عينيه بصدمة حين وجد "فؤاد" يجلس بجوار والدته الممدة أرضًا في حالة يرثى لها، فاق من صدمته على صوت جده الباكي يقول بتوسل.
"ألحق أمك يا جابر". جثي على ركبتيه بجوارها، وقام بغرز تلك الحقنة الرفيعة للغاية بفخذها مرددًا بابتسامة يخفي بها ارتعاد قلبه عليها. "أيه يا أم جابر.. عايزة توقفي قلبي ولا أيه". قالها وهو يساعد جده على النهوض، ومن ثم مال عليها وحملها على ذراعيه بمنتهى الخفة لضآلة وضعف جسدها الهزيل للغاية. كانت "سعاد" بين الوعي واللاوعي، تجاهد لتفتح عينيها، تهمس له بجملة صغيرة بصعوبة بالغة قائلة. "سامحني.. سامحني يا ابني".
كان يسير بها لخارج المنزل قاصدًا المستشفى بعدما رأى شحوب وجهها وعينيها الزائغة التي جعلت الرعب يدب بأوصاله. "وبعدين معاكي يا أمه.. أنتي بتشوفي غلاوتك عندي بعملك دي!!! ارتمت "سعاد" برأسها على صدره، وبكت بضعف وهي تقول. "عطشانة.. أسقيني يا جابر". جملتها هذه جعلت "جابر" في حيرة من أمره، يكمل سيره بها، أم يضعها على أقرب أريكة، ويجلب لها الماء؟! "الميه أهي يا ماما سعاد.. اشربي يا حبيبتي".
صدح صوت "صفا" التي دلفت للتو من باب الشقة المفتوح، وركضت تجاه كوب من المياه كان موضوع على الطاولة، أخذته، واقتربت منها تساعدها على الشراب وهي على يد ابنها. بللت "سعاد" شفتيها التي أزرقت لونهما، وتحدثت بصوتٍ بالكاد يُسمع قائلة. "قعدني على كرسيي يا جابر.. أنا هبقى كويسة دلوقتي.. مش عايزة أروح مستشفيات.. عايزة أتكلم معاك يا ابني". حرك "جابر" رأسه لها بالنفي وتابع سيره بها مرددًا.
"هنروح المستشفى نطمن عليكي بس ونرجع على طول بمشيئة الله يا أم جابر". ربتت "سعاد" على صدره بكف يدها الباردة كالـ ثلج وهي تقول بنبرة راجية. "جابر أقف واسمعيني الأول لو ليا خاطر عندك يا ضنايا". وقف "جابر" محله على مضض، ونظر لها بعينيه التي لمعت بالدموع، وقد تحولت نظرته الآن إلى نظرة طفل صغير لم يتم عامه الخامس مذعورًا من رؤية والدته تصارع الموت أمامه.
تأملت "سعاد" ملامح وجهه الجذابة بابتسامة دافئة وحب شديد، هبطت عبراتها على وجنتيها ببطء وهي تقول بندم. "سامحني.. وقول لـ سلسبيل هي كمان تسامحني يا جابر وعرفها إن اللي قولته كان كلام وقت غضب لكني والله ما كنت هتصل بأبوها".
انفجرت "صفا" بنوبة بكاء حادة أشبه بالصراخ، ليصطك "جابر" على أسنانه بقوة كاد أن يهشمها، وتابع سيره من جديد بوالدته، ولكن هذه المرة كان يركض بها حتى وصل لسيارته، فتحت بابها "صفا" التي لحقت بهما، فوضع "جابر" والدته على المقعد الخلفي، وهم بالابتعاد عنها، لكن "سعاد" تمسكت بقميصه جذبته عليها حتى أصبحت أذنه مقابل فمها وهمست بأنفاس تتلاشى.
"خلي بالك من بنت خالتك وحاول تصلح بينها وبين جوزها لأنه بيحبها وهي كمان بتحبه ومش هتحب غيره فمتعلقش قلبك بأمل كذاب يا حبيبي.. وبوصيك على صفا.. صفا يا جابر.. صفا يتيمة أم و!! صمتت لبرهةً وشهقت بقوة مكملة بحرفين فقط قالتهما بتقطع. "أب!! كانت آخر كلمة نطقت بها، وسكت لسانها إلى الأبد بعدما فارقت روحها جسدها وهي داخل حضن وحيدها. "لااااااا.. ماما سعاد".
صرخت بها "صفا" وهي تدفع "جابر" بعيدًا عنها، وترتمي فوق صدرها مرددة بصراخ يقطع نياط القلوب. "متسبنيش بالله عليكِ.. متعمليش فيا كده.. أنا مليش غيرك.. متسبنيش أعيش في مرارة اليُتم تاني أبوس أيدك". الموت المفاجيء فاجعة حطت على رأس "جابر" دون سابق إنظار، فاللهم إنا نعوذ بك من فواجع الأقدار.
