الفصل 6 | من 20 فصل

رواية جبر السلسبيل الجزء الثاني الفصل السادس 6 - بقلم نسمة مالك

المشاهدات
21
كلمة
2,530
وقت القراءة
13 د
التقدم في الرواية 30%
حجم الخط: 18

كانت "سلسبيل" في حيرة شديدة من أمرها، لا تعلم من أين تبدأ الحديث، كل ما فكرت فيه وجهزته لتخبره به تبخر من عقلها فور رؤيته مقبلًا عليها بلهفة هكذا. قطع "عبد الجبار" المسافة بينه وبينها بخطوتين لا ثالث لهما، وبلمح البصر وجدت نفسها مرفوعة بين ذراعيه بمنتهى الخفة كأنها لا تزن شيئًا. جلس هو مكانها على الفراش واحتوى جسدها الصغير بأكمله داخل حضنه. "كيفك دلوجيت؟!

" همس بها داخل أذنها بصوته المزلزل الذي يبعثر كيانها كله دفعة واحدة. انكمشت على نفسها بين يديه، أراحت رأسها على موضع قلبه النابض بعشقها وحدها، تنهدت براحة وهي تقول بخفوت: "أنا الحمد لله بقيت كويسة.. أطمن". مسد على طول ظهرها بكف يده الضخمة يضمها له بقوة مرددًا بتساؤل: "هتعاودي معايا على الدار.. مش أكده يا سلسبيل؟

أطبقت جفنيها بعنف تكبح عبراتها التي تجمعت بعينيها، أخذت نفسًا عميقًا قبل أن ترفع وجهها ببطء ومن ثم عينيها الحزينة، وتطلعت له بابتسامتها التي تُذيب قلبه المتيم بها. تأملت ملامح وجهه الجذاب رغم صلبته وصرامته، وتحدثت بأسف قائلة: "مش هينفع.. مش هينفع أرجع معاك ولا حتى أرجع على ذمتك تاني يا عبد الجبار". رأت عيناه تتسعان بغضب، وتبرز حولها الشعيرات الدموية بخطورة. مع ذلك تحدثت بتأنٍ بالغ دون

أن يخيفها الوضع أو تحذيره: "جوازي منك كان بالنسبة ليا طوق النجاة اللي هينقذني من جبروت أبويا اللي مش عارفة إيه سبب قسوته عليا بالشكل ده لحد دلوقتي.. وجوازك أنت مني كان غلطة ولازم تصلحها وترجع لمراتك اللي هتجنن من غيرتها عليك ولبناتك وتنساني خالص من حياتك". صمتت لبرهة تحاول السيطرة على حشرجة صوتها الذي اختنق بالبكاء بسبب نظراته العاشقة لها، وتابعت

بألم نجحت في إخفائه: "ليها حق أبلة خضرا في غيرتها المجنونة عليك.. وفي تهديدها ليا لو مبعدتش عنك". عقد حاجبيه بدهشة مغمغمًا: "تهديد إيه اللي بتتكلمي عنه!!! انسحبت الدماء من وجهها، وبدا الرعب والفزع ظاهرًا على قسماتها وهي تجيبه بصوتٍ

مرتجف: "أبلة خضرا بتهددني بيك.. غيرتها عليك عمتها وقست قلبها وبتهددني أنها هتقتلك لو فضلت على ذمتك.. ولما قولتلها إنك مش هطلقني بسهولة قالتلي أرفع خلع.. وخلتني عملت لجدي توكيل وطلبت منه يرفع لي قضية خلع عليك.. عشان خوفت منها.. خوفت تنفذ تهديدها وتعمل فيك حاجة يا عبد الجبار".

أطبق السكون حولهما فور انتهاء حديثها. بقي "عبد الجبار" يتطلع لها بصمت أثار بقلبها الريبة. كانت ملامحه المتلهفة تحولت لأخرى جامدة، شعرت بجسده يتخشب من حولها. حبست أنفاسها حين وجدته يبعدها عن حضنه، وضعها ثانيةً على الفراش، وانتصب واقفًا مبتعدًا عنها. حينها شعرت ببرودة لفحتها بفعل نهوضه ومفارقته إياها فجأة هكذا. "اممم.. يعني أم فاطمة قالتلك إنها هتقتلني لو فضلت على ذمتي!!! " تمتم بإيجاز تغلفه قساوة غريبة.