"عبد الجبار".. كان يستعد للذهاب، لكنه ظل مكانه حين رأى "جابر" غادر المكان مهرولاً تاركًا "سلسبيل" برفقة "عفاف" بمفردهما، زحف القلق لقلبه وشعر أن هناك شيئًا خطير أجبره على المغادرة فجأة هكذا. جلس داخل سيارته ينتظر اتصال "حسان" الذي أرسله خلفه، ليصدح رنين هاتفه أخيرًا، ولكن برقم آخر كان ينتظره أيضًا على أحر من الجمر، فضغط زر الفتح بلهفة قائلاً. "ها أيه الأخبار؟!
"كان عندك حق يا عبد الجبار باشا.. الواد اللي سرق تليفون سلسبيل هانم كان مزقوق عليها فعلاً، ولما قرصنا عليه شوية قال إن في واحد كان متفق معاه يقتلها بس هو خاف واكتفى بالسرقة لما سأل وعرف أنها مراتك يا باشا". "إسمه أيه اللي أتفق معاه؟! قالها "عبد الجبار" مستفسرًا بصوته الأجش، ليأتيه الرد الذي كان أكبر صدمة بالنسبة له حين قال الآخر بأسف. "إسمه حسان.. دراع سيادتك اليمين". "حسان!!!
تمتم بها بعدم تصديق، والكثير من الأمور بدأت توضح أمام عينيه، ساد الصمت طويلًا حتى قطعه "عبد الجبار" يقول بأمر. "قدامك أقل من ساعة وتشيعلي طقم حرس على العنوان اللي هبعتهولك دلوجيت، وهاتلي الواد الحرامي وتليفون الهانم وأسبقني على فرع الشركة في المنصورة". أردف بها وهو يغادر سيارته متوجهًا لداخل المستشفى. أغلق الهاتف بوجهه دون انتظار رده، وأرسل له عنوان المستشفى ورقم غرفة "سلسبيل".
سار بخطواته الواثقة حتى وصل لمكتب الطبيبة المشرفة على حالتها، طرق الباب ودلف للداخل دون انتظار إذن. "خير يا عبد الجبار بيه؟! .. المدام حصلها حاجة؟! "أني اللي چاي أسألك عنِها.. كيفها دلوجيت يا دكتورة؟! قالها بهدوء عكس ملامح وجهه الغاضب. تنحنحت الطبيبة بخوف من قسماته العابسة بشدة قائلة بعملية. "هي الحمد لله بقت كويسة وتقدر تروح مع حضرتك أول ما المحلول اللي في ايدها يخلص".
رمقها "عبد الجبار" بنظرة جعلت قدميها ترتجف من الخوف، فهي تقف أمام رجل الأعمال "عبد الجبار المنياوي" أشهر من النار على علم، وتحدث بلهجة حادة لا تقبل الجدال. "الهانم معوزهاش تخرج انهارده غير لما أبلغك بنفسي، وممنوع يدخل عندها أي مخلوق غيرك أنتي". حركت رأسها له بالإيجاب. ليصمت هو للحظة، وتابع بصوتٍ أكثر لينًا بعدما ابتلع لعابه بصعوبة، وقد تسارعت دقات قلبه بجنون وهو يقول.
"وأريدك كمان تعرفيلي إذا كانت الهانم حامل ولا لا وتبلغيني طوالي على الرقم ده". وضع يده بجيبه وأعطاها الكارت الخاص به، وسار من أمامها بخطواته الغاضبة عائدًا لسيارته، ينتظر قدوم طقم الحرس حتى يتمكن هو من الذهاب. ليصدح رنين هاتفه مرة أخرى، برزت عروقه واحمرت عينيه حين لمح اسم "حسان"، ضغط على الهاتف كاد أن يحطمه مغمغمًا بصوته الصلب. "خير يا حسان؟! جاوبه "حسان" وهو يلوك الطعام بفمه بصوتٍ مقزز.
"أم اللي إسمه چابر تعيش أنت يا كبير". يا الله!!! ما هذا اليوم العجيب الذي يمر على الجميع. أطبق "عبد الجبار" جفنيه بعنف وهو يتخيل رد فعل "سلسبيل" التي ستظل بنت قلبه حتى بعد طلاقها منه. "لن يكسر الله بخاطرك إلا ليرضيك بخيرٍ لم تكن تراه". ألقتها "عفاف" مرارًا وتكرارًا على سمع "سلسبيل" الساكنة داخل حضنها تبكي وتئن بضعف، بقلبٍ منكسر وروحًا ممزقة.
رغم أنها كانت على يقين أن "عبد الجبار" لن يفضل أحدًا على ابنتيه، حتى لو كان قلبه العاشق لها، سينتزعه ويستأصله من جذوره فداءًا لهما، وهذا كان غرضها بالأساس، ضغطت عليه بنقطة ضعفه حتى تجبره على طلاقها من شدة خوفها عليه وعلى جنينها الذي لم تتأكد من وجوده بعد. حسمت أمرها بالابتعاد عنه، لأول مرة تتخذ قرارًا بحياتها وتنفذه، لكنه أصعب وأقسى قرار أصابها بضربة قوية كادت أن تصيبها بمقتل. حاولت السيطرة على حدة بكائها وهي تقول.
"زعلانة منه أوي يا دادة.. وفي نفس الوقت زعلانة عشانه وقلبي بيتقطع عليه". تنهدت "عفاف" بحزن على حال تلك الصغيرة، لكنها تحدثت بتعقل قائلة.
"أنتي كنتي عارفة أنه هيختار بناته يا سلسبيل.. لو كان صدق كلامك اللي قولتي على خضرا معنى كده إنه مش هيخليها على ذمته بعد ما عرف أنها عايزة تقتله وأقل حاجة يعملها أنه هيطلقها.. بس هو كدب نفسه اللي هي أنتي نفسه دي لأن مهما أم بناته عملت مش هينفع يطلقها عشان خاطرهم وبصراحة أنا احترمته لأنه مطلعش أناني في حبه ليكي واختارك على حساب بناته اللي هتبقى وصمة عار بالنسبالهم في الصعيد أن أمهم مطلقة من أبوهم".
ابتسمت "سلسبيل" ابتسامة يملؤها الوجع وهي تقول. "وهو مش أي أب يا دادة.. مافيش في حنيته ولا خوفه على بناته.. عبد الجبار أحسن أب شفته في الدنيا كلها بعد ما كنت فاكرة أن كل الرجالة ملهاش قلب زي أبويا". احتضنت "عفاف" وجهها بين كفيها وهي تقول بثقة. "ربنا هيعوضك خير يابنتي.. مش عايز اكي تزعلي.. واتأكدي أن اللي حصل ده خير ليكي لأن رب الخير لا يأتي إلا بالخير". قالت "سلسبيل" وهي تحاول السيطرة على بكائها.
"ونعمة بالله.. الحمد لله.. أنا راضية والله يا دادة عفاف وبحمد ربنا إنك معايا وبتقويني بكلامك اللي بيطمن قلبي". ساد الصمت المطعم بالتنهيد للحظات، قطعه صوت طرقات على باب الغرفة، يليه دخول الطبيبة التي تكللت الابتسامة وهي تقول. "عاملة أيه دلوقتي يا مدام سلسبيل؟ أجابتها "سلسبيل" قائلة. "الحمد لله يا دكتورة أنا بقيت أحسن والمحلول خلص.. ممكن تشلي الحقنة دي من إيدي.. عايزة أخرج من هنا". تطلعت لها الطبيبة بأسف مصطنع قائلة.
"مش هينفع تخرجي دلوقتي.. لسه في محلول كمان غير اللي خلص ده تكملة للعلاج هركبهولك عشان ميحصلكيش أي إغماء". كانت تتحدث وهي تتخلص من المحلول الفارغ، وبخفة يد شديدة قامت بسحب عينة دماء من يد "سلسبيل" المبتعدة بوجهها عنها بخوف تجنبًا من رؤية الحقنة المنغرسة بكفها. "عبد الجبار".. تحرك أخيرًا بسيارته تجاه فرع شركته بالمنصورة بعدما ترك طاقم من أكفأ الحراسات الخاصة داخل وخارج المستشفى المتواجدة بها طليقته.
تأهب جميع العاملين فور رؤية سيارته الفارهة، وهرول تجاهه حشد هائل لاستقباله حتى وصل لمكتبه الفخم الذي كان ينتظره بداخله إحدى القيادات الهامة ومعه سارق هاتف زوجته الواقف بين رجال الأمن مقيدًا بالأساور الحديدية. "نورت المنصورة يا عبد الجبار باشا". مد "عبد الجبار" يده له بالسلام الحار، وهو يقول. "منورة بيكم يا سيادة العقيد". أنهى جملته، وتوجه بنظره تجاه ذلك السارق الذي انكمش على نفسه بخوف من نظرته المخيفة.
سار نحوه بخطوات هادئة عكس البركان الغاضب بداخله، وقف أمامه بطوله المهيب، وتحدث بهدوء ما قبل العاصفة قائلاً. "أتكلم.. أني سامعك". "ح ح حسان.. والله العظيم حسان هو اللي طلب مني أعمل كده يا جناب البيه". فتح "عبد الجبار" فمه ليتحدث، لكنه أغلقه ثانيةً حين صدح رنين هاتفه برقم الطبيبة المشرفة على حالة "سلسبيل" فضغط زر الفتح بلهفة ليأتيه صوتها تقول. "عبد الجبار بيه أنا عملت اختبار الحمل لـ سلسبيل هانم".
صمتت لوهلة كانت بمثابة أعوام لذلك العاشق الذي أوشك قلبه على مغادرة ضلوعه من عنف دقاته حين تابعت الطبيبة. "ألف مبروك المدام حامل!!!!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!