حركت "سلسبيل" رأسها له بالإيجاب. وقد زحف القلق لقلبها من نظرات العتاب الذي يرمقها بها. "حديثك ده يخليني أقل حاجة أعملها إني أرمي اليمين على أم بناتي اللي قوتك على عملتك السودة برفع قضية خلع على رجلك اللي بيتمنى لك الرضا وشايلك جوه قلبه قبل عينيه!! " قالها باقتضاب لا يخلو من الجمود. ومال عليها بجزعه مستندًا بكفيه على الفراش من حولها،

وتابع بألم حاد: "وأنتي نايمة في حضني ييجيني تليفون يبلغني بالقضية اللي رايدة ترفعيها عليا خليتي عقلي يجن مني وأرمي عليكي اليمين من حرقة قلبي.. كنت فاكر إني بكده هطفي النار اللي جوه قلبي من ناحيتك.. بس النار دي زادت ببعدك عني ومقدرتش يا سلسبيل ورديتك على ذمتي في وقتها". بكت "سلسبيل" وهي تقول بندم: "أنا آسفة على اللي عملته.. أنا غلطت في حقك وأنت متستاهلش مني كده.. بس والله أنا عملت كده من خوفي عليك يا عبد الجبار".

أخذ نفسًا عميقًا وزفره على مهلٍ مردفًا بنفاذ صبر: "بكفياكي بكى عاد.. وخليني ننسى كل اللي حصل وهاخدك من هنا على بيت جديد هيبقى ليكِ لوحدك وملكيش صالح بحديث خضرا واصل".

من أجلها تنازل عن كبريائه وكرامته لأول مرة بعمره، حتى لا يخسرها هي. لا يريد سوى أن تظل زوجته حتى لو كان ما تقوله عن تهديد "خضرا" حقيقة وكلفه الأمر حياته. كانت تتمنى أن توافقه على حديثه هذا، لكن خوفها عليه كان أكبر من احتياجها له، خاصةً بعد علمها بأنها ربما تكون حاملة في أحشائها منه طفلهم الأول. تمكن منها الذعر أكثر وهي تتخيل رد فعل ضرتها على خبر حملها، بالتأكيد ستقتلها هي وجنينها في الحال. وجدت نفسها تحرك

رأسها بالنفي مرددة ببكاء: "لا.. لا.. أنا وهي مش هينفع نبقى على ذمتك.. يا أنا يا هي يا عبد الجبار.. لكن إحنا الاتنين مع بعض مش هينفع.. لازم تختار بينا". ما تفوهت به الآن هي على دراية كاملة بما سيكون اختياره، تعلم أنها وضعت نفسها في مقارنة خاسرة، بالرغم من عشقه لها، لكن ابنتيه يفضلهما دائمًا عن نفسه، وهي على يقين أنه لا ولن يفرط بهما مهما فعلت أمهما. "بتلوي دراعي يا سلسبيل!!!

" نطق بها مذهولاً من حديثها الذي بدأ يفقده صوابه، وقبض على ذراعها بكف يده بقوة ألمتها مكملاً بغضب عارم تمكن منه: "بتخيريني بينك وبين خضرا!! مقدرش أصدق يعني هي كانت على حق وإني كدبتها ودفعت عنك لما قالتلي إنك هتخليني أطلقها بعد كل اللي عملته وياكِ.. أخرتها عايزة تخربي بيتها وتقعي بيني وبينها.. فاكراني شخشيخة في إيدك عاد وهجري أنفذ حديثك الماسخ ده وأطلق مراتي أم بناتي!!!

انفجرت "سلسبيل" في وجهه صارخة بعدما صدمها حديثه ونظرته لها التي تحولت للنقيض، يرمقها بنظرة خذلان، يخبرها أنها خذلته وسقطت من نظره بقولها المتهور هذا. "وهي عملت أيييه معايا يا عبد الجبار ولا أنت نفسك عملت إيه معايا؟! أنا كنت لعبة في إيدك أنت وهي.. اختارتني ليك أنا بالذات عن كل حريم الدنيا لأنك اتفقت مع الدكتور يفهمها إني مريضة ومش هقدر أخلف ولا هعيش أساسًا!!!

استجمعت قوتها، ورفعت يدها دفعته بصدره بعيدًا عنها بكفها الصغير، وتابعت بغصة مريرة يملؤها الأسى: "يا ريتني كنت مت واترحمت من البهدلة دي كلها.. أنا خلاص جبت أخرى من أبويا ومراتك وأمك ومنك أنت كمان يا عبد الجبار.. مش هشوف راحة طول ما أنا وأم بناتي على ذمتك". "وأني مش هطلق خضرا يا سلسبيل" قالها "عبد الجبار" بنبرة جادة لا تحمل الجدال. ابتسمت "سلسبيل" ابتسامة تخفي خلفها حزنها وكسرتها مرددة بأسف: "يبقى أنت كده هتطلقني أنا".

*** كانت "سعاد" تبكي بنحيب وقد تمكن من قلبها الخوف وهي تتخيل رد فعل "جابر" إذا علم أنها وراء هروب "سلسبيل" بعدما استمعت لحديثها تقول أنها ستحدث والدها حتى يأتي ويأخذها. وأيضًا لم تسلم من حديث "فؤاد" الذي صب جم غضبه عليها، وظل يلقي على سمعها كلمات دبت الرعب بأوصالها أكثر.

"أنتي السبب في اللي حصل لبنت أختك زي ما كنتي السبب في جوازة أمها عشان تسد ديون جوزك للمفتري قناوي اللي خد أختك الصغيرة تخليص حق.. خدها موتها بقسوته عليها، ودلوقتي مبتفكريش غير في ابنك وعايزة ترميله بنته عشان يموتها زي أمها.. أنتي قلبك ده إيه يا سعاد.. حجر.. مبتحسيش!!! "كفاية يا بابا أبوس إيدك.. كفاية جلد فيا" همست بها "سعاد" بصعوبة من بين شهقاتها،

وتابعت قائلة: "أنا مكنتش أعرف أن قناوي ده هيعمل في أختي كده.. لو كنت أعرف أنه جبروت بالشكل ده مكنتش وافقت ولا أنا ولا أبو جابر الله يرحمه.. ولما قولت إني هكلمه يجي ياخد سلسبيل كنت بهزر بس لكن والله ما كنت هكلمه.. وخوفي على ابني ده غصب عني.. مش بخاطري.. مش هقدر أشوفه الراجل التالت في حياة مراته وهو يا حبيبي ما اتخطبش ولا حتى حب واحدة غيرها.. معلق نفسه وقلبه بواحدة ياريتها حتى بتبادله مشاعره ناحيتها.. وكمان بتحب طليقها!!

عايزني أعمل إيه وأنا شايفة ابني وحيدي واقع الواقعة السودة دي.. قولي يا بابا عايزني أقف أتفرج عليه؟!! قطعت حديثها فجأة، وارتفع صوت نشيجها وقد داهمها دوار عنيف أفقدها توازنها، وأصبحت تترنح يمينًا ويسارًا. حاولت الاستناد على أي شيء حولها، لكنها سقطت أرضًا مستندة بظهرها على الحائط.

"سعاد.. مالك يا بنتي" قالها "فؤاد" وهو يهرول مسرعًا تجاه مصدر الصوت، باحثًا عنها كالمجنون، وقد سقط قلبه بسقوطها، فبدأ يبكي وهو يتحسس بيده المكان من حوله حتى وصل إلى يدها الملقاة بجوارها، لينصدم من برودة بشرتها الشديدة، وهمسها الضعيف تقول بوهن: "دوا الضغط والسكر.. الحقني بدوا يا بابا". قال "فؤاد" بصوتٍ مرتعش، بل جسده كله أصبح ينتفض بذعر، وقد شعر بالندم لأنه قسا عليها.

"هو فين.. قوليلي حطاه فين وأنا أجبهولك" لم تستطع "سعاد" الرد عليه، وقد بدأت تغيب عن الوعي بعدما داهمها دوارها بقوة أكبر. شعر "فؤاد" أنه على حافة الجنون بعدم ردها عليه، مما يعني أن حالتها تدهورت وهو عاجز عن إسعافها. ليرأف الله بحاله، وصدح صوت رنين هاتف ابنته، فهرول راكضًا تجاه الصوت، وأسرع بالضغط على زر الفتح مرددًا بلهفة ظنًا منه أن المتصل حفيده. "جابر.. ألحق أمك يا ابني".

"مالها ماما سعاد يا جدو" صرخت بها "صفا" ابنة زوج "سعاد". أجابها "فؤاد" بصوتٍ باكي يدل على شدة فزعه: "وقعت من طولها يا بنتي وقالتلي الحقني بدوا الضغط بس أنا مش عارف مكانه.. مش عارف ألحقها وجابر كمان مش هنا وأنا لوحدي مش عارف أتصرف". انتفضت "صفا" من مكانها، خطفت أسدالها ارتدته بلمح البصر، وركضت بأقصى سرعة تملكها مرددة بأنفاس لاهثة

وقد بدأت تبكي هي الأخرى: "أنا هجيب العلاج وأجيلك حالاً.. بس أديها أي حاجة مسكرة على ما أوصل". *** كانت تمنعه "عفاف" بشق الأنفس حتى لا يقتحم الغرفة على "سلسبيل" بعدما استمع لصوت صراخها الباكي. "سيبهم يا ابني يتعاتبوا مع بعض.. متدخلش بينهم عشان المشكلة متكبرش أكتر.. لأنهم في الآخر واحد ومراته والداخل بينهم خارج" أردفت بها "عفاف" بتعقل وهي تقف أمامه تمنعه من الوصول لباب غرفة "سلسبيل".

اصطك "جابر" على أسنانه كاد أن يهشمها، وكور قبضة يده ولكم الحائط بجواره عدة مرات متتالية ينفس عن غضبه العارم. ليتوقف بصدمة حين وصل لسمعه صوت "عبد الجبار" يقول بصوته الأجش: "أنتي طالق يا سلسبيل!!!!

ساد الصمت لدقائق بعد جملته هذه التي أصابت الجميع بصدمة، فقدتهم النطق وحتى الحركة. لم يقطع هذا الصمت سوى صوت رنين هاتف "جابر" الذي صدح تزامنًا مع فتح باب الغرفة وخروج "عبد الجبار" كقذيفة نيران متوهجة. سار من جانبه دون النظر إليه بنظرة عابرة حتى، كان سيره حثيثًا أقرب إلى الهرولة من شدة انفعالاته المتضاربة. "أيوه يا جدي!! " نطق بها "جابر" بصوتٍ يملؤه الفرحة، ليأتيه صوت "فؤاد"

يقول ببكاء: "جابر.. أنت فين يا ابني.. تعالي ألحق أمك وقعت من طولها". انقطعت أنفاسه حين استمع لصوت جده الباكي، وتباطأت دقات قلبه بعد ما تفوه به، وأصبح في حيرة من أمره، أيدخل لـ "سلسبيل" التي بدأت تبكي بصوت أشبه بالصراخ، أم يذهب لوالدته؟!! وجه نظره لـ "عفاف" التي أسرعت بلهفة تجاه غرفة "سلسبيل" وهمس بأسف: "أمي وقعت ولازم أروح ألحقها".

"روح لها أنت يا ابني وأنا هفضل مع سلسبيل.. متقلقش عليها" قالتها "عفاف" قبل أن تدلف لداخل الغرفة، وتغلق الباب خلفها. تحرك "جابر" على مضض راكضًا لخارج المستشفى، ومن ثم نحو سيارته، قفز بداخلها وبدأ يقودها بأقصى سرعة ممكنة وهو يقول: "أنا جاي حالاً يا جدي". غافلاً عن أعين "عبد الجبار" الذي كان مازال يجلس داخل سيارته يلكم المقود بقبضة يده، ويصرخ بهياج بصوت مكتوم من شدة ألم قلبه الملتاع. بينما بداخل غرفة "سلسبيل"..

"طلقني.. قولتله الحقيقة كدبني وصدق خضرا واختارها هي وطلقني رسمي يا دادة" قالتها "سلسبيل" ببكاء يقطع نياط القلوب وهي تطلع بحسرة لورقة طلاقها الذي وقعها "عبد الجبار" وألقاها بوجهها.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...